تفسير و تدارس

٥١١ تفسير القرآن الكريم الوقفة كاملة
٥١٢ تفسير القرآن الكريم الوقفة كاملة
٥١٣ تفسير القرآن الكريم الوقفة كاملة
٥١٤ تفسير القرآن الكريم الوقفة كاملة
٥١٥ تفسير القرآن الكريم الوقفة كاملة
٥١٦ تفسير القرآن الكريم الوقفة كاملة
٥١٧ تفسير القرآن الكريم الوقفة كاملة
٥١٨ تفسير القرآن الكريم الوقفة كاملة
٥١٩ تفسير القرآن الكريم الوقفة كاملة
٥٢٠ تفسير القران الكريم الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٥١١ {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46)} والمعنى: أنه ما تأتيهم آية من آيات ربهم سواء كانت آية ينزل بها الوحي أم آية من آيات الله في الكون إلا كان شأنهم الإعراض عنها وعدم النظر فيها وتدبرها. فالإعراض عام يشمل الآيات التي ينزل بها الوحي والآيات الكونية في الأرض والسماء. وهي في دلالتها على الآيات التي ينزل بها الوحي أظهر، فإن إعراضهم عنها أشد، وقوله: (تأتيهم) يقوي هذا المعنى، فإن هذا الفعل يستعمل بكثرة مع آيات الله المنزلة ومع الآيات التي تدل على صدق ما جاء به رسل الله والبراهين التي تؤيدهم، وهي المعجزات التي يؤتيها الله رسله لتكون آية على صدقهم. وعلى كل فالتعبير يعم الآيات كلها ويدل على إعراضهم عنها جميعا. إن هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فهم يشبهون من قبلهم في الإعراض عما جاءت به الرسل. ومرتبطة بما ذكر من الآيات الكونية وهو قوله: { وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ …. وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ... وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ }. فهم معرضون عن الآيات كلها. جاء في (روح المعاني): "والمراد بها إما هذه الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع الله تعالى وسوابغ آلائه تعالى الموجبة للإقبال عليها والإيمان. وإيتاؤها نزول الوحي بها، أي ما نزل الوحي بأية من الآيات الناطقة بذلك إلا كانوا عنها معرضين على وجه التكذيب والاستهزاء. وإما ما يعمها والآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وتعاجيب المصنوعات التي من جملتها الآيات الثلاث المعدودة آنفًا. وإيتاؤها: ظهورها لهم، أي ما ظهرت لهم آية من الآيات التي من جملتها ما ذكر من شؤونه تعالى الشاهدة بوحدانيته سبحانه وتفرده تعالى بالألوهية، إلا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدي إلى الإيمان به عز وجل" (۱). وجاء في (التفسير الكبير): "وهذا متعلق بما تقدم من قوله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}. {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم، فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها وما التفتوا إليها" (۲). وجاء في (فتح القدير): "والمعنى: ما تأتيهم من آية دالة على محمد  وعلى صحة ما دعا إليه من التوحيد في حال من الأحوال إلا كانوا عنها معرضين. وظاهره يشمل الآيات التنزيلية والآيات التكوينية... والمراد بالإعراض عدم الالتفات إليها وترك النظر الصحيح فيها. وهذه الآية متعلقة بقوله: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي إذا جاءتهم الرسل كذبوا، وإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها" (3). ومن الملاحظ في بناء هذه الآية: 1- أنه نفى بـ (ما) ولم ينف بـ (لا)، ذلك لأنه يريد أن يبين حالتهم التي هم عليها، وذلك يكون بـ (ما)، لأن (ما) تفيد الحال إذا دخلت على المضارع. أما (لا) فعند الجمهور أنها تخلص الفعل للاستقبال. والحق كما حققناه في كتابنا (معاني النحو) أنها تفيد الإطلاق، وكثيرا ما يؤتى بها للاستقبال. وهو لا يريد أن يبين حالتهم في المستقبل بل يريد ما هم عليه، فنفى لذلك بـ (ما). ۲- جاء بالفعل المضارع فقال: (ما تأتيهم) لأنه يريد أن يبين أن هذا شأنهم وديدنهم وليدل على الاستمرار. ولم يقل: (ما أتتهم) بصيغة الماضي؛ لأنه لا يريد أن يبين حالة ماضية، فإن الماضي يفيد الانقطاع الا الاستمرار. جاء في (روح المعاني): "و(ما) نافية، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار التجددي" (4). ٣- قال: (من آية) فجاء بـ (من) الدالة على الاستغراق، وذلك ليشمل الإعراض عن جميع الآيات. ولو قال: (ما تأتيهم آية) لأحتمل نفي العموم ولأحتمل نفي الوحدة، أي ما تأتيهم آية واحدة إلا كانوا عنها معرضين. 4- أضاف الآيات إلى الرب المضاف إليهم ليبين أن إعراضهم هذا أسوأ إعراض، فإن الآيات آيات ربهم المتفضل عليهم بالنعم فكيف يعرضون عنها؟. إذ المفروض أن يشكروا ربهم ويطيعوه لا أن يعرضوا عن آياته، فزادت هذه الإضافة إعراضهم سوءًا. جاء في (روح المعاني): "وإضافة الآيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميرهم لتفخيم شأنها المستتبع لتهويل ما اجترأوا عليه في حقها" (5). 5- قال: {إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} ولم يقل: (إلا أعرضوا عنها) فجاء باسم الفاعل (معرضين) ليدل على أن هذا وصفهم الثابت، وأن هذا شأنهم ودأبهم. ولم يقل: (إلا أعرضوا) بالفعل الماضي فيكون الإعراض حادثًا. وجاء بـ (كان) ليدل على أن الإعراض حاصل أصلاً وهو ثابت فيهم ولم يحدث بعد مجيء الآية، فإن الآية إذا جاءت وجدتهم معرضين عنها. جاء في (روح المعاني): "وفي الكلام إشارة إلى استمرارهم على الإعراض حسب استمرار إتيان الآيات" (6). 6- قدم الجار والمجرور (عنها) على اسم الفاعل فقال: {إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} ولم يقل: (إلا كانوا معرضين عنها)، ليدل على أن الإعراض خاص بآيات ربهم، فهم لا يطيقون سماع آيات ربهم ولا مواجهة أية من آياته، وهم يسمعون ما عداها من الكلام والحديث ولا يعرضون عنه، فكان التقديم للقصر، إضافة إلى أن الفاصلة تقتضي هذا التقديم، فكان التقديم لأمرين: القصر وفاصلة الآي. جاء في (روح المعاني): "و(عن) متعلقة بـ (معرضين) قدمت عليه للحصر الادعائي مبالغة في تقبيح حالهم، وقيل: للحصر الإضافي، أي معرضين عنها لا عما هم عليه من الكفر، وقيل: لرعاية الفواصل" (7). ۷- قال: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} فبنى التعبير على الاستثناء المفرغ، ولم يقل: (إن تأتهم آية من آيات ربهم كانوا عنها معرضين)، ذلك لأن التعبير القرآني هذا يفيد الدوام، وأن ذلك يحصل كلما جاءتهم آية من آيات ربهم. ولا يفيد تعبير الشرط ذلك نصًّا، فإنك إذا قلت: (إن يأتني محمد أكرمته أفاد ذلك أنه إن جاءك أكرمته ولا يفيد أنك تكرمه كلما جاءك، فإنك إن أكرمته مرة واحدة كان كلامك صادقًا. أما قولك: (ما يأتيني إلا أكرمته) فإنه يفيد أنه كلما جاءك أكرمته. هذا علاوة على أن التعبير بالاستثناء المفرغ يصح معه زيادة (من) الاستغراقية إذا وقعت قبل (إلا)، وذلك لوجود النفي أو شبهه ولا يصح ذلك في التعبير الشرطي، فلا تقول: (إن تأتهم من آية من آيات ربهم كانوا عنها معرضين). (1) روح المعاني 23/29. (2) التفسير الكبير 26/83. (3) فتح القدير 4/361 – 362. (4) روح المعاني 23/29. (5) روح المعاني 23/29. (6) روح المعاني 23/29. (7) روح المعاني 23/29. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 220 إلى ص 225. الوقفة كاملة
٥١٢ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47)} أي إذا طلب منهم الإنفاق مما رزقهم الله امتنعوا واحتجوا بأن الله هو الذي أفقرهم، ولو شاء أن يغنيهم لأغناهم، فكيف يجيعهم ربهم ونحن تطعمهم؟ إن طلبكم هذا مخالف لمشيئة الله، وهو ضلال ظاهر. والظاهر أن المقصود بقوله: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} إطعام المحتاجين، بدليل قولهم: {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}، إلا أنه أخرجه مخرج العموم في الطلب والخصوص في الجواب، ذلك أن قوله: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} يدخل فيه الإطعام وغيره من أفعال الخير فكان الطلب عامًا. غير أنهم امتنعوا عن أي شيء من الإنفاق حتى إطعام المحتاج، وهو ما تدعو إليه المروءة، فدل امتناعهم عن هذا امتناعهم عما هو أكبر وأعظم، وفي هذا مبالغة في الامتناع عن الإنفاق. جاء في (التفسير الكبير): "ما الفائدة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق على من لو يشاء الله رزقه، وذلك لأنهم أمروا بالإنفاق في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا} فكان جوابهم أن يقولوا: أنفق، فلم قالوا: أنطعم؟ نقول: فيه بيان غاية مخالفتهم ذلك؛ لأنهم إذا أمروا بالإنفاق - والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره - لم يأتوا بالإنفاق، ولا بأقل منه - وهو الإطعام - وقالوا: لا نطعم. وهذا كما يقول القائل لغيره: أعط زيدًا دينارًا، يقول: (لا أعطيه درهمًا) مع أن المطابق هو أن يقول: لا أعطيه دينارًا، ولكن المبالغة في هذا الوجه أتم، فكذلك ههنا" (1). وجاء في (البحر المحيط): "أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله، وهو عام في الإطعام وغيره، فأجابوا بغاية المخالفة؛ لأن نفي إطعامهم يقتضي نفي الإنفاق العام، فكأنهم قالوا: لا ننفق ولا أقل الأشياء التي كانوا يسمحون بها ويؤثرون بها على أنفسهم وهو الإطعام الذي به يفتخرون. وهذا على سبيل المبالغة، كمن يقول لشخص: أعط لزيد دينارًا، فيقول: لا أعطيه درهمًا. فهذا أبلغ من: لا أعطيه دينارًا" (۲). والملاحظ من الآيتين أنهم أمروا بالاتقاء وذلك قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} وهو أمر عام يتعلق بالعبادة الفردية والحياة الشخصية ويتعلق بالآخرين، فإن وجوه الاتقاء متسعة. وأمروا بالإنفاق في وجوه الخير وذلك قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا ....} وهو أمر يتعلق بالآخرين. ومنه إطعام المحتاجين الذي هو ضرورة من ضرورات الحياة. وهذا يدلنا على أن أوامر الله قسمان: قسم يتعلق بالقيام بحقوق الله، وهو يدخل في التقوى. وقسم يتعلق بحقوق العباد ومنه الإنفاق، وقد امتنعوا عنهما جميعًا. جاء في (روح المعاني): "والكلام على ما قيل لذمهم على ترك الشفقة على خلق الله تعالى إثر ذمهم على ترك تعظيمه عز وجل بترك التقوى، وفي ذلك إشارة إلى أنهم أخلوا بجميع التكاليف ؛ لأنها كلها ترجع إلى أمرين: التعظيم لله تعالى، والشفقة على خلقه سبحانه" (3). والملاحظ من الآية: 1- أنها بدأت بأداة الشرط (إذا) فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا ...} إشارة إلى أن هذا القول قد قيل لهم فعلاً، بل إنه لقد قيل لهم كثيرًا لما سبق أن ذكرنا في دلالة (إذا) في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ....} ۲- وقد بنى الفعل (قيل) للمجهول في الآيتين فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا} {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا} لأكثر من سبب: من ذلك أن القائل معلوم وهم المؤمنون. ومن ناحية أخرى أنه لا يتعلق غرض بذكر القائل، فإنه لا يتغير الحكم بتغير القائل، فإن المقصود هو المقول وليس القائل. ومن ذلك الإشارة إلى ضرورة النظر في المقول لا في القائل، فالقول الحق ينبغي الأخذ به أيًّا كان قائله. فهو توجيه إلى الأخذ بالقول الحق دون النظر إلى قائله، وهو بمعنى: (خذ الحكمة ولا تضرك من أي وعاء خرجت). ثم إنه لو ذكر القائل لظن أن هذا الموقف من الكفرة بسبب القائل، ولو كان القائل شخصًا آخر لتغير الموقف، فإن الناس كثيرًا ما يرفضون القول من قائل ويقبلونه من قائل آخر. فلو ذكر القائل لظن أن رفضهم بسبب القائل. فبين أن موقفهم هذا إنما هو من المقول لا من القائل. ٣- وقد جاء بـ (من) التبعيضية للدلالة على أنه طلب منهم إنفاق شيء مما أنعم الله به عليهم ليسهل ذلك عليهم. 4 - أسند الرزق إلى الله، أي إن الله هو الذي رزقكم وتفضل عليكم، فأنفقوا شيئا مما أعطاكم وتفضل عليكم؛ "أي أعطاكم سبحانه بطريق التفضل والإنعام من أنواع الأموال، وعبر بذلك تحقيقًا للحق وترغيبا في الإنفاق، على منهاج قوله تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}، وتنبيهًا على عظم جنايتهم في ترك الامتثال بالأمر، وكذلك الإتيان بمن التبعيضية" (4). 5 - بين القائل والمقول له في الآية بعد البناء للمجهول فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}. فبين قوله: {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا} أن القائل (أنفقوا) هم المؤمنون، وأن الذين قيل لهم هم الكفار، ولذا ذكر أن الذين كفروا ردوا على المؤمنين قولهم. ومن هذا يتضح أن الآية بنيت على الإيضاح بعد الإبهام. فقد قال: (قيل) فبنى الفعل للمجهول، ثم بين القائل بقوله: {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا}. وقال: (لهم) فذكر الضمير ثم أوضح الضمير بأنه يعود على الذين كفروا و{قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ثم قال: {أَنْفِقُوا} وهو عام، ثم بين المقصود بالإنفاق ههنا وهو إطعام المحتاجين. 6-لم يبين القائل في الآية الأولى وهي قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، وقد بينه في هذه الآية ؛ ذلك لأن القائل في الآية الأولى معلوم وهو لا يحتاج إلى إيضاح، فإنه معلوم أنه لا يقول هذا القول إلا مؤمن ولا يصدر عن كافر، وذلك لأن الكفار لا يؤمنون بالآخرة، ولذا ذكر بعد ذلك قولهم: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. أما الآية الثانية وهي قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} فيحتاج القائل إلى تبيين ذلك ؛ لأن هذا القول قد يصدر عن شخص غير مسلم يقوله مروءة، ذلك أن الله حكى عن كفار قريش أنهم يؤمنون بأن الله هو الذي يرزق الخلق، قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} {يونس: 31}. فبين أن الذي قال هذا القول ودعا إلى الإنفاق هم المؤمنون. فكان كل تعبير أنسب في مكانه. هذا علاوة على أنه ذكرنا أن الآية الأولى بنيت على الإيجاز، وهذه بنيت على البيان بعد الإبهام. واستبان من ذلك أن الذي يدعو إلى الخير والمكرمة إنما هو المؤمن، وأن المشفق على خلق الله الطالب لإعانتهم وإغاثتهم إنما هو المؤمن، فالمؤمن منبع كل خير ويمن وبركة. ۷- لم يبين وجوه الإنفاق في الآية بل أطلقها فقال: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} ذلك ليشمل وجوه الخير كلها، وليشمل عموم خلق الله مؤمنهم وكافرهم، فهو لم يقل: (أنفقوا على المؤمنين) بل أطلق ذلك ليشمل الجميع فتتسع دائرة الخير. 8- لما أسند الرزق إلى الله بقوله: {مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} أسندوا الإطعام إليه فقالوا: {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}. فإنه لما قال لهم المؤمنون {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} أجابوا {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} فكأنهم قالوا: الله الذي رزقنا هو الذي حرمهم. 9- لم يذكر اللام في جواب (لو) فلم يقل: (لو يشاء الله لأطعمه) ذلك أن الإطعام سهل ميسور فلا يحتاج إلى توكيد. والملاحظ في القرآن الكريم أن المنزوع اللام من جواب (لو) أقل توكيدًا مما ذكرت فيه اللام. فيؤتى باللام فيما هو آكد، فما كان أصعب في ميزان البشر يؤتي معه باللام، وما كان أيسر تنزع منه اللام، مع أنه من المعلوم أن ليس شيء أصعب على الله من شيء. قال تعالى: {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} {الأنعام: 149} فجاء باللام لأن الهداية صعبة. وقال: {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ} {الأعراف: 155}. فلم يذكر اللام لأن الإهلاك مقدور عليه وليس كالهداية. وقال: {وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ} وهذا صعب عسير فجاء باللام. غير أنه قال: {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}، فلم يذكر اللام لأنه مقدور عليه من كثير من الناس وليبينوا أن ذلك من الأمور اليسيرة على الله، فلو شاء ذلك فعل، ولكن الله لم يشأ ذلك فكيف نطعمهم نحن؟ (1) التفسير الكبير 26/84 – 85. (2) البحر المحيط 7/340، وانظر روح المعاني 23/30. (3) روح المعاني 23/29. (4) روح المعاني 23/29. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 225 إلى ص 230. * * * {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي ما أنتم إلا في ضلال ظاهر غير خاف على أحد، و(مبين) معناه مظهر لنفسه لا يحتاج أن يظهره أحد. فإن الضلال على قسمين: ضلال خفي لا يعلمه إلا ذوو البصيرة والعلم، وهذا يحتاج إلى إيضاح وتبيين. وضلال مبين، أي مبين عن نفسه لا يحتاج إلى أن يظهره أحد أو يبينه شخص فإنه يبين نفسه بنفسه، وهو أظهر من كل إظهار وأبين من كل تبيين، فجعلوا أمرهم بالإنفاق من الضلال المبين الظاهر الذي يظهر نفسه. وقد أخرج الكلام على جهة القصر، أي لستم إلا في الضلال، ولستم في شيء آخر. وهذا يختلف عن القول (أنتم في ضلال مبين) فإن ذلك - أي القصر - أكد، فإنه يفيد أنهم ليسوا في غير الضلال. جاء في (التفسير الكبير): "قد ذكرنا أن قوله: (إن أنتم إلا) يفيد ما لا يفيد قوله: (أنتم في ضلال)؛ لأنه قد يوجب الحصر، وأنه ليسوا في غير الضلال. البحث الثالث: وصف الضلال بالمبين، قد ذكرنا معناه أنه لظهوره يبين نفسه أنه ضلال، أي في ضلال لا يخفى على أحد أنه ضلال" (1). ثم نفى بـ (إن) ولم ينف بـ (ما) لأن (إن) أكد في النفي من (ما) (۲). وقال: (في ضلال) فاستعمل (في) وهو حرف يفيد الظرفية، أي: ما أنتم إلا مغمورون في الضلال ساقطون فيه كمن يسقط في اللجة. وقد لاحظ المفسرون أن القرآن يستعمل (على) في الهداية، ويستعمل (في) في الضلال ونحوه، فيقول: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {البقرة: 5}. ويقول: {إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} {هود: 28}، فاستعمل (على) في هذا المعنى للدلالة على تمكنهم من الهداية واستعلائهم على الطريق. في حين قال: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} {المؤمنون: 54}، {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} {الأنعام: 110}، {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} {التوبة: 45}، أي كأنهم ساقطون في ذلك لا يتبينون ما حولهم ولا هم متمكنون من أنفسهم، ولذا قال تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} {سبأ: ۲4}، فاستعمل (على) مع الهدى و(في) مع الضلال. جاء في (التفسير الكبير): "إن قوله: (في ضلال) يفيد كونهم مغمورين فيه غائصين. وقوله في مواضع: (على بينة)، و(على هدى) إشارة إلى كونهم راكبين متن الطريق المستقيم قادرين عليه" (3). (1) التفسير الكبير 26/85. (2) ينظر معاني النحو 4/235 وما بعدها. (3) التفسير الكبير 26/85. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 230 إلى ص 232. الوقفة كاملة
٥١٣ {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48)} أي متي يوم القيامة الذي توعدوننا به وتحذروننا منه إن كنتم صادقين في قولكم؟ والوعد المذكور هنا هو ما أشارت إليه الآية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ}. جاء في (التفسير الكبير): "ليس في هذا الموضع وعد، فالإشارة بقوله: (هذا الوعد) إلى أي وعد؟. نقول: هو ما في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} من قيام الساعة، أو نقول: هو معلوم وإن لم يكن مذكورًا لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب" (1). وجاء في (البحر المحيط): "أي متي يوم القيامة الذي أنتم توعدوننا به؟ أو متى هذا العذاب الذي تهددوننا به؟ وهو على سبيل الاستهزاء، فهم لما أمروا بالتقوى ولا يتقي إلا مما يخاف منه، وهم غير مؤمنين، سألوا: متى يقع هذا الذي تخوفونا به استهزاء" (2). وقال: (ويقولون) بالمضارع ولم يقل: (وقالوا) للدلالة على استمرارهم على هذا القول ولم يقولوا ذلك مرة واحدة. ولم يقل (ويقول الذين كفروا للذين آمنوا متى هذا الوعد...) كما قال في الآية السابقة: {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}، ذلك لأنه معلوم أنه لا يقول هذا القول إلا كافر وهو موجه إلى الذين آمنوا؛ لأن المؤمنين يؤمنون باليوم الآخر ولا يؤمن به الذين كفروا. (1) التفسير الكبير 26/86. (2) البحر المحيط 7/340. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 232 إلى ص 233. الوقفة كاملة
٥١٤ {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49)} معنى النظر ههنا وقوع الشيء من غير ترقب له، فلا يرونه إلا واقعًا، وقد فسره المفسرون بالانتظار، ولما كان الكفار غير منتظرين للصيحة بل ينكرونها فروها بالانتظار الفعلي. جاء في (التفسير الكبير): "{مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} أي لا ينتظرون إلا الصيحة المعلومة... فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون الصيحة بل كانوا يجزمون بعدمها، فنقول: الانتظار فعلي لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله البوار وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وقدرته وعلمه" (1). وجاء في (البحر المحيط): "ما ينظرون أي ما ينتظرون، ولما كانت هذه الصيحة لابد من وقوعها جعلوا كأنهم منتظروها" (2). والحق أن ثمة فرقًا بين (ينظرون) و(ينتظرون). فمعنى (ينظرون) يرون الأمر واقعًا بغتة من غير ترقب له أو توقع. أما الانتظار فهو ترقب وقوع الأمر. وأكثر الاستعمال القرآني على هذا، فهو يستعمل (النظر) لما يفاجئ من الأحداث، والانتظار لما فيه ترقب وتوقع. قال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} {الزخرف: 66}. فذكر أنها تأتيهم بغتة أي من غير ترقب. وقال: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} {محمد: 18}. وهي مثل ما قبلها. وقال: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} {الأعراف: 53}. والكلام واضح أنه في اليوم الآخر، وهو يأتيهم من غير ترقب له أو انتظار؛ لأنهم كافرون به كما يدل على ذلك الكلام. في حين قال: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} {الأحزاب: 23}. أي منهم من ينتظر ذلك ويترقبه. وقال: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ} {السجدة: 30}. فأمره بالانتظار وهو الترقب. وقال هود لقومه: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} {الأعراف: 71}. فهو قد توعدهم وتهددهم وأمرهم بانتظار ذلك وترقبه. ثم إن بناء كل من الفعلين يقوي ما ذكرناه، فإن بناء (انتظر) أطول من (نظر)، وذلك يدل على زيادة الانتظار وطوله، إذ كثيرًا ما يناسب اللفظ المعني. ومعنى الآية - أي آية يس - أنهم لا ينظرون إلا صيحة واحدة تبغتهم وهم يختصمون في حياتهم ومعاشهم، والمقصود بالصيحة هذه صيحة القيامة. واختار (ينظرون) على (ينتظرون) لأن في ذلك فزعًا أكبر؛ فإن الذي تفجؤه الصيحة يرجف فؤاده ويفزع أكثر ممن ينتظرها؛ "لأن الصيحة المعتادة إذا وردت على غافل يرجف، فإن المقبل على مهم إذا صاح به صائح يرجف فؤاده، بخلاف المنتظر للصيحة. فإذا كان حال الصيحة ما ذكرناه من الشدة والقوة وترد على الغافل الذي هو مع خصمه مشغول يكون الارتجاف أتم والإيجاف أعظم" (3). وذكر الصيحة ههنا كما ذكرها في أصحاب القرية، فإن كلا من الصنفين لم يتق ما بين يديه وما خلفه، فلم يرحمه ربه وأخذته الصيحة. غير أن هناك فرقًا بين البناء في الآيتين: فقد قال في أصحاب القرية: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} بالفعل الماضي لأن الصيحة قد وقعت. وقال ههنا: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} بالفعل المضارع لأنها لم تقع. وقال في أصحاب القرية: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}. وقال ههنا: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وذلك أنه لما قال: إن الصيحة تأخذهم، أي كأنها تأخذهم من أهلهم قال: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} لأن الصيحة أخذتهم بعيدًا عن أهلهم. ولم يقل مثل ذلك مع قوله: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} لأنها أخمدتهم جميعًا هم وأهلهم. وناسب ذلك أيضًا قوله: {وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي يختصمون في أمور الدنيا، ومعنى ذلك أنهم ليسوا بين أهلهم ولا في مساكنهم، فناسب أن يقول: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}. ومعنى (يخصمون): (يختصمون) غير أنه أبدل من التاء صادًا وضعفها وكسر الخاء لالتقاء الساكنين فصار يخصمون. وسبب هذا الإبدال والتضعيف - والله أعلم - أن التضعيف يدل على المبالغة، فأبدل وضعف للدلالة على المبالغة في الاختصام. أي أن الساعة تأخذهم وهم منهمكون في الاختصام مبالغون في أمور الدنيا لا يشغلهم عن ذلك شاغل، فتأخذهم الصيحة فلا يستطيعون توصية ولا ينطقون بشيء. جاء في (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني): "وأصل (يخصمون) يختصمون، فأبدلت التاء صادًا، وأدغمت في الصاد فصار (يخصمون)، والتضعيف يفيد القوة والتكثير والمبالغة. فأفاد ههنا المبالغة في الاختصام. والمعنى أن الساعة تأخذهم وهم منهمكون في معاملاتهم منشغلون في خصومات الدنيا على أكثر ما يكون وأشد ما يكون غير منشغلين بشيء آخر عن الدنيا، فالساعة لا تقوم على رجل يقول: لا إله إلا الله. وفي الحديث: (شرار الخلق الذين تدركهم الساعة وهم أحياء)، فتصيح الساعة صيحة تقطع الاختصام، فلا يكون نبس ولا حركة ولا خصومة ولا كلام، بل صمت مطبق وسكون مطلق، {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} فعبر عن ذلك بقوله: (يخصمون). ولا يدل الأصل (يختصمون) على هذه المبالغة والقوة... في حين قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} {الزمر: 31} من غير إبدال، ذلك أن الاختصام أمام رب العالمين لا يكون مثل الاختصام في الدنيا. فالاختصام في الدنيا عام يشمل المخاصمات التي تستدعي القضاء والفصل بين المتخاصمين، كما يشمل غيرها مما لا يستدعي قضاء ولا فصلاً. أما الاختصام عند الرب فهو مما يستدعي القضاء والفصل، فبالغ في البناء فيما استعمله في الدنيا، بخلاف ما استعمله في الآخرة، والله أعلم" (4). واختيار الصيحة هو المناسب في هذا المقام، إذ هي التي تقطع الاختصام والقيل والقال، فبينما هم يختصمون في معاملاتهم وهم في صخب الدنيا، إذ تأتيهم الصيحة فتقطع ذلك كله، كما يكون في مكان ما ضجيج وصخب فتقطع ذلك بصيحة واحدة فإذا هو صمت مطبق وسكون رهيب. وذكر أن الصيحة واحدة؛ ذلك لأنهم لا يحتاجون إلى أخرى، فإن الصيحة الواحدة تأخذهم جميعًا فلا حاجة إلى ثانية. ثم إنه إذا تتابعت الصيحات ألفها السامع فلا تكون لها تلك الرهبة، أما هذه فصيحة واحدة ليس لها نظير تخلع قلوبهم فيموتون جميعًا. أما الصيحة الثانية فلجمعهم عند رب العالمين. (1) التفسير الكبير 26/86. (2) البحر المحيط 7/340. (3) التفسير الكبير 26/86. (4) بلاغة الكلمة في التعبير القرآني – باب الإبدال 56 – 57. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 233 إلى ص 238. الوقفة كاملة
٥١٥ {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)} قال: إنهم لا يستطيعون التوصية، ولم يقل: (فلا يوصون) لأن نفي الاستطاعة أبلغ. فأنت تقول: (هو لا يوصي) أي لا يفعل ذلك مع استطاعته عليها، فنفي التوصية لا ينفي الاستطاعة، ونفي الاستطاعة ينفي التوصية. فقولك: (هو لا يستطيع التوصية) أي لا يقدر عليها مع إرادته ذلك. ونكر التوصية لأنه أراد العموم، فهم لا يستطيعون أن يوصوا أية توصية مهما كانت. ولو قال: (لا يستطيعون التوصية) لاحتمل أنهم لا يستطيعون التوصية المطلوبة أو الكاملة أو المعهودة، فتنكيرها أفاد العموم. {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} إن الإنسان يتمنى أن يموت بين أهله، وهؤلاء لا يستطيعون أن يبلغوا أهلهم بشيء، ولا أن يعودوا إليهم، فحرموا من الأمنيتين العزيزتين كلتيهما. ثم إنه قدم الفعل (يستطيعون) على المفعول به (التوصية) وأخر الفعل يرجعون) عن الجار والمجرور ولم يجعلهما على نسق واحد، فلم يقل: (فلا يستطيعون توصية ولا يرجعون إلى أهلهم). ولم يقل: (فلا توصية يستطيعون ولا إلى أهلهم يرجعون) ذلك أن ما قاله ربنا أعدل الكلام في هذا المقام. فإنه لو قال: (فلا توصية يستطيعون) فقدم المفعول على الفعل لكان نفي الاستطاعة خاصًّا بالتوصية وقد يستطيعون غيرها، كما تقول: (ما شعرًا قلت) أي قلت غيره، فإنك نفيت الشعر وأثبت غيره. ونحوه أن تقول: (ما زيدًا أكرمت) أي أكرمت غيره. أما هنا فنفى التوصية ولم يثبت غيرها فكان النفي أعم وأشمل. وقوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} نفى الرجوع إلى الأهل وأثبت الرجوع إلى غيرهم وهو الله، أي لا يرجعون إليهم بل إلينا. ولو قال: (ولا يرجعون إلى أهلهم) لنفي الرجوع إلى أهلهم ولم يثبت الرجوع إليه وهو غير مراد، ولكنه أراد إثبات الرجوع إليه سبحانه. وهذا التقديم نظير التقديم في قوله تعالى في السورة: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ}، ونظير التقديم في آخر