| ٥١ |
س: ما تفسير قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ؟
ج: قد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الورود في الآية بأنه: المرور على متن جهنم؛ لأن الصراط منصوب على متنها، فالمتقون يمرون وينجيهم الله من شرها، والكافرون يسقطون فيها، والعاصي على خطر من ذلك، نسأل الله العافية، قال الله سبحانه: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا
الوقفة كاملة
|
| ٥٢ |
س: ورد في تفسير الجلالين في سبب نزول الآية ( 52 ) من سورة الحج: أن الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ: أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أن الشيطان ألقى على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإِن شفاعتهن لترتجى. فهل هناك ما يدل على صحة هذه القصة من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، أم هي من الإِسرائيليات؟ أفيدونا أفادكم الله .
ج: ليس في إِلقاء هذه الألفاظ في قراءته صلى الله عليه وسلم حديث صحيح يعتمد عليه فيما أعلم، ولكنها رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث مرسلة، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير في تفسير آية الحج، ولكن إِلقاء الشيطان في قراءته صلى الله عليه وسلم في آيات النجم وهي قوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى الآيات، شيء ثابت بنص الآية في سورة الحج، وهي قوله سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فقوله سبحانه: إِلا إِذَا تَمَنَّى أي: تلا، وقوله سبحانه: أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي: في تلاوته، ثم إِن الله سبحانه ينسخ ذلك الذي ألقاه الشيطان ويوضح بطلانه في آيات أخرى، ويحكم آياته؛ ابتلاءً وامتحانًا، كما قال سبحانه بعد هذا: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ الآيات.
فالواجب على كل مسلم أن يحذر ما يلقيه الشيطان من الشبه على ألسنة أهل الحق وغيرهم، وأن يلزم الحق الواضح الأدلة، وأن يفسر المشتبه بالمحكم حتى لا تبقى عليه شبهة، كما قال الله سبحانه في أول سورة آل عمران: هُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ
وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنه قال: إِذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم ، متفق على صحته . والله ولي التوفيق .
الوقفة كاملة
|
| ٥٣ |
س: ما معنى قول الحق تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا هل المقصود في الآية أن يفعل الإنسان الكبائر الثلاث ثم يخلد في النار؟ أم المقصود إذا ارتكب إحدى هذه الكبائر يخلد في النار؟ فمثلاً: ارتكب جريمة القتل هل يخلد في النار أم لا؟ نرجو أن تتفضلوا بالتفسير المفصل لهذه الآية الكريمة؟
ج : هذه الآية العظيمة فيها التحذير من الشرك والقتل والزنا والوعيد لأصحاب هذه الجرائم بما ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا قال بعض المفسرين: إنه جب في جهنم، وقال آخرون معنى ذلك: أنه إثمًا كبيرًا عظيمًا فسره سبحانه بقوله: يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا
فهذا جزاء من اقترف هذه الجرائم الثلاث أنه يضاعف له العذاب ويخلد فيه مهانًا لا مكرمًا، وهذه الجرائم الثلاث مختلفة في المراتب، فجريمة الشرك: هي أعظم الجرائم وأعظم الذنوب وصاحبها مخلد في النار أبد الآباد لا يخرج من النار أبدًا بإجماع أهل العلم كما قال الله تعالى في كتابه العظيم: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ وقال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقال سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقال في حقهم: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ والآيات في هذا كثيرة، فالمشرك إذا مات على شركه ولم يتب فإنه مخلد في النار، والجنة عليه حرام والمغفرة عليه حرام بإجماع المسلمين، قال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فجعل المغفرة حرامًا على المشرك
إذا مات على الشرك، أما ما دون الشرك فهو تحت مشيئة الله، والخلاصة: أن المشرك إذا مات على شركه فهو مخلد في النار أبد الآباد بإجماع أهل العلم، وذلك مثل الذي يعبد الأصنام أو الأحجار أو الأشجار أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء، أو يعبد الأموات ومن يسمونهم بالأولياء أو يستغيث بهم ويطلب منهم المدد أو العون عند قبورهم أو بعيدًا منها، مثل قول بعضهم: يا سيدي فلان المدد المدد، يا سيدي البدوي المدد المدد، أو يا سيدي عبد القادر أو يا سيدي رسول الله المدد المدد الغوث الغوث، أو يا سيدي الحسين أو يا فاطمة أو يا ست زينب أو غير ذلك ممن يدعوه المشركون، وهذا كله من الشرك الأكبر والعياذ بالله، فإذا مات عليه صاحبه صار من أهل النار - والعياذ بالله - والخلود فيها.
