عرض وقفة أسرار بلاغية

  • ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴿٥﴾    [المزمل   آية:٥]
قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾ [المزمل : ٥]. قَوْلًا ثَقِيلًا) يعني: كلاماً عظيماً جليلاً نفيساً ثابتاً راسخاً كريماً، أوصافه جليلة، وطلعته مهيبة، كيف لا يكون كذلك وهو كلام رب العالمين ؟! وثقله ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ثقل حسي: ظهر ذلك عند نزوله ووحيه على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقد كان يلقى عند نزوله شدة، فيتفصد جبينه عرقاً في الليلة الشاتية، ويثقل جسمه ثقلاً شديداً، وتبرك ناقته، ولمَّا أوحي إليه وفخذه على فخذ زيد بن ثابت رضيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: «حتى خِفْتُ أَن تَرُضَّ فَخِذِي»، كل ذلك صحت به الأحاديث والآثار، وثقيل في الميزان يوم القيامة، وثقيل من خلال قوة تأثيره، قال تعالى: لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر: ٢١]. القسم الثاني : ثقل معنوي فهو ثقيل لما له من وزن ورجحان، وصحة وبيان، ألفاظه عذبة، وجمله بليغة محكمة ومعانيه بينة مثمرة، وهداياته عظيمة نافعة، شملت جميع العقائد والفرائض والحدود والأحكام، وفوق ذلك هو منزّه عن اللغو والعوج وسفاسف القول، قال تعالى: ﴿قُرْءَانَّا عَرَبِيًّا غَيْرُ ذِي عِوَج [الزمر: ۲۸] ، وهو كذلك ثقيل على العقول أن تحيط بكنه معانيه وفوائده وهداياته، وثقيل في العمل به في حدوده وفرائضه إلا من يسره الله تعالى عليه فهو ميسر، وهو ثقيل على الكفار والمنافقين؛ لأنه كشف أسرارهم وأستارهم وعيوبهم، وأعجزهم وتوعدهم، وفزع قلوبهم، قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانَا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلَّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَأْيْسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً [الرعد: ٣١]. فمن لم يحس بثقل كلام الله تعالى وهو يتلوه ويتدبره ويتبعه - فليراجع إيمانه، فإنَّ إحساس المؤمنين بذلك؛ هو الذي أثمر ما وصفهم الله تعالى به في قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَ أَنَا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْتَهُ تَنزِيلًا قُلْ عَامِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبَّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبَّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩]، ومن أدرك ثقله أدرك عظم الأمانة التي طوقت به في عنقه، قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) [الأحزاب: ۷۲]، فسارع في معالجة ظلم نفسك بالبعد منه والجهل بما جاء فيه، حتى تقوى على حمله.
روابط ذات صلة: