آية (13):
*(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) وفي السجدة (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة) الجنة مقصود بهم الجن فما الفرق بين الجن والجِنّة؟ وما دلالة البدء بالجن والجِنّة؟
الجن القرآن يستعمله بما يقابل الإنس (الجنّ – الإنس) هما الأصلان لهذين الجنسين، أصلان للمخلوقات (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء) أما الجِنة فيستعملها بمقابل الناس (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة) (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ (6) الناس). الجنّ والإنس هما الأصلان أما الناس فتكون مجموعة قليلة أو كثيرة من هؤلاء أو أفراد منهم، قد يكون الجميع (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (158) الأعراف) لجميع المخاطبين من آدم إلى أن تقوم الساعة، أو أفراد منهم (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ (173) آل عمران) تكون هناك قرينة سياقية تحدد المعنى لكن لا تدل على عدد معين إنما تدل على مجموع قد يشمل جميع الناس (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) وفي الحديث " أشيروا عليّ أيها الناس" والمقصود الأنصار. الجِنّة مجموعة من الجن قد تكون قليلة أو كثيرة. الجنّ هم الأصل مع الإنس ويستعمل في الغالب الجان بمقابل الإنسان. الجنّ الأصل مثل الإنس والجان قد يكون واحد من هؤلاء مثل الإنس والإنسان والإنسان واحد من الناس وقد يطلق على الأكثر. الإنس غير الناس أحياناً لا يمكن استعمال الإنس مكان الناس (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ (13) البقرة) لا يمكن أن يقال كما آمن الإنس. أصل البشرية الإنس، (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ (173) آل عمران) لا تنفع هنا الإنس، فإذن الإنس بمقابل الجنّ والناس بمقابل الجِنّة. الذي يدل على عموم الجنس في البشر الإنس ومقابله الجنّ، الجنّ مقابل الإنس والجِنّة مقابل الناس والجان مقابل الإنسان (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15) الرحمن). هذا ليس من خصوصية الاستعمال القرآني وإنما هو في لغة العرب.
*ما معنى حق القول؟
حق القول في القرآن معناه ثبت لهم العذاب. القول هو قوله تعالى (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة). كلمة حق القول إشارة إلى حق القول مني. الذي ورد في القرآن الكريم طبعاً عموم النحاة كلهم يذكرون أن حق القول المقصود به (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة) أو (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) ص) حق القول في القرآن الكريم وكذلك حقت الكلمة لم ترد إلا في ثبوت العذاب هذا يمتد في جميع القرآن استقصاء بإلا بمعنى وجب لهم العذاب أو ثبت لهم العذاب مثال (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) القصص) (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) فصلت) (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) الأحقاف) (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة) (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) يس) (لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) يس) (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) الصافات) (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ (19) الزمر) (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) الزمر) (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) غافر) (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (97) يونس) (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (33) يونس) كلها لم ترد في القرآن لم ترد إلا بهذا المعنى وهذه الدلالة، حق القول أو حقت الكلمة لم ترد إلا بهذه الدلالة.
آية (94):
*انظر آية (67).