أما الجريمة الثانية وهي: القتل، والثالثة وهي الزنا: فهاتان الجريمتان دون الشرك وهما أكبر المعاصي وأخطرها إذا كان من تعاطاهما لم يستحلهما بل يعلم أنهما محرمتان ولكن حمله الغضب أو الهوى أو غير ذلك على الإقدام على القتل وحمله الهوى والشيطان على الزنا وهو يعلم أن القتل بغير حق محرَّم وأن الزنا محرم، فأصحاب هاتين الجريمتين متوعدون بالعقوبة المذكورة إلاَّ أن يعفو الله عنهم أو من عليهم بالتوبة النصوح قبل الموت، ولعظم هاتين الجريمتين وكثرة ما يحصل بهما من الفساد قرنهما الله بجريمة الشرك في هذه الآية، وتوعد أهل هذه الجرائم الثلاث بمضاعفة العذاب والخلود فيه تنفيرًا منها وتحذيرًا للعباد من عواقبها الوخيمة، ودلت النصوص الأخرى من الكتاب والسنة على أن القتل والزنا دون الشرك في حق من لم يستحلهما وأنهما داخلان في قوله تعالى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ، أما من استحلها فهو كافر حكمه حكم الكفرة في الخلود في العذاب يوم القيامة. نسأل العافية والسلامة.
أما من تاب من أهل هذه الجرائم الثلاث وغيرها توبةً نصوحًا فإن الله يغفر له، ويبدل سيئاته حسنات إذا أتبع التوبة بالإيمان والعمل الصالح كما قال سبحانه بعد ما ذكر هذه الجرائم الثلاث وعقوبة أصحابها: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا فالله سبحانه يغفر لأهل المعاصي التي دون الشرك إذا شاء ذلك، أو يعذبهم في النار على قدر معاصيهم ثم يخرجهم منها بشفاعة الشفعاء كشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعة الملائكة والأفراط والمؤمنين، ويبقى في النار أقوامٌ من أهل التوحيد لا تنالهم الشفاعة من أحد فيخرجهم الله سبحانه وتعالى برحمته؛ لأنهم ماتوا على التوحيد والإيمان ولكن لهم أعمال خبيثة ومعاصي دخلوا بها النار، فإذا طهروا منها ومضت المدة التي كتب الله عليهم أخرجوا من النار برحمة من الله عز وجل ويلقون في نهر يقال له ( نهر الحياة ) من أنهار الجنة ينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا تم خلقهم أدخلهم الله الجنة، وبهذا يعلم أن العاصي كالقاتل والزاني لا يخلّد في النار خلود الكفار بل له خلود خاص على حسب جريمته لا كخلود الكفار، فخلود الشرك خلودٌ دائم ليس له منه محيص وليس له نهاية كما قال تعالى في سورة البقرة في حق المشركين: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ، وقال تعالى في سورة المائدة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ أما من دخل النار من العصاة فإنهم يخرجون منها إذا تمت المدة التي كتب الله عليهم، إما بشفاعة الشفعاء وإما برحمة الله سبحانه وتعالى من دون شفاعة أحد كما جاء ذلك في أحاديث الشفاعة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فيها أنه يبقى في النار أقوامٌ لم يخرجوا بشفاعة الشفعاء فيخرجهم سبحانه منها بدون شفاعة أحد بل بمجرد رحمته سبحانه لكونهم ماتوا على التوحيد، و خلود من يخلَّد من العصاة في النار خلود مؤقت له نهاية، والعرب تسمي الإقامة الطويلة خلودًا، كما قال بعض الشعراء يصف قومًا:
أقاموا فأخلدوا أي طولوا الإقامة، فلا يخلد في النار الخلود الدائم إلاَّ أهلها وهم الكفرة فتطبق عليهم ولا يخرجون منها كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ وقال سبحانه: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ نسأل الله العافية والسلامة.
