قال تعالي في سورة الزمر : { وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } [ الزمر : 70 ] .
سؤال : لماذا قال أولا : ( ما عملت ) ثم قال : ( بما يفعلون ) فذكر العمل أولا , ثم ذكر الفعل بعد ذلك ؟
ولماذا أخبر بالفعل الماضي أولا , فقال : ( ما علمت ) ثم أخبر بالمضارع بعد ذلك , فقال : ( بما يفعلون ) ؟
الجواب : الفعل أعم من العمل , فإن العمل يكون بقصد , وأما الفعل فيكون بقصد أو بغير قصد , ويصدر عن العاقل وغيره , من الانسان والحيوان والجماد . وقد بدأت الآية بالعمل وختمت بالفعل ؛ ليدل علي أنه سبحانه يعلم العمل والفعل كليهما , ما فعل بقصد أو بغير قصد , وسواء كان عن علم , أم بدون علم .
أما الإخبار بالماضي في قوله : ( بما عملت ) ؛ فلأن ذلك جري في ذكر أحوال الآخرة , قال تعالي : { وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [69] وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } [ الزمر : 69 – 70 ] .
وأما الإخبار بالمضارع بعد في قوله : { وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } ؛ فلأنه تقدم السياق في الكلام علي الدنيا لذكر ما يحدث في الآخرة , وذلك قوله تعالي : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [67] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ } [ الزمر : 67 – 68 ] .فالتفت في قوله : { وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } إ
إلي السياق في الدنيا , فذكر علمه بما يفعلون .
وإذا كان قوله : { وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } إخبارا عن ماض , فيكون من باب حكاية الحال , كقوله تعالي : { قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ } [ البقرة : 91 ] .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 98)
قال تعالي في سورة فصلت : { حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [20] وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ } [ فصلت : 20 -21 ] .
سؤال : لماذا خص هؤلاء سؤال الجلود , مع أن السمع والبصر شهدا عليهم أيضا ؟
الجواب : إن الجلود هي التي تذوق العذاب وينالها منه القسط الأكبر , كما قال تعالي : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ } [ النساء : 56 ] . فاستغربوا أن تشهد الجلود مع أنها هي التي سينالها العذاب فسألوها لذلك .
جاء في ( روح المعاني ) : " قيل : إن ما تشهد به من الزني أعظم جناية وقبحا من جلب الخزي والعقوبة , ومما تشهد به من السمع والابصار من الجنايات المكتسبة بتوسطها ... أو لأنها هي مدركة العذاب بالقوة المودعة فيها كما يشعر به قوله تعالي : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ } " .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 99)
قال تعالي في سورة الجاثية : { وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [7] يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [8] وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [9] مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئاً وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [10] هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ } [ الجاثية : 7 – 11 ] .
سؤال : ما علاقة اختيار كل فاصلة بسياقها ؟
الجواب : : الأفاك : الكثير الكذب , والذي ينصرف من الحق إلي الباطل . الأثيم : الكثير الإثم المبالغ فيه . الرجز : : القذر مثل الرجس , والرجز هو العذاب المقلقل لشدته وله قلقلة متتابعة , والرجز كالزلزلة .
فذكر في الآية الأولي - أي السابعة – صفة من يستحق العذاب , بأنه أفاك كثير الكذب , وينصرف من الحق إلي الباطل , وأنه كثير الإثم مبالغ فيه . وبين له صفة اخري , وهي أنه يسمع آيات الله تتلي عليه , ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها إلي بقية الصفات الأخري المذكورة في الآيات بعدها .
ولما ذكر في الآية الثامنة أنه يصر مستكبرا كأنه لم يسمع الآيات , قال : { فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ } لعله يسمع هذه البشري , فقال : { فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي أسمعه هذه البشري , وهي العذاب الأليم , وهذه العذاب الأليم يقمع استكباره الكاذب . وهذه البشري استهزاء به يليق باستكباره , والجزاء من جنس العمل . وقال في الآية بعدها : { وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } [ الجاثية : 9 ] , والعذاب المهين مناسب لاستهانته واستهزائه بآيات الله . والعذاب المهين هو المشتمل علي الاذلال والفضيحة .
