عرض وقفة أسرار بلاغية
من أصول الإيمان التي ينبغي أن تكون راسخة في القلوب؛ كرسوخ الجبال على الأرض، الإيمان بأن القرآن الكريم لا ريب فيه من رب العالمين، فليس بقول شاعر ولا كاهن ولا ساحر، أو مما تخرصه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو نقله من كتب الأولين، قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة ٢]. ونفي الريب عنه هنا عام؛ لأنها نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فهي تشمل جميع أخباره وأحكامه وهديه، وكُلَّ آية وحرف منه، فلا مجال للريب فيه، قال تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن ربِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [هود: ١٧]، كما يشمل نفي الريب عن حججه وبراهينه التي كلها دلائل صدق ويقين، ويستلزم نَفْي الريب هنا الشهادة باستمرارية صحة مصدره، وكمال هديه، وبينات حججه وعصمته من النقص والخلل
فلا مجال للريب فيه بأي وجه من الوجوه، في كل زمان ومكان، وهو بذلك تميز عن غيره من الكتب المنزلة الأخرى التي لم
تسلم من الريب؛ لما حدث فيها من تحريف.
و من ارتابوا في مصدره، أو في شيء مما جاء فيه، فهم إما قوم جهلوا حقيقته، وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، كما قال تعالى:
بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ [يونس : ٣٩]، أو عرفوا حقيقته؛ لكنهم أعرضوا تعبداً واستكبارا، أو اتبعوا أهواءهم فباعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِنَايَتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّيَ فَاتَّقُونِ ﴾ [البقرة : ٤١].
وقد خاطبهم الحق تعالى بما يقطع شبهة الريب من قلوبهم، من خلال بيان إعجازه الذي ينفي نسبته لغيره جَلَّ وَعَلَا بصورة قاطعة، قال تعالى : ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤]، ليسجل من خلال ذلك عجز العرب أولاً عن معارضته بأقصر سورة منه، ويكون ذلك برهاناً قاطعاً عن عجز غيرهم من باب أولى، ونفي الريب عنه يستلزم الثقة التامة بمصدره، والطمأنينة بكل ما ورد فيه أنه حق وصدق وعدل، مع التحاكم إليه، والتسليم المطلق له، والقبول الكامل لهديه
روابط ذات صلة: