آية (52):
*ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (هذا بلاغ للناس) سورة ابراهيم آية 52 و(بلاغ) سورة الأحقاف آية 35؟(د.فاضل السامرائى)
كلمة بلاغ في سورة الأحقاف هي خبر لمبتدأ محذوف وتقديره هذا بلاغ. ففي سورة الأحقاف سياق الآيات التي قبلها والمقام هو مقام إيجاز لذا اقتضى حذف المبتدأ فجاءت كلمة بلاغ ولم يخبرنا الله تعالى هنا الغرض من البلاغ . أما في سورة ابراهيم فإن الآيات التي سبقت الآية (هذا بلاغ للناس) فصّلت البلاغ والغرض منه من الآية (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) آية 42.
*تناسب خواتيم هود مع فواتح يوسف*
في خواتيم سورة هود قال تعالى (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)) وقال في أوائل يوسف (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3))، (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) أثبت أن الله تعالى يقصّ على الرسول في سورة هود لكنه أثبت صفة أنه أحسن القصص في يوسف. قال (وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)) وقال في يوسف (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ). قال في خاتمة هود (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)) ربنا ليس غافلاً عما فعله إخوة يوسف بيوسف.
**هدف سورة يوسف : الثقة بتدبير الله (إصبر ولا تيأس)**
سورة يوسف هي إحدى السور المكية التي تناولت قصص الأنبياء باسهاب وإطناب دلالة على إعجاز القرآن في المجمل والمفصّل وفي الإيجاز والإطناب (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) آية 111 . وقد أفردت الحديث عن قصة نبي الله يوسف بن يعقوب وما لاقاه من أنواع البلاء ومن ضروب المحن والشدائد من إخوته والآخرين في بيت عزيز مصر والسجن وفي تآمر النسوة حتى نجّاه الله تعالى. والمقصود بهذه السورة التسرية عن النبي بعدما مرّ به من أذى ومن محن في عام الحزن وما لاقاه من أذى القريب والبعيد فأراد الله تعالى أن يقص عليه قصة أخيه يوسف وما لاقاه هو في حياته وكيف أن الله تعالى فرّج عنه في النهاية لأنه وثق بتدبير الله تعالى ولم ييأس لا هو ولا أبوه يعقوب. ونلاحظ أن سورة يوسف تناولت قصة يوسف الإنسان وليس يوسف النبي إنما جاء ذكره كنبي في سورة غافر لذا فقصته في سورة يوسف لها ملامح إنسانية تنطبق على يوسف وقد نتطبق على أي من البشر. وقصة يوسف تمثل قصة نجاح في الدنيا (أصبح عزيز مصر) وقصة نجاح في الآخرة أيضاً (وقوفه أمام إغراءات امرأة العزيز رغم كل الظروف المحيطة به خوفاً من الله عزّ وجلّ).
وقد اشتملت قصة يوسف على كل عناصر القصة الأدبية واشتملت على الكثير من المشاهد التصويرية بحيث تجعل القارئ يرى فعلا ما حدث وكأنه ماثل أمام ناظريه. وللسورة أسلوب فذ فريد في ألفاظها وتعبيرها وأدائها وفي قصصها الممتع اللطيف وتسري مع النفس سريان الدم في العروق وجريان الروح في الجسد ومع أن السور المكية تحمل في الغالب طابع الإنذار والتهديد إلا أن سورة يوسف اختلفت عن هذا الأسلوب فجاءت ندّية في أسلوب ممتع رقيق يحمل جو الأنس والرحمة وقد قال عطاء: "لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها" وقال خالد بن معدان: "سورة يوسف ومريم مما يتفكّه به أهل الجنة في الجنة". ولقد ابتدأت السورة بحلم (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) آية 4 وانتهت بتفسير الحلم (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) آية 100.
