(فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)
* عبّر في جانب الحسنة بالمجيء في حين عبّر في جانب السيئة بالإصابة لأنها تحصل فجأة من غير رغبة ولا ترقب.
* في التعبير بـ (تُصِبْهُمْ) دقة لا متناهية فالإصابة وحدها توحي بالسوء فكيف إذا عدّ الإصابة بالسيئة فهو ألم فوق ألم.
*ورتل القرآن ترتيلاً:
(وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ (39)) لنا مع هذه الآية وقفتان:
الوقفة الأولى: لم قال الله (صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ) ولم يقل (صم بكم عمي) كما في سورة البقرة؟ وصفهم الله بالأصم والأبكم التائه في الظلمات ليبين لنا ربنا حالهم فهم أصموا آذانهم عن سماع الحق وتلقي الهدى وأخرسوا ألسنتهم عن الاستفسار عن الهداية وابتعدوا عن الاسترشاد بمن يمر بهم واستمروا في ذلك فتاهوا في الضلال الذي خيّم عليهم وعماهم عن الحق وتلقي الهدى. فهم يعلمون أنهم في ظلمات ولكنهم لا يريدون الخروج منها. أما الأعمى فقد لا يعلم أين يمشي وأين يمكث.
الوقفة الثانية: لم قال (فِي الظُّلُمَاتِ) ولم يقل صم وبكم في الظلام؟ في هذا إشارة إلى تعدد الظلمات بينما النور واحد وهو الإسلام أما الظلمات فهناك ظلمة الكفر وظلمة العناد وغيرها. فلنسلك مسلك النور الواضح حتى نبلغ النهاية السعيدة.
(وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)
* صيغة كلام آل فرعون التي حكيت عنهم على أعلى درجات المبالغة في الكفر بموسى وآياته:
- أولاً الجملة الإسمية وما تحتوي من الدلالة على ثبوت الإنتفاء ودوامه.
- ثانياً بما تفيده الباء الزائدة من توكيد هذا النفي (بِمُؤْمِنِينَ) .
- ثالثاً قدّموا (لَكَ) على متعلقه (بِمُؤْمِنِينَ) ليؤكدوا رفضهم للإيمان بما جاء به موسى عليه السلام فهل ثمة تعنُّتٌ أشدُّ من هذا؟!
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ)
* (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ) فيه استعلاء وتسلّط ولذلك العذاب في القرآن يأتي بـ (على) وفي الغالب ما تأتي مع العقوبات.
آية (44):
*ورتل القرآن ترتيلاً :
قال تعالى (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44)) في كلمة فتحنا قراءتان: قراءة الجمهور فتحنا وقرأ ابن عمر وأبو جعفر ورويس عن يعقوب فتّحنا التشديد للمبالغة في الفتح فالتشديد يدل على المضاعفة في العمل وقد جمع الله أبواب ولم يقل باب كل شيء ليصور لك كثرة الخيرات وأنواعها التي عمّت حياتهم.
آية (45):
*قال تعالى (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)) ختمت الآية بالحمد وهذه الخاتمة تلفت نظر القارئ فما توجيه هذه النهاية ولم لم تكن والله عزيز حكيم وهذا يناسب العقاب كما قال تعالى (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ)؟ (ورتل القرآن ترتيلاً)
في هذا تنبيه لك أيها المؤمن على حمد الله عند النِعم فقد وقع قبل الحمد نعمة من نعمه تعالى ومن لوازم الحمد أن يكون على نعمة ولعلك تسأل أين هي النعمة؟ فكأنه قد قيل لك (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ) وتلك نعمة من نعم الله تقتضي حمده أوليس هلاك الظلمة نعمة. فهلاكهم صلاح للناس والصلاح أعظم النعم وشكر النعمة واجب.
(وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ )
* لم يذكر الرِّجْزُ في عداد الآيات المفصلات في الآية السابقة لأن بلاغة القرآن تقتضي أن يستقل الرجز بالذكر تخصيصاً له فالآفات السابقة حلّت على بيئتهم ويمكن الإحتراز منها أما مرض الطاعون فقد كان شديداً لا مفر منه ولذلك عدّى وقوعه بـ (عَلَيْهِمُ) دون (فيهم) لما تدل من تمكُّن ذلك المرض منهم. ولا أدلّ على شدته وعِظَمه من أنه ألجأهم إلى الاعتراف بآيات موسى والإقرار بربّه.
(فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ)
* القرآن الكريم يستعمل اليم والبحر في قصة موسى لكن الملاحظ أنه لم يستعمل اليم إلا في مقام الخوف والعقوبة ولم يستعمله في مقام النجاة (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (٧) القصص) هذا خوف ، (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (١٣٦)) (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) طه) عقوبة، أما البحر فعامة قد يستعمله في مقام النجاة أو العقوبة.
* (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)) هذه الآية جاءت بين آيات الصيام فلماذا؟
هذه الآية وردت بين آيات الصوم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) البقرة) وما يتعلق بالصوم (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ (187) البقرة). ورود هذه الآية في هذا الموضع يدل على أن الصوم من دواعي الإجابة. إذن يحسن أو ينبغي أن يُدعى الله سبحانه وتعالى في هذا الوقت. وفي الحديث" للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة" وحديث "ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يُفطر" إذن وقوعها بين آيات الصوم ما يوضّح أن الصائم مستجاب الدعوة وإهابة بالصائم بأن يدعو. أيضاً الملاحظ أن هنالك أمر وهو أن الله سبحانه وتعالى هو الذي تكفل بالإجابة عن السؤال ولم يقل (فقل لهم إني قريب) كما ورد في مواطن كثيرة (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى (122) البقرة) (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِير (217) البقرة) (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (219) البقرة) (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (15) طه). ربنا من دون تبيلغ تكفل بالإجابة مباشرة أما قوله (فقل إني قريب) هذا أمر بالتبليغ أما قوله (فَإِنِّي قَرِيبٌ) ربنا هو الذي أجاب وليس بالواسطة ليس بالنقل، هو الذي أجاب حتى عباده يجأرون إليه بالدعاء، هذا أمر. ثم ربنا سبحانه وتعالى تكفل بالإجابة إذا دعا الداعي ولم يعلق ذلك بالمشيئة فيقل إن شئت (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) لم يقل إن شئت أو شاء ربك كما في موطن آخر قال (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) الأنعام). وجود المشيئة يعني ربما يفعل سبحانه وتعالى وربما لا يفعل وعدم وجود المشيئة يعني قطعاً تجاب دعوته، قطعاً الصائم تجاب دعوته إن لم تكن في الدنيا تُدّخر له في الآخرة أو يُدفع عنه سوء.
سؤال: هل نفهم من هذا بأن النسق العام في سورة البقرة صيام وأن هذه الآية خاصة بالصائم فقط؟
دعاء في طاعة ليس في قطيعة رحم بينما الآية الأخرى جاءت عندما وقعوا في الحرج (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) الأنعام) أما هؤلاء طائعين في وقت طاعة وهم صيام.
ونلاحظ أمراً آخراً هو أنه قدم الإجابة الدالة على جواب الشرط فقال (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) لقل إذا دعاني أجيبه، الأصل أن يأتي بأداة الشرط ثم جواب الشرط، الآن قدم الجواب للتأكيد على قوة الوعد فقدم الإجابة على الشرط تنبيهاً على قوة الوعد وأن هذا حاصل.
ثم نلاحظ أنه قال (إِذَا دَعَانِ) ولم يقل إن دعان مع أن الاثنين أدوات شرط وفي هذا إشارة أن العبد مطلوب منه أن يكثر الدعاء. (إذا) آكد من إن (إن) تأتي في الأمور المحتملة الوقوع والمشكوك فيها والموهومة والنادرة والمستحيلة وسائر الافتراضات حتى إذا كانت مستحيلة (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) الزخرف)، (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (9) الحجرات) هذه قليلة لأن (إن) للمحتمل الوقوع القليل والوقوع المشكوك في حصوله والموهوم والنادر (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي (143) الأعراف) ولو قال (إذا) يعني يستقر في الغالب. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) القصص) هذا افتراض وليس حاصلاً. بينما (إذا) للمقطوع بحصوله أو الكثير الوقوع مثل (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) البقرة) الموت سيأتي، (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ (5) التوبة) لا بد أن تنسلخ (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ (10) الجمعة) لا بد أن تقضى، ولذلك في يوم القيامة الآيات تأتي بـ (إذا) ولا يمكن أن يؤتى بـ (إن) (إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (1) الإنشقاق) (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) الزلزلة) لأنها واقعة لا محالة، أو كثير الوقوع (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (86) النساء) حتى لو اجتمعت إذا وإن في موطنين يأتي مع كثير الوقوع بـ (إذا) ومع قليل الوقوع يأتي بـ (إن) مثال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ (6) المائدة) جنباً قليلة، (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ (25) النساء) قليلة، (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) البقرة) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ (282) البقرة) (فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ (282)) قليل، إذن هذا الخط العام في اللغة فلما يقول (إذا دعان) إذن المفروض أن يدعو وليس هكذا يدعو لما يقع في مصيبة ويدعو على حرف. قوله (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ (280) البقرة) هذا أقل ممن يستحق الزكاة. هذا نسق اللغة قال (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) إذن الدعاء شرط الإجابة وهو مطلوب والدعاء مخ العبادة وربنا يغضب إذا لم يُدعى ربنا غضب على أقوام أخذهم بالباساء والضراء فلم يتضرعوا (وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (43) الأنعام) (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) المؤمنون) إذن الدعاء مطلوب لا تقول ربنا يعلم الحال وتسكت، الدعاء مخ العبادة. ربنا يغضب إذا لم يُدعى والرسول كان يدعو في بدر حتى ظهر بياض إبطيه وسقطت عباءته فالدعاء مطلوب وهو مخ العبادة.
استطراد من المقدم: البعض يقولون أن سيدنا إبراهيم لم يدع وإنما قال أن الله تعالى أعلم بحاله لكن هناك من محققي التاريخ من كذب هذه الرواية وقال أنها مغلوطة وأن سيدنا إبراهيم دعا بالفعل!
قال (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) غافر)، (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) يعني يهتدون إلى مصالح دينهم ودنياهم. قال أجيب دعوة الداعي ولم يقل أجيب الداعي الدعوة ما يريده الداعي لم يقل أجيب الداعي لكن بماذا يجيبه؟ بدعوته، يجيب الداعي بما يبتغيه.
قال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي) مرسومة بالياء ولم يقل "عبادِ" في القرآن الكلمتان موجودتان عبادي مرسومة بالياء وعبادِ بالكسرة وكلتاهما مضافة إلى ياء المتكلم. في القرآن عندما يقول (عبادي) بالياء مجموعة العباد أكثر فكأنه يحذف معناه أن العباد أقل. عبادي أحرفها أكثر من عباد فهم أكثر هذا في القرآن كله إذا قال عبادي بالياء فالمجموعة أكثر مثال (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا (53) الزمر) هؤلاء كثرة لأنه (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) يوسف)، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ (186) البقرة) كلهم بدون استثناء لم يستثني فجاء عبادي بالياء، يجبهم كلهم .(فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (18) الزمر) قلة، (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) الزمر)، (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) العنكبوت) هناك قال اتقوا ربكم صارت التقوى إضافة إلى الإيمان وهنا لم يقل اتقوا ربكم، ثم هو قال (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) الزمر) هؤلاء قلة، (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) العنكبوت) كثرة فجاء بـ(عبادي) مع الكثرة و(عبادِ) مع القلة. من حيث الإعراب (عبادي وعبادِ) واحد، (عبادي) عباد مضاف وياء المتكلم مضاف إليه وفي (عبادِ) هذه تقديراً، مضاف ومضاف إليه مركب. هذه من خصوصيات الإستعمال القرآني فعندما قال تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان) يعني هو يجيبهم كلهم.