جاء في ( روح المعاني ) : " وصف العذاب بالاهانة توفية لحق استكبارهم واستهزائهم بآيات الله عزوجل " . وهذا العذاب المهين إنما هو واقع في الدنيا والآخرة فعذاب الدنيا بالقتل والاسر , ولهم عذاب مهين في الآخرة , يدل علي ذلك قوله سبحانه : { مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئاً } , وقال في الآية بعدها : { مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئاً وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
فذكر أن لهم عذابا عظيما وهو أشد العذاب . وهو – كما قيل – لا يدع جهة من جهاتهم , ولا زمانا من أزمانهم , ولا عضوا من أعضائهم إلا ملأه ؛ ذلك أنها في المشركين الذين اتخذوا من دون الله
أولياء , وهي الأصنام والمعبودات الباطلة .
ولما كان هؤلاء مشركين ؛ استحقوا أشد العذاب وأعظمه , فناسب العذاب وصفهم . ثم قال بعدها : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ } . وهو العذاب المقلقل لشدته , وله قلقلة شديدة متتابعة .
والرجز هنا كالزلزلة ؛ أي ولهم عذاب من الرجس والقذارة بليغ الايلام متتابع , ذلك أنهم كفروا بآيات ربهم , والآيات متتابعة والرجز متتابع . ولما خصص الكفر بآيات ربهم خصص العذاب بأنه من رجز . ولما كانت الآيات متتابعة كان العذاب متتابعا .فما أجل هذه المناسبات وأعظمها !
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 100)
قال تعالي في سورة الفتح : { لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } [ الفتح : 9 ] .
سؤال : الضمائر في قوله : { وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } علي من تعود ؟أعلي الله أم علي الرسول , وإذا كانت تعود علي الرسول , فكيف يصح عطف ( وتسبحوه ) عليها والتسبيح لله ؟
الجواب : الضمائر كلها – كما هو الأولي والأظهر – تعود علي الله .
فمعني ( عزره ) عظمه ونصره , ومعني التعزير النصر باللسان والسيف . وعلي هذا فإن قوله : ( تعزروه ) يعني : تنصروه باللسان والسيف . قال تعالي : { إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [ محمد : 7 ] .
ومعني ( توقروه ) تعظموه , والتوقير معناه التعظيم . قال تعالي : { مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } [ نوح : 13 ] . أي ما لكم لا تخافون الله عظمة . وعلي هذا فإن الضمائر تعود علي الله وهو الأولي ؛ لئلا يلزم فك الضمائر من غير ضرورة . وجوز بعضهم أن يكون بعضها للرسول – صلي الله عليه وسلم - . ولكن الأولي ما ذكرناه .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 102)
- قال تعالي في سورة ( ق~) : { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ [12] وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ [13] وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [14]} [ ق : 12 – 14 ] .
سؤال : ذكر ( إخوان لوط ) في الآية الثالثة عشرة , ولم يرد مثل هذا التعبير مع غيره من الانبياء . فلم يرد ( إخوان هود ) أو غيره , فلم ذاك ؟
الجواب : إن قوم لوط يختلفون عن بقية الأقوام جميعا , لأن معصيتهم إنما تخص الرجال , ذلك أنهم كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء , وهذه خاصة بالرجال .
وكلمة ( إخوان ) هي للذكور ولا تشمل الإناث , فلذلك جاء بها معهم خاصة , بخلاف معاصي أقوام الانبياء الآخرين , فإنها تعم الرجال والنساء فيأتي بكلمة ( قوم ) معهم .
غير أنه يذكر قوم لوط حين يذكر العقوبة والهلاك . قال تعالي في سورة الشعراء : { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ } [ الشعراء : 160 ] ثم ذكر هلاكهم وتدميرهم , فقال : { فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ [170] إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ [171] ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ [172] وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [173]} [ الشعراء : 170 – 173 ] .
وذكر نحو ذلك في سورة هود , فقال : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ } [ هود : 74 ] , ثم ذكر تدميرهم وهلاكهم , فقال : { فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ [82] مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [83]} [ هود : 82 : 83 ] .
ونحو ذلك ورد في سورة القمر , قال تعالي : { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ [33] إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ [34]} [ القمر : 33- 34 ] إلي أن يقول : { لب وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ [38] فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ } [ القمر : 38 – 39 ] فبان الفرق .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 103)
قال تعالي في سورة الطلاق : { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } [ الطلاق : 4 ] .
وقال فيها أيضا : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى [6] لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } [ الطلاق : 6 – 7 ] .
سؤال : قال سبحانه في الآية الأولي : { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ } بالجمع ( الأحمال ) , وقال في الآية الأخري : { أُولَاتِ حَمْلٍ } بالافراد ( حمل ) فلم ذلك ؟
الجواب : إن الآيتين كلتيهما في المطلقات , وغير أن الآية الأولي عامة ليس بينهن تفاوت , فأولات الأحمال جميعا اجلهن وضع الحمل .
