| ٥١ |
س : ما تفسير قوله تعالى : وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا . وما معنى قوله : وَالْعَادِيَاتِ أفتوني جزاكم الله خيرا ؟
ج : وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا أي : والخيل المسرعات في سيرها إسراعا شديدا نشأ عنه الضبح وهو صوت نفسها الذي يتردد في صدرها من شدة سيرها .
فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فالمخرجات نارا بقدحهن الأحجار بحوافرهن حين شدة السير .
فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فالمغيرات على الأعداء وقت الصباح جهادا في سبيل الله ونصرة دينه .
وجملة المعنى أن الله تعالى يقسم بالخيل المسرعات في سيرها سرعة يسمع معها صوت نفسها المتردد في صدرها ويخرج من قدحها الأحجار بحوافرها نار تراها العيون وتغير على الأعداء وقت الصباح جهادا في سبيل الله ، وجواب القسم قوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ .
ونوصيك في مثل هذا أن تقرأ بعض كتب التفسير المشهورة مثل : ابن كثير والبغوي والجلالين .
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
الوقفة كاملة
|
| ٥٢ |
س: يسأل الأخ عن تفسير قوله تعالى: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ؟
ج: هذه الآية نزلت في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عاهد بعض المشركين، إلى مدد معلومة وبعضهم بينه وبينه عهد مطلق، وبعضهم لا عهد له، فأنزل الله هذه الآية، فيها البراءة من المشركين، وفيها نبذ العهود إليهم ، ولهذا قال سبحانه: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ الآية، فالله جل وعلا أمره أن يتبرأ منهم، ومن كان له عهد فهو إلى مدته، ومن كان عهده مطلقاً أو لا عهد له جعل الله له أربعة أشهر، وبعث الصديق رضي الله عنه، وعلي رضي الله عنه ومن معهما في عام تسع من الهجرة ينادون في الموسم، من كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إلى مدته ومن لم يكن له عهد أو له عهد مطلق، فله أربعة أشهر، بعدها يكون حرباً للرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن يدخل في الإسلام ، فهذا هو معنى الآية عند أهل العلم .
الوقفة كاملة
|
| ٥٣ |
س: ما معنى قوله تعالى: عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ما المقصود بهذه الآية، يقول السائل: ما هو الذي ينهار به في هذا الجرف، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
ج: هذه الآية يفسرها ما قبلها، يقول جل وعلا : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
يبيّن سبحانه وتعالى أن ما فعله المنافقون، من تعمير مسجد للضرار، كان المنافقون بنوا بيتاً وسمّوه مسجداً، وقالوا: إنّه لذوي الحاجة في الليلة الشاتية والمطيرة، وكان هذا عند عزمه صلى الله عليه وسلم على التوجه إلى تبوك ، وطلبوا منه أن يصلّي فيه، وقال: نحن على سفر ولكن إذا رجعنا صلينا فيه إن شاء الله فلما رجع ودنا من المدينة جاء خبره من السماء، أنّه مسجد ضرار، وأنه قد فعله المنافقون مضارة لمسجد قباء ، وقال الله فيه: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ وهو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد قباء خير من هذا المسجد، الذي أسسوه على البلاء والفساد، والقصد الفاسد، وكانوا يقولون إنه يأتي أبو عامر الفاسق ، وكان يقال له الراهب، يريدون أنّه ينزل فيه، ويكون حرباً للرسول صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه فأطْلَعَ الله جل وعلا ، نبيّه على مقصدهم الخبيث، ونهاه أن يقوم فيه: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ثم قال: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ كمسجد قباء ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ثم قال سبحانه: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يعني كهؤلاء الذين أسسوا هذا البناء وهو سبب لسقوطهم في جهنم، هو ببنيانهم هذا، المقصود وعيدهم هم وإلا البنيان ليس المقصود، المقصود: أنهم أسّسوا عملهم الخبيث، على شفا جرف هار، فإن هذا الذي أسّسوه وهو قصدهم أن يأتي أبو عامر الفاسق ، ويحارب النبي صلى الله عليه وسلم، ويحارب المسلمين، لأنّ هذا أساس خبيث، أساس باطل، أساس يقود أهله إلى أن يهوي بهم في جهنم، نسأل الله العافية .
الوقفة كاملة
|
| ٥٤ |
س: يسأل السائل من اليمن ، ويقول: ما هو تفسير هذه الآية الكريمة: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ؟
ج: هذه الآية الكريمة، فيها بيان حال أولياء الله، وأنهم لا خوفٌ عليهم ولا حزن عليهم ، لإيمانهم وتقواهم، يقول جل وعلا : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ثم فسرهم فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ فأولياء الله هم أهل الإيمان والتقوى، هم الذين أخلصوا لله العبادة ، واستقاموا على دينه واتقوه جل وعلا ، وأدوا فرائضه، وتركوا محارمه، ووقفوا عند حدوده، هؤلاء هم أولياء الله، أهل الإيمان والتقوى، أهل البصيرة، أهل الصدق الذين أخلصوا لله العبادة ولم يشركوا به شيئاً ثم أدوا فرائضه وابتعدوا عن محارمه ووقفوا عند حدوده، هؤلاء هم أولياء الله، ليس عليهم خوف ولا حزن، بل لهم الجنة والكرامة والسعادة، لهذه الآية الكريمة: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لا خوف عليهم في المستقبل ولا يحزنون على ما خلفوا في الدنيا، وهم المذكورون في قوله جل وعلا : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ وفي قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُـزُلا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا والآيات في هذا المعنى كثيرة .
الوقفة كاملة
|
| ٥٥ |
س: يقول السائل الأخ/ أبو صلاح الدين: أرجو شرح معنى هذه الآية التي احترت في فهم معناها كثيراً، والقول الراجح في تفسيرها، يقول
(الجزء رقم : 27، الصفحة رقم: 196)
الحق تبارك وتعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ هل يفهم من هذا أن من دخل الجنة يخرج منها إذا شاء الله وهل نسخت هاتان الآيتان بشيء من القرآن، إذ إنهما وردتا في سورة مكية؟
ج: أما السؤال فالآيتان ليستا منسوختين، بل هما محكمتان وقوله جل وعلا: إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ اختلف أهل العلم في بيان معنى ذلك مع إجماعهم بأن نعيم أهل الجنة دائم أبداً، لا ينقضي ولا يزول ولا يخرجون منها ولهذا قال بعده سبحانه: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ لإزالة ما قد يتوهم بعض الناس من أن هناك خروجاً فهم خالدون فيها أبداً وهذا العطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع، ولهذا في الآيات الأخرى يبيّن هذا المعنى فيقول سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ قوله آمنين أي أمن من الموت، وأمن من الخروج، وأمن من الأمراض، والأحزان وكل كدر، وقوله: وَنَـزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ فهم فيها دائمون، لا يخرجون، وقال عز وجل: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فأخبر سبحانه أن أهل الجنة في مقام أمين لا يعتريه خراب ولا زوال، وأنهم آمنون أيضاً فلا خطر عليهم من الموت، ولا مرض ولا خروج ولا حزن ولا غير ذلك، وأنهم لا يموتون فيها أبداً، فعلم بهذا أن أهل الجنة مخلدون فقوله: إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ قال بعض أهل العلم: معناه مدة مقامهم في القبور، ليسوا في الجنة وإن كان المؤمن في روضة من رياضها وفي نعيم ، لكن ذلك ليس هو الجنة، وإنّما هو شيء من الجنة، فإنه يفتح إلى المؤمن في قبره باب من الجنة، يأتيه من ريحها وطيبها ونعيمها، ولكنه ليس المحل الجنة، بل ينقل إليها بعد ذلك إلى الجنة فوق السماوات في أعلى شيء، وقال بعضهم: معنى إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ يعني مدة مقامهم في موقف القيامة للحساب والجزاء، هذا مستثنى بعد خروجهم من القبور، فإنهم بعد ذلك ينتقلون إلى الجنة، وقال بعضهم: هو من الأمرين، مدة بقائهم في القبور، ومدة بقائهم في الموقف ومرورهم على الصراط، هذه الأوقات كلها زائدة ليسوا في الجنة لكن ينقلون منها إلى الجنة فقوله إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ يعني إلا وقت مقامهم في القبور وإلا وقت مقامهم في الموقف وإلا وقت مرورهم على الصراط فهم في هذه الحالة ليسوا في الجنة، ولكنهم منقولون إليها، وسائرون إليها وبهذا يعلم أن المقام مقام واضح، ليس فيه شبهة ولا شك ولا ريب، فأهل الجنة منعّمون فيها وخالدون، أبد الآباد، لا موت ولا مرض ولا خروج ولا كدر ولا حزن ولا حيض ولا نفاس، ولا شيء من الكدر أبداً، بل في نعيم دائم وخير دائم، وهكذا أهل النار مخلدون فيها أبد الآباد، لا يخرجون منها ولا تخرب أيضاً هي بل تبقى وهم باقون فيها وقوله: إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ قيل فيه مدّة بقائهم في المقابر، أو مدة مقامهم في الموقف مما تقدم في أهل الجنة، وهم بعد ذلك يساقون إلى النار ويخلدون فيها أبد الآباد نسأل الله العافية، كما قال عز وجل في سورة البقرة: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ وقال عزّ وجلّ في سورة المائدة في حق الكفرة: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ قال بعض السلف: إن النار لها أمد ولها نهاية ، بعدما يمضي عليها آلاف السنين والأحقاب الكثيرة، إنها تنتهي وإنهم يموتون أو يخرجون، وهذا قول ليس بشيء عند أهل السنة والجماعة، قول ضعيف والذي عليه عموم أهل السنة والجماعة، وإجماع أهل السنة والجماعة أنها باقية أبد الآباد وأنهم لا يخرجون منها وأنها لا تخرب أيضاً بل هي باقية أبد الآباد في ظاهر القرآن الكريم وظاهر السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، نسأل الله العافية والسلامة.
وفي قوله سبحانه وتعالى: إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ هذا من المشتبه ولهذا اختلف تفسيرهم له ولكنه يقيناً أنه قبل دخولهم الجنة، فإن هذا مستثنى قبل دخولهم الجنة، فإما أن يراد به مقامهم في القبور، أو مقامهم
في موقف الحساب وأمّا بعد دخولهم الجنة فلا يخرجون منها أبد الآباد بإجماع المسلمين .
الوقفة كاملة
|
| ٥٦ |
س: ما هو تفسير قوله تعالى: مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ في قوله تعالى في سورة هود: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ والآية التي بعدها؟
ج: اختلف كلام أهل التفسير في هذا الاستثناء وأحسن ما قيل في ذلك أن الاستثناء يراد به ما يقع حال القيامة في موقف القيامة وما يقع في حال القبور، كل هذا مستثنى، فإن المؤمنين والكافرين، كلهم لهم نصيبهم، المؤمنون لهم نصيبهم من نعيم الله في قبورهم، وفي موقفهم يوم القيامة وما يحصل لهم من التسهيل واللطف، والكافرون لهم نصيبهم من العذاب في المقابر، وفي موقفهم أمام الله يوم القيامة، أما بعد دخول النار فليس فيها استثناء، فأهل النار مخلّدون أبد الآباد، وهم الكفار ،
وأهل الجنة مخلّدون في دار النعيم أبد الآباد ، ولا يخرجون ولا يموتون ولا تخرب بلادهم ، وهكذا الكفرة مخلدون في نار جهنم، عند أهل السنة والجماعة، مخلّدون فيها أبد الآباد، لا تخرب ولا يخرجون منها، كما قال الله سبحانه وتعالى في أهل النار: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ وقال سبحانه: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ قال في أهل الجنة: خَالِدِينَ فِيهَا مَا أهل الجنة دائماً في نعيمهم، وفي سرورهم وفي حضرتهم، لا يظعنون ولا تخرب بلادهم : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
قال سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ (46) وَنَـزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ في آيات كثيرات، كلها دالّة على خلود هؤلاء وخلود هؤلاء، أهل الجنة مخلدون فيها أبد الآباد، وأهل النار مخلدون فيها أبد الآباد يعني الكفرة، وقد ذهب بعض السلف إلى أن النار لها نهاية، وأن أهلها يخرجون منها بعد النهاية، أو يموتون فيها وهذا القول شاذ عند أهل السنة والجماعة، لا أساس له من الصحة، والذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة أن النار دائمة أبداً، وأن أهلها مخلّدون فيها أبد الآباد، لا تخرب ولا يخرج منها أهلها، بل هم في عذاب دائم، وخلود دائم، وهي باقية مقيمة، لابثين فيها أحقاباً، لا تنتهي، هكذا أخبر ربنا عزّ وجل، في قوله سبحانه: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ وقوله: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا وقوله: فَذُوقُوا فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا ومن قال: إن لها أمداً فهو قول ضعيف، شاذ، لا يعوّل عليه عند أهل السنة والجماعة، وأمّا العصاة من الموحدين فهؤلاء عند أهل السنة والجماعة إذا دخلوا النار لا يخلدون فيها، بل يقيمون فيها ما شاء الله ثم يخرجهم الله منها، فضلاً منه ورحمة سبحانه وتعالى؛ لأنهم ماتوا على التوحيد والإسلام ، لكن لهم معاص، ماتوا عليها، لم يتوبوا فيها هؤلاء إذا دخلوا النار، لا يخلدون عند أهل السنة والجماعة، خلافًا للخوارج وخلافاً للمعتزلة ، ومن سار على مذهبهم من أهل البدع، أما أهل السنة والجماعة فمجمعون إجماعاً قطعياً، على أن العصاة لا يخلدون في النار، بل لهم أمد ينتهون إليه، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسََّلمَ، قَالَ: يُحْبَسُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بيَِدِهِ، وَأَسَْكنَكَ جَنَّتَهُ، وَأَسَْجدَ لَكَ مَلاَئِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ
كُلِّ شَيْءٍ، لِتَشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، قَالَ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، قَالَ: وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ: أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ: سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ ، قَالَ: فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ ثَلاَثَ كَلِمَاتٍ كَذَبَهُنَّ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى : عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ، وَكَلَّمَهُ، وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا، قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ قَتْلَهُ النَّفْسَ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، قَالَ: فَيَأْتُونَ عِيسَى ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإذَِا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، فَيَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشَْفعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ،- قَالَ قَتَادَةُ : وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا يَقُولُ: فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ- ثُمَّ أَعُودُ الثَّانِيَةَ: فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ،- قَالَ قَتَادَةُ ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ- ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ: فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنةََّ،- قَالَ قَتاَدَةُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ يقَُولُ: فَأَخْرُجُ فَأخرجهمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ- حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَُه القُرْآنُ-ّّأَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ، قَالَ: ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا قَالَ: وَهَذَا المَقَامُ المَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيِْه وَسَلَّمَ . وهكذا الملائكة وهكذا المؤمنون، وهكذا الأفراط يشفعون، كما صحّت به الأخبار عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ثم يبقى بقية في النار لم تشملهم الشفاعات، فيخرجهم الله سبحانه برحمته جلّ وعلا ، كما صح بذلك الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وهو قول أهل السنة والجماعة قاطبة .
الوقفة كاملة
|
| ٥٧ |
س: ما معنى قوله تعالى: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وأيضاً ما معنى قوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ؟
ج: ليس في هذا إشكال، فالله سبحانه هو الحكيم العليم، ولو شاء لجمع الناس على الهدى، كما قال جل وعلا : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ وقال سبحانه: وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
فالله سبحانه لو شاء لهداهم أجمعين جل وعلا ، ولكن له الحكمة البالغة، والحجّة الدامغة في إدخال من عصاه وخالف أمره وأشرك به سبحانه النار، لظلمه نفسه وتعديه حدود ربه، ومخالفته ما جاءت به الرسل، وله الحكمة البالغة والفضل الواسع، على أوليائه وأهل طاعته في إدخالهم الجنة وإنجائهم من النار؛ لأنهم أطاعوا أمره واتّبعوا شريعته، ووقفوا عند حدوده فجزاهم سبحانه أحسن الجزاء، هو جل وعلا قد خلقهم ليرحمهم، خلقهم لإدخالهم الجنة وإنجائهم من النار، إذا قاموا بحقه واستقاموا على دينه، فإذا خرجوا عن طاعته، وخرجوا عمّا أمرهم به، فقد توعّدهم بالنار، جزاء وفاقاً لأعمالهم القبيحة، وخروجهم عن طاعة ربّهم سبحانه وتعالى، واتباعهم لأهوائهم، قال جل وعلا : فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى قال سبحانه: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى فهم مؤاخذون بأعمالهم القبيحة، من كفر ونفاق ومعاص، كما أن أهل الجنة مجزيّون بأعمالهم الطيبة، وطاعتهم لربهم وإحسانهم في خدمته، سبحانه، جازاهم جلّ وعلا، بكرامته وإدخالهم جنته، ونظرهم إلى وجهه الكريم يوم القيامة، وهم في دار النعيم، فضلاً منه وإحساناً، هذا فضله جلّ وعلا ولهذا قال جل وعلا: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ فالمرحومون هم أهل السعادة والنجاة، وهم الذين خلقوا ليرحمهم الله سبحانه وتعالى بتوفيقه وهدايته جلّ وعلا ، وأولئك حُرموا هذه الرحمة، وحرموا هذا الخير، بأعمالهم القبيحة وابتعادهم عن طاعته، وإيثارهم أهواءهم، فلما فعلوا ذلك استحقوا نقمته وغضبه سبحانه وتعالى، والاختلاف واقع ومكتوب عليهم، بسبب ما يقدّمونه من أعمال سيئة وبسبب اتّباعهم لأهوائهم، وشهواتهم وإيثارها على الحق، وقع الاختلاف، فمن رحمه الله سلم من ذلك، واتّبع الحق، ومن لم يوفق لرحمة الله ولم يهد لسبيل الهدى بقي في ضلاله وعماه واختلافه، نسأل الله العافية وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ بل يجازيهم بأعمالهم فمن عمل الصالحات وتابع المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وتابع من قبله من الرسل، رزقوا من ربهم فضله وإحسانه، وفازوا بجنّته وكرامته، ومن تابع الهوى وعصى الرسل، وآثر الدنيا على الآخرة، باء بالخيبة والندامة واستحق العقاب، من ربه سبحانه وتعالى على عمله الخبيث وعلى انحرافه عن طاعة مولاه سبحانه وتعالى .
الوقفة كاملة
|
| ٥٨ |
س: الأخ/ خ.ي.أ، من العراق نينوى ، يسأل عن تفسير قول الحق تبارك وتعالى: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ؟
ج: الآية على ظاهرها: (إن) معناها يعني ما من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذّبوها عذاباً شديداً، يعني ما من قرية إلا ويصيبها شيء كما قال جل وعلا ، قبل يوم القيامة، أو معذبوها عذاباً شديداً، وهذا معناه أن هذه القرى كلها تذهب، كلها تنتهي ولا يبقى شيء، فإن القيامة إذا قامت ذهب كل شيء يقول جل وعلا : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا حتى الجبال تذهب، هذه الرواسي العظيمة، فهذه القرى تذهب ولا يبقى على الأرض شيء بالكلية، عند قيام الساعة، يعني قبل يوم القيامة، فقد تذهب بأمر الله عند قيام الساعة، بدكّها وذهابها وقد تذهب بعقوبة عاجلة بسبب معاصي أهلها وكفرهم وضلالهم كما جرى لقوم لوط ، فقد خسف الله بهم مدائنهم، حتى هلكوا عن آخرهم، فالمقصود أنه جل وعلا يقول: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ يعني ما من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً، هذه القرى والمدن لابد أن تذهب قبل يوم القيامة، إمّا بعقوبة عاجلة وإمّا بمجيء القيامة، فإذا جاءت القيامة اندك كل شيء، هذه الحصون العظيمة والقرى العظيمة والبيوت كلها تذهب، حتى الجبال تنتهي.