وتسير أحداث القصة بشكل مدهش فالأصل أن يكون محبة الأب لابنه شيء جميل لكن مع يوسف تحول هذا الحب لأن جعله إخوته في البئر، ثم إن الوجود في البئر أمر سيء لكن الله تعالى ينجي يوسف بأن التقطه بعض السيّارة ثم كونه في بيت عزيز مصر كان من المفروض أن يكون أمراً حسناً لولا ما همّت به امرأة العزيز، ثم السجن يبدو سيئاً لكن الله تعالى ينجيه منه ويجعله على خزائن الأرض ثم يصبح عزيز مصر وكأن الرسم البياني للسورة يسير على النحو التالي:
بيت الأب قصر العزيز عزيز مصر
البئر السجن
وقد أسهبت السورة في ذكر صبر يوسف على محنته بدءاً من حسد إخوته له وكيدهم ثم رميه في الجبّ ومحنة تعلق إمرأة العزيز به ومراودته عن نفسه ثم محنة السجن بعد الرغد الذي عاشه في بيت العزيز ولمّا صبر على الأذى في سبيل العقيدة وصبر على الضر والبلاء نقله الله تعالى من السجن إلى القصر وجعله عزيز مصر وملّكه خزائن الأرض وجعله السيد المطاع والعزيز المكرم . وهكذا يفعل الله تعالى بأوليائه ومن يصبر على البلاء فلا بد لرسول الله أن يقتدي بمن سبقه من المرسلين ويوطّد نفسه على تحمل البلاء (فاصبر كما صبر أولي العزم من الرسل). وكأنما قصة يوسف مشابهة نوعاً ما لما حصل مع الرسول فيوسف لاقى الأذى من إخوته والرسول لاقاه من أقرب الناس إليه من أقاربه وعشيرته ويوسف هاجر من بلده إلى مصر وفيها أكرمه الله بجعله عزيز مصر وفي هذا إشارة للنبي أنه بهجرته إلى المدينة سيكون له النصرة والمنعة ويحقق الله تعالى له النصر على من آذوه وأخرجوه من مكة. وقد تحدثت الآيات كثيراً عن عدم اليأس في سورة يوسف فالأمل والصبر موجودان دائماً للمؤمن مهما بلغت به المحن والبلايا (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) آية 87 وآية 110 (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ). ولننظر إلى قمة التواضع عند يوسف فبعد كل ما أعطاه الله تعالى إياه من ملك مصر وجمعه بإهله جميعاً ماذا طلب من ربه بعد هذا كله؟ قال: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) آية 101، فيا لتواضعه .
ملاحظة: في سورة هود كلها حكيم قبل عليم وفي سورة يوسف كلها عليم قبل حكيم.
لماذا جاءت سورة يوسف واحدة؟ (د.فاضل السامرائى)
هم سألوه عنها تحديداً وكأنما كان اختيار، ذهب أناس من الشام إلى مصر ما الغرض من ذلك؟ كان سؤالاً عاماً ثم ذكر أن هذا مما أوحاه الله تعالى إليه وكأنما نزلت الإجابة على سؤالهم (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) يوسف). كما سألوه في أصحاب الكهف، سأل قريش اليهود في هذ الرجل الذي ظهر كيف نعرف صدقه من كذبه فذكروا لهم أسئلة يسألونه فإن أجابهم عنها فهو نبي وإلا فهو يدّعي، فسألوه عن فتية ذهبوا في الزمان القديم وما كان من أمرهم؟ وعن رجل طواف طاف الدنيا ما كان من شأنه؟ وعن الروح؟ فهذه من دلائل الرجل الأمي. وفي قصة نوح قال (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) هود) من علّمهم؟ لو كان قومه علموه لقالوا نحن نعلم إذن من أين جاء بها؟ من الله سبحانه وتعالى.
*ما الفرق بين أنزلناه (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) يوسف) وجعلناه (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) الزخرف)؟
د.فاضل السامرائى:
في سورة يوسف ذكر ما يتعلق بالإنزال، قال (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)) هذا إنزال، (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) أنزل هذا الخبر، أنزل هذه القصة لأنها كانت مجهولة عند العرب أصلاً لذلك رب العالمين عقّب عليها (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ (102) وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) ما كان معلوماً وقد أُثير سؤال (لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7)) وكان سؤال اليهود: ما الذي أحلّ بني إسرائيل مصر؟ هذا سؤالهم للرسول وهذا إختبار وهم يعلمون أنه أميّ ليس عنده علم بالتوراة فسألوه وهو في مكة لكن بعثوا من يسأله من باب التحدي "ما الذي أحلّ بني إسرائيل مصر؟" فتنزل سورة كاملة للإجابة على التحدي فيبيّن لليهود أنه يعلم دقائق الأمور وفصّلها أوفى مما في التوراة. ليس هذا فقط وإنما إختار عبارات إعجازية ليست في التوراة وحتى لو كان مطلعاً على التوراة وحفظها لكان ما ذكره في القرآن أوفى. التوراة لم تذكر العزيز أبداً وإنما تذكر رئيس الشُرَط أو تذكر إسمه. القرآن سماه العزيز ثم عرفنا مؤخراً أن هذه أدق ترجمة لما كان يُطلق على صاحب هذا المنصب في ذلك الوقت. كان يسمى "عزيز الإله شمس" إسم صاحب هذا المنصب مؤخراً عرفناه، ربنا لم يقل "عزيز إله شمس" لأن هذا يكون إقراراً بأن الشمس إله. فأدق ترجمة بما يتناسب مع العقيدة الإسلامية (العزيز) التوراة ليس فيها العزيز. من أعلَم هذا الرجل الأميّ بهذه التسمية؟ التوراة تذكر دائماً موسى وفرعون والقرآن لم يذكر فرعون مع قصة يوسف وإنما يذكر الملك مع يوسف ثم عرفنا فيما بعد (من حجر رشيد) وعرفنا أن الملوك في مصر قسمان: قسم إذا كان من أصل مصري يسموه فرعون وإذا كان من الهكسوس يسموه ملك فهو ملك وليس فرعون والذي كان في زمن يوسف كان من الهكسوس فسمي ملك فهو الملك وليس فرعون. في زمن موسى كان الملك مصرياً فسمي فرعون. القرآن يذكر في كل مكان لا يذكر (سيدها) بمعنى الزوج إلا في قصة يوسف قال (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ (25)) بمعنى زوجها. ليس في القرآن (سيدها) بمعنى زوجها وعرفنا فيما بعد أن (سيدها) كان يستعملها الأقباط للرجال والبعول وقرأت في الكتب أن كلمة (سيدها) ليست عربية وإنما هي قبطية، إستعمالها للزوج لا تستعملها العرب وإنما هي من كلام الأقباط بمعنى بعل أو زوج. نحن عندنا ساد يسود، لكن (سيدها) بهذه الدلالة لا تستخدمها العرب وإنما تستخدم الزوج والبعل. قال تعالى في قصة يوسف (سيدها) ولم يقل في مكان آخر (سيدها). الله تعالى تحداهم بمعلومات لم تكتشف إلا فيما بعد، ذكر القصة بكل دقائقها ثم ذكر أموراً، هذه أنزلناه.
(جعلناه): لم يذكر أموراً تتعلق بالإنزال، قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) الزخرف) (أُمّ الكتاب) أين؟ في السماء، (لدينا) أين؟ عند الله عز وجل، (لعلي حكيم) أين؟ في العلو، إذن هذا ليس إنزالاً. ما يتعلق بالإنزال لأنه يتكلم وهو في السماء، في العلوّ، في الارتفاع قبل النزول: (أمّ الكتاب) أي اللوح المحفوظ، (لدينا) أي عند الله، (لعلي حكيم) مرتفع فيه سمو، فكيف يقول إنزال؟. أما الآية الأخرى فإنزال (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) يوسف) الوحي إنزال. (لدينا) ليست إنزالاً، أمّ الكتاب ليست إنزالاً فتحتاج لـ (جعلناه) وليس أنزلناه. نسأل: أيّ الأنسب أنه في مقام الإنزال يستعمل أنزلناه أو جعلناه؟ الأنسب أن يستعمل أنزلناه وفي مقام عدم الإنزال يستعمل (جعلناه). نضع الإنزال مع الوحي والإنزال (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ما كنت تعلمها أنت وقومك) يعني أنزلها إليك، هذه لا علاقة لها بأم الكتاب ولدينا وكلها إنزال.
هل العرب كانت تفهم وضع كلمة في مكانها هكذا وتعلم أن كل كلمة عاشقة لمكانها؟ البلغاء يعلمون ويعرفون في مظانّ الكلام ما لا نعرفه نحن إلا فيما يتعلق بالأمور العلمية التي استجدت فيما بعد هذه لا يعلمونها لكن فيما عدا ذلك يعلمون من مرامي الكلام ما لا نعلمه نحن ولذلك عندما تحداهم بسورة والسورة قد تكون قصيرة جداً لم يأتوا بشيء، لم يتحداهم بآية لأن الآية قد تكون كلمة (ألم) و(مدهامتان) آية، لكن تحداهم بسورة أو بما هو مقدار السورة. كل تعبير في القرآن بمقدار (إنا أعطيناك الكوثر) فهو معجز. أقصر سورة الكوثر هذه معجزة لأنه تحداهم بها أو الإخلاص. فأي كلام في القرآن بمقدار هذ فهو معجز.