* (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) هود) وفي موقع آخر (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) هود) ما الفرق بين أخذ وأخذت ودارهم وديارهم؟
هنالك التذكير أخذ وأخذت. في سورة هود في قصة قوم صالح قال تعالى (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68))، في قصة شعيب قال (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)) لو لاحظنا قال في صالح (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) لم يقل في قوم شعيب (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) والخزي مذكّر فإذن هذا أنسب للتذكير (أخذ) ستكون الصيحة هنا بمعنى الخزي مع سيدنا صالح. هذا أمر وعندنا من الملاحظ أن التذكير في العقوبات أقوى من التأنيث، يعني المفروض أنه أخذ الذين ظلموا الصيحة أشد من وأخذت الذين ظلموا الصيحة كيف؟ قال أولاً (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) ولم يقلها في قوم شعيب، وقال (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) القوة والعزة مع قوم صالح ولم يقلها في شعيب والأمر الآخر قال (أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ) ولم يذكرها في قوم شعيب. إذن نلاحظ أنه ذكر الخزي والخزي مذكر وذكر ربنا تعالى وصف القوة (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) ثم ذكر أمر آخر سيء في قوم صالح وهو (أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ) أما في شعيب ما قال كفروا ربهم قال (ألا بعداً لمدين) إذن هنالك صفات في قوم صالح أشد فإذن تذكير الفعل مع قوم صالح أشد وهو أنسب مع قوله (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ). من حيث اللغة يجوز تذكير وتأنيث الفعل أولاً لأن الصحة مؤنث مجازي والمؤنث المجازي يجوز تذكيره وتأنيثه هذا من حيث اللغة ليس فبها إشكال لكن السؤال لماذا اختار التذكير في موضع والتأنيث في موضع؟ هذا السؤال أما من حيث اللغة ليس فيه إشكال وحتى الفواصل واحدة (الذين ظلموا) هذه التي تفصل بين الفعل والفاعل حتى لو كان مؤنثاً حقيقياً يجوز تذكيره.
*ما الفرق بين كلمتي (دارهم) و(ديارهم) من الناحية البيانية في القرآن الكريم ؟
الصيحة هي أشمل وأهمّ من الرجفة ويبلغ مداها أكثر من الرجفة فأنت تسمع صوتاً لم تكن فيه كانفجار أو زلزال يحصل في مكان لكن الصوت يُسمع في مكان آخر لذا فإنها تُصيب عدداً أكبر وتبلغ أكثر من الرجفة والمعلوم أن الصوت يمتد أكثر من الرجفة ولهذا فهي تؤثر في ديار عديدة لذا جاء استخدام كلمة (ديارهم) مع الصيحة كما في الآية 67 والآية 94 في سورة هود (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) ، أما الرجفة فيكون تأثيرها في مكانها فقط لذا جاء استخدام كلمة (دارهم) مع الرجفة كما في قوله في سورة الأعراف (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) آية 78 و91 (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) وكذلك في قوله تعالى (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) سورة العنكبوت آية 37 .ولم ترد في القرآن كلمة ديارهم إلا مع العذاب بالصيحة ولم ترد كلمة (دارهم) إلا مع العذاب الرجفة. وهذا عائد إلى طبيعة العقاب الموجود.
هناك مؤنث مجازي ومؤنث حقيقي وكلمة نسوة مؤنث حقيقي فلماذا جاءت (وقال نسوة) في سورة يوسف على هذه الصيغة؟(د.حسام النعيمى)
جمع التكسير والجمع الذي ليس له واحد من لفظه هذا غير المجازي والحقيقي مثل كلمة رجال وجمع الجنس مثل كلمة عرب هذا يجوز في الفعل معه التأنيث والتذكير بإعتبار التقدير: إذا قدّرنا جمع( قال جمع الرجال) نقول قال الرجال، وإذا قدرنا (قال جماعة الرجال) نقول قالت الرجال. فهنا (وقال نسوة) كان يمكن أن يقول قالت نسوة، لما قال (وقال نسوة) الفائدة حتى يكون شيء عام لغرض العموم..
