أسرار بلاغية
| ٥١ | برنامج لمسات بيانية قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ٱلۡعَٰلَمِينَ٥٤ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ٥٥ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (55، 56). وقال فيها: ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِين﴾ (205). وقال في سورة الأنعام: ﴿قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ٦٣ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ﴾ (63 ،64). سؤال: لماذا ذكر الخوف في آيتي الأعراف، فقال في الآية الأولى: ﴿وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ﴾ وقال في الآية الثانية: ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ﴾ والخيفة هي الخوف، ولم يذكر الخوف في آية الأنعام، وإنما قال: ﴿تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ﴾ والخفية نقيض الجهر؟ الجواب: إن الدعاء والذكر المذكورين في آيتي الأعراف إنما هما في مقام العبادة، والخوف المذكور فيهما إنما هو الخوف من الله دعاء وذكرًا. وأما آية الأنعام فهي في مقام الخوف مما قد يحيط بالناس في ظلمات البر والبحر، فلو ذكر الخوف لانصرف إلى هذه الأمور المخوفة ولم ينصرف إلى الخوف من الله. والخوف في مثل هذه المواطن مما يعتري النفس البشرية، وهذا ظاهر معلوم، وقد أوضحته الآية وسياقها، فقد ذكر تضرعهم وتذللهم إليه سبحانه قائلين: ﴿لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِين﴾ وطلب النجاة إنما يكون من الأمور المخوفة. وقال بعد ذلك: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ﴾ فسمى ذلك كربًا، فاتضح الفرق بين الموضعين فناسب كل تعبير موضعه. الوقفة كاملة |
| ٥٢ | برنامج لمسات بيانية *(حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) ما هو تفسير الآية؟ ممن كُذِبوا؟ (د.فاضل السامرائى) قال سبحانه وتعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا) طبعاً هنالك قراءة متواترة من السبعة من أكثر من قارئ (كُذِّبوا) ومن الأقوال المشهورة في تفسير هذه الآية استيأس الرسل من إيمان قومهم (استيأس مبالغة في اليأس) استيأسوا من إيمان قومهم وظنّ قومهم أن الرسل قد كذبوهم، ظن القوم أنهم قد كُبِوا فيما أخبر به الرسل، الرسل أخبروهم أنه إن لم تؤمنوا فسيحل بكم عقاب الله وعذابه وحذروهم وإذا آمنتم فهنالك نصر، هؤلاء لم يؤمنوا فاستيأس الرسل من إيمان قومهم، لم يحصل شيئاً بالنسبة للقوم إذن قالوا أنهم كُذِبوا يعني هؤلاء قد كذبوهم يعني استيأس الرسل من إيمان قومهم وقومهم ظنوا أنهم قد كُذبوا فيما أُخبروا به، الظنّ هنا للقوم وليس للرسل وهذا من أشهر ما قيل فيها أن استيأس للرسل والظن للقوم ويؤيد هذا الرأي أمران: قراءة (كُذّبوا) والأمر الآخر أن السياق الكلام عن عدم إيمان الأقوام، قال قبلها (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106)) (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ (109)) السياق في عدم إيمان الأقوام. إذن هذا من مشاهير القول أن الرسل استيأسوا من إيمان قومهم ولم تنزل عقوبة بهم إذن ظن القوم أن الرسل قد كذبوهم، أنهم قد كُذِبوا، هذا من أشهر ما قيل، القوم كذبوا فيما أُخبروا يعني الرسل كذبوهم فيما أخبروهم، إذن (كُذِبوا) هنا تعود على القوم فيما وصل إليهم على لسان الأنبياء والرسل. وأيضاً هنالك رأي آخر أن الأتباع أي الرسل وعدوا أتباعهم المؤمنين بأن الله سينصرهم ويعذب الكافرين. استطراد: هنا (كُذِبوا) تعود على أن ما وصل إلى أقوام الأنبياء على لسان رسلهم جاء كذباً وقراءة كُذِّبوا الرسل كُذِّبوا. والقراءتان متواتران فهي تجمع المعنيين. سؤال: ألا يعتبر هذا تشتيت لفهم الدلالة داخل القرآن الكريم بتعدد القراءات ؟ تعدد القراءات إما أن يوضح أو يعطي معنى آخر زيادة للمعنى الأول. على سبيل المثال في الفاتحة عندنا قراءة مالك يوم الدين وملك يوم الدين وربنا ملك ومالك، ملك يوم الدين هو مالكهم، الملِك غير المالك، المالك يتصرف غير تصرف الملك، أنت لك أن تبيع وتشتري وتهب، المالك له التصرف في مُلكه أما الملك فليس له الحق أن يملك أموال الناس والرعية. ليس كل ملك مالك ليس بالضرورة قد يكون ملكاً وليس مالكاً فهناك فرق بين الملِك والمالك. كلٌ له تصرفه المالك له تصرف والملِك له تصرف. والله تعالى يريد أن يجمع الأمرين فلا بد من قراءتين كما في قوله تعالى (مَالِكَ الْمُلْكِ (26) آل عمران) جمع الأمرين مالك من التملّك، والمُلك من الملِك ليس من التملك (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (51) الزخرف) صاحب المُلك ملِك والمالك هو صاحب المِلك. هناك فرق بين مُلك ومِلك، المُلك الحكم (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ) هو يحكمها والمِلك هو ما يملكه، يبيعه ويشتريه أو جاءه عن طريق ما. فصاحب المِلك مالك وصاحب المُلك مَلِك وربنا قال (مالك المُلك) المُلك مِلْكُه فجمع الدلالتين بهذا وهاتان القرآتان جمعتا ملك ومالك. التدبر في القراءات يوضح المعاني وتجمع أكثر من معنى. إذن كُذبوا وكُذّبوا لكل منها دلالة صحيحة. فإذن هذه الدلالة الأولى أن الأقوام ظنوا أن رسلهم قد كذبتهم وأنهم كُذِبوا فيما أُخبروا به وقسم قال الأتباع أتباع الرسل المؤمنين بهم طال الأمر وهم يعذَّبون ويفتنون ولم يحصل إلى الآن ما أخبر به الرسل بأن الله سينتقم من الكافرين أو ينصركم أو ينجيكم فدخل في بعض الظن هل يعقل أن الرسل قد كذبونا فيما أخبروا؟ الأتباع ظنوا أنهم قد كذبوا إلى درجة أن الأتباع ظنوا أنهم قد كُذِبوا، فجاءهم نصرنا إلى أن بلغوا حالة، استيأس الرسل من إيمان أقوامهم وظنت الأقوام التي لم تؤمن بالرسل أنهم قد كُذِبوا وأن ما أخبرهم به الرسل كذب. (جاءهم نصرنا) جاءهم تعود على الرسل. سؤال: (ظنوا أنهم كذبوا) ألا يعود الضمير في ظنوا على الرسل؟ فعلاً قسم من المفسرين قال هم بشر دخل في نفوسهم شيء من الظن طارئ ليس يقيناً لكن يبدو أن السياق والقرآءة الأخرى ترجح ما ذكرناه أولاً. استيأس الرسل من إيمان قومهم لأنه ذكر قبلها الأقوام التي كذبت رسلهم وتتابع في ذكرها يعني لم ييأس الرسل من تبليغ رسالة الله ولكن استيأسوا من إيمان قومهم. استطراد: لما يحذف ربما تكون هنالك قرينة سياقية تعين على تحديد دلالة معينة. السياق واضح (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106)) (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ (109)) السياق في هؤلاء الذين لم يؤمنوا أصلاً. الوقفة كاملة |
| ٥٣ | برنامج لمسات بيانية * ورد في القرآن الكريم في مواضع عديدة في أكثر من آية (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ومرة واحدة في سورة آل عمران وردت (وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) آل عمران) فما الفرق؟ (د.فاضل السامرائي) لما تقول فلان ذو المال العظيم أو تقول فلان ذو مال، أيها الأكثر؟ ذو المال، فلان ذو العلم، فلان ذو علم؟ فلان ذو العلم أكثر. إذن ذو الفضل يعني الفضل المذكور منتهى الفضل وكل الفضل. لاحظ ربنا سبحانه وتعالى لا يقول (ذو الفضل العظيم) إلا عندما يعطي أو مع الاختصاص بالرحمة. مثال: (وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) البقرة) عندما اختصه برحمته هذا فضل، هذا في أكثر من مكان (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) الأنفال) عطاء كثير، (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) الحديد) عطاء كثير، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) الحديد)، (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) الجمعة). آية ذو فضل عظيم لم يعطهم شيئاً (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) آل عمران) ما مسهم بالسوء، لكن لم يحصلوا على شيء، أنت تذهب لبيتك ما مسك سوء، ماذا فيها؟ أعطيك أحسن أو لا يمسك سوء؟ أعطيك أحسن. قال ذو فضل عظيم لأن هذا ليس مثل ذاك، عندما لم يمسه سوء غير عندما يختصه برحمه. هذا ما مسه سوء فقط أنت تدخل ما مسك سوء، هذا فضل غير هذا، عندما يختصك برحمة ويجعل لك نور ويغفر لك هذا فضل أكثر. *ختمت آية (29)سورة الحديد بالتعريف (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) وفي آل عمران (وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)) فما الفرق؟ (د.فاضل السامرائى) في آل عمران في أُحد وفي نجاتهم مما كان يراد بهم (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)) هذا أكبر أو النور والرحمة والمغفرة؟ انقلبوا لم يمسسهم سوء، المغفرة والرحمة والنور أكبر لذا قال ذو الفضل العظيم.أما لو مسهم سوء لهم أجر. أما فى سورة الحديد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (28)لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) كفلين من رحمته ويغفر لكم ويجعل لكم نوراً هذه أكبر إذن والله ذو الفضل العظيم. التعريف يفيد العموم والشمول والتنكير يفيد التقليل. الوقفة كاملة |
| ٥٤ | ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ١١﴾ [التغابن: 11] * * * أطلق الإصابة فلم يذكر مفعولًا أو مكاناً لها أو زمانًا أو غير ذلك، فلم يقل (ما أصابكم) أو نحوه، ولم يقل (في الأرض) أو ﴿يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ﴾ أو غير ذلك. وجاء ب(من) الاستغراقية، فحيثما حلّت مصيبة؛ فإن ذلك لا يكون إلا بإذنه وأمره. قد تقول: لقد قال في سورة الحديد: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ﴾ [الحديد: 22]. فزاد ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾ على ما في التغابن ((وذلك لأنه فصل في سورة الحديد في أحوال الدنيا والآخرة ما لم يفصله في التغابن، فكان المناسب أن يفصل ويزيد موافقة لما قبلها. جاء في سورة الحديد: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ٢٠ سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ٢١ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾ ولم يرد مثل ذلك في سورة التغابن، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ١٠ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾. فأنت ترى أنه فصل وذكر في سورة الحديد مالم يذكره في التغابن؛ ولذا زاد في التفصيل في الآية المذكورة موافقة لما قبلها. جاء في (البرهان) للكرماني أنه ((فصل في هذه السورة وأجمل هناك موافقة لما قبلها في هذه السورة، فإنه فصّل أحوال الدنيا والآخرة فيها بقوله: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ ﴾ [الحديد: 20]. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن ما ذكره في سورة التغابن أعم مما ورد في سورة الحديد، فقد قال في سورة الحديد: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾ فذكر المصيبة في الأرض أنفس المخاطبين. أما في سورة التغابن فإنه خصص، بل أطلق كما ذكرنا، فقال: وهو يشمل كل شيء يمكن أن تقع فيه مصيبة؛ ولذا ختم بقوله: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيم﴾. ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُ﴾. قال بعد آية الحديد التي ذكر فيها المصيبة في الأرض والأنفس: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾. وقال في آية التغابن: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥ﴾، ولا شك أن قوله ﴿يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ﴾ أعم من قوله: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ فإن هذا جزء من هداية القلب، فهداية القلب عامة. ولذا ذكر في تفسير ﴿يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ﴾ كلام كثير على العموم، وأنه ليس نصًا في أمر واحد، فقد قيل: إن معناه ((يهد قلبه لليقين))، وقيل: ((أي: يلطف به ويشرحه لازدياد الخير والطاعة)). وقيل معناه: ((يهد قلبه عند المصيبة... للتسليم لأمر الله، ونظيره قوله: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ﴾. قال أهل المعاني: يهد قلبه للشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء)). وفي (فتح القدير) ((يهد قلبه للصبر والرضا بالقضاء)). إن قوله ﴿يَهۡدِ قَلۡبَهُ﴾ يحتمل كل ما قيل، فهو تعبير عام يحتمل عموم الهداية. وواضح أن هذا أعم من قوله: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾. فناسب كل تعبير سياقه الذي ورد فيه، فقد ناسب العمومُ العمومَ في قوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ فأطلق المصيبة وأطلق الهداية. وناسب الخصوصُ الخصوصَ في قوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾. فعقب بقوله: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾. وهو من لطيف المناسبات. وهو من لطيف التناسب في السياقين أنه قال في آية الحديد: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ﴾ وبعدها: ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ٢٣ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ٢٤﴾. وقال قبل آية التغابن: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِير﴾ وبعدها قوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ....﴾. وواضح أن ما ورد في آية التغابن أعم مما ورد في آية الحديد. فقد قال في آية الحديد: ﴿كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ٢٣ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ﴾. وقال في التغابن: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَآ﴾. ولا شك أن المذكورين في آية الحديد هم قسم ممن لا يحبهم الله. فما ورد في التغابن أعم وأشمل، فقد يدخل المذكورون في سورة الحديد فيمن ذكروا في آية التغابن. فناسب العموم في التغابن ما ذكرناه من العموم. وناسب الخصوص في آية الحديد ما ورد فيها من الخصوص. ومن لطيف ذلك أيضًا ما ورد بعد قوله تعالى في التغابن: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ وذلك قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ١٢﴾. وقال بعد آية الحديد: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾. ومن المعلوم أن قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ﴾ أعم وأشمل من قوله: ﴿لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾ فهذا جزء من إطاعة الله وإطاعة الرسول. فناسب العمومُ العمومَ من جهة أخرى. وناسب الخصوصُ الخصوصَ. ونلخص ما ورد في التناسب في العموم والخصوص في هذين الموطنين من سورة التغابن والحديد بما يأتي: 1 – قوله في التغابن: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾. وقوله في الحديد: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾. وما في التغابن أعم. 2 – قوله في التغابن: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥ﴾. وقوله في الحديد: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾. وما في التغابن أعم. 3 – قوله في التغابن: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ﴾. وقوله في الحديد: ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ٢٣ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾. وما في التغابن أعم؛ إذ ما في الحديد إنما هو جزء من صفات الذين كفروا وكذبوا. 4 – قوله في التغابن: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ﴾. وقوله في الحديد: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ﴾. وما في التغابن أعم؛ إذ القيام بالقسط إنما هو جزء من إطاعة الله وإطاعة الرسول. 5 – قوله في التغابن: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾. وقوله في الحديد: ﴿إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ﴾. وظاهر أن ما في التغابن أعم، فقد جعل علمه عامًا بكل شيء، وأما في الحديد فالكلام على المصيبة. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 199: 205) الوقفة كاملة |
| ٥٥ | برنامج لمسات بيانية * (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (105) هود) ما دلالة تكلّم وليس تتكلم؟ هذا من الحذف الجائز وهو كثير في اللغة تتنزل وتنزل موجودة لكن يبقى السؤال لماذا؟ أما من حيث الجواز فهو جائز. هذا تخفيف. يتخفف الكلام يقول تكلّم وتتكلم، تنزّل وتتنزل، توفّاهم وتتوفاهم في القرآن كثير وفي اللغة كثير. لكن يبقى السؤال لماذا؟ هو قال (لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) إذن هو منع الكلام إلا بإذنه معناه إذن الآن أن الكلام صار قليلاً فحذف من الفعل إشعاراً لقلة الكلام. في القرآن هذا كثير، في القرآن يحذف من الفعل إذا كان الفعل مقتطعاً منه ويعطيه إذا كان كل حاله وهذا في القرآن ظاهرة. نحن دائماً نذكر (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) القدر) هذا في ليلة واحدة ليلة القدر (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) فصلت) هذا في كل الأحوال في الموتى. هذا عند النزع يحصل في كل الأحوال، ما تنقطع في لحظة من اللحظات. (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ) ليلة واحدة في العام حذف وهذا في القرآن كثير. حذف إشعاراً بقلة الكلام. الوقفة كاملة |
| ٥٦ | برنامج لمسات بيانية * الملاحظ أن قصة سيدنا نوح توزعت وكانت متضمنة في أكثر من عشر سور تقريباً في القرآن الكريم، مثل الأعراف ويونس وهود والأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات والقمر واختتمت بسورة تحمل إسم سيدنا نوح سورة نوح، هل هذا تكرار؟ هل هذا ملامح مختلفة؟ ماذا عن قصة نوح في هذه السور كنظرة إجمالية من موقع لغوي من مرصدك الخاص؟ ذكرنا أنه ليس هنالك تكرار وليست هذه القصص التي ذكرت في عدة سور هي متطابقة في كل جزئياتها ، في القصص القرآني عموماً، وإنما يُذكَر في كل موضع ما يناسب المقام الذي وردت فيه وما يُراد أن يسلط عليه الضوء. وقد تكون القصص أحياناً مكملة إحداها للأخرى. يعني يُذكر في السورة التي بعدها ما تكمل السورة التي قبلها، هذا هو الملاحظ. أول ما ذُكِرت في سورة هود كقصة. لكن هي بدأت في الأعراف. لو لاحظنا في الأعراف كانت القصة موجزة من حيث أحداثها. وهي أول موضع وردت فيه، الحقيقة هنالك ملاحظة أن هذه القصة بدأت بقوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (59) الأعراف) من دون أن تُسبق بالواو. هنا قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) ليس فقط هنا وإنما في كل المواطن التي قال فيها لقد أرسلنا على الأقل يقول (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) عدا سورة نوح لأنها بداية السورة وهي كلها ليست عاطفة (الواو) لكن كأنها معطوفة على القصة الأولى، كل ما ورد (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) في كل موطن كلها عدا سورة نوح. حتى أحياناً في غير هذا التعبير في يونس قال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ (71)) أيضاً الواو ليست عاطفة، في الأنبياء (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ (76)) هو لا يذكر الواو عندما القصص الواردة معها ليس فيها واو كما ورد في سورة الشعراء والقمر كلها ليس فيها واو، في الشعراء (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105)) (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123)) (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141)) (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176)) وكذلك القمر (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ (9)) (كَذَّبَتْ عَادٌ (18)) (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23)) كلها على نمط واحد. السؤال ماذا تضمنت في الأعراف؟ * هل هنالك تسلسل زمني، تسلسل روائي، تسلسل سردي في القصة موزع على هذه السور؟ أم هي ملامح خاصة بالموضوع؟ هي ملامح لا شك لكن في كل موضع يذكر يضيف شيئاً جديداً. هي تبدأ في الأعراف وتبدأ بدعوة نوح لقومه إلى عبادة الله وهي دعوة الرسل جميعاً مذكورة في الأعراف كلها (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ). جميع دعوات الرسل في سورة الأعراف كلها (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) كل القصص الواردة في الأعراف وهذه واحدة منها. وأيضاً سيدنا نوح بدأ بها (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)) هم ردوا عليه أجابوا (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (60)) هو رد عليهم (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61)). لاحظنا أنه لم يذكر له أتباع هنا لأنها في ابتداء الدعوة فلم يذكر له أتباعاً. سورة يونس كانت كأنها استكمال لما ورد في الأعراف، هو أولاً لم يذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله في يونس ولم يذكر ماذا قال له قومه، ما ذكر هذا الأمر لأنهم في الأعراف ردوا عليه (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (60)) فهو استكمل الرد عليهم في هذه المسألة فيما أخذوه على شخصه هو، هو تحداهم (يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (71) يونس) فليفعلوا به ما يشاؤون، هذا أمر لم يذكره في الأعراف، هذا ملمح جديد. هناك بدأوا في الكلام وهو رد عليهم في الأعراف واستكمل الرد عليهم في سورة يونس. ولم يذكر أن له أتباعاً، حتى هذه اللحظة الدعوة لا تزال في مهدها، هو الآن لم يذكر الدعوة أصلاً. * أليست (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) دعوة؟ هذه في الأعراف. في سورة يونس قال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (71)) لم يذكر دعوة. تحداهم في هذه المسألة (فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (71) فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72)) لكن لم يذكر أن له أتباع. إذن هو اكتفي بالدعوة إلى عبادة الله في الأعراف ولم يكررها في يونس، اكتفى برد قومه في الأعراف لكن في يونس ذكر كلاماً آخر. في سورة هود القصة طويلة وهي أطول ما ذكر في سورة هود، دعاهم إلى عبادة الله وذكر أنه لهم نذير مبين وأنه دعاهم إلى عبادة الله وذكر رد الذين كفروا، الآن ظهر له أتباع لأنها دعوة، لكنهم سفّهوا الأتباع (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) هود) هذا في هود وليس في يونس، أنهم يزدرونهم (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) بدأوا يسفّهونهم، وكان هنالك كلام طويل وجدال بينهم (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32)) ثم ذكر كيفية النجاة التي وصفها، لم يذكرها في الأعراف ولا في يونس. ذكر صنع الفلك (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ (38)) واستهزاؤهم به وجريان الفلك وماذا يحمل ومن يحمل والحوار إلى قوله (وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (44)) كأنها استكمال وتوضيح لما سبق، هناك قال (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ (73) يونس) كيف نجّاه؟ * هنا تفصيل، هذا من سمات القرآن ربما يُجمل في موقف ويفصِّل في موقف؟ هل لهذا غرض بياني؟ طبعاً، لا شك هناك غرض بياني في كل مسألة يذكرها ينصرف على أمر، بالنسبة للأتباع للدعاة حتى يعرف كيف يتصرف الداعية إذا نالوا منه أتباعه لأنها تتعلق بالدعوة وبشخصه هو وبمن معه، الفكر بدأ به أول مرة (الدعوة) ثم تعرّضوا لشخصه، كيف يدافع عن شخصه هو؟ تعرّضوا لأتباعه كيف يدافع؟ كيف يقول؟ في سورة الأنبياء القصة ليست في سياق الدعوة والتبليغ أصلاً وإنما في سياق نجاة من نجى من الأنبياء واستجابة من دعا من الأنبياء. هو ذكر نجاة إبراهيم ونجاة لوط ونجاة نوح واستجابة دعائه واستجابه دعاء أيوب وذي النون وزكريا. قال في الأنبياء (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)) لم يذكر دعوة. (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ) أي دعا، هذا في سياق دعاء الأنبياء * ما معنى (مِن قَبْلُ)؟ من قبل الأزمة التي هو فيها. (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ (83)) كلها في سياق واحد (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ (87)) (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ (76)) إذن هي في سياق متشابه، سياق الأنبياء ذكر نجاة إبراهيم ولوط ونجاة نوح واستجابة الدعاء، ترى المسألة هي هكذا شأن الأمم على تطاولها والأنبياء هم هكذا يقعون في أزمة فيدعون ربهم وربنا يستجيب لهم، هو حالة متاشبهة للأنبياء المذكورين ذكر سمة عامة على تطاول المدة كيف كان الأنبياء مع أقوامهم وكيف كانوا يدعون لهم وكانوا يلجأون إلى الله بالدعاء سواء كان نبياً أم رسولاً (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ (84) الأنبياء). في المؤمنون أولاً هو ذكر القصة بعد ذكر الأنعام وفوائدها والحمل عليها وعلى الفلك. * لغوياً يجوز أن نقول (في المؤمنون) على الحكاية حتى لا يخطّئنا أحد المشاهدين؟ نعم، على الحكاية. فذكر قصة نوح والنجاة في الفلك بعد حمل الأنعام (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22))، ذكر الحمل في الفلك والأنعام فبدأ بقصة المؤمنون. قال (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)) ثم بدأ بقصة نوح. * المقصود بالفلك عامة؟ وليست خاصة بسيدنا نوح تحديداً؟ عامة، بعدها قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (23)). أول مرة ذكر الأنعام والفلك عامة (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) ثم ذكر قصة نوح. كيف ذكر قصة نوح؟ الجانب المذكور في سورة المؤمنون لا يطابق ما ورد، هو بلّغهم بالدعوة فقط (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)) ولم يقل شيئاً آخر، فقط ذكّرهم بالدعوة، قومه لم يواجهوه بكلام أبداً، لم يذكروا شيئاً ولا قالوا له شيئاً، هم كانوا يذكرون رأيهم في غيبته، في مجالسهم، أما أمامه لم يذكروا شيئاً، هذا مشهد آخر، الناس تتكلم معهم ثم عندما تنصرف عنهم كيف تتكلمون؟ ماذا يقولون فيه؟ في مجالسهم، في هود كان الكلام معهم مباشرة. انفضوا عنه لم يواجهوه يتكلمون فيما بينهم، هذا واقع الناس هكذا أنه إذا شخص يتكلم يتحدثون معه ثم إذا ذهب يتكلمون عنه. فالآن في المؤمنون ذكر ماذا قالوا فيه وماذا كانوا يقولون وليس في حضوره، إذن هذا استكمال. ماذا قالوا في غيبته؟ ماذا يقولون؟. ولأول مرة دعا ربه لينصرنه بصورة صريحة (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) المؤمنون). * هنا بداية اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى من شدة الظلم؟ لجوء إلى الله بصراحة. في المؤمنون قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25)) قالوا (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) ولم يقولوا ما أنت إلا بشر، هذا في مجالسهم إذن هذه قطعاً ليست تكراراً لما قبله، هذا المشهد لم يُذكر فيما سبق وإنما هو وصف للمجتمعات أنت تتوقع الداعية عندما يدعو بعد أن يتكلم يقع الأمر وانتهى وإنما هنالك الكلام مستمر في خلف ظهره وهذا واقع الحياة هكذا تنبيه لنا أنه أنت أيها الداعي لا تتصور أن الكلام بينك وبينهم تكلمت وانتهت المسألة لكن فيما بعد سيكون هناك كلام وحديث. في الشعراء أولاً قال في قوم نوح مثل ما قاله في الأقوام الأخرى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) الشعراء) (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123)) (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141)) (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108)) كل الرسل بدأ بمثل هذه البداية (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ () أَلَا تَتَّقُونَ (*) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (*) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (*)) كل الرسل، هذه تدل على وحدة الرسالة هذا ما قاله في الأقوام الأخرى، لو نرجع إلى سورة الشعراء تجد كل الرسل ينطقون بهذه العبارة. ثم ذكر مواقف الأمم من رسلهم وهي كلها على نمط واحد والتعليق واحد في الأخير، لكن قصة نوح كأنها كانت استكمالاً لما قبلها، ذكرنا أنه في الأعراف قال (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ (59)) أمرهم بالعبادة، وفي سورة المؤمنون نفس الأمر وحتى في هود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ (26)) أمرهم بالعبادة، في الأعراف (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) في المؤمنون كذلك، في هود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) أما في هذه السورة لم يطلب منهم عبادة أصلاً وإنما تقوى الله وطاعة رسوله. * أليست هذه عبادة؟ (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) العبادة قالها أولاً. هذه مرحلة بعد العبادة. * أليست تقوى الله وطاعة الرسول بعد؟ بعد العبادة. * إذن واضح أن هنالك من اتبعه وآمن به؟ هو يأمرهم أمراً، المتقي أول مرة يعبد الله ثم يتقي، إذن أول مرة الدعوة للعبادة خلقهم ليعبدوه * وكأن الخطاب السماوي منه تغير وانتقل إلى مرحلة أخرى ! طبعاً، هو في السابق لم يقل (فاتقوا الله) هو أمرهم بعبادة الله، هذه مرحلة بعد تلك، التوقى بعد العبادة، ثم طاعة الرسل هذه أول مرة يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ). وهكذا كل الرسل حتى نعرف وحدة الرسل وأنهم أمة واحدة وحتى التعقيب في الأخير واحد بعدها كلها يقول (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (*)وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) تعقيب على كل القصص ودعوة الرسل. إذن المسألة تختلف حسب السياق. في العنكبوت دعوته لقومه أصلاً ولم يذكر موف قومه منه ولا ذكر تقوى ولا طاعة وإنما ذكر مدة لبثه في قومه وأنهم أخذهم الطوفان لظلمهم، لم يذكر لا دعوة ولا موقف، كأن واحد يسأل كم بقي؟ قال في العنكبوت عبارة قصيرة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١٤﴾ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٥﴾) حتى السفينة لم تذكر إلا هنا وفي الباقي ذكر الفلك، هناك فرق. في الصافات ذكر أن نوحاً دعا ربه فأجابه ونجاه وأهله من الكرب العظيم (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76))، ماذا أُرسل؟ لم يوضح وإنما جعل ذريته هم الباقين (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ 077))، هذا لم يذكر في السابق، لم يذكر في المواطن الأخرى، بعد الـ950 سنة الذي حصل أنه نجاه وجعل ذريته هم الباقين، ذكر ما كان بعد نوح، بعد النجاة، ماذا ترك عليه في الآخِرين؟ هذه المسألة بعد نوح. لو قرأنا ما في الصافات ليس فيها دعوة (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴿٧٥﴾ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾) من أي كرب؟ (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴿٧٧﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ﴿٧٨﴾ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ﴿٧٩﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٠﴾ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨١﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ﴿٨٢﴾) من هم الآخَرين؟ لم يذكر، في النجاة لم يذكر غير أهله (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) لم يذكر من آمن بينما في السابق كان يذكر من آمن، هنا لم يذكر من آمن وإنما ذكر فقط (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ). هنا فقط ذكر أهله، هذا يسمى من المقامات الخفية، يسأل سائل لماذا لم يذكر المؤمنين معه؟ ملمح خفي جداً. هو قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (77) الصافات) معناها أهلك الآخرين، هل نجاهم ليهلكهم؟ * ذريته يعني أهله؟ أهله * أليس ذريته يعني كل من معه؟ من سار معه؟ على العموم والشمول؟ لا. الباقي نجوا ، قضوا أعمارهم وماتوا. * من آمن معه أين ذهبوا؟ ماتوا، كل واحد قضى عمره. * وبقيت ذرية نوح؟ فقط ولذلك يسمونه أبو البشرية. فهو أبو البشر الثاني (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ) الباقون كلهم ماتوا. فلو قال (وَمَنْ آمَنَ) يعني نقول نجاهم حتى يهلكهم، لم يشر إليهم، تركهم. * هم ماتوا مؤمنين؟ طبعاً ماتوا مؤمنين، كل واحد قضى عمره فمات لكن لا يقول نجاهم حتى يهلكهم. هذه تسمى مقامات خفية، مراعاة خفية في مراعاة المقام، ملامح أحياناً تكون جداً دقيقة، لما يذكر القرآن الجنة لما يذكر الزوجات لا يذكر الحور العين لأن النساء فيهن غيرة . في سورة القمر إستهل القصة كما يستهل القصص في بقية الأقوام (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ (9)) كذلك قال في الأقوام الأخرى (كَذَّبَتْ عَادٌ (18)، (كَذَّبَتْ ثَمُودُ (23)، (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ (33)) إذن هي على نمط واحد من حيث استهلالها. ثم نلاحظ أنه في سورة القمر لم يذكر أنه دعا قومه إلى عبادة الله وإنما ذكر تكذيب قومه، زجر قومه له. في المواطن الأخرى ذكر العبادة (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ (26) هود) (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (23) المؤمنون) هنا ذكر أمراً آخر وهو تكذيب قوم نوح. ثم دعا أنه مغلوب (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10)) المغلوب يطلب النصر، الآن بعد أن طالت المسالة وبعد أن استمرت قروناً ، هو لبث فيهم 950 عاماً يدعوهم، بعد أن نفض يده من استجابتهم دعا ربه أني مغلوب والمغلوب يطلب الانتصار فقال (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) . قد تقول في الشعراء تجري على نمط واحد أيضاً، قال (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٠٦﴾ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٠٧﴾ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٠٨﴾) وكل الرسل يقولون هكذا. لا، في سورة القمر غير سورة الشعراء، في سورة الشعراء كان يأمرهم (أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٠٦﴾ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٠٧﴾ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿١٠٨﴾) كان يدعوهم أما هنا في سورة القمر لا وإنما فقط ذكر وجهاً آخر وهو زجرهم له وتكذيبه (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) القمر). * (وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9)) من الذي ازدجر؟ هل هو سيدنا نوح؟ نعم، زجروه. وكان التعقيب على القصص كلها كان تعقيباً واحداً (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) تعقيب على موقف البشرية من الرسل على مر التاريخ. في سورة القمر قال (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ﴿٩﴾ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴿١٠﴾) المغلوب يطلب النصر، (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ﴿١١﴾) بعد الدعاء الإستجابة السريعة دعا ربه - ففتحنا أبواب السماء، حتى قال (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴿١٣﴾) وهذه لأول مرة تذكر كيفية صنع السفينة، (ألواح ودسر) لم تذكر في كل المواطن وإنما ذكر الفلك، الآن يصف أمراً آخر. * ما هي الألواح والدسر؟ المسامير. (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴿١٤﴾ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿١٥﴾ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿١٦﴾) * ما معنى (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ)؟ نوح كُفِر، يعني كفر به قومه. هذا انتقام من الله لسيدنا نوح لأن قومه كفروا به. ثم الآن تأتي إلى سورة نوح آخر موطن تذكر فيها قصة نوح وآخر موطن يذكر فيها إسم نوح. القصة اختتمت ذكرها من الأعراف في عشر سور ثم جاء إلى سورة نوح وهذا آخر موطن ذكرت فيه القصة. * ألا يوجد أي تكرار في هذه الملامح وفي هذه السور المختلفة؟ نحن ذكرناها موطناً موطناً وفي كل موطن يذكر جانباً ولولا أن يطول المجال لكنا ذكرنا كيف تختلف في كيفية النجاة وكيفية الدعاة وفي أمور كثيرة تختلف لكن الآن استعراض عام للقصص. سورة نوح آخر موضع وهي أشبه بتقرير نهائي قدّمه نوح إلى ربه في مسار الدعوة، تقرير. * ماذا تضمن هذا التقرير؟ الآن انتهت المدة والآن قدّم تقريره إلى ربه، ذكر فيه موقف قومه منه، في السورة لم يخاطب قومه بشيء ولم يخاطبوه بشيء وإنما ذكر تقريراً قدّمه. قال تعالى في أول السورة (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) نوح) هذا بدء الرسالة، إذن أرسله لهذا الأمر، إذن أمره ربه بإنذار قومه (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) نوح) نوح قال مستجيباً لأمر ربه (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) تنفيذ لأمر ربه (أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ) - (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) إستجاب. ثم ذكر إلى ماذا دعاهم (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) نوح). ثم ذكر ماذا كان منه ومنهم (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5)) يصف الحالة، ماذا كان موقفهم؟ (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21)) ثم ذيل التقرير بمقترح الخاتمة وهو أن يهلكهم كلهم، هذا مقترحه، خاتمة التقرير، النتيجة، توصية (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)) ثم علل المقترح لماذا؟ (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)) إذن المقترح والتعليل. ثم ختم التقرير بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات لعله أن يكون قد قصّر في عمله، هذا تقرير عجيب ثم جمع خلاصة رحلته الطويلة، خلاصة هذه الرحلة جمعها في هذا التقرير. في الأعراف والمؤمنون قال (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) الأمر بالعبادة، في هود (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25)) نذير، في الشعراء (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108)) ، وفي التقرير النهائي (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) نوح) جمع ما جاء في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء، وكأنه يختصر الرسالة التي جاء من أجلها كلها بجميع أركانها بهذا المقترح. فجمع ما تفرق وما قيل في كل القصص جمعها في هذا التقرير النهائي. ليس فقط هذا بل جمع بين القول الصريح و(أن) المفسِّرة (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3)) يعني جيمع بين القول الصريح و(أن) . * (أن اعبدوا) أن والفعل مصدر مأوّل؟ أو مفسِّرة وهذا أيضاً ما تفرق في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء. في الأعراف والمؤمنون (فَقَالَ يَا قَوْمِ) قول، في الشعراء (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106)) قول، في هود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) (أن) المفسرة، في التقرير النهائي جمع القول الصريح والمأوّل (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) نوح) كما جمع كل ما ذكر في السور الآن جمع كل الصورة التعبيرية ولم يجمع بينهما في موطن آخر وإنما فقط في التقرير النهائي. ثم ذكر موقف قومه منه أنهم عصوه (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21)) ثم ذكر أنهم مكروا مكرا كبارا (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22)) ثم ذكر عاقبتهم في الدنيا والآخرة، تقرير جامع (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا (25)) هذا في الدنيا (فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا) هذا في الآخرة، إذن التقرير جامع والعقوبة كانت جامعة في الدنيا والآخرة (فَأُدْخِلُوا نَارًا). وافق ربنا على هذا الطلب * هذا شيء مخيف، هذا التقرير شيء مخيف، أن يحاط بهم العذاب في الدنيا ويبشرون بهذا العذاب الذي ينتظرهم في الآخرة! (ادخلوا) بصيغة الماضي ولم يقل يدخلون ؟ (فَأُدْخِلُوا نَارًا) ربنا وافق على طلب نوح، نوح اقترح مقترحاً وربنا وافق على المقترح وبيّن سبب الإجابة، لماذا أجابه؟ ربنا لماذا قَبِل بالمقترح؟ قال (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا (25)) وافق على الطلب بسبب الخطيئات،لاحظ التقرير العجيب: صورة الحدث كله، الصورة النهائية لكل تاريخ الدعوة وذيّل بمقترح (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) وعلل سبب المقترح (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)) ثم قال (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (28)) لعلي أكون قد قصّرت. * هو ما نسي نفسه وأهله ومن آمن معه، دعا على الكفار ودعا للمؤمنين! لعلي قد قصرت في هذا العمل، هذا ما عملته، عذا التقرير. ربنا وافق وبيّن سبب (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ) ثم ختم التقرير بطلب المغفرة والدعاء لأوسع مجموعة لم يذكر مثلها في القرآن الكريم (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (28)) أوسع دعاء لم يرد مثله في القرآن ، على العموم والإطلاق أوسع دعاء في أوسع دعاء جامع، في أوسع تقرير. سورة نوح عجيبة!.. * هذه القصة فعلاً عجيبة، كل القرآن حلو لكن هذه القصة لها أثر خاص بالفعل. هذا التقرير النهائي يوحي أن الموقف بالنسبة لهم قد انتهى، اقتربت نهايتهم تماماً. أصلاً لم يرد لهم ذكر فيما بعد هذه السورة. لم يرد لهم ذكر في القرآن بعد هذه السورة. * لِمَ هذا التقرير الذي رفعه سيدنا نوح بعد هذا التجوال والتطواف في عشر سور تقريباً ولم يصنعه كثير من الأنبياء؟ وهذا الاقتراح الذي اقترحه (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا)؟ لماذا قال سيدنا نوح هذا؟ لأن قول نوح للبشرية وأما قول الباقين فلأقوامهم. * سيدنا نوح كان للبشرية ولم يكن لقومه؟ ولذلك قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (77) الصافات)، البشرية الآن كلها أولاد نوح أبو البشرية الثاني، كل من على الأرض الآن من أبناء نوح. إذن المسألة تختلف. لا يمكن أن تكون مجموعة صغيرة مثل الذي يقدم هذا التقرير، هذا تقرير للبشرية. * (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) نسأل عن الواو هنا ما هي هذه الواو مع أنه ليس قبلها قصة؟ هذه ابتدائية. ابتدأ بها (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا). ذكرنا الغريب أنه عندما ذكرت أول مرة قال (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (59) الأعراف) وكل الباقي بعدها عندما يذكر أرسلنا جاءت كلها بالواو (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) كلها بالواو إلا إذا كل القصص الموجودة ليس فيها واو كما في الشعراء والقمر والباقي كلها بالواو وإن لم تكن هناك معطوفة على كلام. * (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25) هود) لماذا جاءت إني بالكسر؟ على إضمار القول بمعنى فقال إني لكم نذير مبين، على إضمار القول، على تقدير فقال إني لكم نذير مبين. * من الكلام الذي قاله (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ (26) هود). الوقفة كاملة |
| ٥٧ | برنامج لمسات بيانية آية (28): * (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)) ما هذا الردّ العام؟ وكيف نقيمه في اللمسات البيانية الموجودة في هذه الحلقة؟ هو بدأ بالرد العام يعني أخبروني إذا كنت على بينة يعني برهان وحجة من ربي لتثبت صدقي وصحة ما أقول ثم هذه الأمور الحُجة، الرحمة التي آتانيها أُبهِمت عليكم، لُبِّست عليكم (عُمِّيت) كيف نلزمكم الحجة وأنتم لها كارهون؟ يعني أنتم لا تحبون أن تظهر، يعني هنالك مانعان يمنعان من ذلك الإبهام والالتباس . الآن أخبروني إذا كنت مرسلاً بالفعل وآتاني حجة وبينة من ربي وهذه الحجة أبهمت عليكم ما فهمتموها ثم أنتم لها كارهون تكرهون النظر فيها، لا تريدون أن تسمعوها كيف أوصلها لكم؟! إفترضوا أني على بينة وعلى صحة أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟! وكأن هذا سؤال ، عندكم مانعان الآن أنها مبهمة عليكم وأنتم لا تريدون أن تفهموها فكيف نلزمكم هذه الحجة؟! * ما معنى أنلزمكموها؟ يعني كيف نعطيكم الحجة؟ كيف نلزمها؟ هناك مانعان، يرد عليهم رداً منطقياً، أخبروني كيف؟ لاحظ هو قال (يا قوم) نداء متلطِّف حتى يتألفهم لا يريد أن يثيرهم يريد أن يتودد لهم ويتألف لهم حتى يسمعون (يا قوم). ثم قال (أرأيتم) يعني أخبروني، من الرؤية من النظر. * مثل (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) الماعون)؟ أرأيت بمعنى أبصرت، شاهدت. وتأتي بمعنى الإخبار تأتي بمعنى أخبروني فيها معنى التعجب، تقول: أرأيت إن أصحبت أميراً ماذا أنت فاعل؟ يعني أخبرني، نظرت إلى هذا الأمر فأخبرني. وتأتي بمعنى الرؤية والرؤية قد تكون قلبية وقد تكون بصرية، فهنا يقول له أخبرني ماذا تفعل، الآن أرأيتم أخبروني فيها معنى التعجيب من موقفهم. إذن أرأيتم معناها أخبروني. * هنا قال (إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ) وهو ييكلمهم ويقنعهم بانه رسول من ربه فلم لم يقل بينة من ربكم وقال (من ربي)؟ لأن البينة جاءته هو، البينة أى الحجة، الرسالة، المعجزة. لو كانت البينة جاءتهم لكان يقول (من ربكم) لكن الحجة جاءته إذن (من ربه) لأن كل واحد تأتيه البينة من ربه ولذلك في القرآن حيث يتكلم على نفسه هو يعني البينة له يقول (من ربي) وحيث يقول جاءتكم يقول (من ربكم) في جميع القرآن. (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ (57) الأنعام) من هو الذي على بينة؟ هو الذي على بينة، في أكثر من موضع (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً (63) هود). (قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ (73) الأعراف) في أكثر من موطن، عندما تأتيهم البينة من ربهم وعندما تأتيه من ربه لأن كل واحد تأتيه البينة من ربه والرب هو المرشد والموجّه. لكن هنالك ملاحظة في هذا التعبير جميع الأمم السالفة التي ذكرها ربنا بالقرآن التي خوطبت بنحو هذا يقول (قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ (63) الأعراف) قالها قوم صالح ومدين وموسى (قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ (105) الأعراف) إلا الذين أرسل لهم سيدنا محمد قال (فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) زاد الهدى والرحمة. جميع الأمم السابقة قال (قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُم) إلا الرسول قال (فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ (157) الأنعام) كل تلك جاءتكم وهنا جاءكم وذكر زيادة الهدى والرحمة على البينة، لماذا؟ لأن الأقوام الماضية ما زاد على البينة ما قال (هدى ورحمة) لأنهم كذبوا وعذبوا وهلكوا إلا سيدنا محمد رُحِموا وهُدوا. * إذن كان هذا المفهوم ضمناً من بداية بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال (هدى ورحمة)؟ هذه إشارة، إلماح إلى أنهم يهتدون ويُرحمون، كل الأمم السابقة عذبوا وهلكوا ليس فيها (هدى ورحمة) إلا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام هداهم ورحمهم . * مع أن الكل من عند الله عز وجل، كلهم أنبياء ومرسلين؟ نعم كله من عند الله لكن الإلماح والإشارة إلى أن الأمة بخير. حتى (جاءكم) و(جاءتكم) يختلف تذكير وتأنيث الفعل مع أنه في (فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ) الفاعل مؤنث ، من حيث النحو جائز.يبقى الاختيار، كل الذين قال لهم (جاءتكم) بالتأنيث معناها الآيات الدالة والمعجزات، ومع الرسول عليه الصلاة والسلام هي الكتاب، القرآن هو البينة. البينات يقصد به القرآن لأنه هو معجزة الرسول، هنا راعى المعنى الدلالة مثل (كيف كان عاقبة) (كيف كانت عاقبة) لما يُذكِّر يعني العذاب إذا أنّث معناها الجنة وإذا ذكّر معناها العذاب. * ما اسم هذا؟ مراعاة المعنى، ما معنى الفاعل؟ هل المقصود به مذكر أو مؤنث؟ وبالتالي يؤنث أو يُذكر الفعل وهو جائز في النحو. * لغة يجوز. مع سيدنا محمد يقول (جاءكم بينة) يقصد القرآن؟ ونفس السياق يستمر (وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ (92) الأنعام). إذن هنالك أمران زاد الهدى والرحمة وذكّر الفعل . * استطراد جانبي بعضهم يقول معجزة الرسول عليه الصلاة والسلام القرآن ماذا يستفيد الناس أن القرآن معجزة وهي لغة؟ معجزات الأنبياء كانت حسية سيدنا موسى كان بالسحر وسيدنا عيسى كان بالطب أما اللغة فماذا فيها؟ فيها أمران، الأمر الأول أن المعجزات السابقة محصورة بالقوم الذين شاهدوها وتبقى بالنقل تنقل لنا الآن ولم نرها (هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ (73) الأعراف) بتقديم (لكم) يعني خاصة بقومه هو الآخرون لم يشاهدوها أما القرآن باقٍ لو كان مثل باقي المعجزات لذهب مع من ذهب مثل ما يُنقل لنا عن الرسول صلى اله عليه وسلم ذكر لنا معجزات في تكثير الطعام لكنها غير مشاهدة بالنسبة لنا انتهت والآخرون لم يشاهدوها ، إذا كان مسالة النقل فقد نُقِل عن الرسول بأكثر مما نُقل غيره. * الجذع والشاة والسُم؟ تكاد تكون متواترة في المعنى، أما القرآن موجود مستمر ، هذا أمر. والأمر الآخر وإن كان القرآن تحداهم بالمجيء بمثله لكن فيه أمور ملزمة بمعنى هنالك أمور لا مفر أن تقول إنها من عند الله مثل لما أخبر عن الروم (غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) الروم) وحصل، (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ (27) الفتح) وحدثت هذه الأمور، الإخبار بالغيب والإخبار عن التاريخ الماضي الذي كان ينكره أهل الكتاب ولم يذكر في كتبهم والآن نعرف مثل ما ذكر عن هامان وفرعون مؤخراً، هذه أمور ملزمة، ما ذكر من حقائق أخرى ملزمة، الأمر الأول هو ما يتعلق في التحدي في نظمه ثم ذكر أيضاً أموراً ملزمة الذي يتأمل فيها قطعاً هو يؤمن بها. * بعضهم يهمش مسألة اللغة أساساً بشكل كبير جداً! لأنه لا يعلم اللغة، لا يعرفها. * ماذا نستفيد من اللغة في حياتنا؟ وماذا تصنع بدكتوراه في اللغة؟ بم تفيد اللغة العربية البشرية؟ القرآن ليس هو مجموعة من كلام من دون فائدة لكنه عبارة عن أحكام مصوغة بأسلوب معجز، هي أحكام معجزة في كل شيء، ما يتعلق بالحُكم وما يتعلق بالمجتمع وما يتعلق بإصلاح النفس، عليه مدار العقيدة والإصلاح، إصلاح الناس ، فيه دعوات لإصلاح المجتمعات وأفكار كثيرة، القرآن ينظر في هذا إصلاح المجتمع (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ (88) هود) هذه فيها فائدة للناس، هذا هو أصل الأمر وأس الأمر هو هذا هو إصلاح المجتمع الذي أساسه عبادة الله لكن مصوغ بأسلوب معجز. هذه اللغة ننتقل منها إلى ماذا فيه من أمور تعلمنا أمور الحياة. * في قوله تبارك وتعالى (وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ (28) هود) الملاحظ أن الله تبارك وتعالى قدّم الرحمة على الجار والمجرور وفي موطن آخر في السورة نفسها قال (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً (63) هود) فلماذا التقديم والتأخير؟ التقديم قائم على الأمور الأهم. (وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ) قدم الرحمة لأن الكلام على الرحمة لو نكمل الآيتين اللتين ذكرتهما (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) هود) الكلام عن الرحمة فقدمها، (فعمّيت، أنلزمكموها، وأنتم لها كارهون) كلها تعود على الرحمة لذا اقتضى السياق تقديم الرحمة على الجارّ والمجرور. أما في الآية الثانية فالآية تتكلم عن الله تعالى (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ (63) هود) (ربي، الله، منه، الضمير في عصيته) كلها تعود على الله تعالى لذا اقتضى السياق تقديم (منه) على الرحمة. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)) يتكلم عن الرحمة فقدمها، (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) هود) الكلام ليس عن الرحمة وإنما عن الله سبحانه وتعالى. * هل هناك فرق في اللغة؟ هل التقديم يفيد الحصر أو الاهتمام أو الأولوية؟ التقديم عادة يفيد الاهتمام بشكل عام، العرب يقدمون ما هم أعنى ببيانه، ما هم أعنى به، هذا ما يذكر سيبويه وما يذكره عموم النحاة ابتداء من قديم يقدمون ما هم ببيانه أعنى وما هو أهم لهم. * ما الفرق بين رحمة من عنده ورحمة منا؟ أليست الرحمة من عند الله سبحانه وتعالى؟ الرحمة قطعاً من عند الله. نحن عندنا خصوصيات في التعبير القرآني هو لا يستعمل (من عنده) إلا مع المؤمنين فقط في القرآن كله. (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) الكهف) (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (35) القمر) (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) الأنبياء) رحمة منا عامة للمؤمن والكافر، للبشر(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) هود) الإنسان، (وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) يس) (منا) عامة، (من عندنا) فقط للمؤمنين. * هل هناك فرق لغوي بين (من عندنا) و(منا)؟ فيها خصوصية. * في قوله (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) ما معنى (عميت)؟ أُبهِمت ولُبِّست. * لماذا لم يقل أُبهمت وأخفيت؟ لو نظرنا ماذا قالوا له قبل قليل (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ) هم ذكروا الرؤية (ما نراك إلا بشرا) (وما نراك اتبعك) (وما نرى عليكم من فضل) نقيض الرؤية العمى، فقال (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) أنتم لا ترون، والغريب هو قال (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) بالتضعيف وقُرئيت عَميت، فيها قراءتان عُمّيت وعَميت، عمّيت عليكم، عَميت أيضاً معناها التبست عليهم لكن عُمّيت فيها تشديد، لماذا فيها تشديد؟ هم قالوا (ما نراك) ثلاث مرات فشدد ، كما ضعّفوا ضعّف، عجيب جداً. ويقال عَميت يعني التبست البينات. * والمعنى واحد؟ لا، هما قراءتان متواترتان عَميت وعُمّيت. * استطراد جانبي كيف تكون القراءات متواترة والصيغة مختلفة تماماً؟ حتى يضيف معنى آخر، يريد أن يضيف أكثر من معنى مطلوب فلا يتم إلا بقراءة أخرى مثل مالك يوم الدين وملك يوم الدين. * ليس اختلاف الألسن؟ مثل (حتى حين) و(عتى حين)؟ لا، هذا اختلاف الألسن، هذا شيء آخر. لكن يأتي بكلمة أخرى حتى يكسب معنى آخر. * يعني الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ بالاثنين؟ قرأ بها الرسول عن جبريل وأقرّها؟ كان يقرأها كما نزلت قرأها مالك يوم الدين وقرأها ملك يوم الدين حتى يجمع مالك الملك. وهنا قرأ عُمّيت وعَميت، عَميت التبست وعُمّيت لُبٍِّست، أُبهِمت، يعني أمرين. تقول التبس عليه الأمر ولُبِّس عليه الأمر يعني أحدهم تعمّد أن يلبّس عليه الأمر، عسُرت عليه المسألة لم يقدر أن يفهمها وعُسِّرت عليه زيادة، هي عسيرة وعُسِّرت عليه، هي صعبة عليه المسألة عَسرت وعُسِّرت صار فيها شدة أكثر، صار فيها أمرين، هي ملتبسة ولُبِّست عليه، هي هنا عَميت وعُمّيت . * عَميت من تلقاء نفسها لكن عُمّيت ألا توحي بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي شدد عليهم حتى لا يفهموا؟ هم لها كارهون لا يريدونها، هم أعرضوا فختم الله عليهم، هم من تلقاء أنفسهم أعرضوا وكرهوا فختم الله عليهم وشددها ولهذا قرأ قراءتان عَميت وعُمّيت، الإثنان مرادان لأنه أراد هكذا. في عموم القرآءات التي ترد في وجهين مما يؤدي معنى أكثر من معنى. *ما هو إعراب الضمائر في (أنلزمكموها) ؟(د.فاضل السامرائى) أنلزمكموها: الفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، (كم) المفعول الأول لأن ألزم يأخذ مفعولين، والواو للإشباع بين الضميرين وليست ضميراً حتى لا يقرأها (أنلزمكُمُها)، (ها) مفعول ثاني. * (وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) لماذا قدّم الجار والمجرور هنا على كارهون؟ لأنهم يخصونها بالكراهة، لا يكرهون شيئاً ككراهتهم لها. لو قال كارهون لها لاحتمل أن يكونوا كارهون لها ولغيرها لكن هنا يخصونها بالكراهية لا يطيقون أن يروها ، الكراهة درجات، هذه يخصونها لا يطيقون سماعها ولذلك قال (وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) تخصونها بالكراهة. * لماذا قال كارهون بالإسم ولم يعبر بالفعل (تكرهون)؟ هذه صفتهم الثابتة أصلاً لا تتحول، ولو عبّر بالفعل قد تتغير، الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث والتجدد. الوقفة كاملة |
| ٥٨ | {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9)} قوله: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي هو الذي ينزل الآيات لا غيره. ووصف رسوله بصفة العبدية فقال: {عَلَى عَبْدِهِ} ليعلم أن رسوله إنما هو عبد لله. وأضافه إلى ضميره تكريمًا له. وصفة (العبد) إنما يذكرها الله تكريمًا لمن تطلق عليه، فقد كرمه الله سبحانه بهذا الوصف، وكرمه أيضًا بإضافته إلى ضميره، تكريمًا له. وصفة (العبد) إنما يذكرها الله تكريمًا لمن تطلق عليه، فقد كرمه الله سبحانه بهذا الوصف، وكرمه أيضًا بإضافته إلى ضميره، وكرمه مرة ثالثة بأن ذكر أنه هو الذي ينزل عليه الآيات البينات. وذكر (ينزل) بصيغة المضارع للدلالة على استمرار التنزيل. إن هذه الآية والتي قبلها مرتبطتان بصدر الآية الأولى وهي قوله: {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}. فقوله: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} مرتبط بقوله: {آَمِنُوا بِاللَّهِ}، وقوله: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } مرتبط بقوله: (ورسوله). وقد وصف الآيات بأنها بينات أي ظاهرات الحجة واضحات الدلالة على أنه رسول الله وعلى أن فيها الهدى التام. وإنما أنزل هذه الآيات البينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور. والفاعل في قوله: {لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} يحتمل أن يكون هو الله كما يحتمل أن يكون هو الرسول. {وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} الرأفة أخص من الرحمة وأرق. وقد جمع الله بين الرأفة والرحمة للدلالة على عظم رحمته بنا. ولم يفرد الله اسمه (الرؤوف) عن اسمه (الرحيم) إلا في موطنين هما قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]، وقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30]؛ وذلك لأن المقام يقتضي ذاك، فقد قال في البقرة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 204 - 206]. فلا يناسب المقام ذكر الرحمة مع هؤلاء الذين ذكر فيهم: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} ثم ذكر بعد ذلك {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}. وقال في آل عمران: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} والتحذير لا يناسب ذكر الرحمة. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 350 إلى ص 351. الوقفة كاملة |
| ٥٩ | قصة نوح {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 25 - 26] وردت قصة نوح في أكثر من موضع من القرآن الكريم، غير أنها ليست متطابقة في كل جزئياتها، وإنما يذكر في كل موضع ما يناسب المقام الذي وردت فيه، وما يراد أن يسلط عليه الضوء منها. بل قد تكون القصص مكملة إحداها للأخرى، يذكر قسم منها في موضع ويذكر ما يليه في موضع آخر. وهي أطول ما ذكرت في هذه السورة، أعني سورة هود، فهي قد ذكرت في الأعراف ويونس وهـود والأنبياء والمـؤمنـون والشعـراء والعنكبوت والصافات والقمر وختمت في سورة نوح، وهناك إشارات موجزة في مواطن أخرى من القرآن الكريم غير أنها ليست مكررة. ولتوضيح ذلك نقول: 1- لقد وردت القصة في سورة الأعراف موجزة، وهو أول موضع وردت فيه القصة، والطريف أنها بدأت بقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} من دون أن تسبق بالواو، وأما في المواطن الأخرى فيقول فيها جميعًا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا} بالواو فكأنها معطوفة على القصة الأولى مع أن هذه الواو فيها كلها ليست عاطفة على ما قبلها وإنما هي استئنافية . فقد قال في هود: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} وليس قبلها ما تعطف عليه، وكذا قال في سورة المؤمنون، وكذا قال في العنكبوت. أما في سورة نوح فقد بدأت السورة بقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} فلا يصح ذكر الواو. بل إنه قد يذكر الواو في غير هذا التعبير أيضًا، فقد قال في سورة يونس: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ}، وقال في الأنبياء: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ}، وقال في الصافات: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ}. وهو لا يذكر الواو عندما تكون القصص الأخرى الواردة في السورة كلها لا تذكر فيها الواو وذلك في سورتي الشعراء والقمر. فإن جميع القصص الواردة في الشعراء ابتداء من قصة نوح تبدأ بنحو قوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}، فقد قال: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ}، وقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ}، وقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ}، وقال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ}، وكلها على نمط واحد في السورة، تستأنف كل قصة على حدة. وكذلك في سورة القمر، فقد قال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ}: وقال: {كَذَّبَتْ عَادٌ}، وقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ}، وقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ}. وهي على نمط واحد تبدأ بقصة نوح على هذا النمط وكلها من غير واو. إن قصة نوح في الأعراف تبدأ بدعوة نوح لقومه إلى عبادة الله، دعوة الرسل جميعًا، فقد قال لهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59]. فأجابوه بقولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فرد عليهم أنه ليست به ضلالة وإنما هو رسول من رب العالمين. فكذبوه فنجاه الله ومن معه وأغرق الذين كذبوا. وهذا هو نص القصة: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: 59- 64]. ولم يذكر أن له أتباعًا معه وذلك أنه كان في ابتداء الدعوة. ٢- وأما القصة في يونس فكانت كأنها استكمال لما ورد منها في الأعراف. فهو لم يذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله ولم يذكر ماذا قال له قومه، وإنما كان كلامه على شخصه هو، وأنه إن كان كبر عليهم تذكيره بآيات الله فليفعلوا به ما يشاؤون ولا يمهلوه، وأنه لم يسألهم على دعوته لهم أجرًا، وإنما أجره على الله، فكذبوه فنجاه الله وأغرق الذين كذبوا. ولم يذكر له أتباعًا ولا أنهم عرضوا بأتباعه، إذ لا تزال الدعوة في مهدها. وهذا هو نص القصة في يونس: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} فأنت ترى أنه اكتفى بالدعوة إلى عبادة الله في الأعراف، ولم يكررها في يونس واكتفى برد قومه عليه في الأعراف بأنهم يرون أنه في ضلالة، ولم يكرر ذلك في يونس. وكلام نوح في يونس في الرد عليهم ليس تكرارًا لما قاله في الأعراف، بل ذكر جوانب أخرى استكمالاً لما ذكره في الأعراف، ثم إنه تحداهم وهو ما لم يفعله في الأعراف، فكانت القصة استكمالاً لما ورد في الأعراف. 3- وأما في هود فالقصة طويلة، فقد ذكر أنه لهم نذير مبين، وأنه دعاهم إلى عبادة الله، وذكر ردّ الملأ الذين كفروا عليه، وقد أفاضوا في ردهم عليه. وظهر أن له أتباعًا وهو ما لم يذكره في الأعراف ولا في يونس، إذ قد كانت الدعوة في مهدها، وذكر رأي الملأ في هؤلاء الأتباع وأنهم كانوا يزدرونهم. وكان هناك كلام طويل وجدال بينهما حتى قالوا له: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} وذكر كيفية النجاة التي لم يفصل فيها فيما سبق في الأعراف ويونس، فذكر صنع الفلك واستهزاءهم به، وذكر حمل ما يحمل ومن يحمل فيها وجريان الفلك وغرق ابنه إلى أن انتهى الأمر وقضي واستوت السفينة وهبوطهم بسلام. وهي أطول ما ذكر من القصة وأكثر تفصيلاً من كل المواطن الأخرى. فهي كانت استكمالاً وتوضيحًا لما ورد في القصتين السابقتين. 