.* ورتل القرآن ترتيلاً :
(ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69)) هناك ألفاظ يصور جرسها ولفظها على ما فيه ثقل وشدة صورة الألم. فلو قرأت كلمة (لَنَنزِعَنَّ) لشعرت بثقل الكلمة الذي يوحي بالصعوبة. فأنت بهذا اللفظ أمام مشهد كامل. فهم يُنزعون طائفة فيلقون في النار وإنما يُختار منهم أولاً فأولاً أعتاهم وأشدهم وأقواهم. ففي اللفظ وتشديده صورة لهذا الانتزاع تتبعها صورة القذف المتخيَّلة وهي الحركة التالية في الخيال للانتزاع.
(ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69)) لم اختير وصف الرحمن في الآية ولم يصرح بلفظ الجلالة الإسم العلم للإله فلم يقل "أيهم أشد على الله عتيا"؟ في ذكر صفة الرحمن هنا تفظيع لحالة عتوّهم لأن شديد الرحمة بالخلق حقيقٌ بالشكر له والإحسان لا بالكفر به والطغيان.
.*(قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) النمل) وقوله (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) الأنبياء) وقوله تعالى (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) مريم) فهل هناك لمسة بيانية بين الردف والورود؟(د.فاضل السامرائى)
ردف معناه لحق ووصل يعني عسى أن يكون لحق بكم هذا الشيء، (ردِف) فعل ماضي. هناك رِدف ورديف الرديف هو خلف الراكب "كنت ردف النبي" الرديف هو الذي يكون خلف الراكب.
*(وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) مريم) هل معنى الآية أننا كلنا سنذهب إلى النار؟ وهناك آية أخرى (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) النمل) والورود على النار فزع وسنكون في حالة فزع إذا وردنا على النار والله تعالى يقول (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) مريم) فما معنى الورود؟(د.فاضل السامرائى)
في الحديث يوضع الصراط على متن جهنم وكل المكلّفين سيمرّون عليه فمنهم من يمر عليه كالبرق الخاطف ومنهم كالريح المرسلة ومنهم من ينكفيء إذن صار الورود للجميع لأن الصراط يضرب على متن جهنم أي فوق جهنم وكل الخلق يمرون عليه فالورود عام. قوله تعالى (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) كأنما أقسم فكأنها تحلة القسم هذا بالنسبة للمسلمين والكفار يسقطون فيها. بالنسبة للكفرة هو الورود والآخرون على قدر أعمالهم منهم كالبرق الخاطف ومنهم كالريح المرسلة. في قوله تعالى (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ (23) القصص) الورود هنا هو المجيء لمكان. أما في (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) الكفرة هم الداخلون في جهنم. ورد في اللغة بمعنى محل الشرب، ورد ماء مدين أي وصل إلى محل الشرب. أقسم تعالى على الورود (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا) ولم يقسم على الخروج منها (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) مريم) ما قال إن المتقين ينجون منها لأن الله تعالى هو الذي يُنجي حتى المتقين لا ينجون بأنفسهم وإنما ربنا هو الذي يُنجيهم. إذن المرور على الصراط على متن جهنم بالنسبة للمسلمين هو حسب الأعمال والكفرة يدخلون فيها.
(وإن منكم إلا واردها) (وإن) هذا للحصر لا يتخلف أحد و(إن) هنا نافية يعني وما منكم أحد إلا واردها هذه مثل قوله تعالى (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) الطارق) (إن) بمعنى نافية وهذه فيها قصر وحصر طالما جاءت (إلا) مع (إن).
آية (75):
*في سورة مريم قال تعالى (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا (75)) ما الفرق بينها وبين آية الجن(حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا)؟(د.فاضل السامرائى)
هناك فرق في ناحيتين أو أكثر في سورة الجن قال (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ) لم يفصل ما يوعدون أما في مريم جاء بأداة تفضيل (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ)، هناك أجمل (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ) وهنا فصّل (إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ). واختلف مسألة العلم ماذا سيعلمون في الجن قال (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا) وفي مريم قال (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا) إذن صار اختلاف في التفصيل ثم سبب الاختلاف في هذا المعلوم ماذا يعلم هؤلاء وماذا يعلم هؤلاء؟.
حتى السؤال لماذا هذا الاختلاف؟ ذكرنا الإختلاف لكن ما ذكرنا الداعي لهذا الاختلاف بين السياقين: التفصيل في مريم والإجمال في الجن كلٌ له سببه، التفصيل في مريم هو تقدّم الآية ذكر العذاب وذكر الساعة بطلام طويل قبل هذه الآية (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)) هذه فيها عذاب والساعة وهناك ليس فيها إلا هذه الآية. بعدها قال (كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)). في سورة الجن ما قال (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23)) جزء من آية بينما هناك تفصيل في ذكر العذاب والساعة فناسب التفصيل التفصيل والإجمال الإجمال. يبقى هنالك (إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ (75) مريم) هذا ما يوعدون به، العذاب محتمل العذاب الدنيوي بغلبة المؤمنين كما ذكرنا في آية الجن فيكون هذا مناسباً لما تقدم الآية أيضاً (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)) هذه في الدنيا ومناسب لما ختمت به السورة (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) مريم). إذن إذا كان عذاب الدنيا فله أيضاً في السياق ما يؤيده وإذا كان الساعة الستعة مذكورة فله في السياق أيضاً ما يؤيده. إذن التعبير في هذا التفصيل له ما يدعو إليه ويناسبه في السياق ولم يكن مثلما ذكر في سورة الجن الذي هو جزء من آية. هذا من حيث التفصيل يبقى من حيث الاختلاف في العلم.
في سورة الجن قال (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24)) وفي مريم قال (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا (75)) اختلف المعلوم. لا نعلم إن كانوا هم نفس الفئة لكن يبدو أن السياق ليسوا هؤلاء لأنه اختلف ما يعلمونه. سورة الجن مناسبة واضحة (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24)) لأنه كان فرداً وأنصاره قليل واجتمعوا عليه (كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)) كان ضعيفاً استضعفوه فقال (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24)) (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ (26) الأنفال) إذن هو مستضعف فقال (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا) استضعف وليس له أنصار هو فرد فهددهم ربنا بهذا (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا)، هم يرون الرسول ليس له أنصار فاستضعفوه هم يرون الرسول أضعف ناصراً وأقل عدداً من وجهة نظرهم وهذا أسلوب سخرية فقال (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا) هم استضعفوه واجتمعوا عليه فيسعلمون من هو أضعف ناصراً وأقل عدداً، هذا تهديد. في مريم قال (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا (75)) (مكاناً منصوب على التمييز) وهي مناسبة لما تقدم قال قبل هذه الآية: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73)) يعتزون بمكانتهم أي الفريقين من نزل عليه الوحي وهم؟ يدلون عليهم ويتبجحون أيّ الفريقين نحن أم أنتم خير مقاماً؟ (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا (75)) وكأنه رد من الله سبحانه وتعالى عليهم لأنهم تبجحوا وقالوا (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) قال (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا) ليس فقط المقام وإنما المكان والمكان أوسع من المقام، المقام مكان القيام في الأصل وهو محدود والمكان عام. جاء بصفة عكس التي قالوها ووسع المكان (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا) لأنهم هم قالوا (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) الندي هو المكان الذي يجتمعون فيه وفيه الأعوان والأنصار الجنود ومن ينصرونهم، الندي من النادي المجلس الجامع لوجوه القوم قومهم وجندهم وأعوانهم وأنصارهم (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا) ردّ عليهم بأسلوب يلائمهم هم لأنهم لما تبجحوا كثيراً كان الرد فيه قسوة عليهم.
وهنالك فرق آخر: قال في سورة الجن (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا) وفي مريم قال (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا) جاء بـ (هو). يعني الآن هو سيصير أوسع. (مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا) (من) تحتمل أمرين إما أن تكون إسم استفهام أو إسم موصول بمعنى الذي وليس هنالك قرينة سياقية تحدد معنى معيناً والأمران مرادان. إذا كانت (من) إسم موصول بمعنى الذي أضعف ناصراً فستصير أضعف خبر لمبتدأ محذوف يعني من هو أضعف. (أضعف) إذا كانت (من) إسم استفهام (من) مبتدأ و(أضعف) خبر وإذا كانت (من) إسم موصول (من) مفعول به لفعل (فسيعلمون) و(أضعف) خبر لمبتدأ محذوف و(هو أضعف) جملة صلة. إذن هنالك خبر لمبتدأ محذوف وفي سورة مريم المبتدأ مذكور (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا) والذكر أقوى وآكد من الحذف. فهنالك أمرين يحسن ذكر (هو) الأول تفصيل الذي في مريم من العذاب وما إلى ذلك وهنا ذكر وتفصيل وهناك إيجاز أوجب الحذف، هذا أمر. والأمر الآخر أنهم تبجحوا بمكانهم (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) لم يقولوا هذا الشيء في آية الجن، هم تبجحوا في مقامهم وفي مكانتهم فربنا أكّد ضعف هذا المجلس فجاء بـ (هو) (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا) للتأكيد على ضعفه. ثم قال (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)) فإذن هم تبجحوا بمقامهم وربنا رد عليهم (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)) أحسن من هؤلاء فأكّد أن (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا) تبجحوا بالمكان فصاروا شر مكاناً فصار تأكيد من ناحيتين من ناحية التفصيل ومن ناحية أنهم شر مكاناً.
* هل البَدَل يفيد التوكيد؟(د.فاضل السامرائى)
للبدل عدة أغراض منها:
التفصيل كما في قوله تعالى (إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75).
آية (77) :
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77)) ابتدأت الآية بالاستفهام مقترناً بالرؤية للتعجيب من كفر هذا الكافر. والمقصود من هذا الاستفهام والرؤية لفت الذهن إلى معرفة قصة الآية أو إلى تذكرها إن كان عالماً بها. فالآية نزلت في خبّاب بن الأرتّ والعاصي بن وائل السعمي. فقد كان خباب يصنع السيوف في مكة فعمل للعاصي بن وائل سيفاً وكان ثمنه ديناً على العاصي. وكان خباب قد أسلم فجاء خباب يتقاضى دينه من العاصي فقال له لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقال خباب وقد غضب لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يبعثك. قال العاصي: أو مبعوث أنا بعد الموت؟ قال نعم، فقال العاصي متهكماً: إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دينك، فنزلت هذه الآية في ذلك.
آية (78) :
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78)) انظر إلى هذا التحكم الذي تضفيه كلمة (أَاطَّلَعَ) فهي تدل على المبالغة في حصول فعل الطلوع وهو الارتقاء. والطلوع يُطلق على الإشراف على الشيء فالذي يروم الإشراف على مكان محجوب عنه يرتقي إليه من علوّ. وهذا الاستفهام في الإطلاع على الغيب فيه استنكار وتعجب. وكأنه يقول: أوَ قد بلغ من عظمة شأنه أنه ارتقى إلى عالم الغيب فرأى مالاً وولداً معدين له حتى يأتي يوم القيامة بهما؟!
آية (79):
*ما الفرق بين المدّ و المدد؟(د.فاضل السامرائى)
المدّ والمَدد (وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) مريم) مصدر هذا مفعول مطلق، (وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) الكهف) هذا إسم، مدد أي جنود أو غيره، المدّ هو المصدر. الضَر هو المصدر والضرر هو العلّة.
آية (85-86):
*(يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) مريم) وفي سورة الزمر وردت كلمة سيق للكافرين والمؤمنين (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا (71) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا (73)) فما دلالة تغير الفعل في آية مريم واستخدام نحشر ونسوق؟(د.فاضل السامرائى)
أولاً ما الفرق بين الحشر وسيق؟ نحشر معناه نجمع، الحشر من معانيه الجمع (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) النمل) (فَحَشَرَ فَنَادَى (23) النازعات) (وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ (111) الأعراف) الحشر له معاني. إذن معنى حشر جمع ربنا قال يوم الجمع يوم الحشر ويأتي بمعاني أخرى لكن المعنى المشهور جمع. السَوْق ليس بالضرورة جمع فقد تسوق واحد أو اثنين أو أكثر. هناك قال (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85)) الوفد لا بد أن يكتمل أفراده، إذن هو بعد الاكتمال يصير الحشر، الوفد يجب أن يكتمل. أما في الزمر قال (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا (73)) إذن ليسوا مجموعين، الزمر يعني جماعات جماعات، الزمرة الجماعة، زمراً يعني جماعات جماعات ليسوا وفداً مجموعين إلى أن يكتملوا فيصيروا وفداً فيحشرهم. يعني الذين اتقوا سيصبحوا زمراً لأنهم ليسوا بدرجة واحدة فيُساقون زمراً حتى إذا اكتملوا حُشِروا وفداً يصيروا وفداً الزمر ليس وفداً لا بد أن يكتمل. في مريم قال (إلى الرحمن) وليس إلى الجنة أما في الزمر فقال إلى الجنة (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا (73)) الوفد للإكرام هذا بعد الحساب بعد أن يساقوا زمراً إلى الجنة يذهبون وفداً إلى الرحمن تكريماً لهم. مرحلة بعد مرحلة لا يصح أن نضع واحدة مكان أخرى، لا يجوز، الوفد لا بد أن يُجمَع فقال يحشر والسَوْق للزمر اكتمل هؤلاء المتقون يجمعهم فيحشرهم فيُذهَب بهم إلى الرحمن وفداً. هم بداية زمر جماعات سيقوا إلى الجنة اجتمعوا هناك فكوّنوا وفداً فحشروا إلى الرحمن. كل كلمة لها دلالتها.
سؤال: إذن كل كلمة فيها ملمح دلالي خاص بالمقام السياقي الذي يود الله تبارك وتعالى التعبير عنه؟.
طبعاً. الاختيار لا يمكن أن يكون غير ذلك، من له معرفة بالبيان لا يمكن أن يختار غير ذلك. لا يجوز أن يقال وسيق الذين اتقوا إلى الرحمن وفداً
سؤال: هل العرب كانت تفهم وتميز بين كلمة وأخرى في تحديد دلالة معينة داخل السياق أم هذه خصيصة من خصائص القرآن الكريم؟
فرق بين الإدراك والفهم وبين القدرة والمُكنة على الفعل بمثله، أنت ترى صنعة تعجبك لكن ليس باستطاعتك أن تعمل مثلها.
سؤال: هم يفهمون لكن لا يستطيعون أن يقولوا مثل هذا الكلام وهم أصحاب بيان وبلاغة لكن كل واحد على قدر ما أُوتي حتى تصل إلى المنتهى.
سؤال: من خلال اطلاعكم على التراث البياني والبلاغي في اللغة العربية ألم يثبت أن أحداً من الكفار وقت الرسول اعترض على كلمة من القرآن الكريم؟
أبداً والذين يعترضون اليوم لأنهم بين أمرين الجهل والحرب المقصودة قصداً.
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)) يقول الشاعر:
وجهٌ مثل الصبح مبيضٌ
وشعرٌ مثل الليل مسودُّ
ضدّان لمّا اجتمعا حَسُنا
والضدُّ يُظهِر حسنه الضدُّ
هذا شأن الأضداد أن تظهر حسن الحسن وقبح القبيح. والله تعالى يرصد لنا في هاتين الآيتين مشهدين: مشهد المتقين ومشهد المجرمين ليرغّبك أيها المؤمن في الإيمان وينفِّرك من الكفر والفسق. ففي آية المتقين بدأها بالحشر والحشر يُطلق على الخير والشر. ولذلك أتبع فعل الحشر بوصف سمة المحشورين فسماهم (وَفْدًا) لأن الوفود يكونون مكرّمين من مضيفهم لا سيما إن كان الملك هو الرحمن. هذه صورة عباد الرحمن فهم وفودٌ مكرّمة. فما شأن المجرمين؟ إنهم مساقون سَوْق كراهة. وقد اختار البيان الإلهي لحشرهم لفظ (وَنَسُوقُ) دون غيره لما في السَوْق من المذلة. فالسوق هو تسيير الأنعام أمام رعاتها يجعلونها أمامهم لترهب زجرهم وسياطهم فلا تتغلب عليهم. وأكّد صورة المذلة لهم وحشرهم على هيئة الأنعام بقوله (وِرْدًا) فقابل لفظ (وَفْدًا) للمؤمنين. والورد أصله السير إلى الماء وتسمى الأنعام الواردة (وِرْدًا) فهل أذلّ من هذه الصورة؟!