الوقفة كاملة
|
| ٥٤ |
س: ما معنى قول الحق تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا
هل المقصود في الآية أن يفعل الإنسان الكبائر الثلاث ثم يخلد في النار؟ أم المقصود إذا ارتكب إحدى هذه الكبائر يخلد في النار؟ فمثلاً: ارتكب جريمة القتل هل يخلد في النار أم لا؟ نرجو أن تتفضلوا بالتفسير المفصل لهذه الآية الكريمة؟
ج : هذه الآية العظيمة فيها التحذير من الشرك والقتل والزنا والوعيد لأصحاب هذه الجرائم بما ذكره الله سبحانه وتعالى في قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا قال بعض المفسرين: إنه جب في جهنم، وقال آخرون معنى ذلك: أنه إثمًا كبيرًا عظيمًا فسره سبحانه بقوله: يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا
فهذا جزاء من اقترف هذه الجرائم الثلاث أنه يضاعف له العذاب ويخلد فيه مهانًا لا مكرمًا، وهذه الجرائم الثلاث مختلفة في المراتب، فجريمة الشرك: هي أعظم الجرائم وأعظم الذنوب وصاحبها مخلد في النار أبد الآباد لا يخرج من النار أبدًا بإجماع أهل العلم كما قال الله تعالى في كتابه العظيم: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ وقال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقال سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وقال في حقهم: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ والآيات في هذا كثيرة، فالمشرك إذا مات على شركه ولم يتب فإنه مخلد في النار، والجنة عليه حرام والمغفرة عليه حرام بإجماع المسلمين، قال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فجعل المغفرة حرامًا على المشرك
إذا مات على الشرك، أما ما دون الشرك فهو تحت مشيئة الله، والخلاصة: أن المشرك إذا مات على شركه فهو مخلد في النار أبد الآباد بإجماع أهل العلم، وذلك مثل الذي يعبد الأصنام أو الأحجار أو الأشجار أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء، أو يعبد الأموات ومن يسمونهم بالأولياء أو يستغيث بهم ويطلب منهم المدد أو العون عند قبورهم أو بعيدًا منها، مثل قول بعضهم: يا سيدي فلان المدد المدد، يا سيدي البدوي المدد المدد، أو يا سيدي عبد القادر أو يا سيدي رسول الله المدد المدد الغوث الغوث، أو يا سيدي الحسين أو يا فاطمة أو يا ست زينب أو غير ذلك ممن يدعوه المشركون، وهذا كله من الشرك الأكبر والعياذ بالله، فإذا مات عليه صاحبه صار من أهل النار - والعياذ بالله - والخلود فيها.
أما الجريمة الثانية وهي: القتل، والثالثة وهي الزنا: فهاتان الجريمتان دون الشرك وهما أكبر المعاصي وأخطرها إذا كان من تعاطاهما لم يستحلهما بل يعلم أنهما محرمتان ولكن حمله الغضب أو الهوى أو غير ذلك على الإقدام على القتل وحمله الهوى والشيطان على الزنا وهو يعلم أن القتل بغير حق محرَّم وأن الزنا محرم، فأصحاب هاتين الجريمتين متوعدون بالعقوبة المذكورة إلاَّ أن يعفو الله عنهم أو من عليهم بالتوبة النصوح قبل الموت، ولعظم هاتين الجريمتين وكثرة ما يحصل بهما من الفساد قرنهما الله بجريمة الشرك في هذه الآية، وتوعد أهل هذه الجرائم الثلاث بمضاعفة العذاب والخلود فيه تنفيرًا منها وتحذيرًا للعباد من عواقبها الوخيمة، ودلت النصوص الأخرى من الكتاب والسنة على أن القتل والزنا دون الشرك في حق من لم يستحلهما وأنهما داخلان في قوله تعالى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ، أما من استحلها فهو كافر حكمه حكم الكفرة في الخلود في العذاب يوم القيامة. نسأل العافية والسلامة.
