عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١٥﴾    [لقمان   آية:١٥]
(وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)) فكرة عامة عن الآية: جاهداك أي بذلا جهدهما على أن تشرك بالله، إذا بذلا جهدهما وحاولا على أن تشرك بالله فلا تطعهما. ثم قال (بي) مقام توحيد هذا لأن هذا موطن التوحيد نفي الشك والقرآن لا يستعمل في مثل هذا إلا مقام الإفراد. في مقام التوحيد ونفي الشرك لا يستعمل إلا ضمير المفرد (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا (15) طه) في القرآن كله في كل مواطن التوحيد يذكر ضمير الإفراد، قال (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي) (مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أبطل الشك من جميع نواحيه وأقسامه. المعلومات على قسمين إما أن يعلم الإنسان أن هذا لا يصلح أن يكون شريكاً لله إما أن يعلم أو لا يعلم. كل ما في الوجود الإنسان أحد أمرين إما أن يعلم أن هذا يكون شريكاً أو لا يكون فإن علِم أنه لا يصح أن يكون شريكاً يكون علِم بقي النفي عما لا يعلم.. كل ما في الوجود بالنسبة للإنسان أحد أمرين إما يعلم أو لا يعلم، إما أن يعلم أن هذا لا يصلح أن يكون شريكاً لله أو لا يعلم بذلك. الذي لا يعلم يعلمه وبقي الذي لا يعلم فقال (مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) تعود على الذي يريد أن يشركه بالله وهو لا يعلم. إذا كنت تعلم أن هذا ليس لا يصلح فأنت تعلم بقي الذي لا يعلم (فلا تطعهما) الذي حصل أنه نهاه عن كل الشرك وكل أقسامه ما علِم وما لم يعلم. إذا نفى ما ليس له به علم فالمنطق أن يكون نفى الذي له به علم لأنه يعرفه. (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (ما) هنا مفعول به للفعل تشرك، الذي تعرفه إشراك، الذي تعرفه أنه لا يصلح فأنت تعرفه. إن جاهداك على الشرك فلا تطعهما. (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) الدنيا يحملها المفسرون على أمرين إما في الحياة الدنيا لأن هذه المصاحبة ستنتهي ستكون في الدنيا ثم ستنتهس ويفترقان في الآخرة وإنما المصاحبة في أمور الدنيا لا في أمور الدين يعني أمور الدين لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. في أمور الدين لا تطعهما بينما في أمور الدنيا قد تطيعهما، صاحبهما في أمور الدنيا لا في أمور الدين. إما في الحياة الدنيا أي ما داما على قيد الحياة فصاحبهما معروفا إلى أن يقضي الله بينهما وتفترقا المقصود تصاحبهما في أمور الدنيا ولا يعارض ذلك الدين أما إذا الأمر تعلق بالدين فلا تطعهما. إذن هي صاحبهما في الدنيا معروفاً لها حالتين: في الدنيا كلها أو في أمور الدنيا. *حينما يتحدث الله تعالى عن العلاقة بين الأفراد والمعاشرات يقول (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (2) الطلاق) وهنا قال (معروفاً) لم يقل بمعروف فلماذا؟ هذا التعبير تدل على عظيم منزلة الأبوين عند الله يعني تصاحبهما في الدنيا مصاحبة هي المعروف بعينه. صحاباً معروفاً يعني ليست مصاحبة للمعروف. لو قال صاحبهما بمعروف يعني أن تكون المصاحبة مع المعروف والباء للإلصاق أو قد تكون للمعية أي مصاحبة للمعروف وليست هي المعروف كله وإنما مصاحبة للمعروف لما قال تعالى (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (231) البقرة) مصاحبة الزوج للزوجة تختلف فأنت تستطيع أن تنهر زوجتك أو ترفع صوتك عليها أو تعضلها أو تضربها أما مع الأبوين فلا يمكن أن يحصل شيء من هذا. قد تصاحب المرأة بمعروف لكن مع هذه المصاحبة بالمعروف قد تنهرها وتزجرها وتؤدبها لكن لا يمكن أن يكون هذا مع الوالدين. إذن هذه معروف وليست بمعروف، صاحبهما مصاحبة هي المعروف بعينه. (معروفاً) تُعرَب مفعولاً مطلق، هو في الأصل وصف للمصدر صِحاباً معروفاً، صاحب فاعل مصدر فاعل فعال ومفاعلة مثل قاتل القتال والمقاتلة، جاهد الجهاد والمجاهدة. *في سورة العنكبوت قال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8)) وفي الأحقاف (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا (15)) ولكن هنا قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) فما اللمسة البيانية في اختيار حُسناً وإحساناً؟ ذكر ربنا سبحانه وتعالى في سورة لقمان قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لم يرد مثل هذا التعبير في آيتي العنكبوت أو في الأحقاف لم يقل وصاحبهما في الدنيا معروفا وإنما ورد التعبير بأسلوب وتعبير آخر. في العنكبوت قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) وفي الأحقاف قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) في لقمان قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ) ما قال لا حُسناً ولا إحساناً ولكن ذكر المصاحبة بدل الحسن والإحسان ذكر المصاحبة (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لم يذكر المصاحبة في آيتي العنكبوت والأحقاف وكل تعبير هو في مكانه أنسب ومناسب للسياق. هو قوله (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لا شك هو أنسب مع السياق لأن السياق في المصاحبات مصاحبة الأبن لابنه وكيف وجهه وكيف ينبغي أن يصاحب الإبن لأبويه وعلّمه مصاحبة الآخرين في المجتمع أن لا يصعِّر خدّه وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هذه كلها في المصاحبات، فالسياق في لقمان في آداب المصاحبات الأب مع ابنه ينبغي أن يوجهه ويعلمه وأن لا يتركه والإبن مع والديه كيف ينبغي أن يتعامل ثم الشخص مع عموم المجتمع كيف ينبغي أن يتعامل في المجتمع مع الآخرين لم يرد مثل هذا السياق لا في الأحقاف ولا في العنكبوت. إذن (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) هو أنسب مع سياق المصاحبة. لماذا قال حسنا وإحساناً؟ في لقمان ذكر أن افتراض أبويه يجاهدانه على أن يشرك بالله (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) إذن إفتراض أن أبويه يجاهدانه على الشرك بالله فطلب المصاحبة بالمعروف. في العنكبوت أيضاً قال (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فلا تطعهما) فلماذا قال حسناً في آية العنكبوت؟ مثلما قال في لقمان (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) في العنكبوت قال أيضاً (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فلا تطعهما) فما الفرق؟ المجاهدة في لقمان أشد على الشرك (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي) وفي العنكبوت قال (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي) وجاهداك على أن تشرك بي أشد حملاً على المجاهدة وأقوى من جاهداك لتشرك (اللام للتعليل) و(على) فيها معنى الحمل والشدة. مثال: لما تقول أنفقتُ عليه لينجح وأنفقتُ عليه على أن ينجح (هذا شرط الإنفاق) وأما الأولى (لينجح هذه لام التعليل)، زوّجتك ابنتي لتعينني (هذه لام التعليل) وزوّجتك ابنتي على أن تعينني (هذا شرط) فيه إشتراط، (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (27) القصص) هذا شرط وفيها إشتراط. فإذن (على أن تشرك بي) المجاهدة فيها أشد من (لتشرك بي). مع الشدة الأقل قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) ومع الشدة الأكثر قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) وفي العنكبوت لم يقل صاحبهما في الدنيا معروفا، إذن قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) هذا مع الجهاد الشديد ولم يقل حسناً. السياق في المصاحبات قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) وفي العنكبوت ليس السياق في المصاحبات فقط الوصية والمجاهدة أقل ولهذا حدد الوصية بـ(حسنا). في لقمان قال (بوالديه) هذا معناه العموم والإطلاق. فلما كان في العنكبوت الجهاد أقل قال حُسناً لكن لم يذكر المصاحبة بالمعروف وفي الجهاد الأشد قال (بوالديه) لم يذكر حُسناً وإنما ذكر المصاحبة بالمعروف في سورة لقمان. في لقمان ما ذكر حُسناً ولا إحساناً ولكن ذكر المصاحبة بالمعروف مع الجهاج بشدة ومع الجهاد الأقل في العنكبوت قال (حُسناً) ولم يذكر المصاحبة لأن السياق في العنكبوت في الحسن من الأعمال. في العنكبوت قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) وفي الأحقاف قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) حتى التعبير (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) كيف قال وصاحبهما في الدنيا معروفا ولم يقل بمعروف لأنه أراد أن المصاحبة هي المعروف بعينه وهنا لما قال (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) يعني الوصية هي الحُسن بعينه لم يقل بالحُسن ولم يقل وصيناه بشيء حسن وإنما جاء بالمصدر (حُسناً). الإتيان بالمصدر له دلالة بيانية أن الوصف أو الإتيان أو الإخبار أو الحال بالمصدر يدل على المبالغة لذلك ليست عندهم قياس (وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ (18) يوسف) كذب مصدر أي هو الكذب بعينه. ومحتمل في غير القرآن أن يقال بدم كاذب أو بالكذب كما يقال هذا رجل زور وهذا رجل صوم وهذا رجل عدل، تقول هذا رجل صائم أي قد يكون صام يوماً أما لو قلنا هذا رجل صوم لا تقال إلا إذا كان الصوم عادة طاغية ظاهرة عنده وهذا يستعمل للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والجمع لفظاً واحداً لأنه مصدر يقال رجال صوم ونساء صوم ورجل صوم وامرأة صوم. المصدر (ووصفوا بمصدرٍ كثيراً فالتزموا الإفراد والتذكيرا). هذا من المبالغة يعني المعاملة في الوصية هي الحُسن بعينه (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) ليس فيها حُسن وليست حسنة جيدة وإنما هي الحُسن بعينه. يبقى السؤال لماذا قال حسناً وإحساناً وكلاهما مصدر؟ يجوز للكلمة أن يكون لها أكثر من مصدر (حُسناً مصدر حَسُن من الفعل الثلاثي وإحساناً مصدر أحسن، أفعل إفعال هذا قياس مثل أكرم إكرام، أعظم إعظام، أجبر إجبار، أكره إكراه) هذان مصدران مختلفان لفعلين مختلفين. حسُن فعل لازم حسُن الشيء في نفسه حًسناً، إحسان أن يتعدى خيره للآخرين أحسنت إليه إحساناً (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ (77) القصص) فرق بين أحسنت إليه وبين عاملته حُسناً، عاملته حُسناً أي المعاملة أو اللقاء كان حسناً لكن لم تفعل له شيئاً أما الإحسان فيتعدى خيره للآخرين أحسنت إليه أي قدمت له معروفاً قدمت له خيراً. ووصينا الإنسان بوالديه حسناً أي عاملهما حسناً أما إحساناً أن تقدم لهما الخير إذن إحساناً أقوى من حُسناً. يبقى لماذا استعمل كل واحدة في مكانها؟ آية العنكبوت (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) هذه الآية (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) الأحقاف) نلاحظ في هذه الآية حملته كُرهاً ووضعته كُرهاً ولم يقل هذا في العنكبوت ولم يقل هذا في لقمان (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) وإنما ذكر الحمل دون الوضع أما هنا فذكر الحمل والوضع وكلاهما كُره فأيهما أشدّ على المرأة؟ قد تحمل شيئاً كرهاً وتضعه بيُسر إذن ذكر في الأحقاف أمرين الحمل والوضع وكلاهما كره ومشقة. هذا فيه مشقة في الحمل والوضع ولم يذكر الحمل أصلاً في العنكبوت وفي لقمان ذكر الحمل ولم يذكر الوضع وقال (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) لم يذكر آلام الوضع ولا مشقة الوضع لكن ذكر جزءاً من آلام الحمل. في لقمان ذكر الحمل وحده وقال (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ)، في الأحقاف ذكر الحمل والوضع وكلاهما كُره وفي العنكبوت لم يذكر الحمل والوضع، إذن أيهما يستحق الإحسان؟ الأحقاف. هذا أمر والأمر الآخر أنه في الأحقاف الوالدان مؤمنان (قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) هذان الأبوان مؤمنان وبعدها قال (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) الأحقاف) في الأحقاف الوالدن مؤمنان وفي العنكبوت ولقمان الوالدان كافران في لقمان (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) وفي العنكبوت (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) بينما في الأحقاف لم يذكر هذا وإنما ذكر آلآم الحمل وآلآم الوضع وأن الأبوين مؤمنان فمن الذين يستحق الإحسان؟ المؤمن يستحق الإحسان. هل يصح في البلاغة أن نضع الإحسان في آية العنكبوت والحُسن في آية الأحقاف؟ لا يمكن. هذا إضافة إلى أن ذكر الحُسن في سياق آية العنكبوت أنسب من الإحسان. في العنكبوت قال (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) ووصينا الإنسان ) حتى يتناسب مع الجزاء، هذا في سياق الحسن من الأعمال. في الأحقاف قال (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)) هذا في سياق الحسن من الأعمال. فإذن العنكبوت والأحقاف السياق في الحُسن من الأعمال فذكر حسنا وإحساناً وفي لقمان السياق في المصاحبة بين الناس والمعاشرة بين الناس فذكر المصاحبة بالمعروف. إذن سواء كان من ناحية السياق أو من ناحية واقع الوالدين كل تعبير هو أنسب في مكانه: الحُسن في العنكبوت والإحسان في الأحقاف والمصاحبة بالمعروف في لقمان. *هل يجوز للرجل العادي الذي ليس له علم بالعربية والبيان والبلاغة كيف له أن يفهم بهذا الشكل؟ هو ليس مكلفاً بأن يفهم بهذا الشكل لكن المهم أن يقرأ لكن إذا كان الشخص يتعالم فينبغي أن يُبين له ما يجهله. هناك أناس يتكلمون بما لا يعلمون فيُبين لهم حتى تقوم الحجة عليه. (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (15) لقمان) لا سبيلهما، صاحبهما في أمور الدنيا وليس في أمور الآخرة ولا تتبع سبيلهما وإنما اتبع سبيل المنيبين إلى الله في الطاعة والعبادة والمعاملة في إقامة شرع الله فيما أنت مكلف به واتّبع سبيل المنيبين إلى الله لا سبيلهما لأنهما مشركان لكن ينبغي المصاحبة بالمعروف. برغم أنه ذكر المصاحبة بالمعروف والوصية بالوالدين إلا أنه يقول واتبع سبيل من أناب إليّ لأن الله سبحانه وتعالى خلق الجن والإنس للعبادة والطاعة ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فكيف تتبع سبيلهما وهما قد عصيا؟ تصاحبهما في الدنيا معروفاً في أمور الدنيا وهم قالوا المصاحبة إما في أمور الدنيا أو في الدنيا ثم تنقطع المصاحبة وكل واحد يذهب في حال سبيله. (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ (15) لقمان) إليّ حصراً لا ترجعون إلى جهة أخرى ولا إلى ذات أخرى وفي هذا إبطال للشرك لا يرجعون إلا إليه حصراً فلماذا الشرك وما يفعل الشركاء؟ إليّ مرجعكم مثل إلي المصير تقديم الجار والمجرور والمبتدأ معرفة وهنا ابتدأ بالخبر ويجوز التقديم. (فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15) لقمان) أي أخبركم ولم يقل فأجزيكم مثلاً لأن ربنا قد ينبئ الإنسان بما عمل ثم يغفر له في الآخرة، يستر عليه قد ينبئ الإنسان بما عمل ثم يجزيه خيراً منه. لم يذكر الجزاء هنا وإنما ذكر الإخبار، قد يكون أحصاها وقد يكون نسيها (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ (6) المجادلة) ربنا ينبئه بما كان يعمل من خير أو شر المؤمن قد يفعل معصية ولمم فينبئه بما عمل ثم يغفر له والحسنة يجزيه بخير منها (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا (89) النمل) أو بعشر أمثالها (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا (160) الأنعام) (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) الزلزلة) إذن هو ينبئ ما ذكر الجزاء ما قال يجزى به وإنما قال يره. هذا حكم عام أن يرى الرجل عمله ليس هذا الجزاء فإن كان مؤمناً يجزيه الله تعالى خيراً مما رأى أو يغفر له يدنيه فيغفر له (سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها عليك اليوم) ويسترها عليه في الآخرة كما سترها عليه في الدنيا. في نفس السورة في مكان آخر لم يكتف بالتنبيه وإنما ذكر الجزاء مع الكافرين (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)) لم يكتف بالتنبيء لأن هؤلاء كفروا، ينبئهم ثم يجزيهم بما عملوا. هناك لم يذكر كفر وإنما كان حكماً عاماً.
  • ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿١٦﴾    [لقمان   آية:١٦]
(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)) *قال (إن تك) ثم قال (فتكن) ما الفرق في حذف النون وإثباتها في الفعل المضارع؟ انتهت وصية ربنا (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ) التي جاءت بين كلام لقمان لابنه وعاد لوصية لقمان لابنه (يَا بُنَيَّ) للتحبيب حتى تكون مظنّة الإستماع والقبول بلطف وحنان بالتصغير وإضافته إلى نفسه (يَا بُنَيَّ) حتى يزيل أي حجاب بينهما. مقام الحب بين الإب وابنه وفي قصة نوح مع ابته العاصي قال (يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42) هود) هذه عاطفة الأب أراد أن ينقذه وكان ابنه مع الكافرين لعله عندما يأتي انبه للجماعة المسلمة ويتركه الذين أضلوه قد يستفيد وبرغم تعارض الموقفين إلا أن عاطفة الأبوة واحدة لا تختلف. إذن (يَا بُنَيَّ) للتحبيب والتقريب. (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) (إنها) قسم قال هو ضمير القصة أي الأمر أو المسألة أو الفعلة أو الخصلة. (فتكن في صخرة) بإثبات النون. لما قال (إن تك) لم يذكر مكاناً لها (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) ولما قال (تكن) ذكر مكاناً لها (فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ)، لم يذكر المكان فلم يذكر النون وذكر المكان فذكر النون. حذف النون له ضوابط ولكن في الجواز ولا يجب الحذف. هذا الفعل (يكون) إذا كان مضارعاً مجزوماً علامة جزمه السكون (هذا شرط) وبعده حرف متحرك (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) على أن لا يكون ضميراً متصلاً مثل (تكُنْهُ) في هذه الحالة يجوز الحذف (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) مريم) مضارع مجزوم بالسكون بعده متحرك، (وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) مريم) يجوز ومواطن الجواز تلمس لها القدامى أسباباً بيانية. لما حذف الأماكن حذف النون، (إنها إن تك) لا مكان لها (فتكن في صخرة) استقرت فصار لها مكان. هناك أمر آخر هي فيها قراءة أخرى (فتكِن) من وَكَن يكِن أي دخل الطائر عُشّه والوَكْن هو العُشّ يعني تستر في صخرة وفي قراءة (فتكِنّ في صخرة) من كنّ يكِنّ، كلها مما يقوي ذكر النون، إذا كانت تكِن من وكن وإذا كانت تكِنّ تذكر النون وتكن النون مذكورة فكل القراءات النون مذكورة. لماذا الصخرة؟ الصخرة لا بد أن تكون في السموات والأرض هناك صخور في السموات في المشتري وزحل. (في صخرة) يعني استخلاص الشيء من باطن الصخرة أمر عسير. إذا أردت أن تحفظ شيئاً لا ترميه في ساحة الدار وإنما تضعه في صندوق وإذا أردت المبالغة في حفظه تضعه في حقيبة ثم في خزانة وإذا أردت المبالغة أكثر تضعه في حقيبة داخل حقيبة في خزانة وإذا أردت أن لا يصل إليه أحد قد تأتي بقفل يصعب فتحه وقد تضعها في مكان ليس له مفتاح أصلاً. الصخرة عبارة عن محفظة ليس فيها مفتاح، ما قال على صخرة وإنما قال (في صخرة) مثلها مثل محفظة ليس لها مفتاح وبداخلها مثقال حبة من خردل، كيف يخرجها ربنا تعالى من دون تحطيم للصخرة؟! بلطفه وخبرته يأتي بها الله لم يقل يعلمها لأنك قد تعلم المكان لكن لا تقدر أن تأتي بها. إذن يأتي بها الله أدل على العلم والقدرة، وإن كانت صغيرة في مكان صغير عميق شديد وصلب وليس فيها مفتاح يأتي بها الله تعالى من دون تكسير للصخرة يستخرجها بلطفه وقدرته. *تك وتكن: ذكرنا في الحلقة الماضية قال (إنها إن تك) ثم قال (فتكن) وذكرنا في حينها أنه لما قال (تك) لم تكن في مكان معين وإنما ذكرها هباء تائهة في الوجود (إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) ثم ذكر مكانها فلما ذكر مكانها أنها استقرت ذكر النون (فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ). وقلنا أنه قال في صخرة ولم يقل على صخرة وقلنا أنها مثل المحفظة التي يكون في باطنها شيء ثم يستخرجها ربنا تعالى بدون أن يفتحها بلطفه وخبرته من غير مفتاح. ثم قال في الأرض ولم يقل على الأرض (أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ) يعني هي في باطن الأرض (في ظرفية هنا). يقولون الخفاء يكون بطرق، طرق الخفاء استوفاها هنا إما أنها تكون في غاية الصغر (مثقال حبة) أو يكون بعيداً في السموات مثلاً أو في مكان مظلم (في الأرض) لأنه لا يوجد نور أو من وراء حجاب (في صخرة) هذه طرق الخفاء استوفاها كلها، تكون بعيدة صغيرة في ظلمة من وراء حجاب كلها استوفاها: صغيرة (مثقال حبة من خردل)، البعد (في السموات) ، الظلمة (في الأرض) ، الحجاب (في صخرة) استوفاها كلها. ثم قال (يأتي بها الله) ولم يقل يعلمها لأن العلم لا يدل على القدرة، الفعل يأتي يدل على طلاقة القدرة لله تعالى لأنه يعلمها ويأتي بها فأنت قد تعلم شيئاً في مكان لكن لا تستطيع أن تأتي به، الإتيان علم وقدرة علم مكانها وجاء بها صار علماً وقدرة ولو قال يعلمها الله لدل على العلم لكن لا يدل على القدرة هناك أكمور كثيرة نعلم مكانها لكن لا نستطيع أن نأتي بها، يأتي بها الله إن الله لطيف خبير. لذلك قال تعالى تحديداً الصخرة. ثم ترتيب الآيات وذكر هذه الأشياء فيها، هذا الترتيب له دلالة محددة فالصخرة مشتركة قد تكون في السماء وقد تكون في الأرض، السماء يعني الأجرام السماوية كثير منها فيها صخور وقد تكون هناك صخور سابحة في الفضاء. هو ما قال في السموات ولكن قال في صخرة أو في السموات ولم يقل الصخرة في السموات، نكّر كلمة صخرة ولم يذكر لها مكان جعلها جزءاً من الأمكنة، صخرة سموات، أرض، ذكر ثلاثة أمكان صخرة، السموات، الأرض ولم يقل في الأرض لأنها عامة والصخرة قد تكون في السماء وقد تكون في الأرض قد تكون في الأجرام السماوية وقد تكون صخور سابحة في الفضاء إذن الصخرة وجودها مشترك لهذا لم يقيدها تعالى بمكان قد تكون في السموات وقد تكون في الأرض. لم يقيدها بمكان ولم يقل الصخرة في الأرض، لِمَ لم تقيد؟ لو قيدها وقال صخرة في الأرض تصير في الأرض لكنه قال صخرة وقد تكون في الأرض وقد تكون في غير الأرض وقد تكون سابحة في الفضاء زقد تكون في أحد الأجرام السماوية، في المشتري صخور أو المريخ صخور. إذن تنكير كلمة صخرة له دلالة وعدم تقييدها له دلالة، قال في صخرة وليس على صخرة وهو بدأ بالمشترك (صخرة) ثم قال في السموات، في السموات هو الخط الجاري في السورة أنه في كل السورة إذا ذكر السموات والأرض قدّم السموات في كل السورة (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) حيث جرى ذكر السموات والأرض قدّم السموات وأخّر الأرض وهذا التأخير أيضاً له غرض وهو أنه عندما يؤخرها يذكر بجانب الأرض أمور تتعلق بالأرض أو بأهل الأرض مثل: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ) (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ) هذا ترتيب متناسق مع كل السورة حيث اجتمعت السموات والأرض قدّم السموات وأخر الأرض وذكر بجانب الأرض ما يتعلق بالأرض وسكان الأرض إذن الترتيب مقصود ويتناسب مع سياق السورة عموماً وجو السورة عموماً. كلمة صخرة جاءت نكرة والسموات والأرض معرفة لأن الصخرة غير معروفة والسموات والأرض معروفة. *هل للتكرار (في) دلالة محددة؟ هل يجوز أن أقول في السموات أو الأرض؟ هذا آكد وهو موطن توكيد وهذا من إحاطة علم الله بالأشياء. *في سورة الأنبياء قال تعالى (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)) مقارنة بين الآيتين؟ فعل الشرط وجوابه في لقمان مضارعان وفي الأنبياء ماضيان فلماذا؟ لو قرأنا آية الأنبياء (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)) يتضح الجواب. آية لقمان في الدنيا يخاطب ابنه (يا بني إنها) (إنها) إما ضمير القصة أو ضمير الشأن إذا كان للمؤنث يسمى ضمير القصة وللمذكر ضمير الشأن (إنه). ضمير الشأن العائد فيه يكون بعده لا يكون قبله وهذه قاعدة (قل هو الله أحد) (هو) ضمير الشأن، الله أحد هو المقصود، ضمير الشأن هناك ضمائر تعود على ما بعدها وليس على ما قبلها وهي سبعة مواطن منها ضمير الشأن (هي الدنيا تغرر تابعيها) (هي) تعود على الدنيا والدنيا بعد هي لما كانت الدنيا مؤنث قال هي (هي مبتدأ والدنيا خبر) ضمير الشأن يكون ما بعده جملة ولا يكون مفرداً ويُخبر عنه بجملة. (يا بني إنها إن تك) (إنها) ضمير الشأن، (فإنها لا تعمى الأبصار) إنها أي الشأن أو المسألة أو الأمر أو القصة أنها لا تعمى الأبصار. في لقمان المسألة يا بني أنها إن تك مثقال حبة من خردل. ضمير الشأن يعود على ما بعده لا على ما قبله ويُخبر عنه بجملة هذه قاعدة. قسم قالوا يقصد بـ (إنها) أي الفعلة أو الخصلة. فلما أنّث فعل الشرط وجوابه مضارعان ولما كان الأمر في الدنيا وهذه أمور مستمرة قال (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) تلك في يوم القيامة الأعمال انتهت والوقت وقت حساب وإن كان العمل مثقال حبة جئنا به وكفى بنا حاسبين (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)) هذه قطعاً ماضية وليست مضارعة لذلك قال (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) بالماضي لأن الآن الموقف موقف حساب بينما تلك لقمان يخبر ابنه ويعلمه بقدرة الله (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ) متى ما شاءت، متى ما وقعت، متى ما تكون فهذه يأتي بها مضارع وهذه يأتي بها ماضي. *فعل الكينونة في لقمان مؤنث (إن تك) وفي الأنبياء مذكر (كان) لماذا؟ أولاً للعلم أصلاً في مثل هذا التعبير يجوز فيه التأنيث والتذكير (مثقال حبة من خردل). كقاعدة نحوية في مثل هذا التعبير يجوز فيه الوجهان وربما أكسب ثانٍ أولاً تأنيثاً إن كان لحذف موهلا المضاف إليه يكسب المضاف التأنيث وطبعاً يكسبه التذكير وإنما ذكر التأنيث لأن الشعر قال تأنيثاً وتذكيراً، إن كان لحذف موهلا إذا كان المضاف يمكن تحذفه بأن كان جزءاً أو كالجزء أيضاً واستشهدوا بقوله تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) قال قريب ولم يقل قريبة. (إنارة العقل مكسوفٌ بطوع هوى) ما قال مكسوفة. مثقال حبة من خردل مثقال مذكر وحبة مؤنث يجوز أن يكتسب هذه كقاعدة نحوية (وما حب الديار شغفن قلبي) حب مذكر وشغفن مؤنثة جاءت من الديار من المضاف إليه. في التركيب الإضافي يجوز التذكير والتأنيث لكن بشرط في مواطن، بشرط أن يكون المضاف جزء أو كالجزء في الاستغناء عنه (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا (111) النحل) كلّ مذكر ونفس مؤنث فقال تأتي. بشرط أن يكون المضاف جزء أو كالجزء في الإستغناء عنه يعني ممكن تستغني عنه ويُفهم مثل (قُطعت بعض أصابعي) يمكن أن يقال قُطعت أصابعي، مثقال حبة يعني حبة. (لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخُشّع) سور مذكر وتواضعت مؤنثة. إذن من حيث الحكم النحوي ليس فيه إشكال يبقى طبيعة الاستخدام هنا: أصلاً قال في الأنبياء (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) شيئاً مذكر (وإن كان مثقال حبة ) وإن كان الشيء مثقال حبة فذكّر أي إن كان الشيء مع أنه يجوز التأنيث أما في لقمان (مثقال حبة) قد يكون الحبة أو الفِعلة أو قد يكون العمل. إذن (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) وإن كان هذا الشيء مثقال حبة إذن ذكّر مع أنه يجوز التأنيث. في الأنبياء قال بصيغة فعل الكيونة بالماضي لأنه يدل على حالة محددة وهي حالة الحساب يوم القيامة للدلالة على عمل كان في الدنيا وانتهى وأتى به مذكراً لمناسبته مع ما قبله وهو مذكر. *في لقمان ذكر تعالى أماكن وجود المتحدث عنه (فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ) في الأنبياء لم يذكر مكان وجودها فلماذا؟ في لقمان هو يبين لابنه قدرة الله سبحانه وتعالى، يريد أن يعلم ابنه أما في الأنبياء فليس الغرض في هذا الأمر فالسياق سياق وزن الأعمال وليس في أماكن ذكر هذا المثقال الحبة أين يكون وإنما في سياق وزن الأعمال فلا يحتاج لذكر هذا الشيء أما في لقمان فهو يعلم ابنه ويعرفه بقدرة الله (إنها إن تك) يذكر الأماكن، أما في الأنبياء أتينا بها أينما كانت لأن السياق ليس في ذلك ولا هو في بيان للخلق أن قدرتي كذا والخلق يعرفون قدرته وقد جيء بهم الآن أعلم حالاتهم بالله تعالى الحساب موجود والجامع هو الله ولا يشك أحد في قدرته أما في لقمان فيعلم لقمان ابنه أمراً من أمور الدنيا، يوم القيامة ليس الأمر مجهولاً لأي أحد وإنما الأمر معلوم لكل أحد. *ختام الآية في لقمان (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) وفي الأنبياء (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) فما الفرق؟ في الأنبياء مكان حساب ووقت حساب (ونضع الموازين القسط) فقال (وكفى بنا حاسبين) لأنه مقام حساب وليس في مقام اسخلاص المثقال من مكانه أما في لقمان ففي مكان استخلاص الحبة ومكان الحبة فقال (لطيف خبير). *في سورة لقمان عندما يوصي ابنه قال (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) لم يقل مثلاً عليم لأنه يعلم أماكن وجود ضمير الشأن فما دلالة اللطف؟ استخلاص هذا المثقال من هذا المكان يحتاج إلى لطف وإلى خبرة والخبرة هي العلم ببواطن الأمور والخبير هو العليم ببواطن الأمور. واللطيف هو الذي يتوصل إلى أشياء بالخفاء. وقسم قال اللطيف أي الذي لا يُرى وقالوا (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ (19) الشورى) بمعنى آخر أنه يلطف بهم ويرأف بهم. اللطيف هو الذي يأتي بأمور بخفاء يستخلصها بخبرته وبطريق الخفاء ويأتي بها من دون أن يحطم الصخرة بلطف وخفاء تمتد قدرته إليها فيستخلصها. ذكر هذا الأمر من لقمان لابنه أولاً يعلمه أنه إذا كان رب العالمين سحانه وتعالى يأتي بمثقال حبة من خردل من هذه الأماكن فلماذا الشرك؟ ماذا يفعل الشريك؟ لا شيء إذن لماذا الشرك؟ الشريك لا يستطيع أن يمنع هذه الحبة الصعيرة من أن يأتي بها الله فلماذا الشرك. ثم هناك أمر آخر أن لقمان يبين المسألة ويوضح قدرة الله لابنه وفي هذا يعلمنا لقمان بحكمته أن ليست المسألة فقط في الأوامر والنواهي لا تفعل كذا لا تفعل كذا وإنما يضرب له الأمثال ويبين له بالحجج حتى يقتنع ويستوعب المسألة وهذا فيه توجيه للآباء والوعاظ والمرشدين بأن لا يكثروا فقط من الأوامر والنواهي هكذا وإنما ينبغي أن يعلّلوا ويبينوا حتى يقتنع السامع بعقله ويقبل هذ الشيء أما أن تذكر فقط أوامر ونواهي هكذا فلا. هذا التعليم من حسن التربية أولاً الرفق دائماً يردد قول (يا بني) وعندما يذكر الأمر يعلل له العلة حتى يقتنع بما يقول وحتى يستوعب المسألة وحتى تتضح له المسألة وليس مجرد أوامر وهذا توجيه للآباء والمرشدين عموماً أولاً أن يحسنوا في القول ويلطفوا في القول لا يكونوا أشداء، اللطف واللين في القول والأمر الآخر أن الأمر ليس مجرد أمور ونواهي وإنما عليهم أن يوضحوا ويبينوا ويأتوا بالحجج المبينة حتى يقبل العقل ما يقولون.
  • ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿١٧﴾    [لقمان   آية:١٧]
(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)) هذه الآية فيها أوامر (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)). بعد أن نهاه عن الشرك وأمره بالتوحيد بعد ذلك بدأ بأهم العبادات. أول مرة أقام العقيدة السليمة وهو التوحيد لأنه لا تصح عبادة مع الشرك فبعد أن جاءه بأهم الأمور وأعمها وأيسرها نفي الشرك بالله وترسيخ عقيدة التوحيد الآن أمره بالعبادات فقال له وبدأ بأهم العبادات وأوجبها هي الصلاة وهي التي لا تسقط بحال من الأحوال وهي أول ما يُسأل عنه المرء يوم القيامة. الصلاة اسماعيل  كان يأمر أهله بالصلاه وموسى  (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ (87) يونس) الصلاة هي عبادة أوجبها الله تعالى منذ البدء وهي آخر ما يُرفع من الأعمال قبل يوم القيامة هي الصلاة، فبدأ بأهم العبادات وأوجبها وهي العبادة التي لا تسقط في حال من الأحوال في المرض أو غيره وأول ما يسأل عنه المرء يوم القيامة. ولم يقل له صلي وإنما قال أقم الصلاة أي الإتيان بها على أتم حالاتها بكل سكناتها وحركاتها وخشوعها. نلاحظ أنه بعد الأمر بإقامة الصلاة ما قال أموراً أخرى وإنما قال (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ) إذن هو أمره بنوعين من العبادات عبادة فردية شخصية (الصلاة) وعبادة عامة اجتماعية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) هذه علاقته بالمجتمع، بالآخرين، عبادة اجتماعية. الصلاة عبادة فردية والثانية عبادة اجتماعية كما قال القدامى إحداهما تكميل للنفس (الصلاة) والثانية تكميل للمجتمع (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) إذن عبادتين إحداهما للنفس وتكميلها والثانية للمجتمع لأن من حق المجتمع على الفرد أن يحفظه ويرسي قواعد الخير فيه ويجتث أمور الشر فيه، الأمر بالمعروف يرسي قواعد الخير والنهي عن المنكر يجتث قواعد التخريب وقواعد الهدم. (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) الذي يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدركه الأذى من الآخرين وهكذا قال القدامى لأنك تتعرض للآخرين تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر فقد تسمع منهم كلاماً يؤذيك وقد يكونوا أذوك بأشد الأذى ولقمان أدرك بحكمته أن ابنه إذا فعل هذا سيتعرض للأذى لأنه من أمر بالمعروف عليه أن يتوقع أن يصيبه أذى. والغريب أنه من حكمة لقمان أنه أمر ابنه بذلك - مع أنه يدرك أن ابنه سيصيبه أذى - أن الآباء عادة يقولون لأبنائهم اتركوا الناس بشأنهم لا عليكم منهم، يخشون على أبنائهم من الأذى فيقولون لهم اتركوا الناس أما لقمان بحكمته الثاقبة مع أنه يعلم أن ابنه سيصيبه الأذى لكن علم أن هذا الأمر أولى من راحة ابنه أن إرساء قواعد الخير في المجتمع واجتثاث عوامل الشر منه أولى من راحة ابنه لأنه المجتمع إذا انهار ينهار عليه وعلى ابنه وأسرته الإنهيار لا يختص بواحد وإنما يعم الجميع إذن هو أولى من راحة الإبن فليتعب ابنه لأنه قد يؤذى فرداً فلا بأس لكن هو يرسي قواعد الخير فلو كان كل الآباء يوجهون أبناءهم هذا التوجيه لصاروا كلهم مثل ابن لقمان فالمجتمع يصير يثبت فيه قواعد الخير وينجو من عوامل التفكك والتخريب وفي ذلك سلامته وسلامة المجتمع وراحته وراحة المجتمع بخلاف لو تُرِك المجتمع على عواهنه فإنه هو أيضاً سيدمر الإبن والعائلة ستدمر. ولذلك هو مع معرفته بذلك أوصاه بفعل ذلك وهذا من حكمة لقمان الثاقبة فهم كم يحب ابنه ويتمنى له الخير وهو يعلم أنه سيصيبه أذى لكن هذا الأذى أهون من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (إن ذلك) أي الصبر على إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلها من الأمور الواجبة المقطوعة التي لا ينبغي التخلي عنها لا الصلاة (تكميل للنفس) ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذه كلها تحتاج عزم وعزيمة وقوة وإن كانت الثانية أكثر لأنها مواجهة (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ذلك تعود على البعيد. إن ذلك من عزم الأمور أي الأمور التي لا ينبغي التخلي عنها مهما أوذي في ذلك. *ختمت الآية في سورة لقمان (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) وفي سورة الشورى (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)) فما اللمسة البيانية في الاختلاف بينها؟ في لقمان قال (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) في الشورى قال (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)) أيّ الأشد أن تصبر وتغفر أو أن تصبر فقط؟ أن تصبر وتغفر لأنها أشق على النفس. يطالبنا ربنا بالصبر والمغفرة لأن هذا أسدى إلى الخير وأكمل للمعروف ويؤلف قلوب الآخرين ولا يثير فيهم الضغائن وإذا فعلت لهم الحسنة فقد جمعت قلوبهم (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت) حميم أي قريب فأنت تعامل بالصبر والمغفرة مع أنها شاقة على النفس الصبر وحده شاق فكيف الصبر والمغفرة وما هو أعلى وهو الإحسان. لذلك فيما فيه مشقة قال (لمن عزم الأمور) فيه صبر ومغفرة فأكد باللام وإنّ. زيادة حرف في اللغة للتوكيد له وقع خاص من الناحية البيانية. إجابة د.حسام النعيمى عن نفس السؤال: في قوله تعالى (يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) لقمان) هذه وصية من أبٍ لولده. أبٌ يوصي ولده فلا يحتاج لتوكيدات، نصيحة أب لابنه ما يقتضي التأكيد. (يا بُنيَّ) بفتح الياء (رواية حفص عن عاصم)، شُعبة قرأ (يا بُنيِّ). نافع وسائر القراء (يا بنيِّ) إذن إنفرد عاصم بها من القراء السبعة. هي لغتان للعرب، معناه بعض العرب كان إذا نادى ولده يقول يا بنيَّ وبعض العرب يقول يا بُنيِّ والأكثرون كانوا يقولون (يا بُنيِّ) بدليل أن القراء الستة والسابع بروايتين، رواية وافقت الستة يعني بإثني عشر راوياً يعني ثلاثة عشر راوياً يروون يا بنيِّ، يعني جمهور العرب يقولون بنيِّ، هذه لهجة وهذه لهجة، هذه لهجة أقرها الرسول  بأمر من ربه أو قرأ بها وهذه لهجة أقرها الرسول  بأمر من ربه وقرأ بها وقرأت بها القبائل. لكن علماء الصرف يوجهون أنه كيف هذا قال هكذا وكيف هذا قال هكذا؟: (إبن) أصلها بنو لما تُصغّر تصير (بنيو) اجتمعت الياء والواو والأول منهما أصلي ذاتاً وسكوناً فانقلبت إلى ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت بنيّ مثل كلمة نَهَر لما تُصغّر تصير نُهير لكن بدل الراء هناك ياء أخرى فصار بياءين أضيفت إليها ياء المتكلم. في الشورى (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)) نلاحظ هنا في البداية توجد لام التوكيد، لام مؤكدة وبعض العلماء يرى أنها في جواب قَسَم محذوف يعني كأنه "والله لمن انتصر"، (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). (من عزم الأمور) و (لمن عزم الأمور). اللام هنا في جواب (إنّ) في (إن ذلك لمن عزم الأمور) التي هي اللام المزحلقة. لكننا وقفنا عند قراءة (يا بُنيَّ) بالفتح وقلنا الفتح هنا هو من القراء السبعة لراوٍ واحد وهو حفص عن عاصم هذه التي نقرأ بها. ونحن حريصون على ذكر قراءة نافع من أجل إخواننا في المغرب العربي لأنهم يتابعون البرنامج من خلال كثرة أسئلتهم. نافع وسائر القراء بل شعبة عن عاصم يقرأون (يا بُنيِّ) بالكسر وليس بالفتح، الفتح عند عاصم. وذكرنا أن كلمة (بُني) هي تصغير كلمة (إبن) مثل كلمة نهر تُصغّر فتصير نُهير فتأتي ياء. (بنو) لما تصغر تصير (بنيو) – لأن إبن أصلها بنو والهمزة زائدة في الأول، همزة وصل – لما تصير بنيو تجتمع الياء والواو والأول منهما أصلي ذاتاً وسكوناً يُدغمان في ياء واحدة، مثل كلمة سيد من ساد يسود فصارت سيود تصير سيد، لوى يلوي لوياً صارت ليّاً، طوى يطوي طيّاً، وهكذا إذا اجتمعت الياء والواو والأول منهما أصلي ذاتاً وسكوناً أي غير منقلب عن غيره وساكن وليس سكوناً عارضاً أيضاً تصير ياء وتدغم الياء في الياء. فلما صارت بنيو صارت بنيّ أي عندنا ياءان مثل نهير تخيل أن الراء ياء تصير نهيي لما ينسبه إلى نفسه: هذا نهير زيدٍ تصير ياء أخرى نهيري إجعل الراء ياء فتصير نهييي ثلاث ياءات. فبعض قبائل العرب حذفت ياء المتكلم وهم الأغلبية واكتفوا بالكسرة فقالوا (بنيِّ) فإذن هنا ياء ومحذوفة اكتفاء بالكسرة التي تشير إلى الياء وعليها جمهور القراء كما قلنا. بعض قبائل العرب لم تحذف ياء المتكلم أو حذفت الياء التي قبلها أو حذفت ياء المتكلم وأجرت على الياء الباقية ما يُجرى على ياء المتكلم من الفتح في التخفيف فتقول: هذا لي أو هذا ليَ، كتابي أو كتابيَ بفتح ياء المتكلم. فيا بُنيَّ هذه فتحة التخفيف على ما قرأ الرسول  على قبائل من العرب بلهجتها بإذن من ربه. و(يا