آية (14):
* (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)السجدة) كيف ينساهم الله تعالى؟
أحياناً نحن نأخذ الكلمة على معنى واحد من معانيها ونتحيّر فيها بمعنى أنه نحن نفهم النسيان نسيت هذا الأمر بمعنى غاب عن ذاكرتي وهذا ليس معنى النسيان في لغة العرب دائماً وله دلالة أخرى وهي الترك والإهمال. لما تقول نسيت هذا الأمر بمعنى أهملته. (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) هم لم يكونوا متذكرين للقاء هذا اليوم حتى ينسوه وإنما كانوا منكرين له مهملين له. هل نسوا يوم القيامة؟ أم كانوا غير مكترثين به؟ فالنسيان هنا جاء بمعنى عدم الإكتراث والعبء بالشيء. طبعاً هناك مقابلة : نسيتم- ننساكم، ننساهم - كما نسوا، نسيتها- تُنسى، نوع من المقابلة اللفظية. نسيتها أي أهملتها فاليوم تُهمل من رحمة الله عز وجل يعني لا تنالك رحمة الله عز وجل لأنه (في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) بمعنى الغفلة عن الشيء لكن هنا النسيان بمعنى ترك الشيء وإهمال الشيء أنه يهمل واليوم تُنسى يعنى تُهمَل. السياق هو الذي يعين على فهم المعنى. القرينة السياقية المعنوية في الحقيقة أن الله تعالى لا يغيب عنه شيء فلا يُنسب له النسيان الذي نتخيله للوهلة الأولى أنه غفل عن الشيء، كلا. ليس في السياق الموجود فقط ولكن للقرينة المعنوية أيضاً . كلمة النسيان التي بمعنى الغفلة لا تُنسب لله سبحانه وتعالى نأخذها من المعنى أن الله عز وجل لا يُنسب له الغفلة لقوله سبحانه وتعالى (في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى). لكن من المعنى: أنت تقول مثلاً: بنى الأمير المدينة الفلانية فهل تفهم منها أنه ذهب بنفسه ووضع الحجر أو أمر ببنائها؟ أمر ببنائها. من أين فهمنا هذا المعنى؟ السياق ليس فيه أن الأمير بنى المدينة. من السياق والفكر والعلم يحملك على القول أنه ليس هو الذي قام عملياً بالبناء وإنما أمر به. فلما تأتي (فاليوم ننساهم) الله سبحانه وتعالى لا يضل ولا ينسى فلا ينسب له النسيان. وثانياً من اللفظ نفسه : هم لم ينسوا لقاء يوم القيامة وإنما ما أعدّوا له عدة ولم يكترثوا به. لا يقول أحد نسوه هم لم يتذكروه حتى نسوا وإنما ما أعدوا له العدة. قال تعالى (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى) هو لما خوطب بآيات الله تعالى إبتداءً أهملها ولم يلق لها بالاً فإذن اليوم تُنسى في نفس النمط أي لا يلقى لك بالاً، وليس أن هناك تعارض بين الآيات وهذا كلام عربي يفهمه العربي ومتعلّم العربية يفهمه أيضاً.
* لماذا اختلفت مصطلحات العذاب: الصيحة، الرجفة؟(د.حسام النعيمى)
لا يمنع أن يكون في وقت واحد اجتمعت عليهم حالة مجزّأة يعني أن يأتي هذا العارض الذي يظنونه مطراً ثم ينزل عليهم صوتاً أو ناراً أو ما أشبه ذلك ثم تكون هناك هزة أو رجفة في الأرض وفي كل موضع يختار لفظة معينة. نحن عندنا بيان حتى يكون هناك تعجب أواستفهام للسؤال لما يقول في مكان أنه أغرقهم وفي مكان أنه أخذتهم الرجفة لأن الإغراق غير الرجفة لكن هذه ممكن أن تكون صورة كاملة متكاملة أنه جاءت غمامة ظاهرها أنها ممطرة ثم كان فيها نار واهتزت الأرض ثم سمع صوت كأنه صوت انفجار بركان وصوت شديد بحيث الآن الدراسات الصوتية تقول يمكن للصوت أن يمزّق جسم الإنسان وصارت الأصوات تستعمل للتعذيب. أُنظر مثلاً أصحاب الأيكة هم قوم شعيب لما يقولون لشعيب (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) الشعراء) الآية تقول (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) لأن كسف السماء يناسب ذكر الظُلّة. لمّا في مكان آخر يحذّرهم (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) هود) ومن جملة من ذكرهم قوم صالح الذين عوقبوا بالصيحة قال عن قوم شعيب (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) هود) للمناسبة. الآية الكريمة في الكلام العام (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) العنكبوت) يمكن أن يجمع أكثر من صورة فتستعمل الكلمة الملائمة للسياق. الصيحة صوت قوي بحيث آذاهم أذى شديداً وكان جزءاً من العقاب. الرجفة هي اهتزاز الأرض والصاعقة هي فعلاً الصاعقة التي تنزل عليهم (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) الرعد) لكن لا يمنع أن تجتمع الحالات هذه في وضع واحد في أمر واحد.