وأما الآية الأخري فأولات الأحمال متفاوتات من حيث مقدار الانفاق عليهن , فإنه بحسب سعة الزوج , كما قال تعالي في السياق نفسه : { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } [ الطلاق : 7 ] . وهن متفاوتات أيضا من حيث التوافق علي الارضاع أو التعاسر ونحوه كما قال تعالي : { وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى } [ الطلاق : 6 ] .
فالآية الأولي تعم جميع أولات الأحمال ,والثانية لا تعم الجميع , بل بينهن اختلاف . فليست أولات الأحمال متساويات في ذلك , بل هن متفاوتات من حيث مقدار الانفاق عليهن , ومن حيث التوافق علي الارضاع .
ولا شك أن هذه الحال أقل من العموم , فهن لا يتقاضين نفقة واحدة , وليست كلهن متفقات علي الارضاع . فلما اختلف الوضع وشمل بعضادون بعض , جاء بالمفرد الذي هو أقل من الجميع في الدلالة .
إن الحالة الثانية مرتبطة بأمرين : حالة الزوج المادية , والآخر رغبة الزوجة في الارضاع وعدمه .
واما الحالة الأولي لإامر عام لا يعود إلي رغبة أي من الطرفين , فهو عام يشمل الجميع فجمع لذلك . فناسب كل تعبير موضعه , والله أعلم .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 104)
قال تعالي في سورة التحريم : { وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ } [ التحريم : 3 ] .
سؤال : لماذا قال أولا : { فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ } , ثم قال بعد : { مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا } فاستعمل ( نبأ ) أولا , ثم استعمل ( أنبأ ) بعد ؟
الجواب : إن الفعل ( نبأ ) يقتضي تنبيئا أكثر من ( أنبأ ) كقولنا : ( علم وأعلم ) .
فلما عرف بعض الحديث وأعرض عن بعض , كان كأنما ذكر قسما من النبأ , فقالت له : ( من أنبأك هذا ) ؛ أي هذا الجزء منه . فذكر أن العليم الخبير نبأه به كله .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 106)
قا تعالي في سورة الحاقة : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ [4] فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [5] وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } [ الحاقة : 4 – 6 ] .
سؤال : لماذا قدم ثمود علي عاد مع أن عادا أسبق من ثمود ؟
الجواب : إن التقديم والتأخير قد يكونان بصورة متعددة فقد يكون التقديم من القريب إلي البعيد أو من البعيد إلي القريب , وقد يكون من القليل إلي الكثير أو من الكثير إلي القليل وغير ذلك .
وهاهنا بدا بالأقرب إليهم وهو ثمود , فإنه أقرب إليهم من عاد .وهذا هو السمت الظاهر في هذه السورة , فإنه يبدأ بالاقرب إليهم , فقد قال : { وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ } [ الحاقة : 9 ] فذكر فرعون , وذكر من قبله , وذكر المؤتفكات وهي مدائن لوط وهي الاقدم , فبدأ بالأقرب .
وقال : { إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ } [ الحاقة : 11 ] والكلام علي نوح وهو أقدم من كل المذكورين . ثم قال : { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ [13] وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً [14] فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [15] وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } [ الحاقة : 13- 16 ] . فبدأ بالأقرب إليهم وهي الأرض , ثم السماء , فذكر حمل الأرض والجبال أولا , ثم ذكر بعدها انشقاق السماء .
في حين يبدأ بالسماء ثم الأرض في مواطن أخري .
قال تعالي : { إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ [1] وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [2] وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ [3] وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [4]} [ الانشقاق : 1 - 4 ] . فبدأ بالسماء , ثم ذكر الأرض بعدها . وقال : { إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ [1] وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ [2] وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [3] وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [4]} [ الانفطار : 1 – 4 ] . فبدأ بالسماء ثم ذكر ما في الأرض . وقال : { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [1] وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ [2] وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [3]} [ التكوير : 1 – 3 ] . فبدأ بما في السماء , ثم ذكر ما في الأرض .
علي غير ما ورد في سورة الحاقة , وحتي إنه قال في الحاقة : { فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ [38] وَمَا لَا تُبْصِرُونَ [39]} [ الحاقة : 38 – 39 ] فبدأ بما يبصر وهو الأقرب إليهم , ثم ما لا يبصر مما كان بعيدا , أو له حالة أخري لا تبصرها العيون . فهذا التقديم والتأخير هو السمت العام لهذه السورة .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الجزء الثاني
ص : 108)