بُنيِّ) هذا بالنسبة لاختلاف القراء والنتيجة واحدة هي تصغير الإبن للتحبيب للمتكلم هو نسبه إلى نفسه ثم بدأ يعظه ويوصيه: أقم الصلاة، أُمر بالمعروف، إنه عن المنكر. إقامة الصلاة تكوين أن تُكوّن نفسك ثم تنتقل مرحلة ثانية تدعو الناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر هذا سيؤدي إلى الإضرار بك فاصبر على ما أصابك فهي نصيحة ومتدرجة وليس الموضع موضع تأكيد زائد فقال له (إن ذلك من عزم الأمور) فأكّد بـ (إنّ) وحدها، أن الصبر على ما يصيبك هو من عزم الأمور، من الإرادة القوية. لما نأتي إلى الآية الأخرى نجد أنها من البداية (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41)) من أولها فيها توكيد كما قلنا جوّ الآية جو توكيد. (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) إنسان اعتُدي عليه والدولة أخذت له حقه بأنه أصر على أخذ حقه ما أراد أن يتنازل فظُلِم ولم يتنازل عن حقه، قد يكون في نفس الذي أُخِذ منه الحق أو من أهله أو من أقاربه نوع من الغضب والحقد على الإنسان الذي أخذ حقه فبدأت الآية بالتأكيد أوالقسم المحذوف الذي هو لام القسم على قولين (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) ما يحاول أحد أن يعتدي على هؤلاء الذين أخذوا حقهم أو أخذت الدولة حقهم إنما حصراً (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ)، هذه توصية سواء للذي أخذ حقه أو الذي اُخِذ الحق منهم (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) لأنه فيه صبر وفيه عفو عن الإساءة بالنسبة لمن ظلم أنه إذا عفا الأفضل حتى لا يثير حفيظة الآخرين لا يثير حقدهم والعفو أحياناً لا يكون سهلاً، ألم يقل الشاعر: قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت أصابني سهمي ولئن عفوت لأعفون جللاً ولئن رميت لأوهنن عظمي هو متردد بين حالين لأن الذي قتل أخاه قومه يأخذ الثأر منهم، يعني يجعل الدولة تقتص منهم؟ سيُضعف قومه فهم متحير. لذا لما كان الصبر على هذا الأذى والمغفرة يحتاج إلى توكيد والجو كله جو تأكيد من البداية (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). وفيها (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ) بمعنى الحصر والحصر فيه معنى التوكيد فجاءت (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) معناه أكّد بمؤكدين هنا لمناسبة الحالة لأن الكلام على صبر على عدوان يحتاج إلى تأكيد (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) بينما النصيحة الطبيعية لا تحتاج لهذا التأكيد (إن ذلك من عزم الأمور). .
  • ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿١٨﴾    [لقمان   آية:١٨]
(وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)) نلاحظ أن لقمان انتقل بابنه إلى الآداب في معاملة الناس وكيف ينبغي أن يعامل الناس فنهاه عن التكبر وتصعير الخد (ولا تصعر) والتصعير هو إمالة الخد كِبراً يشيح بوجهه تكبراً وإعراضاً، صعّر خده أي أماله كِبراً والمرح هو النشاط مع الخيلاء والزهو، يعني هو معجب بنفسه. المختال هو المتكبر وقالوا المختال هو الصلِف المتباهي الجهول المُعجَب بنفسه. *قال تعالى (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) لم يقل على الأرض؟ مختال أولاً هو إسم فاعل يصلح أن يكون إسم فاعل وإسم مفعول. مختال فعله الثلاثي خالَ (خالَ بناتك الضرر) إختال زيادة في الاختيال في التكبر فيها مبالغة، إذن المختال هو المبالغ الأصل هو خال خائل، إختال أبلغ في هذا الوصف ومختال أبلغ في هذا الوصف. فخور صفة مبالغة (فعول) إذن مختال مبالغة وفخور مبالغة. قال لا تمش في الأرض ولم يقل على الأرض مع أنه قال في موطن آخر قال (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (63) الفرقان). (في) تفيد الظرفية و(على) للإستعلاء كأن هذا المختال يريد أن يخرق الأرض وهو يمشي كما قال تعالى (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ (37) الإسراء) فالمختال يمشي في الأرض هكذا. أما عباد الرحمن يمشون على الأرض هوناً بوقار وسكينة وليس في الأرض كما يفعل أولئك. (على) تفيد الإستعلاء و(في) تفيد الظرفية قال تعالى (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ (5) لقمان) (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24) سبأ) فالهدى استعلاء، إستعلاء على السوء وعلى الشر وعلى السفاسف. لذها قال تعالى (في الأرض) لأنه فيها تكبر وخيلاء وفخر و(على) فيها استعلاء وهذه صفة عباد الرحمن. نلاحظ أن الأبنية في الآية كلها تفيد المبالغة (ولا تمش في الأرض، مرحاً) مرحاً حال جاء بها على وزن المصدر (مرح) هذا يفيد المبالغة إذا أتيت بالحال مصدراً فهو المبالغة قطعاً عندما تقول جاء ركضاً أبلغ من جاءك راكضاً وكما قال تعالى (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا (260) البقرة) أبلغ من ساعيات لأن أخبرت عن الذات بالحدث المجرد كأنه ليس شيء يثقله من الذات أصبح حدثاً مجرداً. في الأرض مبالغة في المشي، ومرحاً مبالغة، ثم إنّ توكيد، ومختال فيه المبالغة من افتعل، وفخور مبالغة يعني كل أبنتيها وكل ترتيبها للمبالغة. *ختمت الآية فى الحديد (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) وفي لقمان قال (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)) ما دلالة التأكيد في لقمان؟ المختال هو المتباهي على الخلق المتكبر والفخور يفخر عليهم لكن إحداهما في السلوك والأخرى في القول. المختال في السلوك والفخور في القول فنهى عن ذلك يذكرون آباءهم بالشعر كما فعل العرب في الشعر. فربنا سبحانه وتعالى لا يحب التكبر لا في القول ولا في السلوك فجمعهما. مختال من فعل إختال وكلاهما للمبالغة مختال وفخور كلتاهما صيغتا مبالغة. إختال أصل الفعل خال أي تكبّر واختال هو الزيادة في التكبّر (افتعل) مثل جهد واجتهد وصبر واصطبر وفخور من فعول وهي من أشد صيغ المبالغة. مختال صيغة من غير الثلاثي من إختال فعل خماسي وفخور من الثلاثي، صيغ المبالغة لا تأتي من غير الثلاثي إلا الأسماء. قدم التكبر في الفعل على القول لأن الإنسان يتباهى بما عنده إذا جاءه مال ثم يتكلم وأحياناً قد لا يكلم الناس. في لقمان ختمت الآية بالتأكيد بـ (إن). آية لقمان في آداب المعاملات والتصرف بين الناس (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)) وذكر ما هو أسوأ مما ذكر في الحديد (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) وإنما قال (لا تفرحوا بما آتاكم). صعّر خده أي أمال خدّه تكبراً. فذكر ما هو أسوأ في لقمان (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) ولم يذكر هذا في الحديد لذا احتاج التأكيد في آية سورة لقمان لأنه ذكر فيها الأكثر اختيالاً سوءاً والآيات في حسن التصرف مع الناس. كل ما ذكره في آية لقمان في المعاملات مع الناس وذكر من الصفات ما هو أسوأ فاحتاج للتأكيد ولا يمكن أن يكونا بمرتبة واحدة وخاصة في أمور الكِبر وهذه مقاييس للتعبير دقيقة .
  • ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴿٢٠﴾    [لقمان   آية:٢٠]
.(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (20)) *ما تعلُّق هذه الآية وتواصلها بما قبلها خاصة بعد انتهاء وصايا لقمان لابنه فكيف نربط بين هذه الآية وما سبقها من آيات؟ انتهت وصية لقمان بالآية التي ذكرناها (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)) وبدأ الآن كلاماً آخر وهو كلام رب العالمين وخطابه للخلق (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (20)) هو قبل وصية لقمان قال (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)) ذكر خلق السموات وإلقاء الرواسي في الأرض وما بثّ فيها من كل دابة قبل وصية لقمان وهنا ذكر النِعم التي أنعمها في السموات والتسخير وأسباب النِعم، هناك الخلق وهنا المرحلة الأخرى وهي التسخير بعد الخلق هناك خلق السموات وهنا تسخيرها لأن التسخير يكون بعد الخلق، بدأ هناك بالخلق (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) والآن إسباغ النعم والتسخير في النِعم فالخلق أولاً ثم التسخير والنِعم التي أنعمها رب العالمين علينا فهو الخالق وهو المسخر وهو المُفيض بالنِعم، هذه من حيث الارتباط. ومن حيث المضمون الناس هم يعلمون أن الله خالق السموات والأرض (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (38) الزمر) كان المتوقع أن معرفة هذا الأمر تدعو الناس إلى عبادته سبحانه لكن مع ذلك ذكر مع هذا (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) قال قسم من الناس يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب مبين. هذه الآية ليست فقط لها ارتباط بالآية التي سبقت وصية لقمان فهي كأنها مكملة لها خلق السموات وما إلى ذلك ثم بعدها التسخير وحتى يبدو أن لها ارتباطاً بأول السورة (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ (3)) وصف الكتاب بأنه حكيم وذكر بأنه هدى ورحمة للمحسنين وذكر أن هؤلاء يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، هناك ذكر الكتاب وذكر أنه حكيم، وهنا ذكر أنهم يجادلون بغير علم ولو اطلعوا على الكتاب لكان عندهم علم لأن حكيم من الحِكمة توفيق العلم بالعمل، يعلم ثم يعمل بمقتضى العلم، الحكمة أن يضع الشيء في محله قولاً وفعلاً. إذن بغير علم يقابل وصف الكتاب بأنه حكيم لأنهم لو اطلعوا وقرأوا الكتاب لكانوا يتكلمون بعلم، ثم قال (ولا هدى) وقد وصف الكتب بأنه هدى قال (هدى ورحمة). (ولا كتاب منير) وهو أثبت أنه كتاب حكيم (تلك آيات الكتاب الحكيم) إذن هنا قال (ورحمة للمحسنين) وهنا لم يحسنوا في الجدال يجادلون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير إذن لم يحسنوا في الجدال وأما الرحمة المذكورة فرحمته بخلقه وما أفاض عليهم من النِعم في السورة. فهي إذا كما هي مرتبطة كأنما هي تأتي بعد الوصية هي مرتبطة بفاتحة السورة (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ (3)). اللمسات البيانية في الآية: الآية الكريمة (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) قال ألم تروا ولم يقل ألم تر أي الخطاب لعموم العقلاء وليس المفرد، خاطب جمع العقلاء. (ألم تروا) أي ألم تبصروا، ألم تر إلى يصير علماً يعني ألم تعلم (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ (45) الفرقان) ربنا لا يُرى فيعني ألم تعلم. ورأى قد يكون قلبياً أو بصرياً، فإذن (ألم تروا) الخطاب لعموم العقلاء ثم قال (سخر لكم) ذكر نعمته بالتسخير لعموم الخلق ثم قال (ما في السموات وما في الأرض) شمل عموم ما فيهما ما في السموات وما في الأرض وهذا أعمّ تسخير (ما في السموات وما في الأرض) (ما بمعنى الذي) لم يقل كما قال في مواطن أخرى (وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) إبراهيم) تحديداً، (وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ (32) إبراهيم) (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ (12) النحل) (اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ (12) الجاثية) هذه جزيئات وهنا قال (ما في السموات وما في الأرض)، إذن ألم تروا جمع، سخر لكم جمع ثم ما في السموات وما في الأرض أعم تسخير ثم قال (وأسبغ) معناها أفاض في العطاء وليس العطاء فقط، كلها في الزيادة والمبالغة في الشيء. ثم قال (نِعمه) جمع الكثرة لم يقل أنعمه لأن أنعم جمع قلة وجمع القِلّة معدود بين الثلاثة والعشرة ونِعم جمع كثرة غير معدود لما أثنى الله تعالى على إبراهيم  قال (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ (121) النحل) لم يقل لنعمه، لا يستطيع لأنها لا تُحصى (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا (34) إبراهيم) نعمة هنا جنس وحتى النعمة الواحدة فيها نِعم. النِعم عامة والنعمة قد تكون للجنس مثل الإنسان فتشمل جميع النِعم وحتى لو كانت واحدة فهي لا تُحصى. (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) نعمة هنا إسم جنس يعني النعمة على العموم مثل كلمة رجل أحياناً يراد به فرد وأحياناً يراد به جنس. هنا قال ربنا تعالى نِعمه ولم يقل أنعمه. ثم قال (ظاهرة وباطنة) دلالة على شمول النِعم لكافة أنواعها ظاهرة وباطنة. ولو قال وأسبغ عليكم نعمه قد يظن ظان أنها ظاهرة وغير باطنة مثلاً؟ ذكر ظاهرة وباطنة للشمول لأن من النعم ما هو باطن مثل العقل والقلب وما أودعه الله تعالى فينا من القوة والأشياء باطنة لأن الإنسان قد لا يحس إلا بالنعم الظاهرة فقال (ظاهرة وباطنة) وهذه كلها متناسبة مع الشمول الذي يذكره. ثم قال (بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) فأفاض في ذكر مركّب الجهل، عناصر الجدل. هو أوسع وأفاض في عموم المسخر لهم عموم الخلق (ألم تروا، سخر لكم، أسبغ عليكم) وأوسع وأفاض فيما سخره لهم (ما في السموات وما في الأرض) وأوسع وأفاض في الفعل (أسبغ) وأوسع وأفاض في النعم (نعمه) وأوسع وأفاض في الشمول (ظاهرة وباطنة) وأوسع وأفاض في ذكر عناصر الجهل (بغير علم ولا هدى ولا كتاب مبين) هذه تشمل عناصر الجهل المركّب الظاهر والباطن. العلم هذا باطني أنت ترى إنساناً لكن لا تحدد علمه من الرؤية وقد تظهر بعض الآثار إذا تكلم الشخص، هذا أمر باطني. والهدى قسمين قد يكون ظاهراً وقد يكون باطناً، ظاهراً في الكتب ورب العالمين سمى الكتب هدى التوراة والنجيل والقرآن هدى ورحمة، والهدى الظاهر أدلاء الطريق (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) طه) من يهديه وذكر النجوم (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) النحل) هذا هدى ظاهر والهدى الباطن هو توفيق الله وما يقذفه من نور في قلب الإنسان (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) الكهف) (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى (76) مريم) (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا (13) السجدة) وقوله (ولا كتاب منير) هذا كتاب ظاهر مقروء. إذن نفى عناصر الجهل وتدرج في ذكر العناصر من الباطن إلى المشترك إلى الظاهر، الباطن هو العلم والمشترك هو الهدى والباطن هو الكتاب. ثم وصف الكتاب بأنه منير لم يقل فقط ولا كتاب لأن هؤلاء قد يرجعون إلى كتب غير منيرة (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (6) لقمان) وقد يرجعون إلى الكتب المحرفة، إذن كلمة منير أفادت أنها حددت كتاب الله. علاقة منير بالوصف الذي قبله من الجهل المركّب الذين هم فيه أنهم في ظلمات ويخرجهم من الظلمات إلى النور. واللطيفة أن هذه المجادلة في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير هي أنكر المجادلات وهي مثل أنكار صوت الحمير فمن اللطيفة أن تكون بعدها، فهي مناسبة لما قبلها. جعل كلاهما من المستنكرات المستنكر في العقول أن يرفع الإنسان صوته والمستنكر في الجدال والنقاش أنه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. القرآن كله وحدة واحدة مترابطة دائماً ولا يمكن تفسير القرآن بما هو خارج عنه وهناك كلام أن القرآن يفسر بعضه بعضاً ومن الأسس الذي يتصدى لعلم التفسير أن يرجع إلى ما في القرآن من نحو التعبيرات والمعاني حتى يتبين له كثير من الأمور. وهناك رسالة دكتوراة بعنوان وحدة السورة في القرآن الكريم تناولت هذه الجوانب. *قال تعالى في سورة النحل (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121)) وفي سورة لقمان (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20)) فما الفرق بين أنعُم ونِعَم؟ نِعمه هل هي نِعَم واحدة؟ أنعم جمع قِلّة على وزن أفعُل، نِعم جمع كثرة. ونعم الله تعالى لا تحصى ولا يمكن أن تُشكر ولا نستطيع شكرها فالله تعالى مدح ابراهيم  على أنه شكر الأنعم أي القليل من النِعم فمدحه على ذلك لأنه لا يمكن لأحد أن يشكر نِعَم الله تعالى التي لا تُحصى فأثنى على ابراهيم  لأنه كان شاكراً لأنعم الله تعالى. والله تعالى لم يسبغ علينا أنعماً ولكنه أسبغ نعماً ظاهرة وباطنة لا تُحصى. والاسباغ هو الإفاضة في ذكر النِِعم. قال تعالى في سورة الإنسان (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)) شاكراً اسم فاعل والكفور مبالغ في الكفر. وتوجد نِعم مستديمة منها ما نعلم وما لا نعلم والله تعالى أفاض علينا بالنعم الكثيرة ولو شكرنا نشكر باللسان وهو بحد ذاته نعمة.
  • ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴿٢١﴾    [لقمان   آية:٢١]
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21)) اللمسات البيانية في الآية: أراد أن يبين ضلالهم وجهلهم بعد أن ذكر مجادلتهم في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير أراد أن يبين ضلالهم وجهلهم وقلة إدراكهم، ما قال اتبعوا ما عندنا أو اتبعوا سبيلنا وإنما قال (اتبعوا ما أنزل الله) لو قال اتبعوا سبيلنا لقالوا سبيلنا أفضل، قال (اتبعوا ما أنزل الله) هذه محايدة هل ما عندهم أفضل مما أنزل الله؟ بالطبع لا. لو قال لهم اتبعوا سبيلنا أو ما عندنا لقالوا ما عندنا أفضل وفيه الكفاية. ثم قال (وإذا قيل لهم) بني الفعل لما لم يسمى فاعله (قيل) لو يذكر فاعلاً معيناً لأنه لا يتعلق الأمر بذكره وحتى لا يُظن أن رفضهم بسبب هذا القائل لأنك أحياناً ترفض القول بسبب قائله (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) الزخرف) حتى في حياتنا قد تقبل القول من أحدهم ولا تقبله من آخر ولذلك قال (وإذا قيل لهم) للمحايدة حتى لا تأخذهم العزة بالإثم. ثم قال (بل نتبع ما وجدنا عليهم آباءنا) أي جعلوا آباءهم بإزاء الله تعالى، لو قالوا لو نعلم أن هذا أنزله الله لأتبعناه لو قالوا ذلك كان يعذرهم السامع حتى يقيم عليهم الحجة، لكنهم قيل لهم (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله) هم يرفضون الرسالة بحد ذاتها آثروا اتباع آباءهم على ما أنزل الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. ثم قال (أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) هذا سؤال تعجيب من حالهم، هذا كلام رب العالمين يتعجب من حال هؤلاء (أولو كان) استفهام يُنكر عليهم يثير العجب من حالهم. هم قالوا (بل نتبع ما وجدنا عليهم آباءنا) بإزاء ما أنزل الله، (أولو كان الشيطان) هذا تعجيب من حالهم لأن معتنق كل فكرة يبتغي المآل السعيد والعاقبة الحسنة، وهو ذكر أمرين: الشيطان يدعوهم والشيطان لا شك أنه عدو للإنسان ثم عاقبة من اتبعه عذاب السعير فكيف يتبعونه؟! الداعي هو الشيطان والمآل عذاب السعير فكيف يتبوعه؟ هذه إهانة لكل عاقل أن ينجو بجلده ويفر مما هو فيه إلى ما أنزل الله. الشيطان غرّهم كما غرّ أباهم آدم . الشياطين يدعون إلى عذاب السعير. انتهى كلامهم عند (بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا) (أولو كان الشيطان) هذا كلام الله تعالى، لما قالوا (بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا) الشيطان هو الذي يمنعهم من الإيمان إذن هو منعهم ودعاهم ووسوس لهم وترك ورفض ما دعاهم إليه الله سبحانه وتعالى وفي الحقيقة الشيطان دعاهم إلى عذاب السعير وإلى جهنم. في هذا القول الشيطان دعاهم إلى عذاب السعير. التركيب (أولو) يعني أولو كان ذلك؟ تقول لفلان سأفعل كذا فيقول أول كان كذا؟ تقول ولو كان كذا، ولو فعلت كذا؟ لو فعلت كذا، أولو كان فذ ذلك أذى؟ قال ولو كان في ذلك أذى، برغم أن الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير. الإجابة على أولو كان؟ نقول ولو كان، هذا إصرار عجيب وما التفتوا ولا انتبهوا لأن الشيطان عمّ عليهم. *ما الفرق بين وجدنا وألفينا في القرآن (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) لقمان) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) البقرة)؟ نقرأ الآية التي فيها ألفينا والتي فيها وجدنا (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) البقرة) وفي الأخرى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) لقمان) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104) المائدة). آية ألفينا وآيتين وجدنا. في القرآن الكريم لم يرد الفعل ألفى إلا فيما هو مشاهد محسوس ولذلك قال بعض النحاة أنه ليس من أفعال القلوب، قسم يدخلوه في أفعال القلوب وقسم يقولون لا ليس من أفعال القلوب وإنما في الأفعال المحسوسة المشاهدة. أفعال القلوب قلبية يستشعر بها. وهي فعلاً في القرآن لم ترد إلا مشاهدة. في هذه الآيات في القرآن (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ (69) الصافات) (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ (25) يوسف) (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا (170) البقرة). (وجدنا) في القرآن وفي غير القرآن وردت قلبية وغير قلبية ومشاهدة وغير مشاهدة مثلاً (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً (37) آل عمران) (وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا (86) الكهف) (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ (39) النور) (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ (102) الأعراف) يعني وجدهم يخلفون الميعاد، (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) الأحزاب) (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110) النساء) وجد هي أشمل وتستعمل للأمور القلبية وألفينا للأمور المحسوسة هذا في القرآن أما في غير القرآن ففيها كلام. من حيث اللغة قسم من النحاة يقول هي ليست من أفعال القلوب أصلاً، هذا حكم عند قسم من النحاة. والنحاة في (وجد) هذه لا يختلفون فيها ويقولون هي من أفعال القلوب الأفعال المحسوسة أما (ألفى) فهم مختلفون فيها قسم يقول هي قد تأتي من أفعال القلوب وقسم يقول هي ليست من أفعال القلوب. في القرآن لم ترد في أفعال القلوب وإنما هي محسوسة. ماذا ينبني على هذا؟ التعبير كيف اختلف بالنسبة لهذا الأمر؟ الذي لا يؤمن إلا بما هو مشاهد وحسوس معناه هو أقل علماً ومعرفة وإطلاعاً بمن هو أوسع إدراكاً، أقل، ولذلك عندما يستعمل (ما ألفينا عليها آباءنا) يستعملها في الذم أكثر من (وجدنا)، يعني يستعمل (ألفى) إذا أراد أن يذم آباءهم أشد من الحالة، الذم محتلف وقد تكون حالة أشد من حالة في الحالة الشديدة يستعمل ألفينا، يستعملها أشد في الذم. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) البقرة) نفى عنهم العقل، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104) المائدة) نفى عنهم العلم. أيّ الأشد تنفي العقل أو تنفي العلم؟ نفي العقل أشد. فاستعمل ألفى في نفي العقل ونفي العقل يعني نفي العلم. نفى العقل وفي الثانية نفى العلم، العاقل يمكن أن يعلم لكن غير العاقل لا يعلم. وحتى في الآية الأخرى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) لقمان) الشيطان يدعو العاقل أو غير العاقل" يدعو العاقل لأن غير العاقل غير مكلف، يدعوهم معناه هم أصحاب عقل إذن هو يستعمل ألفى إذا أراد أن يذم أشد بنفي العقل ويستعمل وجد لما هو أقل. سؤال: الجاهليون كانوا يعلمون هذا الكلام ألفى ووجد والفروق الدلالية؟ هم قطعاً يستعملون ألفى في الأمور المادية المحسوسة أكثر ولذلك قال قسم من النحاة أنه ليس من أفعال القلوب. سؤال: إذن كل كلمة في القرآن تحتاج إلى دراسة وإلى علم غزير وليس إلى وجهة نظر أو انطباع القارئ أو الباحث في القرآن الكريم وهناك علاقات ترابطية ودلالية لا بد أن تحتاج إلى علم وأي علم. الإجتهاد مبني على علم وأصحاب علوم القرآن يذكرون شروط للذي يتصدى لهذا العلم، لا يأتي أحد ويقول أنا أفسر القرآن الكريم. .
  • ﴿وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٢٣﴾    [لقمان   آية:٢٣]
(وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23)) قال (من كفر) بالماضي وقبلها قال (ومن يسلم) بالمضارع. في آية سابقة قال تعالى (وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ (40) النمل) الشكر يتجدد وينبغي أن يتكرر لأن النعم متكررة متجددة فكل نعمة تستوجب شكر فقال ومن يشكر أما الكفر يكفي أن يكفر فمسألة واحدة (ومن كفر). قلنا من يسلم وجهه إلى الله، يفوض أمره إلى الله أو يتبع أوامر الله الاتّباع مسائل كثيرة وما يقتضي التفويض إلى الله أمور كثيرة متعددة في الحياة فقال (ومن يسلم) أما من كفر ليس بالضرورة أن يتجدد الكفر لو كفر في الاعتقاد مرة واحدة فلا يحتاج إلى التكرار. (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ (22) لقمان) قلنا إما يتبع أوامر الله أو يفوض أمره إلى الله وقلنا الإتباع في أمور كثيرة والتفويض تفويض الأمور إلى الله وما يحصل فيها والمصائب التي تقع عليه وما يحذره وما يخافه أمور كثيرة جداً فقال (ومن يسلم وجهه). *ما دلالة الفاء في (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) ثم ما دلالة هذا التعبير بالذات وما اللمسات البيانية فيها؟ (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) لو تأملنا فيه فهو تعبير غريب وليس مثل فلا تحزن لكفره، الكفر فاعل والكاف المخاطب مفعول به (المخاطَب هو الرسول )، في اللغة المنهي هو الفاعل لما أقول لا يضرب محمد خالداً المنهي هو محمد، المنهي هو الفاعل ففي الآية الكفر هو المنهي وليس الرسول . المعنى العام لا تحزن لكفره هذا أصل المعنى لكن كيف اختار التعبير؟ لماذا لم يقل فلا تحزن لكفره. في اللغة المنهي هو الفاعل إلى المفعول. لم يقل تعالى فلا تحزن وإنما قال (فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) الكاف مفعول به. لو قال لا تحزن يكون الفاعل المخاطب (أنت) لكن في الآية المنهي هو الكفر. المنهي في الآية هو الكفر يعني أيها الكفر لا تُحزِن رسول الله ، ينهى تعالى الكفر ألا يُحزن رسول الله  إشفاقاً على رسول الله  وكأن الكفر يريد أن يُحزِن رسول الله . هذه فيها تعبير مجازي كأن الكفر ذات عاقلة تريد أن تحزن الرسول فينهاه تعالى (فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) تعبير في غاية اللطافة والرقة. قال تعالى في آيات أخرى (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (127) النحل) ليس هنا مفعول به منهي. في القرآن (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) فاطر) لأن الشيطان يغرّ المسلم، المنهي هو إبليس لكن المقصود به الإنسان أن لا يغتر بإبليس. (فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) المنهي هو الكفر أن لا يُحزِن رسول الله. الفاء في (فَلَا يَحْزُنكَ) الفاء يمكن حذفها. ذكرها له معنى وحذفها له معنى. الفاء هنا عرّفتنا جواب الشرط ولو حذف الفاء لا تكون شرطية، هناك ضوابط لاقتران الفاء بجواب الشرط. الفاء تحتمل أن تكون موصولة وتحتمل أن تكون شرطية والذي يحدد أحياناً ضابط لفظي كأن يكون الجزم (من يدرس ينجح) هذا شرط للأن إسم الموصول لا يجزم. هذا الذي يحدد الفاء الموطن موطن وجوب اقتران الفاء بالشرط لأن هذا نهي (لا) الناهية إذا كانت (من) شرطية فالفاء لا بد أن تأتي, وإذا كانت (من) موصولة لا تأتي الفاء. لو لم تأتي بالفاء في الآية تكون موصولة، الفاء شرطية وهذا هو المقصود. وإذا كانت موصولة ومن كفر لا يحزنك كفره المعنى ليس واحداً. الشرط يفيد العموم قطعاً (من يستعن بالله يعنه) لا يقصد شخص معين. أما الموصول فلا يدل على الغموم لأن الموصول معرفة وقد يكون المعرفة للجنس أو للواحد (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12)وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) المدثر) شخص معين واحد هو الوليد بن المغيرة. الموصول لا يقتضي أن يكون جنساً يحتمل أن يكون واحداً معيناً أو جنساً (أكرمت من زارني) من يزورني أكرمه، من يعتدي عليّ أعتدي عليه. الشرط يدل على العموم والكوصول ليس بالضرورة وفي الآية أراد تعالى العموم وليس جماعة معينة في الكفر وإنما الكلام على الإطلاق وفهمنا الإطلاق من الفاء. هذه الفاء عيّنت أن (من) شرطية والشرط يفيد العموم إطلاقاً لأنه لو قال لا يحزنك يحتمل أن يكون جماعة معينة بينهم مشادة أو أذى لا تعني غيرهم لكن عندما جاء بالفاء صارت للعموم ولو حذفها ليست بالضرورة للعموم إذن ذكرها ليس كحذفها، وجود الفاء يحدد معنى الشرطية لـ (من) وهذا فيه العموم وهذا هو المقصود بالآية. *قال تعالى في الآية (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ (23)) بالجمع وفي آية سابقة قال (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ (15) لقمان) بالمفرد واضافة (ثم) فما الفرق؟ (إلينا) ضمير التعظيم، إليّ ضمير الإفراد. الآية السابقة (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)) الآية السابقة في مقام الوحدانية والنهي عن الشرك فجاء بضمير الوحدة (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) (وإن جاهداك على أن تشرك بي) كلها في مقام التوحيد والنهي عن الشرك فيقول (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ). أما الآية الثانية فليست في مقام التوحيد فجاء كضير التعظيم وأيضاً قدم الجار والمجرور (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) للحصر أي إلينا مرجعهم لا إلى غيرهم. *هنا قال (فَنُنَبِّئُهُم) وفي مواطن أخرى قال (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (60) الأنعام) فما الفرق؟ في الآية السابقة في لقمان قال (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم (15)) (ثم) عاطفة تفيد التراخي. في الآية لم يأتي بـ (ثم) قال (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ). في الآية الأولى الكلام على التراخي معناها تقريب المرجع (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) هنالك مهلة أما في الآية لم يكن هناك مهلة وإنما جعل المرجع أقرب. لماذا جعل هناك مهلة وهنا لم يجعل مهلة بدون (ثم)؟ هو جاء بـ (ثم) هناك أكثر من سبب قال (وَإِن جَاهَدَاكَ) المجاهدة قد تسغرق وقتاً وقال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) فيها وقت (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) فيها وقت وهذا يناسب (ثم). أما في هذه الآية ليس فيها ما يدل على التراخي ما يقتضي التراخي أما في تلك الآية ما يدل على التراخي. السياق في هذه الآية ليس فيه تراخي كأن فيه تقريب الأمر (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) وقت قليل وينتهي لما نهاه عن الحزن فقال له الوقت قريب ولا يعقل أن ينهاه عن الحزن وأن لا يهتم بهذا ثم يقول له هناك وقت طويل فقال (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) إذن هناك أكثر من مسألة استدعت استعمال (ثم). عندما ترى صاحبك في ضيق وتريد أن تخفف عنه تقول له الدنيا قصيرة فتقلل الأمر في عينه حتى يخف فلما قال تعالى (فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ) يريد أن يصبره فقال أن الوقت قصير (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) المهم أن تهون المسألة عليه لا العكس، الله تعالى ينهاه عن الحزن فلا يطيل الوقت عليه. العرب كان تعرف هذا وهم كانوا إذا أرادوا أو يواسوا شخصاً يقولون له الدنيا قصيرة. *قال تعالى (فأنبئكم) وفي مواطن أخرى لم يستعمل الفاء فلماذا؟ في مواطن قال (فأنبئكم) (فينبئهم) (ثم ينبئهم) الأمر الأساسي في فهم التعبير هو السياق ووضعه في مكانه. أصل السياق في الدنيا (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا (159) الأنعام) لم يذكر إلينا مرجعهم. هناك لما ذكر المرجع صار بين الدنيا والتنبيه وقت طويل قال (ثم ينبئهم) وهناك قال (إلي مرجعهم) فلما رجعوا سيكون التنبيه أقرب وهنا لم يقل الرجوع (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (14) المائدة) إلى يوم القيامة الوقت ممتد فيقول سوف، السياق هو الذي يحدد. لما يذكر الكلام إذا كان السياق مبني على التأخير يقول (ثم). (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) الأنعام) ليس هناك استعجال فلا يقول فأنبئكم. في نفس السياق (قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) الأنعام) يقول (ثم) لأن المقام ليس في الاستعجال. السياق الذي يحدد ولا ينبغي أن نقطع كلمة من سياقها. *قال تعالى بما عملوا وفي آية سابقة في السورة قال بما كنتم تعملون فما الفرق بين الآيتين؟ الآية الكريمة قوله تعالى (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ذكرنا بعض الأمور التي تتعلق بالآية فيما سبق ووقفنا عند قوله تعالى (فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا). ربنا تعالى في آية سابقة في السورة نفسها قال (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)) (كنتم تعملون) هذا الماضي المستمر، كان يعمل مستمر، كنتم تعملون أي كنتم مستمرون على العمل في الماضي يسمى الماضي المستمر و(عملوا) هذا الماضي المنقطع. هناك أكثر من ماضي وأنواعه متعددة لكن في الآية (بما كنتم تعملون) بالماضي المستمر وهذه الآية بالماضي المنقطع (بما عملوا). السبب كما ذكرنا أكثر من مرة أن السياق يحدد المسألة، في الآية السابقة ذكر استكرار المجاهدة (وإن جاهداك) واستمرار المصاحبة بالمعروف (وصاحبهما في الدنيا معروفاً) واستمرار الإتباع اتباع المنيبين إليه (واتبع سبيل من أناب إليّ) ثم قال (ثم إلي مرجعكم) و (ثم) تفيد المهلة والتراخي، هذه الأمور تحتاج إلى استمرار عمل، هنا ليس فيها استمرار عمل (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) ما ذكر أموراً فيها دلالة على استمرار العمل لكن المصاحبة والمجاهدة واتباع سبيل المؤمنين ثم إلي مرجعكم أما هنا ما قال (ثم) فيها أصلاً إذن هناك سياق الآية يدل على استمرار العمل قال بما كنتم تعملون جاء بالماضي المستمر وهنا ليس فيها استمرار عمل فقال بما عملوا فإذن هذه مناسبة لهذا الموضع وتلك مناسبة للموضع الذي وردت فيه. الماضي المستمر له دلالات سياقية. مسألة الماضي فيها أكثر من ستة عشر زمن في الماضي، يُدرّس للأطفال الفعلال ماضي أنه ما مضى وانقطع فقط وتبقى هذه المعلومة ثابتة بينما الماضي كثير هناك الماضي المنقطع، وأحياناً الماضي بحد ذاته هكذا عملوا، هو الآن ماضي منقطع أي انقطع وانتهى لأن الماضي بهذه الصورة قد يكون ماضي واستمر عليه لم ينقطع (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) طه) ليس مرة واحدة (وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) الأعراف) وأحياناً المنقطع لما يكون مسبوقاً بـ (كان) مثل قد كان فعل (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ (15) الأحزاب). وأيضاً هناك الماضي المعتاد كان رسول الله يفعل كذا أي معتاد عليه كان رسول الله  يمسح كذا ثلاثاً ماضي معتاد بمعنى الماضي المستمر يسمونه المعتاد أي ما اعتاد عليه. هناك كلام كثير في الماضي. *قال تعالى (فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) بالفاء وفي سورة المائدة قال (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (14))؟ ذكرنا هذا الأمر في الحلقة السابقة أنه في بعضها لم يذكر إلينا مرجعهم وهنا ذكر إلينا مرجعهم فلما يكون المدة بين الرجوع والتنبيء ليست طويلة بينما لم يذكر أصلاً المرجع فيكون المسافة أطول وشرحنا أمثلة في حينها. *في قوله تعالى (إن الله عليم بذات الصدور) لم يقل إننا مع أنه قال قبلها (إلينا مرجعهم) بضمير الجمع؟ في أكثر من مناسبة ذكرنا أنه إذا ورد ضمير التعظيم لا بد أن يسبقه أو يأتي بعده ما يدل على الإفراد وهذا سمت في القرآن الكريم لم يتخلف في أي موطن من المواطن في جميع القرآن. لما كان ما سبق هو في ضمير التعظيم (إلينا مرجعهم فننبئهم) يأتي بعده ما يدل على المرد لئلا تبقى في الذهن شائبة شرك فقال (إن الله عليم بذات الصدور) وهذا ثابت في القرآن واضح في جميع القرآن لم يتخلف في موطن واحد حيث ذكر ضمير التعظيم لا بد أن يسبقه أو يأتي بعده ما يدل على أنه مفرد. *(إن الله عليم بذات الصدور) مع أن الآية تتكلم عن الذي كفر ومع هذا لم يقل عليم به؟ قال تعالى (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) كأنما المناسب أن الله عليم به أي بالكافر على الأقل. لو قال إن الله عليم به سيقصر العلم الآن على من كفر لكن لما قال عليم بذات الصدور صارت أشمل ودخل فيها الذي كفر وغيره. عليم بالذي كفر فيها تخصيص بالذي كفر تحديداً لو قال عليم به يعود الضمير على من كفر، إنما قال عليم بذات الصدور دخل فيها من كفر ومن لم يكفر والله تعالى ليس فقط عليم بالذي كفر بل هو عليم بذات الصدور عموماً فهذا حتى يفيد العموم وهذا في القرآن كثير (وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) الأعراف) ما قال إنا لا نضيع أجرهم وهذا أفاد أن هؤلاء من المصلحين معناه أن الذين يمسكون الكتاب وأقاموا الصلاة من المصلحين ثم هنالك مصلحون آخرون دخلوا فيهم فدخل فيهم هؤءلا وهؤلاء. من اعتدى على فلان فإننا نعاقب المعتدين فدخل فيهم من اعتدى على فلان وعلى غيره فهذا أفاد الشمول فدخل فيه هؤلاء ودخل فيه صار عموماً أن الله عليم بذات الصدور ولو قال عليم به المعنى يختلف من ناحية أخرى، هو قال بذات الصدور وذات الصدور يعني خفايا الصدور لو قال عليم به ستكون للأشياء الظاهرة إن الله عليم به أي بالشحص الذي كفر لكن لما قال بذات الصدور صار الخفايا يعني ما في داخل الصدور. فإذن شمل علمه ما في الصدور، (فننبئهم بما عملوا) هذا أمر ظاهر (إن الله عليم بذات الصدور) بذات الصدور هذا أمر خفي إذن هذا الكلام للظاهر والخفي، إذن لما قال بذات الصدور شملت الظاهر والباطن ولو قال عليم به أفادت الظاهر فقط. إذن أولاً أفادت الآية عموم العموم وليس الخصوص هؤلاء وغيرهم من كفر ومن لم يكفر وأيضاً الظاهر والباطن، الأمور الظاهرة وخفايا الصدور ولو قال عليم به لا تشمل هذا فإذن هذا توسع كثير والآن وضح أنه شمل علمه ما ظهر وما بطن ولو قال عليم به لم تشمل هذا الشيء.ثم قال عليم ولم يقل عالم، عليم صيغة مبالغة. في أكثر من مناسبة قلنا أن كلمة عالم في القرآن لم ترد إلا في علم الغيب خصوصاً والمفرد (عالم الغيب) أو الغيب والشهادة (عالم الغيب والشهادة) وعلاّم للغيوب وعليم مطلقة لكل شيء. لهذا قال عليم بذات الصدور وما قال علام ولا عالم وهذا من خصوصية استعمال القرآن الكريم لأنه خصص كلمة عالِم بهذا المعنى لكن من حيث الاستخدام اللغوي يتعاور بعض هذه الكلمات مكان البعض الآخر عدا المبالغة وإسم الفاعل، المبالغة فيها تكثير وإسم الفاعل ليس فيه تكثير هذا من حيث اللغة. وكذلك أكّد هذه المسألة بـ (إنّ) في قوله (إن الله عليم بذات الصدور) واستخدم عليم دونما عالم أو علام وقال بذات الصدور وليس به. .
  • ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٢٦﴾    [لقمان   آية:٢٦]
.(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)) فكرة عامة عن الآية: الآية الكريمة (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)) نلاحظ ابتداءً أنه قدّم الجار والمجرور قال (لله ما في السموات والأرض) الذي هو الخبر على المبتدأ (لله) خبر و(ما في السموات) مبتدأ أصلها ما في السموات والأرض لله، فقدّم الجار والمجرور للحصر هذا من باب تقديم العامل على المعمول في الغالب يفيد الحصر أو القصر يعني لله ما في السموات والأرض حصراً لله ليس لأحد غيره. نلاحظ هنا أنه ذكر أن له ما في السموات والأرض وقبل هذه الآية قال (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) ذكر هنالك خلق السموات وهنا قال لله ما في السموات وهذا يدل على أن له السموات والأرض وما فيهما هنا ذكر ما فيهما لم يذكر السموات والأرض وإنما ذكر ما فيهما وهناك خلقهما إذن هو الصانع لهما فدل على أن له السموات والأرض وما فيهما باعتبار خالقاً وصانعاً ومالكاً لما فيهما لأن الشخص قد يكون يملك الظرف لكن لا يملك ما فيه، (لله) اللام تفيد الملكية. قد يملك الإنسان الظرف ولا يملك ما فيه فقد يملك أحدهم بيتاً وآخر يملك الأثاث فالأثاث للساكن والبيت لصاحب البيت. إذن لا نفهم من خلق السموات والأرض أنه يملك ما فيهما فالخلق شيء والملك شيء. هو خلق السموات والأرض إذن هما ملكه وذكر أن ما فيهما أيضاً ملكه إذن صار السموات والأرض وما فيهما ملكه حتى لا يظن ظان أنه مجرد خالق للسموات والأرض أما المالك فشخص آخر كمن عنده مخزن يؤجره لشخص يضع فيه بضاعة البضاعة لشخص والمالك شخص آخر، السموات الظرف والمظروف كله لله سبحانه وتعالى. إذن دل بهذه الآية ما قبلها أن الله تعالى مالك السموات والأرض ومالك ما فيهما. وقال سابقاً (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) تسخير، نستفيد من قوله (سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) وقوله (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) على أنه المتصرف فيهما وليس فقط أنه المالك. هناك خلق وهنالك مِلك وهنالك تصرف. الخلق لا يغني عن الملك والتصرف. إذن هو المالك للسموات والأرض وما فيهما والمتصرف فيهما. أنت تملك داراً بنيتها وأثثتها فصارت الدار وما فيها لك والحاكم يريد أن يقيم شارعاً فرأى أن يهدم البيت فالحاكم هو المتصرف وليس أنت لأنه يحدد المصلحة العليا. إذن هنا المالك للسموات والأرض وما فيهما والمتصرف فيهما هو الله سبحانه وتعالى. *قال تعالى هنا (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) وقال في الحج (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)) فما الفرق بين الآيتين؟ لما ذكر أن له ما في السموات والأرض معناه أنه غني هذا ابتداءً. وفي الآية السابقة لما قال (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) معناه أنه حميد، الذي له الحمد هو الحميد فهو الغني الحميد أي الغني المحمود في غناه وعلى وجه الإطلاق. ذكرنا سابقاً في قوله (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)) وتعرضنا لهذه الآية سابقاً، هنالك في الآية (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) لم يقل إن الله هو الغني الحميد من دون تعريف ومن دون ضمير فصل وهنا قال (إن الله هو الغني الحميد) بالتعريف (الغني الحميد) وضمير الفصل (هو). في آية الحج التي ذكرناها (وإن الله لهو الغني الحميد) زيادة على هذه الآية باللام (لهو). إذن صار عندنا ثلاث آيات: إن الله غني حميد، إن الله هو الغني الحميد، إن الله لهو الغني الحميد . في الآية الأولى الغني في عُرف الناس هو الذي يملك. في الآية الأولى عندما قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) لم يذكر له ملك وإنما قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) وضربنا مثلاً قول أحدهم أعطني حتى أكتب عنك وأذكرك في الصحف أو أثني عليك في قصيدة فيقول أنا غني عن مدحك، إذن إن يشكر أو يكفر فإن الله غني عن ذلك وذكرنا سليمان عندما أرسل إلى الخليل ابن أحمد بغال محمّلة وجاء إلى الخليل بن أحمد وهو في البصرة يأكل الخبز اليابس وقال له يقول الأمير تحوّل إلينا نكرمك وأتى له ببغال محمّلة قال الخليل: أبلِغ سليمان أني عنه في جِدَة وفي غنى غير أني لست ذا مال غني عن هذا يكتفي بما هو عنده وغني عما يدفعه سليمان أو غيره من نعمة العيش ويكفيه رغيف خبز يابس وقال هذا عندي ما يكفيني. غني يستغني عما في أيدي الناس يرى في نفسه أنه مكتف عن غيره، هذه مرحلة أولى لذلك في الآية الأولى التي لم يذكر له ملك. في هذه الآية ذكر ملك قال (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) أيها الأغنى أن تقول فلان غني أو فلان هو الغني؟ فلان هو الغني. لما ذكر له ما في السموات والأرض ليس مثل تلك التي لم يذكر له ملك، هنا قال (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فلما زاد الملك زاد في الغنى تخصيصاً ومعرّفاً وحصراً لم يبق شيء لغيره الآخرون ما يسمون أغنياء هم يملكون أشياء مالكها الله تعالى إذن (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) أي لا غني غير الله سبحانه وتعالى. نأتي إلى آية الحج (وإن الله لهو الغني الحميد) قال في الحج (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) الحج) أولاً كرر (ما) والتكرار يفيد التوكيد والسعة ولم يكتف بهذا وإنما قال وإنما جاء بالواو (وإن الله لهو الغني الحميد). آية لقمان التي نحن بصددها جعل ما في السموات والأرض دليلاً على غناه، استدل على غناه بأن له ما في السموات والأرض وفي آية الحج جعلها من غناه وليست الدليل على غناه، جعلها من جملة ما يملك وليست السموات والأرض دليل على غناه وإنما هو غني بأشياء أخرى. تقول فلان يملك مائة دار وألف بستان إنه غني وفلان يملك مائة دار وألف بستان وإنه غني يعني لو زالت هذه هو يبقى غنياً وهذه من جملة ما يملك، إذن الدور والبساتين هي من جملة ما يملك لو ذهبت هو يبقى غنياً وليست هي كل غناه أما تلك لما قلنا إنه غني جعلته بما ذكرت له مما يملك. في سورة لقمان جعل غنى الله مرتبطاً بملك السموات والأرض وفي آية الحج جعلها من جملة ما يملك، هذه الواو استئناف وليست عاطفة، (وإنه غني) يعني حتى لو ذهبت لا يؤثر على غناه. أيها الأولى بالتوكيد؟ الآية في سورة الحج لذا لا يمكن أن نضع تعبيراً مكان تعبير بلاغياً بيانياً لأن الموازين في التعبير دقيقة جداً (إن الله غني حميد) (إن الله هو الغني الحميد) (وإن الله لهو الغني الحميد) المشركون لم يكونوا يتكلمون بهذه البلاغة وهي متفاوتة عندهم لكنهم كانوا يفهمون هذا الكلام ويستشعرون الفروق الموجودة واللمسات أكثر مما يستشعر كل كلمة عاشقة مكانها، في أماكن متباعدة كأنها لمحة واحدة بينما كل كلمة نزلت في آية نزلت في زمن متباعد بينما هي كلها وضعت في وقت واحد، لا يمكن أن نتصدى لآية مبتورة عن السياق لا بد أن نضعها في السياق. *مرة يقول (لله ملك السموات والأرض) ومرة يقول (لله ما في السموات والأرض) فما الفرق؟ هناك فرق بين مُلك ومِلك، المُلك الحُكم فرعون قال (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (51) الزخرف) يعني الحكم وليس مملوكة له. والمِلك من التملّك فصاحب المُلك مَلِك وصاحب المِلك مالك في الفاتحة نقول ملك يوم الدين ومالك يوم الدين لأنه تعالى الملك والمالك. لما يقول (ملك السموات والأرض) يعني هو الحاكم ولما يقول (له ما في السموات والأرض) هذا التملك مملوكة له. فإذن في مجموعة هذه الآيات أنه هو المالك وهو الملك، كل آية لا تدل على الأخرى (له ما في السموات) من التملك فهو ملكهما ومالكهما كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ (26) آل عمران) المُلك هو مِلكه (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء) بيده التصرف فهي ملكه. في الفاتحة هنالك قراءتان متواتران ملك يوم الدين ومالك يوم الدين، الآية نزلت مرتين مرة ملك يوم الدين ومرة مالك يوم الدين وهي قراءات نزل بها جبريل وأقرها رسول الله  بأمر من ربه. هناك عشر قراءات متواترة عن الرسول  أقرها الرسول  بأمر من ربه.
  • ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٧﴾    [لقمان   آية:٢٧]
.(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)) فكرة عامة عن الآية: لما ذكر قبل هذه الآية أن له ما في السموات والأرض لربما يظن ظان أن هذا جميع ملكه، لكن جاءت بعدها (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) كلماته ما يريد أن يعمل ويخلق وكل شيء إذن لا حدود لملكه وخزائنه لعله يفهم أن ما سبق هو كل ما يملك فذكر لنا أن هذا ليس شيئاً إذا ربنا شاء أن يفعل فهذا شيء من كلماته سبحانه وتعالى. الآية (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ) معناها لو تتبعنا شجر الأرض شجرة شجرة ولذلك حتى الزمخشري قال لماذا لم يقل من شجر؟ لو تتبعناها شجرة شجرة وجعلنا من أغصانها كل واحدة أقلام والشجرة فيها عدد لا يحصى من الأقلام وكل ما في الأرض لا نترك شجرة نصنع منها أقلاماً، جميع أشجار الأرض تتبع وإحصاء وإنما شدرة شجرة بحيث لا تترك شجرة في الأرض ويضنع منها أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر بمداد (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) الكهف) يكتب به كلمات، الأشياء التي عنده تعالى في خزائنه، الأقلام تفنى والبحر ينفد ويجف ولا تنفذ كلمات الرحمن. اختار كلمات مع أنها جمع قلة واستخدم القرآن كلِم بالجمع (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ (46) النساء) أن كلماته لا تفي بها البحار فكيف بالكلِم؟! ما قل من كلمة لا تفي بها هذه البحار والأقلام فكيف بالكلِم؟! حتى نعلم أن ما ذكر قبلها من الآية هي شيء من كلماته سبحانه، ما في السموات والأرض مجرد شيء. *(إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وفي نفس السورة قال (العزيز الحكيم) بتعريف العزيز الحكيم فما الفرق بين الآيتين؟ هو سبحانه عزيز بقدرته التي لا تحد وعلمه الذي لا ينتهي وبخزائنه التي لا تنفد وحكيم لا يصدر فعله إلا عن حكمة. لو قرأنا الآية (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) والآية السابقة قال تعالى (وهو العزيز الحكيم) من دون تأكيد. هذه الآية في الآخرة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)) في الآخرة معلوم واضح أنه لا يبقى عزيز إلا هو ولا حاكم إلا هو حصراً أما في الدنيا نرى أشخاصاً أعزة وحكام وملوك يتداولون هذا في الدنيا أما في الآخرة فهو العزيز الأوحد وهو الحكيم الأوحد وهذا معلوم للجميع هذا يوم لا ينطقون يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون، هناك يظهر للجميع وهو معلوم أنه العزيز الأوحد لا عزيز سواه ولا حكيم سواه لذلك عرّف (هو العزيز الحكيم) حصراً لا عزيز سواه حصراً فالتعريف هنا يفيد الحصر. لما نقول هو عزيز يحتمل أن يكون هنالك عزيز آخر أما لما نقول هو العزيز أي لا عزيز غيره وفي الآخرة قال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ولم يؤكد لأن التوكيد يكون عند المخاطب عنده شك أو ظنّ فيحتاج للتوكيد لكن هذا أمر ظاهر للجميع في الآخرة الأمر ظاهر لا يحتاج فقال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) حصراً بينما في الدنيا هناك من يخالف هناك من يشك هناك من يظن هناك من يقول لا هناك من ينكر قال (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وهنالك أعزة وهناك حكماء وهناك حكام وهنالك ملوك أما في الآخرة فالجميع يرون أنه ليس هنالك عزيز أصلاً لا أحد يتمكن أن يتكلم أو ينطق إلا إذا أراد الله فهو الحاكم والحكيم حصراً لا أحد يحكم سواه، في الآخرة قال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) حصراً وقصراً بما لا شك فيه. إذن ربنا تعالى يؤكد ما له إذا اقتضى المقام التأكيد ولا يؤكد إذا لم يقتض لتأكيد وهذا من البلاغة. لغوياً يجوز لكن بلاغياً فيها كلام. يجب أن نضع الآية في مسرحها هذه الآية في الدنيا أو في الآخرة ولا نقول أن عزيز في اللغة تعني كذا وحكيم تعني كذا لأن هذا أمر معجمي نأخذ المعاني من المعجم لنفهمها أما أمر بياني فيوضع في النص أنت تأخذ المعاني من المعجم لتفهمها أما في التركيب فشيء آخر. على سبيل المثال فسق خرج عن الطاعة، عندنا في القرآن المصدر فِسْق وفسوق في اللغة تعني الخروج عن الطاعة لكن القرآن يستعمل الفسق في سياق الأطعمة مطلقاً (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ (121) الأنعام) أما الفسوق فعام (بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ (11) الحجرات) الفسوق عامة والفسق فقط في الأطعمة وهذا من خصوصية الاستعمال في القرآن. أيها الأكثر في الحروف الفسق أو الفسوق؟ الفسوق فجعلها عامة في كل عموم الفسق، هناك مواءمة بين أحرف الكلمات والدلالة.
  • ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿٢٨﴾    [لقمان   آية:٢٨]
.(مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28)) * ما اللمسة البيانية في الآية وما هو ارتباط هذه الآية بما قبلها وما بعدها؟ هذه الآية أولاً من الناحية البيانية ارتبطت بما قبلها (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)) (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) لقمان) خلق الناس من كلمات الله وبعثة من كلمات الله، خلقكم كنفس واحدة من كلمات الله وبعثهم كنفس واحدة من كلمات الله. ختم الآية (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) وقبلها قال (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ما قبلها قال (عزيز حكيم). لاحظ كيف ارتبطت هذه الآية بخاتمة الآية السابقة من الناحية البيانية الخالق عزيز حكيم، الخالق له العزة والمخلوقات كلها من صنعه وهي له طائعة إذن هذا مرتبط باسمه (عزيز). الخالق حكيم، حكيم في خلقه وصنعه وخلقهم لحكمة أرادها (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) إذن هو حكيم في الصنع وحكيم في الغرض، إذن (مَّا خَلْقُكُمْ) ارتبط بقوله العزيز من حيث الحكمة والعزة. الذي يبعث الخلق (وَلَا بَعْثُكُمْ) عزيز حكيم، عزيز لأنه يجازي ويعذِّب ولا رادّ لأمره، حكيم بمعنى الحكم هو الحاكم، هكذا هو الحاكم (أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ (46) الزمر) وهو الحكمة (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) المؤمنون) إذن هو حكيم بمعنى الحكم وبمعنى الحكمة. إذن ارتبطت هذه بالآية وأيضاً بخاتمة الآية (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ) لأن الخالق والباعث عزيز حكيم من الحكم ومن الحكمة. وارتبطت هذه الآية بما بعدها (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى (29)) هذ الأجل مسمى هو البعث الذي يبعث الله فيه الخلائق الذي ذكره (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) لقمان) وهم يجرون كجري الشمس والقمر إلى منتهاه. وارتبطت بجو السورة التي شاع فيها ذكر الخلق والبعث قال (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا (10)) (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (11)) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (25)). والبعث شائع من أولها إلى آخرها أول السورة قال (وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) وفي آخرها (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (23)) ارتبط بالبعث. قال (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28)) الخلق ألا يكون سميعاً بصيراً؟ لا بد أن يكون، والذي يبعث لا بد أن يكون سميعاً بصيراً وإلا كيف يحاسبهم على أقوالهم وعلى أفعالهم ويسمع أقوالهم؟ بصير بأعماهم والأعمال قسم ظاهرة وقسم مضمرة، بصير بأعمالهم الظاهرة والمضمرة لأن البصير قد يكون من البصيرة. فإذن هي مرتبطة بالآية التي قبلها والآية التي بعدها والجو العام للسورة وبخاتمة السورة. ثم نلاحظ أنه قال (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) ولم يقل (إن الله هو السميع البصير) لأنه أثبت السمع والبصر بخلقه في السورة فقال (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (20)) هذا بصر، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ (29)) هذا بصر، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ (31)) هذا بصر، السمع (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا (7)) هذا سمع، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا (21)) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (25)) إذن أثبت لهم السمع والبصر. *حينما نتأمل في هذه الآية المتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أنها تعبر عن القدرة الإلهة في الخلق والبعث والقريب للعقل أن تختتم الآية إن الله على كل شيء قدير ولكن الآية ختمت (سميع بصير) فكيف نفهم الخاتمة في سياقيات الآية؟ الآية قد تحتمل أكثر من خاتمة فيمكن أن تجعل "إن الله على كل شيء قدير" وهذه يمكن أن تصلح لخاتمة أكثر من آية في السورة مثلاً يمكن أن نختم الآيات التالية بـإن الله على كل شيء قدير (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ) تحتمل أن تكون هذه خاتمتها وكذلك في السور الأخرى قد تحتمل السورة أكثر من خاتمة لكن اختيار الخاتمة ينبغي أن يكون مناسباً للسياق الذي وردت فيه الآية والغرض الذي ذكرت من أجله الآية. هذه ليست مقتطعة وإنما الآية موضوعة في سياقها فلماذا ذُكِرت الآية؟ مثلاً في عموم الآيات أيّ آية ننظر هل هي واردة في سياق بيان القدرة الإلهية؟ أو بيان الحكمة؟ في عموم ما يرد في الآيات ننظر أي آية لأي غرض وردت؟ هل السياق لبيان القدرة أو بيان الحكمة أو بيان التفضل والنعمة، عموم الآيات، الآية عندما ننظر فيها لأي غرض وردت وفي أي سياق؟ بيان الغنى؟ بيان صفة الإلهية؟ بيان موقف الإنسان منها؟ مثلاً إنزال الماء من السماء وإخراج الزرع والفاكهة والحبوب هذا يمكن أن يساق في بيان قدرة الله ويمكن أن يساق في بيان نعمة الله على الإنسان والحيوان، زرع وحبوب وفاكهة هذا أمر آخر ويمكن أن يساق في أمر آخر للاستدلال على البعث والنشور ويمكن أن يساق في بيان جحود الإنسان لنعمة ربه وهذا كله ممكن في مسألة واحدة وهي إنزال الماء من السماء وإخراج النبات وكلها تحتمل، كيف تأتي الخاتمة؟ الخاتمة تختلف بحسب السياق والغرض. مثال: قال تعالى (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (193) آل عمران) قال (وتوفنا مع الأبرار)، (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) آل عمران) هنا ختم الآية بـ(انصرنا على القوم الكافرين)، لو أخذناها مقتطعة لسألنا لماذا اختلاف الخاتمة؟ لكن الآية (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) آل عمران) قبلها مباشرة (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)) هل يمكن في القتال أن تقول توفّنا؟ تقول في القتال انصرنا، لذا لا يجوز أن نقتطعها ونضع لها خاتمة. ولا يمكن أن تضع خاتمة تلك الآية في هذه الآية لأن كل منها في سيقا واحدة في سياق حرب وقتال وطلب الثبات. والقدامى يضربون لنا مثالاً (ون تعدوا نعمت الله لا تحصوها) وردت مرتين كل مرة بخاتمة، الآية الواردة في سورة النحل (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (18)) هي في بيان صفات الله فختمها بقوله (إن الله لغفور رحيم) أما الثانية ففي بيان صفات الإنسان وجحوده، فلما كانت في بيان صفات الإنسان وجحوده ختمها (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) إبراهيم) النعم لا تحصى لكن الإنسان ظلوم كفار مع أن نِعَم الله إن الإنسان متتالية عليه ومتتابعة لكنه ظلوم كفار، السياق هكذا واحدة في صفات الله وواحدة في صفات الإنسان فلا يصح أن تؤخذ الآية مقتطعة من سياقها. حتى في حياتنا اليومية نذكر أمراً لكن الغرض من ذكره يختلف، مثلاً تذكر حادثة غريبة تدل على كسل شخص لكنك تذكر الحادثة لبيان صفة الشخص أو للتندر منها أو لبيان أن هذا الشخص لا يصلح في المكان الذي عُهِد به إليه أو سيفرِّط في المسألة، هي مسألة واحدة لكن ما الغرض من الذي ذكرته؟ التعقيب يكون بحسب الغرض من الذكر في حادثة واحدة يمكن أن نذكرها في أماكن متعدة وفي جلسات متعددة وهكذا ينبغي أن يكون النظر في خواتيم الآيات عموماً لا نقتطعها وإنما نضعها في سياقها وننظر الغرض في هذه الآية. ننظر في الآية (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) كيف اتفقت خاتمة الآية بسياقها؟ ابتدأت بالخلق والبعث وختمت بالسمع والبصر، الخالق ألا بد أن يكون سميعاً بصيراً؟ لا بد أن يكون سميعاً بصيراً، الذي يبعث الخلق من مدافنها لا بد أن يكون سميعاً بصيراً، الخالق الذي يخلق عباده ليعبدوه وليبلوهم أيهم أحسن عملاً لا بد أن يكون سميعاً لأقوالهم بصيراً بأعمالهم، الذي يبعثهم ليحاسبهم على أعمالهم لا بد أن يكون سميعاً لما قالوه في الدنيا وما يحتجون به في الآخرة، وبصير بأعمالهم في الدنيا وبما كانوا يعملون وبما أعد لهم لا بد أن يكون بصيراً بهذا الشيء وأنه لا يبقى منهم أحد لا يحاسب. أعمال الإنسان منها ما يُسمَع ومنها ما يُبصَر ومنها ما يُضمَر ولما قال (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) استوفى ما يُسمع وما يُبصر وما يُضمر، السميع يسمع والبصير يحتمل رؤية العين ويحتمل أن يكون من البصيرة (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) القيامة) (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) غافر) البصير تحتمل من البصر ومن البصيرة إذن سميع يشمل ما يُسمع وبصير يشمل ما يُبصر وما يُضمر وقبلها قال (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23)) فإذن ذكر ما يُضمر تنصيصاً إذن هذه الآية شملت ما يُسمع وما يُبصر وما يُضمر وهذا يتلاءم مع الخلق والبعث ولا بد للخالق أن يكون كذلك والباعث لا بد أن يكون كذلك سميع بصير. ونفهم القدرة الإلهية من الخلق والبعث السمع والبصر ولو قال إن الله على كل شيء قدير هذا مفهوم أصلاً لكنه أضاف معنى جديد آخر. *قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) ولم يقل إن الله هو السميع البصير فما دلالة عدم توكيد سميع بصير؟ لما يقول (هو السميع البصير) يعني المتفرد بالسمع والبصر لكنه أثبت لنا في السورة أنه سميع بصير في قوله (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (20)) يعني الإنسان يُبصر، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ (29)) (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ (31)) إذن أثبت البصر للإنسان. وقال (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا (7)) يعني يجعل نفسه كأنه لا يسمع هو يسمع (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (20)) الذي يجادل يسمع الكلام، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا (21)) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (25)) أجابوا عن السؤال إذن أثبت لهم السمع وأثبت لهم الرؤية فكيف يكون متفرداً في السمع والبصر؟ السياق لا يتحمل هذا، في السورة أثبت لهم السمع والبصر. أحد معاني البصير من البصر وهي الأشهر فطالما أثبتها للعباد لا يتناسب أن يقول إن الله هو السميع البصير لأن السورة مليئة بالسمع والبصر. * ما دلالة تقديم السمع على البصر.؟ الأكثر في القرآن تقديم السمع على البصر (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) غافر) (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) الإنسان) (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) الفرقان) القدامى يقولون أن السمع أفضل واستدلوا على أنه تعالى لم يبعث نبياً أصمّ (يعقوب  عميَ لكنه لم يفقد السمع)، الظاهر أن السمع بالنسبة لتلقي الرسالة أفضل من البصر لأن فاقد البصر يسمع الرسالة، القرآن يسمعه الأعمى ويفهم مقاصده أما الأصم فلا يفهم. إذن بالنسبة إلى تلقي الرسالة السمع أفضل وفاقد البصر يسمع. وقد يكون سبب آخر أن مدى السمع أقل من مدى الرؤية أنت ترى أشياء من بعيد لكن لا تسمعها تسمع الصوت أقرب فإذا اقتضى هذا الشيء قدم السمع (إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) يشير إلى معنى قريب منكم، مدى السمع أقرب فمعناها أنه قريب. وقد يقدّم البصر لكن في المواطن التي تقتضي، على سبيل المثال (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) السجدة) قدّم البصر لأكثر من سبب أولاً قال (وَلَوْ تَرَى) والرؤية تحتاج إلى بصر، هم قالوا (أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا) كانوا في الدنيا يسمعون عن جهنم والآخرة ولكن لا يبصروها والآن أبصروها وسمعوا، قدّم البصر لأولويته في هذا المقام والإبصار هنا أهم من السمع لأن السمع يدخل في باب الظن الشك أما الابصار فهو يقين قال (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) يقين. إذن التقديم والتأخير هو السمع على البصر على العموم لكن إذا اقتضى الأمر تقديم البصر على السمع يقدِّم، وفي الخِلقة يخلق الله تعالى السمع قبل البصر.
إظهار النتائج من 5771 إلى 5780 من إجمالي 12325 نتيجة.