*ما الفرق بين أنزلناه (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) يوسف) وجعلناه (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)
د.أحمد الكبيسى:
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا ﴿2﴾ يوسف) وأخرى تقول (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا ﴿3﴾ الزخرف).نتكلم عن جعلناه هذا الكلام كلام الله، القرآن كلام الله ليس هناك شك في هذا لكن هذا الكلام هو الذي خرج من الله بالضبط؟ لا طبعاً هذا لو هذا الكلام الذي نقرأه هو الذي خرج من الله بالضبط لما استطاع منا أحداً أن يقرأه إلا وصُعِق. لكن رب العالمين كلامه الذاتي الذي لا يمكن لنا أن نسمعه رب العالمين إكراماً لنا رحمةً بنا غيّر صيرورته ولغته وصار عربياً لماذا؟ العربي (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿1﴾ الإخلاص) هذا بحاجة إلى لسان إلى شفتين إلى حلق ميم شفتان لام حاء حلق وهكذا رب العالمين ما عنده لا شفتين ولا حلق ولا لسان (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴿11﴾ الشورى). وحينئذٍ رب العالمين كلامه الصحيح جعله قرآناً عربياً هذا هو الفرق بين جعله ثم أنزله بهذا إلى اللوح المحفوظ. إذن رب العالمين عز وجل قال (جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا) وبعد أن جعلناه قرآناً عربياً أنزلناه هكذا إلى اللوح المحفوظ حتى نقله جبريل من اللوح المحفوظ شيئاً فشيئاً بالتنزيل بالتنزيل على حسب الوقائع وهذا جداً منطقي. ورب العالمين قال (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) قال هذا اللفظ؟ أولاً الله يعرف عربي الشيء الثاني لغته عربية؟ ألا يعرف لغة أخرى! ثم عنده قاف ولام وحنجرة هذا بشر والله قال (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). هذا الفرق بين أنزلناه وجعلناه.
*ما خصوصية استعمال القرآن لكلمة القرآن والفرقان (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) يوسف) وفي الفرقان (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الفرقان)؟(د.فاضل السامرائى)
الفرقان هو الفارق بين الحق والباطل والتوراة يسمى فرقاناً والقرآن يسمى فرقاناً والكتب السماوية فرقان. والله تعالى يقول (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) البقرة) البعض يقول الفرقان هي المعجزات، الكتاب التوراة والفرقان المعجزات وإما قالوا الكتاب والفرقان يقصد التوراة نفسها. نقول هذا أبو حفص وعمر، (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) طه) الظلم هو الهضم. هذا الأصل وليس القاعدة المطلقة. يقولون الكتاب والفرقان الكتاب التوراة والفرقان المعجزات ويقولون الكتاب والفرقان هو نفس الكتاب التوراة وأضاف ذكر كلمة الفرقان كون هذا الكتاب فرقان، أضاف شيئاً آخر لكلمة الكتاب. (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الفرقان) القرآن، (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً (29) الأنفال) هم مؤمنون يجعل لكم فرقاناً وعندها ستميز بين الحق والباطل وتعرف ما يصح وما لا يصح "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. القرآن هو الإسم العلم على الكتاب الذي أنزل على مجمد واسم الكتاب الذي أنزل على محمد القرآن وهذا القرآن فرق بين الحق والباطل إذن القرآن فرقان والإنجيل فرقان والتوراة فرقان والمعجزات فرقان تفرق بين الحق والباطل. (وقرآناً فرقناه) هذا يعني منجّماً.