أما من تاب من أهل هذه الجرائم الثلاث وغيرها توبةً نصوحًا فإن الله يغفر له، ويبدل سيئاته حسنات إذا أتبع التوبة بالإيمان والعمل الصالح كما قال سبحانه بعد ما ذكر هذه الجرائم الثلاث وعقوبة أصحابها: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا فالله سبحانه يغفر لأهل المعاصي التي دون الشرك إذا شاء ذلك، أو يعذبهم في النار على قدر معاصيهم ثم يخرجهم منها بشفاعة الشفعاء كشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعة الملائكة والأفراط والمؤمنين، ويبقى في النار أقوامٌ من أهل التوحيد لا تنالهم الشفاعة من أحد فيخرجهم الله سبحانه وتعالى برحمته؛ لأنهم ماتوا على التوحيد والإيمان ولكن لهم أعمال خبيثة ومعاصي دخلوا بها النار، فإذا طهروا منها ومضت المدة التي كتب الله عليهم أخرجوا من النار برحمة من الله عز وجل ويلقون في نهر يقال له ( نهر الحياة ) من أنهار الجنة ينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا تم خلقهم أدخلهم الله الجنة، وبهذا يعلم أن العاصي كالقاتل والزاني لا يخلّد في النار خلود الكفار بل له خلود خاص على حسب جريمته لا كخلود الكفار، فخلود الشرك خلودٌ دائم ليس له منه محيص وليس له نهاية كما قال تعالى في سورة البقرة في حق المشركين: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ، وقال تعالى في سورة المائدة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ أما من دخل النار من العصاة فإنهم يخرجون منها إذا تمت المدة التي كتب الله عليهم، إما بشفاعة الشفعاء وإما برحمة الله سبحانه وتعالى من دون شفاعة أحد كما جاء ذلك في أحاديث الشفاعة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فيها أنه يبقى في النار أقوامٌ لم يخرجوا بشفاعة الشفعاء فيخرجهم سبحانه منها بدون شفاعة أحد بل بمجرد رحمته سبحانه لكونهم ماتوا على التوحيد، و خلود من يخلَّد من العصاة في النار خلود مؤقت له نهاية، والعرب تسمي الإقامة الطويلة خلودًا، كما قال بعض الشعراء يصف قومًا:
أقاموا فأخلدوا أي طولوا الإقامة، فلا يخلد في النار الخلود الدائم إلاَّ أهلها وهم الكفرة فتطبق عليهم ولا يخرجون منها كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ وقال سبحانه: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ نسأل الله العافية والسلامة.
الوقفة كاملة
|
| ٥٥ |
س: ما معنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ، هل المقصود في الآية أن مرتكب الكبائر الثلاث يخلد في النار، أم المقصود إحداها فقط؟
جـ : هذه الآية العظيمة فيها التحذير من الشرك والقتل والزنا، وأن أصحاب هذه الجرائم متوعدون بقوله سبحانه: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ، قيل: إنه واد في جهنم، وقيل: أراد به إثمًا عظيمًا فسره بقوله: يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ، وهذا جزاء من اقترف هذه الجرائم الثلاث أو إحداها أن يضاعف له العذاب، ويخلد في العذاب مهانًا، وهذه الجرائم الثلاث مختلفة في المراتب.
فجريمة الشرك هي أعظم الجرائم وأعظم الذنوب، وصاحبها مخلد في النار أبد الآباد، ولا يخرج من النار أبدا كما قال تعالى في سورة التوبة: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ، وقال سبحانه: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، وقال عز وجل: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ، وقال تعالى في حقهم: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فالمشرك إذا مات ولم يتب فإنه يخلد في النار والجنة عليه حرام والمغفرة عليه حرام بإجماع المسلمين، قال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ، وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ، جعل المغفرة حرامًا على المشرك، أما ما دون الشرك فهو تحت المشيئة. ومن أنواع الشرك بالله التي يخلد صاحبها في النار إذا مات عليها إذا كانت قد بلغته الرسالة - دعاء الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم، ودعاء الملائكة والجن والأصنام والأحجار والكواكب وغير ذلك من المخلوقات؛ كقول بعضهم: يا سيدي أنا في جوارك، أنا في حسبك، انصرني، اشف مريضي، المدد المدد... ونحو ذلك، وهكذا الذبح لهم والنذر لهم، وغير ذلك من العبادات التي يجب صرفها لله وحده، ولا يجوز صرفها إلى غيره من جميع الخلق؛ لقوله عز وجل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ، وقوله سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ، وقوله عز وجل: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ، وقوله تعالى في سورة الفاتحة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
أما الجريمة الثانية وهي القتل، والثالثة وهي الزنا، - وهاتان الجريمتان دون الشرك إذا كان من تعاطاهما لم يستحلهما، ويعلم أنهما محرمتان، ولكن حمله الشيطان على الإِقدام على القتل بغير حق بسبب البغضاء والعداوة أو أسباب أخرى، وحمله الهوى والشيطان على الزنا، وهو يعتقد أن القتل محرم بغير حق، وأن الزنا محرم - فهاتان الجريمتان توجبان النار والخلود فيها خلودا مؤقتًا إلا أن يعفو الله عن صاحبها لأعمال صالحة، أو توبة قبل الموت، أو بشفاعة الشفعاء أو بدعاء المسلمين، إلى غير ذلك من الأسباب التي جعلها الله سببا لغفران الذنوب، وقد يعذب صاحبها حسب مشيئة الله وحكمته، وهذا واقع لكثير من الناس، يعذبون على معاصيهم، ثم يخرجهم الله من النار برحمته سبحانه، إما بشفاعة الشفعاء أو بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، أو بشفاعة الملائكة أو الأفراط أو المؤمنين، فيخرجهم الله من النار بشفاعة هؤلاء بعد أن يمضوا فيها ما كتب الله عليهم من العذاب، ويبقى في النار أقوام من أهل التوحيد لم تشملهم شفاعة الشفعاء فيخرجهم الله سبحانه وتعالى برحمته بدون شفاعة أحد؛ لأنهم ماتوا على التوحيد والإِيمان، لكنهم لهم أعمال خبيثة ومعاصٍ دخلوا بها النار، فإذا طهروا منها ومضت المدة التي كتب الله عليهم البقاء فيها أخرجهم سبحانه من النار رحمة منه عز وجل، ويلقون في نهر الحياة من أنهار الجنة فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا تم خلقهم أدخلهم الله الجنة كما صحت بذلك الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن هذا يعلم أن العاصي كالقاتل، والزاني لا يخلد في النار خلود الكفار بل خلودًا خاصًا له نهاية؛ لقوله سبحانه وتعالى: وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ، وهذا خلود مؤقت ليس كخلود المشركين، ومثل ذلك ما ورد في وعيد القاتل لنفسه. نسأل الله السلامة من ذلك.
الوقفة كاملة
|
| ٥٦ |
س: أريد من سماحتكم تفسير قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .
ج: معنى الآية الكريمة عند العلماء أن الله سبحانه منورها، فجميع النور الذي في السماوات والأرض ويوم القيامة كل من نوره سبحانه.
والنور نوران: نور مخلوق وهو ما يوجد في الدنيا والآخرة وفي الجنة وبين الناس الآن من نور القمر والشمس والنجوم. وهكذا نور الكهرباء والنار كله مخلوق، وهو من خلقه سبحانه وتعالى.
أما النور الثاني: فهو غير مخلوق، بل هو من صفاته سبحانه وتعالى. والله سبحانه وبحمده بجميع صفاته هو الخالق وما سواه مخلوق، فنور وجهه عز وجل، ونور ذاته سبحانه وتعالى، كلاهما غير مخلوق، بل هما صفة من صفاته جل وعلا.
وهذا النور العظيم وصف له سبحانه، وليس مخلوقًا بل هو صفة من صفاته، كسمعه وبصره ويده وقدمه وغير ذلك من صفاته العظيمة سبحانه وتعالى. وهذا هو الحق الذي درج عليه أهل السنة والجماعة.
الوقفة كاملة
|
| ٥٧ |
س: ما تفسير هذه الآيات الكريمات منها قوله تعالى: الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ؟
أرجو من فضيلة الشيخ تفسير هذه الآية الكريمة، ومن هم الروم المذكورون فيها؟
ج: الروم : هم النصارى المعروفون، وكانت الحرب بينهم وبين الفرس سجالاً تارة يدال هؤلاء على هؤلاء، وتارة هؤلاء على هؤلاء، أخبر الله سبحانه وتعالى أنهم غلبوا، غلبتهم الفرس : فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
فوقع ذلك فغلبت الروم الفرس ، وكان ذلك في أول مبعث النبي صلى الله عليه وسلم حين كان الرسول عليه الصلاة والسلام في مكة ، وكان ذلك من الآيات والدلائل على صدقه صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الله حقًّا؛ لوقوع الأمر، كما أخبر الله به في كتابه العظيم.
فالله جل وعلا هو العالم بالمغيبات، ويخبر نبيه بما يشاء منها سبحانه وتعالى، كما أخبره عن الكثير مما يكون في آخر الزمان، كما أخبره فيما مضى من الزمان؛ من أخبار عاد ، وثمود ، وقوم نوح، وفرعون وغيرهم، وكما أخبره أيضًا عليه الصلاة والسلام عما يكون يوم القيامة، ومن حال أهل الجنة وأهل النار إِلى غير ذلك، فهذا من جملة الأخبار الغيبية التي أخبر بها القرآن ووقعت كما أخبر، وكان ذلك من علامة صدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وقد فرح المسلمون بذلك؛ لأن الروم أقرب إِلى المسلمين من الفرس ؛ لأنهم أهل كتاب، والفرس عباد أوثان؛ ولهذا قال عز وجل: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ الآية .