الوقفة كاملة
|
| ٥٩ |
س: قال الله تعالى في كتابه العزيز: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا
(الجزء رقم : 27، الصفحة رقم: 251)
هذه الآية توضح لنا أن الله عندما أمر الملائكة بالسجود لآدم ولم يسجد إبليس فكيف يؤاخذه الله على أمر لم يدخل إبليس في نطاقه؛ لأنه ليس من الملائكة ما دام إبليس من الجن، وليس من الملائكة فكيف يشمله أمر السجود؟
ج: العلماء لهم في هذا قولان: أحدهما: أنه من الملائكة ، من طائفة يقال لهم الجن من الملائكة ، فلهذا شمله الأمر وحكم الله عليه بالبعد واللّعنة لأنه عصى الأمر.
والأمر الثاني: أنه كان معهم يتعبّد معهم، وأنه خوطب معهم وأُمر معهم، بأن يسجد؛ لأنه كان معهم، وقد صحبهم في العبادة، فلهذا ورد عليه الأمر معهم فعصى فعاقبه الله باللّعن والطرد، بسبب عصيانه للأوامر، الموجهة إليه وإن كان ليس منهم عنصراً، فهو منهم في العمل وقد وجه إليه الخطاب والأمر معهم، فعصى واستكبر، فلهذا أصابته العقوبة وحلَّتْ عليه اللعنة إمَّا لكونه منهم وهم طائفة يقال لهم الجن، أو أنه صار معهم وتلبَّسَ بأعمالهم، وصحبهم في أعمالهم وصدر الأمر إليه وإليهم جميعاً، فلما وجه إليه الأمر معهم، صار مستحقّاً للعنة بعصيانه، واستكباره وهذا أمر واضح، والقولان مشهوران للعلماء، أحدهما: أنه منهم فلا إشكال في ذلك، والثاني: أنه أبو الجن أو الجن المعروفين من الثقل الثاني وهو كآدم للأنس، ولكن صار مع الملائكة حين الأمر، ووجه إليه الأمر معهم، وصار مأموراً كما أنهم مأمورون، فلهذا استحق اللعنة والطرد باستكباره وعصيانه .
الوقفة كاملة
|
| ٦٠ |
س: يسأل أيضاً عن تفسير قول الحق تبارك وتعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا
ج: هذا الورود هو المرور على الصراط، يوم القيامة ، ينصب للناس جسر على جهنم يمرون عليه، فالمؤمنون يمرون عليه ويسلمون إلى الجنة، وبعض العصاة يسقط وبعض العصاة ينجو، والكفّار لا يستطيعون المرور عليه، بل يساقون إلى النار، نسأل الله العافية، فالناس واردون إلى هذا الصراط، المؤمنون يردون ويمرون سالمين، كما قال عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا فالله ينجي المتقين، ويمرون سالمين، منهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم دون ذلك على حسب أعمالهم الصالحة وعلى الجسر كلاليب من الجانبين، لا يعلم قدرها إلا الله سبحانه وتعالى، تخطف الناس بأعمالهم السيئة، فمنهم من يخطف وينجو ويخدش وينجو ومنهم من يسقط في النار، نسأل الله العافية، بمعاصيه، اللهم سلّم، سلّم، والأنبياء على حافتي الصراط يقولون، اللهم سلم، سلم، دعوة الأنبياء: اللهم سلّم، سلّم ذلك الوقت، فكل الناس الذين دخلوا في الإسلام يمرون على هذا الصراط، فالمؤمن السليم ينجو، وبعض العصاة ينجو، وبعض العصاة يخدش وينجو، وبعض العصاة يسقط لشدة معاصيه ويعذب على قدر معاصيه، ثم يخرجه الله من النار بتوحيده وإسلامه إلى الجنة، أمّا الكفّار فلا يستطيعون، بل يساقون إلى النار، ويحشرون إليها، لأنهم من أهلها وقد أعدت لهم، نسأل الله العافية، فهم واردوها وصائرون إليها، نسأل الله العافية .
الوقفة كاملة
|