*هل توجد في القرآن كلمات غير عربية؟ وإذا وجدت كلمات غير عربية فكيف نفسر قوله تعالى (قرآناً عربياً)؟(د.فاضل السامرائى)
الكلمات التي وردت في القرآن دخلت العربية قبل نزول القرآن وصارت عربية في التعبير، العرب استعملوها. ولا شك أنه ليس كل شيء موجود في الجزيرة العربية، هل كل النباتات موجودة في الجزيرة العربية؟ كل الفواكه؟ كل الألبسة؟ قطعاً لا. وقطعاً لما يصير اتصال في التجارة تدخل مفردات وكلمات وتقارب اللغات يعني تقترب لغة من لغة هذه ليس عندها مثل هذه فتستعمل الكلمات وتدخل لغتها. إذا كان هناك حروف ليست من حروفها تحاول أن تجعل لها حروفاً من حروف اللغة وتدخلها في كلماتها. الكلمات التي في أصولها غير عربية دخلت العربية واستعملها العرب قبل الإسلام بزمن طويل ودخلت في لغاتهم وأعربوها وخضعت للقواعد وأصبحت عربية في الاستعمال ولا نعلم أصولها وقد تكون أصولها غير عربية لكنها الآن أصبحت عربية، قد تكون غير عربية وليست موجودة في الجزيرة العربية مثل سندس واستبرق، العرب لم يكن عندهم مصانع ليستخدموا سندس واستبرق وليس عندهم جميع الأطعمة والفواكه. جميع الكلمات في القرآن عربية الاستعمال قطعاً، القرآن لم يأت بكلمة أعجمية ابتداءً وأدخلها في القرآن. لو أردنا أن نرجع للكلمات الدخيلة الذي يذكرها أهل علوم القرآن نجدها كثيرة لكنها كلها دخلت قبل الإسلام والعرب فهمت هذه الكلمات وكانت تستخدمها في لغتها وفي حياتها فأصبحت عربية الاستعمال. الكلمات الأعجمية أوزانها ليست كأوزان العرب أو تجتمع فيها حروف الدال والزاي مثلاً يضعون لها ضوابط للكلمات غير العربية الأصيلة مثلاً كلمة (مهندز) لا تجتمع الدال والزاي، يضعون بعض الضوابط: اجتماع حروف ليس من طبيعة اللغة أن تجتمع في كلامهم فيقولون ليست عربية أو أوزانها. جميع الكلمات الواردة في القرآن الكريم دخلت في لسان العرب قبل الإسلام ودخلت في كلامهم وأعربوها وأصبحت عربية في الاستعمال.
(وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) يوسف) عن ماذا؟(د.فاضل السامرائى)
غافلون عن الدين الحق، ربنا تعالى قال للرسول (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) يوسف) هذا قبل أن تأتيه النبوة الغفلة عن الحق وعن الطريق المستقيم ليس كوصف عام لأن هذا هو المقصود ما يتعلق بالشريعة الحقة الطريق المستقيم الذي يريده ربنا، من أين يعلم هذا الشيء؟
آية (1):
*ما دلالة استعمال صيغة الفعل الماضي في أول سورة النحل؟(د.فاضل السامرائى)
قال تعالى في بداية سورة النحل (أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {1}). الفعل الماضي في اللغة العربية ليس بالضرورة أن يكون لما قد حصل فقد يكون لما شارف الوقوع وقد يكون للمستقبل الذي سيقع بعد قرون كذكر أحداث يوم القيامة في القرآن ، وأحياناً يُستعمل الفعل المضارع للماضي البعيد كقوله تعالى (فلم تقتلون أنبياء الله). الزمن في اللغة العربية ليس بالبساطة التي نتصورها فالفعل الماضي له 16 زمناً في اللغة. فما المقصود بقوله تعالى (أتى أمر الله)؟ هو ليس بالضرورة يوم القيامة فقد يكون النصر الذي أشرف على المجيء فلا تستعجلوه ولكنه تأكيد بأنه سيقع. يذكر الماضي للدلالة على التيقن من وقوعها كما يصف أحداث يوم القيامة فالأحداث المستقبلية هي بدرجة تحققها مثل الأحداث التي حصلت فليس في الفعل الماضي شك فهي بمنزلة ما مضى من الأحداث وهو حاصل وآتٍ آت قد يكون اقترب أو شارف على الوقوع وقد يحتمل أن يكون النصر وقد يحتمل القيامة. كما نقول قد قامت الصلاة في أذان الإقامة.
*لم بدأت السورة بالفعل أتى و ليس جاء؟
إذا نظرنا في القرآن كله نجد أنه لم تستعمل صيغة المضارع للفعل جاء مطلقاً ولا صيغة فعل أمر ولا إسم فاعل ولا إسم مفعول وإنما استعمل دائماً بصيغة الماضي. أما فعل أتى فقد استخدم بصيغة المضارع.
من الناحية اللغوية: جاء تستعمل لما فيه مشقة أما أتى فتستعمل للمجيء بسهولة ويسر ومنه الالمتياء وهي الطريق المسلوكة.
قال تعالى في سورة النحل (أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {1}) وقال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)) هنا أشقّ لأن فيه قضاء وخسران وعقاب.
((((أتى أمر الله فلا تستعجلوه) سورة النحل آية 1 الأمر أتى من الله وهو في طريقه للوصول ثم تحقق وجاء بعد سنوات))) من برنامج الكلمة وأخواتها.