الوقفة كاملة
|
| ٥٨ |
س: ما تفسير هذه الآيات الكريمات منها قوله تعالى: الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ؟
أرجو من فضيلة الشيخ تفسير هذه الآية الكريمة، ومن هم الروم المذكورون فيها؟
ج: الروم : هم النصارى المعروفون، وكانت الحرب بينهم وبين الفرس سجالاً تارة يدال هؤلاء على هؤلاء، وتارة هؤلاء على هؤلاء، أخبر الله سبحانه وتعالى أنهم غلبوا، غلبتهم الفرس: فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
فوقع ذلك فغلبت الروم الفرس ، وكان ذلك في أول مبعث النبي صلى الله عليه وسلم حين كان الرسول عليه الصلاة والسلام في مكة ، وكان ذلك من الآيات والدلائل على صدقه صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول الله حقًّا؛ لوقوع الأمر، كما أخبر الله به في كتابه العظيم.
فالله جل وعلا هو العالم بالمغيبات، ويخبر نبيه بما يشاء منها سبحانه وتعالى، كما أخبره عن الكثير مما يكون في آخر الزمان، كما أخبره فيما مضى من الزمان؛ من أخبار عاد ، وثمود ، وقوم نوح، وفرعون وغيرهم، وكما أخبره أيضًا عليه الصلاة والسلام عما يكون يوم القيامة، ومن حال أهل الجنة وأهل النار إِلى غير ذلك، فهذا من جملة الأخبار الغيبية التي أخبر بها القرآن ووقعت كما أخبر، وكان ذلك من علامة صدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وقد فرح المسلمون بذلك؛ لأن الروم أقرب إِلى المسلمين من الفرس ؛ لأنهم أهل كتاب، والفرس عباد أوثان؛ ولهذا قال عز وجل: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ الآية .
الوقفة كاملة
|
| ٥٩ |
س: قوله سبحانه: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ هل المثل يعنى الشبيه؟
ج: يعني المثل: الوصف الأعلى من كل الوجوه، فهو سبحانه الموصوف بالكمال المطلق من كل الوجوه، كما قال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وقال سبحانه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ والله ولي التوفيق.
الوقفة كاملة
|
| ٦٠ |
س: أرجو تفسير قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ .
ج: هذه الآية عظيمة وهي تدل على أن العلماء وهم العلماء بالله وبدينه وبكتابه العظيم وسنة رسوله الكريم، هؤلاء هم أكمل الناس خشية لله وأكملهم تقوى لله وطاعة له سبحانه وعلى رأسهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فمعنى إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ أي الخشية الكاملة من عباده - العلماء، وهم الذين عرفوا ربهم بأسمائه وصفاته وعظيم حقه سبحانه وتعالى وتبصروا في شريعته وآمنوا بما عنده من النعيم لمن اتقاه وما عنده من العذاب لمن عصاه وخالف أمره، فهم لكمال علمهم بالله وكمال معرفتهم بالحقّ كانوا أشد الناس خشيةً لله وأكثر الناس خوفًا من الله وتعظيمًا له سبحانه وتعالى، وليس معنى الآية أنه لا يخشى الله إلاّ العلماء، فإن كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة يخشى الله عز وجل ويخافه سبحانه، لكن الخوف متفاوت ليسوا على حدٍّ سواء، فكلما كان المؤمن أعلم بالله وأفقه في دينه كان خوفه من الله أكثر وخشيته أكمل، وهكذا المؤمنة كلما كانت أعلم بالله وأعلم بصفاته وعظيم حقّه كان خوفها من الله أعظم وكانت خشيتها لله أكمل من غيرها، وكلما قل العلم وقلت البصيرة قلَّ الخوف من الله وقلت الخشية له سبحانه فالناس متفاوتون في هذا حتى العلماء متفاوتون، فكلما كان العالم أعلم بالله وكلما كان العالم أقوم بحقه وبدينه وأعلم بأسمائه وصفاته كانت خشيته لله أكمل ممن دونه في هذه الصفات، و كلما نقص العلم نقصت الخشية لله، ولكن جميع المؤمنين والمؤمنات كلهم يخشون الله سبحانه وتعالى على حسب علمهم ودرجاتهم في الإيمان، ولهذا يقول جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وقال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فهم مأجورون على خشيتهم لله وإن كانوا غير علماء وكانوا من العامة، لكن كمال الخشية يكون للعلماء لكمال بصيرتهم وكمال علمهم بالله، فتكون خشيتهم لله أعظم، وبهذا يتضح معنى الآية ويزول ما يتوهم بعض الناس من الإشكال في معناها. والله ولي التوفيق.
الوقفة كاملة
|