4- وأما في الأنبياء فالقصة ليست في سياق الدعوة والتبليغ، وإنما في سياق نجاة الأنبياء من أقوامهم واستجابة دعاء من دعا منهم. فقد ذكر نجاة إبراهيم ونجاة لوط ونجاة نوح واستجابة دعائه، واستجابة دعاء أيوب واستجابة دعاء ذي النون وزكريا. وهذا نص ما ورد فيها: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} وهو متناسب مع سياق ما ورد في السورة من قصص الأنبياء. 5- وأما في سورة المؤمنون فقد ذكر القصة بعد ذكر الأنعام وفوائدها والحمل عليها وعلى الفلك، فذكر قصة نوح والنجاة الفلك مناسبة لذكر الحمل على الأنعام والفلك، فقد جاءت القصة بعد قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون: 21 - 22]. وأما الجانب المذكور من قصة نوح فهو لا يطابق ما ورد من القصص فيما سبق، فإنه بلغهم بالدعوة فقال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} ولم يقل شيئًا آخر. وإن قومه لم يواجهوا بكلام ولا قالوا له شيئًا، بل إنهم كانوا يذكرون رأيهم فيه في غيبته وفي مجالسهم. ففي سورة هود ذكر ما كان يواجههم به ويواجهونه، وما كان يجادلهم به ويجادلونه، أما في المؤمنون فقد ذكر ما يحصل بعد ذلك، بعد الافتراق وفي مجالسهم، وهذا كأنه كان استكمالاً لما حصل في هود. ثم ذكر أنه دعا ربه لينصره، وهي أول مرة يدعو فيها نوح بصورة صريحة، فقد قال: {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُون} وهذه هي القصة: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} 6- وأما في سورة الشعراء فقد قال تعالى في قوم نوح ما قاله الأقوام الأخرى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} وهو نحو ما قاله في الأقوام الأخر وفي رسلهم. ثم ذكر مواقف الأمم من رسلهم فكانت كلها على نمط واحد. وإضافة إلى هذا فإن قصة نوح كأنها استكمال لما قبلها وليست مماثلة لها. فقد دعا نوح قومه فيما سبق إلى عبادة الله {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} أو {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}. وأما في هذه السورة فقد طلب منهم تقوى الله وطاعة رسوله ولم يأمرهم بالعبادة فقد قال لهم: { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. والتقوى إنما تكون بعد الأمر بالعبادة فهي استكمال للأوامر السابقة. ولم يذكر أنهم كذبوه وإنما اعترضوا على أتباعه قائلين: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ}. وهددوه إن لم ينته بالرجم. فدعا ربه قائلاً إن قومه كذبوه وطلب النجاة له ولمن آمن، فاستجاب له ربه فأنجاه ومن آمن معه وأغرق الآخرين. وهذا هو نص ما جاء في الشعراء. {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} 7- وأما في سورة العنكبوت فإنه لم يذكر دعوته لقومه ولم يذكر موقف قومه، وإنما ذكر مدة لبثه في قومه وأن قومه أخذهم الطوفان لظلمهم وأنجاه الله ومن معه. وهذا ما ورد في القصة في هذه السورة. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ} 8- وأما في سورة الصافات فإنه ذكر أن نوحًا دعا ربه وأن ربه أجابه وأنه نجاه وأهله من الكرب العظيم وأنه جعل ذريته هم الباقين مما لم يذكر في المواطن الأخرى، فإنه ذكر فيها ما كان بعد نوح وبعد النجاة، وماذا ترك عليه في الآخرين، وذكر أنه أغرق الآخرين، ولم يذكر من هم الآخرون ولماذا أغرقهم. وهذا ما ورد فيها: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ} 9- وأما في سورة القمر فإنه قال كما قال في بقية الأقوام:{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح}، وكذلك قال في الأقوام الأخرى: {كَذَّبَتْ عَادٌ} {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ}. فالقصة على نمط ما ذكر في السورة من القصص. وهي لم تذكر أنه دعا قومه إلى عبادة الله، وإنما ذكر تكذيب قومه وزجرهم له، ثم إنه دعا ربه أنه مغلوب، والمغلوب إنما يطلب النصر، فطلب النصر قائلًا: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} فأجابه ربه إلى ذلك. وقد تقول: وما الفرق بين القصص في سورتي القمر والشعراء وهي كلها تجري على نسق واحد؟ فنقول: إن المشهد يختلف في السورتين. ففي سورة الشعراء كان يذكر ماذا تقول الرسل لأقوامهم، وإلى ماذا كانوا يدعونهم، فكان كل رسول يقول لقومه: {أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. وأما في سورة القمر فلم يذكر دعوة الرسل لأقوامهم، وإنما ذكر فيها تكذيب أقوامهم لرسلهم وعاقبة التكذيب، وكان التعقيب على القصص كلها واحدًا، وهو قوله بعد كل قصة: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} فالقصص في سورة القمر تذكر جانبًا آخر وصورة أخرى من صور القصص القرآني، وإن قصة نوح على نمط القصص الأخرى في السورة، فهي لوحة متناسبة. وإليك ما جاء في سورة القمر: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} 10- وأما في سورة نوح وهي آخر موطن تذكر فيها قصة نوح وآخر موطن يذكر فيها اسم نوح فإنها تختلف عن كل ما جاء في القصص القرآني من هذه القصة. فإنها هنا أشبه بتقرير نهائي قدمه نوح إلى ربه في مسار دعوته، وموقف قومه منه. فهو هنا لم يخاطب قومه بشيء ولم يخاطبوه بشيء وإنما ذكر ماذا قال لهم وكيف واجهوه، فقد قال ربنا: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فأمره ربه بإنذار قومه. فقال نوح مستجيبًا لأمر ربه: {يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} فهو تنفيذ لأمر ربه {أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ}. فقد قال له ربه: {أَنْذِرْ قَوْمَكَ}، فقال لهم نوح: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } ثم ذكر إلى ماذا دعاهم، وذلك قوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} ثم ذكر نوح لربه ماذا كان منه ومنهم. فقال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا .....}، إلى آخر ما قال. {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ......} إلى آخر ما ذكر. ثم ذيل التقرير بمقترح وهو خاتمة التقرير فيهم، وهو أن يهلكهم كلهم فلا يترك كافرًا على وجه الأرض فقال: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} وقد علل هذا المقترح بقوله: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} ثم ختم التقرير بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات فلعله أن يكون قد قصر في شيء من عمله. وهو تقرير عجيب جمع فيه خلاصة ما حصل في رحلته الطويلة مع قومه وذيله بمقترحه. فقد قال في الأعراف والمؤمنون: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وقال في هود: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}. وقال في الشعراء: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } وقال في التقرير النهائي في سورة نوح: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} فجمع ما جاء في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء. فإنه قال في الأعراف والمؤمنون: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وقال في سورة نوح: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ } وقال في هود: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} وكذلك قال في سورة نوح. وقال في الشعراء: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } ونحوه قال في سورة نوح. فجمع فيها كل ما قاله نوح في كل ما ورد من القصص القرآني. حتى إنه جمع في سورة نوح بين القول الصريح و(أن) المفسرة أو المصدرية فقال: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ } وهو ما تفرق في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء. فقد قال في الأعراف والمؤمنون: {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وقال في الشعراء: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} بذكر القول. وقال في هود: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} ولم يجمع بينهما في القصة في موطن آخر. ثم ذكر موقف قومه، فذكر أنهم عصوه واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارًا، وأنهم مكروا مكرًا كبارًا. ثم ذكر عاقبتهم في الدنيا والآخرة وهي أنهم أغرقوا، وهذا في الدنيا، وأنهم أدخلوا نارًا، وهذا في الآخرة، فهو تقرير جامع مع ذكر العقوبة الجامعة في الدنيا والآخرة. وقد وافق ربنا على طلبه مبينا سبب الإجابة وهو قوله: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} فإنه حصل ذلك الخطيئات لا بسبب آخر. ثم ختم التقرير بالدعاء بالمغفرة لأوسع مجموعة من المؤمنين وهو ما لم يذكر في غير هذا الموطن من القرآن فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}. ولم يذكر دعاء بمثل هذا التفصيل في طلب المغفرة وذلك مناسبة للتقرير الجامع. ذكر الدعاء في القصة: من الملاحظ في مسار قصة نوح أنه لم يدع بالنجاة في سورتي الأعراف ويونس؛ لأن الدعوة كانت في مهدها فلا يناسب طلب النجاة. وكذلك في سورة هود فإنه لم يدع بالنجاة وإنما أخبره ربه في هذه السورة أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، وأمره بصنع الفلك، وقال له ربه: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} فعلم من ذلك أنهم ناجون لأنه قال له إنه سيغرق الذين ظلموا. وأول دعاء صريح له كان في سورة المؤمنون وهو قوله: {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ}، فطلب النصر. وهذا أول دعاء صريح. قد تقول: لقد قال ربه في هذه السورة أيضًا: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ}، كما قال في سورة هود، فلم دعا لنفسه ولم يكتف بما أخبره ربه فيعلم أنه ناج من غير دعاء؟ فنقول: إن الأمر مختلف في السورتين، فإنه في سورة المؤمنون قال له ذلك بعد الدعاء فكأنه استجابة لدعائه. وأما في سورة هود فقد قاله ربه ابتداء فلا حاجة إلى طلب النجاة بعد إخباره، فاختلف الأمر. وكل تعبير مناسب في مكانه، فإن سورة المؤمنون بعد هود في تسلسل السور، ومن المناسب أن يكون الطلب والدعاء بعد أن يمضي وقت طويل مع قومه وأن ينال من أذاهم الكثير فيلجأ إلى الدعاء فأخر الدعاء إلى الموقف المتأخر. ولما اشتد عليه الأمر في سورة الشعراء وهددوه بالرجم ونالوا منه ومن المؤمنين قائلين له: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} و{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} دعا بالنجاة له ولمن معه من المؤمنين. وقد تقول: ولم دعا لنفسه فقط بالنجاة في سورة المؤمنون ولم يذكر معه من آمن كما فعل في الشعراء؟ فنقول: إن قومه لم يذكروا من معه من المؤمنين في سورة المؤمنون فدعا لنفسه ولم يذكر من معه، فإنه لم يرد لهم ذكر. ولما ذكروا من معه في الشعراء دعا لنفسه ولمن آمن معه قائلاً: {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. ولم يذكر له دعاء صريح في سورة الصافات، فإنه لم يذكر له موقف مع قومه، وإنما ذكر ربنا أن نوحًا ناداه فاستجاب له. وأما في سورة القمر فقد دعا لنفسه ولم يذكر من آمن، ذلك لأنه ذكر تكذيب قومه وزجرهم له ولم يرد ذكر لمن معه فقال: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}. وكان الدعاء بطلب النصر وليس بطلب النجاة؛ لأنه ذكر أنه مغلوب، وذكر الانتصار هو الأنسب مع المغلوب. وأما في سورة نوح والتي هي التقرير النهائي فنرى نوحًا يدعو على قومه بأن يهلكهم الله جميعًا قائلًا: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} وهذا هو الموطن الوحيد الذي دعا فيه على قومه بالهلاك ولم يدع لنفسه بالنجاة، في حين كان يدعو بالنجاة في القصص الأخرى. ذلك أن هذا هو الموقف الأخير، فدعا ربه أن يكون هؤلاء الكفرة آخر عهدهم في الدنيا أن يستأصلهم جميعًا. ولم يدع لنفسه بالنجاة، فإنه إذا أهلك الله الكافرين فقد نجا المؤمنون منهم ومن شرورهم فلا داعي لطلب النجاة، فإنه رأى أن المقام لا يناسب الدعاء بالنجاة بعد هلاكهم فإن هذا من باب تحصيل الحاصل. وإنما دعا بالمغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات لأن هذا هو المناسب، فإن الدعاء بالمغفرة في خواتيم الأمور هو الأنسب، ألا ترى إلى قوله سبحانه: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: ١٥٧] فجعل خاتمة الحياة لهؤلاء المغفرة، وأنه رسوله في آخر سورة نزلت عليه وهي سورة النصر بالاستغفار فقال: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3]. وكان رسول الله يدعو إذا أوى إلى فراشه قائلاً: (إن أمسكت نفسي فاغفر لها) فطلب المغفرة عند طي صفحة الحياة. وقد يكون بعد ذلك كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10]. وقد يكون يوم الحساب وقد دعا سيدنا إبراهيم قائلاً: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41]. وقد يطلب المؤمنون المغفرة في عرصات القيامة كما قال تعالى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8]. ومن الملاحظ أنه لم يرد التصريح بذكر المؤمنين في دعاء نوح بالنجاة، أو في أمر الله له أن يحمل معه من آمن إلا حيث ورد ذكر المؤمنين وازدرائهم في القصة وذلك في مكانين: الأول: في سورة هود حيث قال الملأ الذين كفروا: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} وقد جرى ذكرهم أيضًا في بقية القصة فقال له ربنا: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ}. والآخر: في سورة الشعراء حيث قالوا له: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] فدعا نوح لنفسه ولهم قائلاً: {وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 118]. فذكر وصف الإيمان لمن معه. وحيث لم يرد لهم ذكر فإنه يذكر النجاة له ولمن معه على العموم من دون تقييد بذكر صفة الإيمان فإنه مفهوم من المقام. ذكر الناجين: تختلف المواطن في قصة نوح في ذكر الناجين: فهو أحيانًا يذكر نجاته ومن معه ولا يذكر أهله مكتفيًا بذكر من معه. وأحيانًا يذكر أهله ولا يذكر معهم غيرهم. وأحيانًا يذر أهله ومن معه. وأحيانًا يذكر نوحًا ولا يذكر أحدًا معه لا من أهله ولا من غيرهم. وهذا يجري على وفق ضوابط دقيقة. فحيث يذكر تبليغ قومه يذكر من معه وقد يذكر أهله معهم. ففي سورة الأعراف قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} فقال في النجاة: {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} وفي سورة يونس قال: {} فقال في النجاة: {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} وفي سورة هود قال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ....} فقال في النجاة: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ} وفي سورة المؤمنون قال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } فقال في النجاة: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} وقال في سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} فقال في النجاة: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} وقال في سورة العنكبوت: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} فقال في النجاة: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَة} وحيث لم يذكر تبليغ قومه ذكر أهله فقط وذلك في سورة الأنبياء فإنه قال: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} فذكر أهله ولم يذكر من معه، فإنه ذكر دعاءه ولم يذكر تبليغ قومه. وفي سورة الصافات قال تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} فذكر أهله ولم يذكر من معه، فقد ذكر دعاءه ولم يذكر قومه. أما في سورة القمر فقد ذكر نجاته ولم يذكر معه، لا أهله ولا الذين معه، فإنه دعا ربه {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} فنصر المغلوب. وذكر الأهل ومن معه في مكانين: الأول: في سورة هود، وقد ذكر الأهل لما ورد في القصة من ذكر مناداة نوح لابنه ليركب معه، ومناداة نوح ربه قائلاً: { رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} فناسب ذكر أهله. والموضع الآخر: في سورة المؤمنون وذلك مناسبة لجو السورة. فمما بدأت به السورة قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [المؤمنون: 5 - 6]. والأزواج أهل، وأهل الرجل زوجه. ثم ذكر خلق الإنسان وتطوره من سلالة من طين إلى نطفة في قرار مكين إلى أن أنشأه خلقًا آخر، وهذا إنما يكون في رحم الأزواج، والأزواج أهل، وإن ذلك إنما يكون بين الرجل وزوجه. ثم إنه ذكر في السورة بعضًا من الرسل وذوي قرباهم، فقد ذكر موسى وأخاه هارون فقال: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [المؤمنون: 45] ثم ذكر ابن مريم وأمه فقال: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50]. وذكر البنين، والبنون من الأهل فقال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55 – 56] فناسب ذكر الأهل في النجاة. خاتمة القصص: إن خاتمة القصص ونهاياتها ليست متطابقة في جميع المواضع، بل إن كل موضع مناسب للسياق الذي وردت فيه، كما إن النهايات قد يكمل بعضها بعضًا. فقد قال في الأعراف: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: 64]. وقال في يونس: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} [يونس: 73]. فقد وصف قوم نوح في الأعراف بأنهم كانوا قومًا عمين، وذلك أنهم قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فإنهم لما وصفوه بالضلال ناسب أن يصفهم بالعمى من جهتين: الجهة الأولى: أنهم قالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ} وضد الرؤية العمى، فإن الذي لا يبصر أعمى، فناسب أن يصفهم بالعمى لأنهم في الحقيقة لا يرون. وقال: (عمين) ولم يقل: (عُمْي) لأن العمي هو أعمى القلب والبصيرة، والأعمى أعمى البصر. والرؤية في قولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} رؤية قلبية فوصفهم بعمى القلب فقال: {عَمِينَ } مناسبة للرؤية القلبية. والجهة الأخرى: أنهم وصفوه بالضلال ولم يتبين لهم الهدى وعموا عنه، فناسب وصفهم بالعمى. وأما في يونس فقد أنذرهم وذكرهم ولم يردوا عليه بشيء فناسب أن يقول: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}. ثم ذكر أنه نجاه ومن معه وجعلهم خلائف؛ وذلك مناسبة لما تقدم في السورة من قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 13 - 14]. فناسب قوله: {جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ} قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ}. وأما في هود فالمشهد طويل، والقصة مفصلة وقال في خاتمتها: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}. والهبوط إنما هو بعد الركوب والجري والاستواء على الجودي مما لم يذكره في الأعراف ويونس. ثم إن المشاهد متسلسلة. فقد قال في الأعراف: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ}. وذكر في يونس أنه جعلهم خلائف وهي بعد النجاة في الفلك. وقال في هود: {يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ} فطلب منه الهبوط وهي مرحلة بعد النجاة في الفلك. ثم قال: {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وهي مرحلة تأتي بعد قوله في يونس: {جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ}. فقد ذكر في يونس أنه جعل الناجين خلائف. وذكر في هود من يكون بعدهم من الأقوام. وأما في المؤمنون فقد قال: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون: 29]، وهذا إنما يكون بعد الهبوط، فطلب المنزل إنما يكون بعد الهبوط من السفينة. فبعد الهبوط بسلام دعاه إلى أن يطلب المنزل المبارك. وأما في الشعراء فالقصة متناسبة مع القصص في السورة. فقد بيّن وحدة الرسالة وأن الأنبياء دعوا إلى أمر واحد، وكان موقف أممهم منهم واحدًا وكان التعقيب واحدًا. فنوح قال لقومه: {أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: ١٠٦ - 110]. وكذلك قال هود: [الشعراء: 124 - 127]. وكذلك قال صالح: [الشعراء: 142 - 145]. وكذلك قال لوط: [الشعراء: 161 - 164]. وكذا قال شعيب: [الشعراء: 177 - 180]. وكان التعقيب واحدًا وهو قوله: {أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. وذلك بعد هلاك قوم نوح ۱۲۱، ۱۲۲ وهلاك عاد 139، 140، وهلاك ثمود 158، 159، وهلاك قوم لوط 174، 175، وأصحاب الأيكة 190، ۱۹۱. فهي متناسبة القصص الواردة في السورة في وحدة الرسالة، والخاتمة، والتعقيب. ثم ذكر أن الفلك مشحون، أي ممتلئ، ولم يذكر ذلك في موضع، وأما في سورة العنكبوت فقد قال: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 15] وهذا هو الموطن الوحيد الذي ذكر فيه لفظة السفينة في قصة نوح. وقد بينا في كتابنا (أسئلة بيانية) سبب اختيار السفينة على الفلك في هذا الموطن، وما الفرق في الاستعمال القرآني بين السفينة والفلك فلا نعيد القول فيه. ثم بين أمر السفينة فقال فيها: {وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ} فذكر أنه جعلها آية للعالمين، ومما قيل في معنى ذلك أنه أبقاها بعد ذهاب نوح لتكون آية لمن بعده، فقد قيل إنها بقيت زمانًا طويلاً على الجودي يشاهدها المارة (1). ولم يذكر ذلك في موطن آخر. فذكر أمر الفلك في الشعراء عند النجاة ووصفه بأنه مشحون. وذكره هنا بعد خلوه مما فيه وأنه جعله آية للعالمين. وأما في سورة الصافات فقد قال: {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} [الصافات: 76 - 77] فذكر نجاته وأهله ولم يذكر من معه. وهذا من دقيق مراعاة المقام، فإن المقام لا يناسب ذكر من معه، وذلك أنه قال: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} أي جعل ذريته هم الباقين على قيد الحياة، وأما من نجا معه من المؤمنين فقد هلكوا وبادوا، وإن البشر بعدهم إنما هم من ذرية نوح فهو أبو البشر الثاني والأول هو آدم. فلو قال: {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} ثم قال بعد ذلك: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} لدل ذلك على أنه أهلك من معه من المؤمنين، وأبقى أهل نوح وذريته، وهذا لا يناسب مع ذكر النجاة، إذ سيكون المعنى أنه أنجاهم من الماء ليهلكهم على اليابسة ويبقي ذرية نوح وحده. فلما ذكر أنه أبقى ذريته وحدهم ناسب ذكر نجاة أهله وعدم ذكر الآخرين. وأما في سورة القمر فقد ذكر أن نوحًا دعا ربه {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} فذكر نجاته ولم يذكر أحدًا معه، ذلك أنه دعا لنفسه فذكر نجاته فقط. ثم ذكر السفينة التي حملته فقال هي: {ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} ولم يذكر ذلك في موطن آخر. وهذه هي المرة الوحيدة التي ذكرت فيها صفة السفينة وأنها تجري برعاية الله، ثم ذكر مآلها بعد ذلك فقال: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. فذكر في سورة هود حال نوح وهو يصنع الفلك ومرور قومه عليه ساخرين. وذكر هنا حال السفينة وشأنها. فكأن ما ذكره في سورة القمر استكمال لما ورد في السور قبلها. وقد تقول: لقد دعا نوح في سورة القمر لنفسه فقال: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} فذكر نجاته ولم يذكر أحدا معه. وقد دعا في سورة المؤمنون لنفسه أيضًا فقال: {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} فذكر نجاته ونجاة أهله وذكر من معه، فما الفرق؟ فنقول: لقد دلّ السياق في سورة المؤمنون على أن هناك مؤمنين. فقد قال: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ}، فذكر قول الذين كفروا من قومه، ومعنى ذلك أن هناك من قومه من آمن. وقال: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} ومعنى ذلك أنه من لم يكن من الذين ظلموا لا يغرق، فدل ذلك على أن هناك صنفًا غير المذكورين. ثم أمره ربه إذا استوى هو ومن معه على الفلك أن يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} فذكر أن هناك من استوى معه على الفلك وليس هو وحده. وطلب أن يكون الدعاء بصيغة الجمع {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ووصف القوم الذين نجاه منهم بأنهم ظالمون. فالأمر مختلف عما في سورة القمر. فإنه لم يذكر في سورة القمر أن معه من آمن، ولم يجعل قومه على قسمين: قسم مؤمن وقسم ظالم ولو على سبيل التضمن أو الإشارة. وإنما ذكر تكذيب قومه على جهة العموم فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} وقال: {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}، وهذا قولهم على العموم وليس كما قال في المؤمنون: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} فهو وحده بإزاء قومه فناسب ذكره هو. فكان كل تعبير مناسبًا لسياقه الذي ورد فيه. وأما سورة نوح فقد ذكرنا ما فيها. فتبين أن القصة ليست مكررة وأنه ذكر في كل مكان أمرًا لم يذكره في فتبين المواطن الأخرى. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 85 إلى ص 107. (1) انظر روح المعاني 20/143، تفسير ابن كثير 3/407. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 25 – 26] الواو في قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} ابتدائية. وقوله: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} على إضمار القول (1) أي فقال: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}. وقوله: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} يحتمل أن يكون معلقًا بـ (أرسلنا) أي أرسلناه بأن لا تعبدوا إلا الله كما في قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [المؤمنون: 32] أي أرسلناه بهذا الأمر. كما يحتمل أن يكون معلقًا بقوله: (نذير) أي إني لكم نذير بأن لا تعبدوا إلا الله، كما في قوله تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح: ٢ - 3] والمعنى أني أنذركم بهذا الأمر. ويحتمل أيضًا أن تكون مفسرة للإرسال، أي لقد أرسلنا نوحًا والرسالة هي {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}. كما يحتمل أن تكون مفسرة للإنذار (2) أي قال لهم: إني لكم نذير مبين. وإنذاري لكم هو {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ .....} والمعنى أنه سبحانه أرسل نوحًا بعبادة الله وعدم عبادة غيره، وأن نوحًا بلغهم وأنذرهم بذلك. فدلت الآية على ما قاله نوح وما أرسل به وما أنذرهم به. قد تقول: لقد قال تعالى في سورة الأعراف: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59]. فصرح بالقول وذلك قوله: {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وكذا قال في سورة المؤمنون ۲۳. وقال ههنا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ …. أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} فجاء بـ (أن) فما الفرق؟ ما الفرق بين قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} بالتصريح بالقول. وقوله في سورة المؤمنون مثلاً: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} بذكر (أن)؟ والجواب: أنه إذا صرح بالقول فقال: {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} فذلك ما قاله لقومه وبلغهم به. وأما إذا ذكر (أن) فالمعنى مختلف. فقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ …. أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}، أي أرسلنا بهذا الأمر، أي إن هذه هي الرسالة التي أرسلناه بها وليس هذا قوله. وكذا قوله في سورة المؤمنون: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}، أي أرسلناه بهذا الأمر، أي هذه هي الرسالة التي أرسلناه بها، فـ (أن) مصدرية أو مفسرة. فقوله في الأعراف: « أعبدوا الله ما لكر من إله غيره "هو قول نوح لقومه. وقوله في المؤمنون: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون: 32] هو الرسالة التي أرسلناه بها إليهم وليس قول نوح. وكذا قوله في سورة هود كما أوضحنا. قد تقول: لقد ذكرت أن قوله تعالى: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} في قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} على إضمار القول، فما الدليل على ذلك؟ ولم لم تعلقه بـ {أَرْسَلْنَا} كما في قوله: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}؟ والجواب: أن الدليل على إضمار القول هو كسر همزة (إنّ)، ولو كان معلقًا بـ {أَرْسَلْنَا} لفتحت الهمزة كما هو معلوم. وهناك قراءة متواترة بفتح الهمزة أيضًا، فيكون المعنى على التعليق بـ {أَرْسَلْنَا} ويكون المعنى على ذلك أنه أرسله بالإنذار وما بعده. وقد أنزلت هاتان القراءتان المتواترتان لتدلا على أن نوحًا أرسل بذلك وأنه بلغهم بما أرسل به. قد تقول: ولم حذف القول في قوله: {أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ.} ولم يصرح به فيقول: (فقال إني لكم نذير مبين)؟ والجواب: أنه لو ذكر القول لوجب كسر همزة (إن) كما هو معلوم، ولكان المعنى أن ذلك قوله، ولا يفيد معنى آخر. فلما حذف القول صح أن تفتح همزة (إن) وأن تكسر فيكون لكل منهما معنى. فالكسر يدل على القول، والفتح يدل على التعليق بالإرسال، فجمع بين المعنيين، فدل ذلك على أن هذا ما أرسل به وهو ما بلغه. وهو الأولى. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 107 إلى ص 110. (1) انظر روح المعاني 12/35 – 36، البحر المحيط 5/214. (2) انظر الكشاف 2/94، البحر المحيط 5/214، روح المعاني 12/36. {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} لقد وصف اليوم بأنه أليم، واليوم لا يكون أليمًا وإنما يقع فيه الألم. وهو تعبير مجازي يدل على اتساع الألم وشدته في ذلك اليوم ووقوعه فيه على سبيل الاستغراق بحيث يكون اليوم كله شاملًا للألم. ولو قال: (إني أخاف عليكم عذابًا أليمًا) لاحتمل أن يكون ذلك في وقت من الأوقات دون سائر اليوم. فلما قال: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} دل على أن الألم شامل لليوم كله وليس في وقت منه. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه إذا ذكر اليوم مع العذاب كما في الآية كان العذاب عامًا وليس خاصًّا بفرد. وإذا لم يذكر اليوم فقد يكون العذاب واقعًا على فرد واحد وذلك نحو قوله تعالى: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25]. ومن الملاحظ أنه لم يوصف اليوم بأنه عظيم أو كبير أو محيط إلا في سياق العذاب ولم يرد في الجزاء الحسن أو في الجنة. فلم يقل في يوم دخول الجنة يوم عظيم أو كبير. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 110 إلى ص 111. الوقفة كاملة |
| ٦٠ | {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)} رد على قولهم: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} بهذه الآية، فذكر أن الرسل قبل سيدنا محمد كلهم بشر يوحى إليهم وليسوا ملائكة. وإن كنتم لا تعلمون ذلك فاسألوا أهل الذكر، أي أهل الكتاب حتى يعلموكم. جاء في (الكشاف): "أمرهم أن يستعلموا أهل الذكر وهم أهل الكتاب حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشرا ولم يكونوا ملائكة كما اعتقدوا" (۱). وجاء في (البحر المحيط): "ولما تقدم من قولهم: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}، وأن الرسول لا يكون إلا من عند الله من جنس البشر قال تعالى رادًا عليهم: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا}، أي بشرًا، ولم يكونوا ملائكة كما اعتقدوا. ثم أحالهم على أهل الذكر فإنهم وإن كانوا مشابهين للكفار ساعين في إخماد نور الله لا يقدرون على إنكار إرسال البشر. وقوله: {إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} من حيث إن قريشًا لم يكن لها كتاب سابق ولا أثارة من علم (۲). قد تقول: لقد قال في أكثر من موضع: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا} بذكر (من)، وفي آية الأنبياء هذه لم يذكر (من). فقد قال تعالى في سورة يوسف: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)} بذكر (من). وقال في النحل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)} بذكر (من) أيضًا. فما الفرق؟ فنقول: إن السياق في كل موضع يوضح السبب: فقد ذكر كثير من النحاة أن (من) في نحو هذا التعبير تدل على ابتداء الغاية، وذهب قسم آخر إلى أنها تفيد التوكيد (3). ومقتضى ابتداء الغاية على ما ذكر بعضهم في نحو هذا التعبير أنه يفيد استغراق الزمن المتقدم ابتداء من ابتداء الغاية إلى ما قبله، وأن (من) تفيد توكيد ما دخلت عليه (4). ثم إن السياق في آيتي يوسف والنحل يختلف عنه في آية الأنبياء، فما كان في يوسف والنحل إنما هو في سياق العقائد. فقد قال في سياق آية يوسف: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)} فذكر كثرة الآيات التي يمرون عليها في السماوات والأرض وهم معرضون عنها. وهذه أعم وأكثر بكثير من كون (الرسل بشرًا)، فهذه مسألة واحدة وتلك آيات كثيرة. ثم ذكر معتقداتهم في الإيمان بالله مع شركهم به. ثم قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)}. فقد حذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل القرى الذين يمرون عليهم من العقوبة ويستمر في الكلام في نحو هذا. كل هذا ليس متعلقًا بكون الرسل بشرًا أو ملائكة. فالأمر أكد وأعم وأشمل، فجاء بـ (من) التي قد تفيد التوكيد والعموم. وكذلك السياق في سورة النحل فإنه في العقائد والبينات والزبر وتحذير المعاندين بالعقوبات. فقد قال في سياق آية النحل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)}. فذكر استغراق بعث الرسل للأمم كلها ودعوتهم إلى عبادة الله واجتناب الطاغوت، وليس الكلام على كون الرسل بشرًا أو ملائكة، إلى أن قال {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44}. وطلب منهم استعلام أهل الكتاب عن البينات والزبر، وإنه أنزل الذكر إليه ليبين للناس ما نزل إليهم. وليس له علاقة بكون الرسل بشرًا أو ملائكة. فهو أعم وأشمل من ذلك. وحذر الذين يمكرون السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يعذبهم. وهو نظير ما مر في سورة يوسف. فجاء بـ (من) الدالة على العموم والتوكيد والشمول. وأما آية الأنبياء فهي في أمر واحد وهو ما يتعلق بإثبات بشرية الرسل، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8)}. فما في يوسف والنحل أعم وأشمل. ونظير آية الأنبياء هذه ما جاء في سورة الفرقان وذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (20)}. فلم يذكر (من) في الموضعين لتشابههما. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه ليست كل الأمم ينكرون بشرية الرسل، فإن أهل الكتاب لا ينكرون ذلك، ولذلك أحالهم على أهل الذكر للاستفسار، بخلاف الإيمان بما جاءت به الرسل، فإن عموم التكذيب إنما هو في ذلك. فما في آيتي يوسف والنحل أعم من هذه الناحية أيضًا. فإن المكذبين بما جاءت به الرسل أكثر من المكذبين بكون الرسل بشرًا. فما جاء بـ (من) أكثر. فناسب ذكر (من) من هذه الناحية أيضًا. ثم إن آية الأنبياء مناسبة لما قبلها وهو قوله: {مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا (6)}. فكلتا الآيتين من دون (من). فناسب ذلك من هذه الناحية أيضًا. ثم لننظر في الآيات من ناحية أخرى: فقد قال في آية يوسف: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى}. فذكر (أهل القرى) ذلك أنه قال في الآية: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} وهم يمرون على القرى في سيرهم في الأرض، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا} [الفرقان: 40] فناسب ذكر القوى. وقال في آية النحل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} ذلك أنه قال بعد ذلك: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)} فالتناسب ظاهر. جاء في (درة التنزيل): قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109]. وقال في سورة النحل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} وقال في سورة الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) } للسائل أن يسأل فيقول: هل بين قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ} وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} فرق؟ ولأي معنى خص موضع بحذف (من) وموضع بإثباتها؟ الجواب: أن يقال: إن (من) لابتداء الغاية. و(قبلك) اسم للزمان الذي تقدم زمانك. فإذا قال: (وما أرسلنا من قبلك) فكأنه قال: وما أرسلنا من ابتداء الزمان الذي تقدم زمانك، فيخص الزمان الذي يقع عليه قبل تحديه. ويستوعب بذكر طرفيه ابتداءه وانتهاءه. وإذا قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} فمعناه: ما فعلنا في الزمان الذي تقدم زمانك... فأما قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فإنما لم يؤكد بـ (من) لأن المعتمد بالخبر إنما هو الحال التي للمرسلين، وهي أنهم يأكلون الطعام وليسوا من الملائكة الذين طلب الكفار أن يبعثوا إليهم وأخبر الله تعالى به عنهم في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} (5). وجاء في (ملاك التأويل) في هذه الآيات التي ذكرها صاحب الدرة: "أن آية يوسف قد تقدمها قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)}، وقوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)} وقوة السياق في هذه الآية يدل على القسم ويعطيه، فناسب ذلك زيادة (من) المقتضية الاستغراق. وكذلك قوله في سورة النحل: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ} [النحل: 41] يؤكد ذلك المعنى. فناسبه زيادة (من) لاستغراق ما تقدم من الزمان. أما قوله تعالى في سورة الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} فتقدم قبلها إنكار الكفار كون الرسل من البشر في قوله: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ }واقتراحهم الآيات في قولهم: {فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)}، فلما انطوى هذا الكلام على قضيتين من اقتراحهم الآيات وإنكارهم كون الرسل من البشر، وقد تبين لهم حال المقترحين في قوله تعالى: {مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَ} فلما تقدم هذا أتبع ببيان الطرف الآخر وهو التعريف بأن من تقدم من الرسل إنما كانوا رجالاً من البشر مختصين بتخصيصه سبحانه ولم يكونوا ملائكة، فقيل لنبينا محمد : {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ}. فقيل هنا (قبلك) كما قيل في نظيرتها {}فلم تدخل هنا (من) كما لم تدخل في النظير الآخر لإحراز التناسب والتحام الجملة المنطوية على طرفي مقصدهم من الاقتراح وإنكار كون الرسل من البشر. (6). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 27 إلى ص 33. (1) الكشاف 2/322. (2) البحر المحيط 6/298 وأنظر روح المعاني 17/12. (3) انظر لسان العرب (من)، المغني 1/325 – 326، التصريح 1/342. (4) انظر ملاك التأويل 1/678، درة التنزيل 241. (5) درة التنزيل وغرة التأويل 240 – 242. (6) ملاك التأويل 2/540 – 541. الوقفة كاملة |
إظهار النتائج من 51 إلى 60 من إجمالي 63 نتيجة.