* ما هو المكر في قوله تعالى (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ) ولماذا سماه الله تعالى المكر؟(د.حسام النعيمى)
لأن المكر في اللغة معناه التدبير، أن يدبر الشيء يرتبه.(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) آل عمران) هم دبروا والله عز وجل يدبّر وهو خير المدبرين. فهذا الكلام الذي قالته هؤلاء النسوة هو كان تدبيراً منهن للإساءة إليها فهو مكر إذن. ولو قال ( لما سمعت بكلامهن) لا يعطي هذه الصورة من صور الحقد واللؤم والتخطيط للإساءة إليها والنيل منها. لكن لما قال (بمكرههن) هي أيضاً دبرت تدبيراً آخر: مكر يقابل مكراً.
ستخدم تعالى في القرآن بعض الأفعال التي ربما تتشابه حرفياً ولها نفس الدلالة مثل (أعدّ وأعتد) وقال تعالى (وأعتدت لهم متكئاً) لماذا لم يقل وأعدت لهن؟(د.حسام النعيمى)
هذا يدخل في جانب التقارب الصوتي. الآية في سورة يوسف (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) يوسف) الحقيقة هنا سؤالان: لماذا أعتدت وليس أعدت ، ولماذا آتت وليس أعطت؟
الاثنان متقاربان لكن الاختلاف في الصوت. نلاحظ لما يقول (أعتد) هي فيها همزة التعدية التي هي (أفعل) يبقى (الفاء والعين واللام) فعل (عتد) حتى يكون الكلام قليلاً. و(أعدّ) فيها همزة التعدية بقي الأصل (عدد). ننظر عتد وعدد الفرق بينهما عين الفعل (تاء ودال). الدال هي تاء لكن ينضم اليها اهتزاز الوترين الصوتيين وهما غضروفان أشبه بشفتين حتى لا يتوهم المشاهد عندما نقول وترين: هما غضروفان متصلان من الأمام عند البروز الحنجري ولا نسميه كما تسميه التوراة (تفاحة آدم أكلها فغصّ بها وبقيت ظاهرة حتى تذكر الناس بمعصية أبيهم آدم) هذا الكلام ليس عندنا وإنما نحن نسميه بروز حنجري خلفه الوتران إذا أهتزا من 150 الى 250 مرة في الثانية يكون الصوت مجهوراً. فالتاء إذا صحبها اهتزاز الوترين تكون دالاً. جرّب أن تلفظ تاء من غير أن تلفظها ضع لسانك بحيث أنه لا يتغير عن موضع نطقك للتاء تظهر دالاً. الفارق حدوث اهتزاز فإذن التاء مهموس والدال مجهور. وهذا أنصع وأقوى وأوضح من نظيره المهموس، فلما نقول أعتدت فيها نوع من الرقّة والخفوت يتناسب مع هذه المرأة الرقيقة التي جمعت هؤلاء النسوة وهيّأت لهن هذا المتكأ ولم يقل المجلس لأن متكأ فيه شيء من الاسترخاء فتناسب التاء.
(وأعتدت) : نحن كنا بدأنا الكلام حقيقة على هذه الآية في بداياتها وقلنا أن هناك جملة مسائل يتوقف عندها المسلم الذي يريد أن يتأمل كلام الله سبحانه وتعالى من أول هذه المسائل هي قوله (وأعتدت لهن متكأ) هو في البداية الآية الكريمة (فلما سمعت بمكرهن). القصة بإيجاز: ما كان بين امرأة العزيز ويوسف ومحاولتها لإغواء وإغراء يوسف واعتصامه بالله سبحانه وتعالى هذه القصة. لكن بدأ النسوة ولا سيما المقربات من امرأة العزيز يتحدثن بشأنها. هذا الكلام الذي كان يجري بينهن وصفه القرآن الكريم بأنه مكر (فلما سمعت بمكرهن) فالكلام على الآخرين حقيقة حتى إذا كان صحيحاً إذا كان يسيئهم فهو من المكر وإشاعة الفاحشة يعني امرأة أرادت أن تُخطيءلكن أن يلغط عليها الناس فيما فعلته فهذا المكر وهو نوع من الإيذاء ولعلها تركن الأمر ولعلّها تابت. هي لما سمعت بمكرهن هي تحركت حركة سريعة أرسلت إليهن ولم يقل أرسلت اليهن بماذا؟ بأية رسالة؟ دعوة للعشاء؟ دعوة للغذاء؟ دعوة للعصاري؟ المهم هي أرسلت اليهنلأن هذا الذي يعنينا من القصة. امرأة العزيز توجهت إليهن برسالة ليحضرن إليها ويبدو أنهن استجبن لذلك وأرادت أن تدخلهن في امتحان (فلما سمعت بمكرهن ) (وأعتدت لهن) لما تنظر في الفعل: أصل الفعل (عَتَدَ) يعني العين والتاء والدال والفعل الآخر (عَدَدَ) فلما تدخل همزة التعدية يصبح أعتد ويفترض أعدد. الأصل (أفعل) أعتد وأعدد ليسا فعلاً واحداً وحدث فيه تغيير ما عندنا دليل، قد يكون كل منهما أصلاً وقد يكون الذي بالتاء هو الأصل وقد يكون الذي بالدال هو الأصل لكن وجود الادغام قد يرجّح – أقول قد- أن يكون الفعل بالتاء هو الأصل لأنه حينما يُسكّن التاء وبعده جال تُقلب التاء الى دال. التاء والدال إذا التقيا يكون ادغام، عادة يُدغم الأول في الثاني. لو قلت (هطلت ديمة) تقلب التاء دالاً (هطلديمة) فيمكن أن تكون التاء أصل وانقلبت الى دال، ويمكن أن يكونا أصلين مستقلين وبينهما تقارب وحيثما يوجد تقارب في الصورة يكون تقارب في المعنى. يقترب المعنى لما يأتي إلى (عتد) العين والدال مع (عدد) العين والدال واحدة الفارق في عين الفعل في الوسط هنا تاء وهنا دال. لما يستعمل عتد أو أعتد معنى ذلك أنه هناك شيء من الهمس لأن التاء مهموس ويكون هناك تنويع بين الجهر والهمس فلما يقول ربنا عز وجل (وأعتدت) غير (أعدت) هذا الادغام كأنه يصور لنا شيئاً مجموعاً مضموماً الى بعضه فيه قوة وشدة وجمع، أما أعتدت فيه تفريق لأولاً (التاء غير الدال) ثم فيه تنويع بين الهمس والجهر كأنه يشير الى تنويع المجلس أنه لم يكن من فراش واحد، لم يكن جنساً واحداً ، لم يكن بساطاً. حينما كان تنويع في الفراش: الوثير، الصعب، القوي، الشديد، الهيّن، الليّن بما يناسب التاء وبما يناسب الدال. (أعتدت) في القرآن لما يقول (أعتدنا) القرآن لم يستعمل أعددنا أبداً، وردت أعتدنا 13 مرة ولم يستعمل أعددنا ليس في القرآن أعددنا، أعدّ موجودة. في سورة الكهف (إنا أعتدنا للظالمين ناراً) هنا النار فيها تنويع. لو قال في غير القرآن أعددنا يكون تكرار للحرف (د د) لكن أعتدنا (ت د) صار تنويعاً. حيثما وردت كلمة أعتدنا هناك تنويع في ثلاث عشرة آية لما يقرأها المسلم (أعتدنا لهم عذاباً أليما) (أعتدنا لهم ناراً) كل الآيات حيثما وردت في موضع أو موضعين يذكر (أعتدنا لهم سعيرا) سعيراً فقط لا يصفها. لما ننظر في كلمة سعير أولاً هم يقولون من أسماء النار ولكن هناك حذف ولكن هي نار سعير مسعّرة أو مسعورة. السعير يعني النار التي تُسعّر هي التي تهيّج وتُلهِب. السعير هي اسم من أسماء النار لكن من يقول سعير (فعيل) بمعنى مفعول مثل أسير بمعنى مأسور وقتيل بمعنى مقتول. سعير كأنه مسعور لما نقول مسعور يعني مسعّر يعني مهيّج وملهب فيه تهييج وإلهاب فيها تنويع دائماً. لو قال في غير القرآن (أعددنا) يكون قد فك الادغام والعرب حريصة على الادغام يعنب لما يكون الحرف هو هو يكون قد فارق سنن العربية في كلامها بهذه الطريقة. لكن لو قال أعتدنا وافق سنن العرب أولاً في اختيار الفكّ وغيّر في الصوت: جعل هذا الصوت غير هذا الصوت حتى تشير الى التنويع. لا نقول كلمة أعددنا في غير القرآن خطأ هذا كلام غير صحيح لكن لا تعطي فيها معنى التنويع لما نقول أعددت له كذا أو أعدّ له ليس فيها التنويع لا تحس التنويع وإنما تحسّ بالتكتل. التويع مطلق أحياناً في العذاب نفسه ألوان العذاب وأنواعه منوّع. أنواع هذا الذي هيّأته من الفراش فقال (وأعتدت) كان يستطيع في غير القرآن أن يقول (أعدت لهن مجلساً) لاحظ كلمة مجلس يرتبط بالجلوس: مكان الجلوس مجرد مكان للجلوس، بينما المتكأ فيه هذه الاستراحة. عندما تتكئ على شيء فيه نوع من أنواع الاستراحة والتراخي متكأ فهو ليس مجرد مجلس وإنما مجلس فيه استرخاء وراحة حتى تكون كل واحدة مرتاحة في جلستها.
ثم قال (وآتت كل واحدة منهن سكينا): لاحظ أصلها: اتي وأعطت أصلها عطو (عطى يعطو). نلاحظ الأحرف وهذه سمة في العربية، نحن نقول البيان القرآني وفي الحقيقة في الوقت بيان هذه اللغة التي يحاول بعض أبنائها أن ينسلخ منها للغة أخرى لم تتصل برواية منقطعة وقلنا أن الفرنسي لا يستطيع أن يقرأ ما كتبه أجداده قبل 400 عام والانجليزي والصيني وكل الدنيا ونحن نقرأ ما كُتِب قبل ألف عام. هذه الميزة عندما تتشابه الحروف نلاحظ كلمة أتي (همزة، تاء، ياء) ما الذي يقابل الهمزة في عطو؟ يقابلها العين والعين أنصع وأقوى من الهمزة (أ – ع) ولذلك الخليل بدأ بالعين لم يبدأ بالهمزة مع أن الهمزة أعمق بلا خلاف. ننظر في (أتي) نجد الحروف متجانسة بينها وبين (عطو) لكن العين أقوى من الهمزة وأنصع. الحرف الثاني: الطاء والتاء والطاء أقوى (الطاء مطبقة) الطاء من مخرج التاء. والطاء علماؤنا يقولون أنه مجهور صحيح. الدرس الصوتي الحديث يقال أنه لا يهتز به الوتران يعني هو مهموس في تصنيف اهتزاز الوترين أما في مصطلح القدماء نحن نقول هناك اتفاق في المصطلح واختلاف في ماهية المصطلح وما يراد به. عند علمائنا القدماء وهذا يغيب عن أهل الاختصاص. علماؤنا عندما قالوا جهر وهمس كانوا يعنون بالمجهور: حرف قوي الاعتماد عليه من موضعه فلم يجر به النَفَس والمهموس ضعف عليه الاعتماد من موضعه فجرى به النَفَس. يعني الهمزة يمكن أن لا يجري بها النفس لأنها غلقٌ حنجري فلما لا يجري بها النفس صنفوها في المجهور. الطاء لا يجري به النفس صنفوه في المجهور بينما الآن نحن عندنا الضابط مختلف عندنا اهتزاز الوترين هم ما نظروا إلى الوترين فالذي يهتز به الوتران مجهور. الطاء لا يهتز به الوتران فهو بمصطلح اهتزاز الوترين مهموس فالذي لا يهتز به الوتران نقول مهموس ولذلك قالوا: (جثه شخص فسكت) يضاف اليه أكط، في المهموس علماؤنا قالوا الطاء والتاء تبقى في المجهور بناء على ضابطهم بمعنى الجهر إذن الطاء مجهور مطبق على قول علمائنا بينما التاء مهموس مستتر يعني أضعف.الحرف الأول أضعف من الحرف الأول والحرف الثاني أضعف من الحرف الثاني بقي الياء والواو والواو أقوى من الياء وأثقل من الياء لأن قلنا فيها رفع اللسان من الأقصى واستدارة الشفتين بينما الياء رفه اللسان من الأمام. فالاعطاء والعطاء أقوى من الإيتاء من حيث اللفظ الصوتي ومن حيث الدلالة إذا أراد أن يستعمل شيئاً قوياً فيه نوع من التمليك لما يقول (إنا أعطيناك الكوثر) (وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة) المال هو مال الله. (يؤتي الحكمة من يشاء) هذه الحكمة/ هذا الإيتاء حقيقة الحكمة فير إعطاء الكوثر. (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) هذا لا يقابل الكوثر يعني ذاك مادي (مِلْك) أعطيناك: شيئ متملك وشيء مادي المهم أقوى وأميز من الإيتاء. الإيتاء فيه نوع من الرِقّة والهدوء. الإعطاء دائماً هناك ارتباط بين الصوت وبين المعنى الذي يراد وهذه قاعدة عامة.
(ولسوف يعطيك ربك فترضى) هذا عطاء في الدنيا والآخرة. لم تكن العرب تقول أعطى هذا نوع من التبذير. لغرض التحديد الدقيق ينبغي أن نستجمع كل ما استعملته العرب أولاً في القرآن كل ما ورد في القرآن من أتي ومشتقاتها وكلمة عطو ومشتقاتها وننظر فيها ثم نستخرج الفوارق لتكن مثلاً عشرة فروق. من خلال الآيات أعطيناك فيه شيء مادي فيه تملّك، وآتيناك شيء معنوي ويرجع وقد يُنسى. إيتاء وليس عطاء (يمكن يكون للتملك). و(آتت كل واحدة منهن سكينا) سترجع وليس عطاء، لو قال أعطت يمكن أن يكون تملك. عملية الإيتاء ليست نهائية لكنها ستُردّ.
حقيقة تحتاج لمراجعة كاملة وتحتاج لتفصيل وبيان دقائق الفروق. نحن بهذا القدر الموجود بين أيدينا نلمس هذا الفراق يعني لو قال أعطت أولاً الصوت يختلف، ثانياً العطاء يكون فيه عدم الاسترداد. ثم مع مناسبة الإيتاء أيضاً للمتكأ ولأعتدت هذا (حرف التاء والياء والهمزة التي هي أخف) ولعلها مناسبة لمجلس النسوة.
لا شك أن العرب كانت تفهم الفوارق بيت الأصوات لذا كان العربي يستعمل هذه الكلمة هنا وهذه الكلمة هنا ويدرك. لم يكن هذا الاستعمال السامي الرفيع الذي نجده في القرآن لكن نجده في الشعر لكن لم نجده بهذه الطريقة. هم يتحسسونها ما كانوا يقولونها بهذه الطريقة فلما يسمعها يحس بذلك ونحن عندنا وقفة لسؤال أحد الاخوة : هل يمكن أن يكون الاعجاز البياني يُقنِع غير المسلم بالدخول الى الاسلام؟ سنأتي ونذكر نماذج من هذه الأمور بإذن الله لما يرد موعد السؤال.
آية (98):
* ما هو إعراب كلمة نِعْمَ و بِئْسَ؟
نِعْمَ فعل ماضي جامد وهذا أشهر إعراب وإن كان هناك خلاف بين الكوفيين والبصريين هل هي إسم أو فعل لكن على أشهر الأقوال أنه فعل ماضي جامد. (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) ص)، نعم الرجل زيد، ويضرب في باب النحو نِعم وبئس (نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) الأنفال)، (وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) هود) بعدها فاعل لأنه يأتي بعدها المقصود بالمدح والذم. لما تقول: نِعْمَ الرجل محمود، نعربها على أشهر الأوجه: نِعْمَ فعل ماضي على أشهر الأوجه، الرجل فاعل، محمود فيها أوجه متعددة منها أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف أي الممدوح محمود أو مبتدأ والخبر محذوف مع محمود الممدوح ورأي آخر يترجح في ظني أن محمود مبتدأ مؤخر وجملة (نعم الرجل) خبر مقدم يعني محمود نِعم الرجل وهو الذي يترجح في ظني. (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) المخصوص محذوف نتكلم عن داوود . تقول محمود نِعْم الرجل هذا جائز لكن هو على الإعراب الذي رجحناه يجوز التقديم والتأخير وعلى الإعراب الآخر يكون خبراً مقدماً والمبتدأ محذوف لكن لماذا يرجح هذا أو هذا هذا أمر يتعلق بالنحو. أنا يترجح عندي أن فيها خمسة أوجه، قسم يقول بدل وقسم يقول عطف بيان وفيها أوجه كثيرة وأنا يترجح عندي أنه مبتدأ لأنه يمكن أن ندخل عليه (كان) نِعَم الرجل كان محمود و(كان) تدخل على المبتدأ والجملة قبلها خبر لأنه لو كان خبراً لنُصِب لكنه ورد مرفوعاً نِ‘ْم الرجل محمودٌ.
يستخدم تعالى في القرآن بعض الأفعال التي ربما تتشابه حرفياً ولها نفس الدلالة مثل (أعدّ وأعتد) وقال تعالى (وأعتدت لهم متكئاً) لماذا لم يقل وأعدت لهن؟
د. فاضل السامرائي :
قلنا أن (ما) اقوى من (لم) في النفي و(إن) أقوى من (ما) (مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) يوسف) تريد أن تثبت أنه ملك.
آية (103) :
* في قوله تبارك وتعالى (إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53)يس). لماذا جاء بلفظ (جميع) في هذه الآية وليس مجموع كما جاء في سورة هود (ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ (103) هود) ؟
كلمة (جميع) تكون بمعنى مجموع وقد تكون بمعنى مجتمِع (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) القمر) يعني مجتمعون، (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) الشعراء) يعني مجتمعون. وقد تأتي بمعنى مجموعون. ومعناها مجموعون لأنه قال (فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ) يعني مجموعون. (محضرون) فيها صفة الجمع أيضاً.
نعم. كلمة (جميع) على وزن فعيل بمعنى مفعول مثل قتيل وجريح وطريد وكسير وأسير. هذا الصيغة (فعيل) لا تقال إلا لمن وقع عليه الفعل. يعني ما يقال جريح إلا لمن جُرِح، مجروح ليس بالضرورة يحتمل أن تقال لمن وقع أو لمن سيقع عليه الفعل. قتيل يعني مقتول لكن مقتول ليس بالضرورة (إني مقتول من يومي هذا) (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا (102) الإسراء) لم يحصل بعد، يعني ستُثبر. (مفعول) لمن وقع عليه الفعل أو من سيقع عليه أما (فعيل) لمن وقع عليه الفعل تحديداً. هذا الفرق بين فعيل ومفعول.
يبقى اختيار كل تعبير في مكانه (إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) يتكلم عن أمر واقع (فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51)) إذن الأمر واقع، إذن جميع يعني مجموعون لا تعني سيجمعون. بينما في آية هود في الدنيا (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ (104)) ما جاء بعد، (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)) لا يمكن أن يستعمل كلمة جميع هنا لأن الأمر لم يقع. بينما في آية يس يتكلم أن الأمر واقع (نفخ في الصور، إن كانت إلا صيحة واحدة) فلذلك استعمل جميع وليس مجموع.