*ما الفرق بين قوله تعالى (أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ (1) النحل) وقوله (فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) غافر) ؟
هناك لم يأت بعد (أَتَى أَمْرُ اللّهِ) فلا تستعجلوه هو قَرُب، أتى يدل على الماضي أنه اقترب لم يصل بعد فلا تستعجلوه، (فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ) هنا الأمر واقع لأن فيه قضاء وخسران أي المجيئين أثقل؟ (فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ) أثقل، يصور مشهداً واقعاً أما في الآية الأولى لم يأت بعد ولم يقع بعد فمع الذي لم يأت بعد استعمل أتى ولما حصل ما وقع وما فيه من قضاء وخسران استعمل جاء. إذن الإتيان والمجيء بمعنى لكن الإتيان فيه سهولة ويسر أما المجيء ففيه صعوبة وشدة ويقولون السيل المار على وجهه يقال له أتيّ مرّ هكذا يأتي بدون حواجز لأنه سهل. (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ (17) النمل) ليس هنا حرب، (وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ (16) يوسف) هذه فيها قتل. إذن هنالك فروق دلالية بين جميع كلمات العربية سوءا علمناها أو لم نعلمها. رأي الكثيرين من اللغويين قالوا ليس هناك ترادف في القرآن إلا إذا كانت أكثر من لغة (مثل مدية وسكين) ولا بد أن يكون هناك فارق.
آية (5) :
* يقول تعالى في سورة النحل (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)) لم أسند الخلق لضمير الغائب قال خلقها وفي آية سورة يس أسند الفعل لضمير المتكلم (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ)مع أن الخالق في الحالين الله سبحانه وتعالى ؟
لو لاحظنا أن كل تعبير مناسب لما ورد فيه في أكثر من وجه، أولاً السياق في الموضعين، السياق في النحل مبني على الإسناد إلى ضمير الغيب في عموم السورة وفي عموم هذا السياق بالذات. قال (يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ (2)) ينزل لم يقل ننزل، (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ (3))، (خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ (4))، (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا (5)) (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (8)) (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء (10))، (يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ (11))، (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ (12))، (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ (14))، (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ (15))، عموم التعبيرات في السياق في ضمير الغيبة.
في يس السياق في ضمير المتكلم (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً (8))، (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا (9))، (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12))، (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ (14))، (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (28))، (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ (31))، (وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33))، (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (34))، (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ (39))، (وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ (42))، (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ (65))، (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ (71))، (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ (72))، فإذن كل تعبير من حيث السمة التعبيرية هو أنسب لسياقه.
ولكن لِمَ يأتي مرة بالمتكلم ومرة بالغائب؟
أحياناً يخبرنا عنه فلا بد أن يُخبر بضمير الغيب، يُخبرنا عنه، هو ربكم يُخبرنا عنه. عندما يريد أن يعلِّمنا من هو الله.
السياق في يس أكثر تفضلاً وإنعاماً. لو أخذنا بين الآيتين (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ) و (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ) قلنا أن الإسناد إلى ضمير المتكلم فيه تفضّل. لو لاحظنا الموضعين سنلاحظ أنه في سياق آية يس ذكر أموراً أكثر تفضلاً على الإنسان أكثر مما في النحل. لو نقرأ ما في الموضعين يتبين ما أقول.
قال في يس (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)). قال في النحل (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (7)). لو ننظر إلى مواطن التكريم في كل موضع:
1. قال في يس (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ) وقال في النحل (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا) لم يقل لهم، أيُّ دالة على التكريم خلقنا لهم أو خلقها؟ في يس قال (لهم) في النحل قال (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا) (لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ). إذن التكريم الأول (لهم).
2. التكريم الثاني قوله (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) للدلالة على الاهتمام والتكريم أن هذا من عمل يده سبحانه وتعالى، ما قال هذا في النحل. قال (فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) ذكر التمليك لم يملّكهم في النحل.
3. قال (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) ولم يقل في النحل هذا.
4. قال في يس (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ) وفي النحل قال (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ).
5. ذكر في يس أن لهم فيها مشارب (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ) ولم يقل هذا في النحل.
6. في يس والنحل قال (وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ).
7. في يس والنحل قال فيها منافع وفي النحل ذكر (لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ) وهي في المنافع، ودخل فيها جمال وهذا أمر آخر.
8. في يس قال الخلق لهم، تمليكها لهم، ذللها لهم، ركوب ومشارب لم يقلها في النحل إنما قال الدفء وحمل الأثقال والجمال. أيّ الموطنين فيه تكريم أكثر؟ يس. إذن هذا الأنسب للسياق العام.