قال (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) لم يقل أجيب دعوتهم، ما قال إذا سألك عبادي عني أجيب دعوتهم لأنه يقصد لعموم والشمول ليس فقط السائلين لا يجيب فقط من سأل عنه وإنما يجيب كل داعي. عندما قال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) ليس كل العباد يسأل الرسول عن الله وإنما هو في زمن معين في وقت معين في جماعة معينة، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) هذه ليست خاصة بالسائلين وإنما بكل داعي فقال (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) لأنه لو قال أجيبهم سيكون الكلام على من سأله فإني أجيبهم يعني الكلام عمن سأل وهو لم يخصص وإنما وسّع (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) يعني وسّع الدائرة مرتين عندما جاء بياء المتكلم في عبادي وعندما أطلق (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
نلاحظ هناك أمر أن الآية سُبقت بقوله تعالى (وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) البقرة) هذا يدل على أن الدعاء يكون بعد الثناء على الله ، تُكبر وتثني على الله بما هو أهله ثم تدعو ولذلك قالوا هي جاءت بعد قوله تعالى (وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) وما يوضح هذا قوله (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) الفاتحة) جاءت بعد الثناء على الله (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) لا تدعوا هكذا، يجب أن نثني عليه أولاً بأية صيغة مثل يا رب لك الحمد، سبحانك يا من تجيب دعوة المضطرين، يا رحمن يا رحيم.
ثم قال (فَإِنِّي قَرِيبٌ) ولم يقل "فأنا قريب" أكّد قربه بـ (إنّ) المشددة لم يقل (فأنا) لأنها غير مؤكدة. إنّ تفيد التوكيد فأكّد قربه سبحانه وتعالى من عباده وهي آكد من (أنا).
*مداخلة في الآية (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (186) البقرة) دعوة الداعي التركيز على الدعوة ولو كان التركيز على الداعي والداعي إسم فاعل فكان يجب أن يحسن الدعاء ولكن ماذا عن الأصم الذي يدعو بقلبه فلذلك يدخل في الدعوة.
* ما الفرق بين نصرّف ونفصّل ونبيّن الآيات في قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) الأنعام) و (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) الأنعام) و (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) المائدة)؟(د.فاضل السامرائى)
التصريف هو التغيير (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) البقرة) تغييرها من جهة لأخرى، وعندنا الصرف والنحو والصرف هو النظر في التغييرات الحاصلة في أبنية الكلام. فالتصريف التغيير يأتي للمسألة الواحدة ويذكرها بصور شتى يغيّر فيها حتى يوصلها لك. مثلاً: إثبات الحياة بعد الموت، هذه مسألة، كيف يتوصل إليها؟ يتوصل لها بإحياء الأرض بعد موتها كمثال تمهيدي (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى (39) فصلت) يعطي مشهداً تمثيلياً يذكر أمثلة، وأحياناً يستدل بالحياة الآخرة على خلق الإنسان وتطوره (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) القيامة) هذا تصريف، يعني كل مرة يأتي بشكل حتى يثبت المسألة، يصرفها أي يغيرها بصور حتى يوصلها.
التفصيل هو إما أن يكون التبيين والفصل هو الحجز بين الشيئين وهذا الأصل. أحد أمرين: تبيين بصورة واسعة وإما يأتي بأمور متعددة مختلفة هذه وهذه وهذه يصير فصلاً وهذا موجود في القرآن. مثلاً يذكر صفة أهل الطاعة وأهل الإجرام ليسا موضوعاً واحداً وإنما يذكر أموراً متعددة من الحياة، هذا تفصيل. أما موضوع الحياة بعد الموت فموضوع واحد. هناك أمور في القرآن ليست موضوعاً واحداً: يذكر التوابين والمجرمين، أهل الطاعة وغير أهل الطاعة. مثال قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) الأنعام) إنتقل من الحب والنوى إلى الإصباح ثم الشمس والقمر ثم النجوم، مواضيع أخرى ثم ينتقل يذكر أموراً كثيرة هذه تفصيل قطعاً قطعاً، يأتي بأمور كثيرة مختلفة وليست مسألة واحدة لذا يذكر التفصيل (قد فصلنا الآيات).
التبيين هو توضيح أمر واحد كما تبين الكلمة الواحدة أو تبين المسألة الواحدة. التصريف والتفصيل فيه تبيين. على سبيل المثال (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) المائدة)، نفس القضية فاستعمل نبيّن أي نوضح. التفصيل والتصريف غير التبيين مع أن كلها إيضاح.