السورة: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. هذا إضافة إلى ما تقتضيه خواتم الآية من هذا التقديم والتأخير. جاء في (التفسير الكبير) في هذه الآية: "فيه أمور مبينة للشدة، (أحدها) عدم الاستطاعة، فإن قول القائل: فلان في هذه الحال لا يوصي، دون قوله: لا يستطيع التوصية، لأن من يوصي قد يستطيعها. (الثاني) التوصية وهي بالقول، والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل، فقال لا يستطيعون كلمة، فكيف فعلا يحتاج إلى زمان طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟. (الثالث) اختيار التوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات، فإن وقت الموت الحاجة إلى التوصية أمس. (الرابع) التنكير في التوصية للتعميم، أي لا يقدر على توصية ما، ولو كانت بكلمة يسيرة، ولأن التوصية قد تحصل بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. (الخامس) قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} بيان لشدة الحاجة إلى التوصية؛ لأن من يرجو الوصول إلى أهله قد يمسك عن الوصية لعدم الحاجة إليها. وأما من يقطع بأنه لا وصول له إلى أهله فلابد له من التوصية، فإذا لم يستطع مع الحاجة دل على غاية الشدة. وفي قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وجهان: أحدهما: ما ذكرنا أنهم يقطعون بأنهم لا يمهلون إلى أن يجتمعوا بأهاليهم، وذلك يوجب الحاجة إلى التوصية. وثانيهما: أنهم إلى أهلهم لا يرجعون، يعني أنهم يموتون ولا رجوع لهم إلى الدنيا. ومن يسافر سفرا ويعلم أنه لا رجوع له من ذلك السفر ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى يأتي بالوصية" (۱). وجاء في (روح المعاني): "{وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} إذا كانوا في خارج أبوابهم بل تبغتهم الصيحة فيموتون حيثما كانوا ويرجعون إلى الله عز وجل لا إلى غيره سبحانه" (2). إن هذه الصيحة تأخذ الجميع، من كان في بيته وبين أهله ومن كان خارج بيته وليس بين أهله، فذكر الحالة الأشد وهي من كان بعيدا عن أهله وبيته. وناسب ذلك قوله: {وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي يختصمون في معاملاتهم وأموالهم. وهذا يشير إلى أنهم ليسوا مع أهلهم ولا في بيوتهم بل هم منشغلون بأمور الدنيا وصخبها، فناسب ذلك ما ذكر. ثم إنه بدأ بالأقرب وهو التوصية، فهذا أقرب إلى الشخص، وذلك أن يوصي من حوله، ثم الأبعد وهو الرجوع إلى الأهل. (1) التفسير الكبير 26/87. (2) روح المعاني 23/31. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 238 إلى ص 241. الوقفة كاملة
٥١٦ قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} يعني النفخة الثانية التي تبعث الموتى من قبورهم، أما النفخة الأولى فقد عبر عنها بالصيحة في قوله: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} والنفخة في الصور صيحة غير أنه عبر عنها بالنفخة مرة وبالصيحة مرة. وقد عبر عن الأمرين في سورة الزمر بالنفخة فقال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} {الزمر: 68}. وقد ذكرنا أنه عبر عن ذلك في (يس) بالصيحة لأنهم في حال اختصام وصخب، فذكر الصيحة التي تقطع الصخب والضجيج. وليس نحو ذلك في الزمر. فذكر أنه نفخ في الصور النفخة الثانية فإذا هم يخرجون من أجداثهم يسرعون إلى ربهم، ومعنى (ينسلون): يسرعون. وقد تقول: ولكنه قال في الزمر: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}، أليس في ذلك اختلاف؟. فنقول: ليس ثمة اختلاف وإنما هو تصوير مشهد يقتضيه السياق، وإيضاح ذلك: ١- أن قوله: (قيام) لا يناقض المشي، فالماشي قد يكون قائمًا وقد يكون غير قائم، كما قال تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {الملك: ۲۲}، وقال: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} {النور: 45}. ۲ - وحتى لو كانت الحالتان تختلف إحداهما عن الأخرى فقد ذكر إحدى الحالتين في موطن والأخرى في موطن آخر، كما تقول: (درسته تلميذًا صغيرًا فإذا هو طالب في الكلية) و(درسته تلميذًا صغيرًا فإذا هو أستاذ في الجامعة) و(درسته تلميذًا صغيرًا فإذا هو وزير للتربية) ولا ينافي أحدها الآخر. 3 - إن قوله: (من الأجداث) يشير إلى مكان بدء الانطلاق، فلا ينافي ذلك أن يكون قبل الانطلاق واقفًا أو جالسًا، كما تقول: (انطلق المتسابقون من المدرسة إلى المستشفى) فأنت ذكرت بدء الانطلاق ولم تذكر ما قبله، ولا يناقض ذلك أي وضع كانوا عليه. جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ}: "أي نفخ فيه مرة أخرى، كما قال تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} وفيه مسائل: (المسألة الأولى) قال تعالى في موضع آخر: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}، وقال ههنا: {فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} والقيام غير النسلان، وقوله في الموضعين (فإذا هم) يقتضي أن يكونا معًا، نقول: الجواب عنه من وجهين: (أحدهما): أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي القائم، ولا ينافي النظر. (وثانيهما): أن السرعة مجيء الأمور، كأن الكل في زمان واحد كقول القائل: مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا كجلمود صخرٍ حطَّه السيل من عَلِ" (۱) وجاء في (روح المعاني): "ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} لجواز اجتماع القيام والنظر والمشي، أو لتقارب زمان القيام ناظرين وزمان الإسراع في المشي" (۲). أما اختيار كل تعبير فذلك لمناسبة السياق الذي ورد فيه. فقد قال في الزمر {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} ذلك أنه ذكر الصعقة في النفخة الأولى فقال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} والصعقة تعني الغشية، وتعني الموت، فذكر في النفخة الثانية ما ينافي الغشية والموت فقال: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}. وقال في (يس): إنهم إلى ربهم ينسلون؛ ذلك لأنهم كانوا في النفخة الأولى ينسلون إلى الدنيا ويختصمون فيها وهم مجتمعون لشؤونها، فقد قال: {تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} والاختصام لا يكون إلا مع الاجتماع، فذكر في النفخة الثانية أنهم ينسلون إلى ربهم ويجتمعون للخصومة عنده، فناسب كل تعبير مكانه. لقد قال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} فعبر عن الحدث المستقبل بالفعل الماضي للدلالة على أنه محقق الوقوع بمنزلة ما مضى من الأحداث. ثم قال (فإذا) فجاء بالفاء مع (إذا) الفجائية، ذلك أن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب، أي يخرجون فجأة من دون تراخ أو مهلة من الوقت، ففي عقب النفخة مباشرة من دون تلبث يخرجون من الأجداث ينسلون إلى ربهم. ولم يأت بثم مع إذا الفجائية كما في قوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} {الروم: 20}، ذلك لأن (ثم) تفيد التراخي في الزمن، فبين أنه في عقب النفخة مباشرة يخرج الموتى من مراقدهم. وقال: {مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} فقدم (من الأجداث) وهو مبدأ النسلان، ثم ذكر بعده (إلى ربهم) وهو انتهاء الغاية، فقدم بدء الغاية وذكر النهاية بعده، وهو التعبير الطبيعي، وهو كما تقول: (انطلق من المكان الفلاني إلى السوق). وقدم الجارين والمجرورين على الفعل للاهتمام والقصر، فإنه أعجب شيء أن يخرج الميت من قبره مسرعا إلى غاية مرسومة له، فكيف تخرج هذه العظام النخرة والتراب المختلط مما هب ودب مسرعة تعدو إلى غايتها. وقد ذكر أن إسراعهم إنما هو إلى ربهم الذي هو مالك أمرهم وسيدهم لا إلى جهة أخرى، فهم ينسلون إلى ربهم حصرًا. واختيار لفظ (الرب) أنسب شيء ههنا، ذلك أن الخارجين من الأجداث قسمان: قسم أطاع ربه وسيده فهو ذاهب إلى ربه الذي أطاعه وهو الأرحم به، ذلك أنه هو الذي أنعم عليه في الدنيا وغذاه بالنعم، فهو أرحم به الآن وأكرم، وهو يلتجئ إليه كما يلتجئ العبد إلى سيده والضعيف إلى متولي أمره. وقسم عصى ربه الذي غذاه بالنعم وأساء إلى من أحسن إليه فهو يعاد إلى ربه الذي أحسن إليه وقابله بالإساءة، وشر الإساءة أن تسيء إلى من أحسن إليك، فهي شر إعادة وأسوأ رجعة. فكان ذكر الرب أنسب شيء ههنا. جاء في (التفسير الكبير): "الموضع موضع ذكر الهيبة، وتقديم ذكر الكافر ولفظ الرب يدل على الرحمة، فلو قال بدل الرب المضاف إليهم لفظًا دالًا على الهيبة هل يكون أليق أم لا؟. قلنا: هذا اللفظ أحسن ما يكون ؛ لأن من أساء واضطر إلى التوجه إلى من أحسن إليه يكون ذلك أشد ألمًا وأكثر ندمًا من غيره" (3). وجاء في (روح المعاني): "وذكر الرب للإشارة إلى إسراعهم بعد الإساءة إلى من أحسن إليهم حين اضطروا إليه" (4). وهذا الإسراع إلى ربهم لا اختيار لهم فيه وإنما هم أحضروا إليه إحضارًا، يدل على ذلك قوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ}. جاء في (التفسير الكبير): "وقوله: (محضرون) دل على أن كونهم (ينسلون) إجباري لا اختياري" (5). ثم لننظر من ناحية أخرى أنه ذكر في هذه الآية جهة الرجوع التي لم يذكرها في الآية السابقة، فقد قال في الآية السابقة: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وقد ذكرنا أن قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} يعني أنهم يرجعون إلى غير أهلهم. وهنا عين الجهة التي يرجعون إليها فقال: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} أي يرجعون إلى ربهم حصرًا. ومن هنا يتبين أن هذه الآية ارتبطت بالآية السابقة من جهتين: الجهة الأولى: أن قوله في الآية السابقة: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} لا يدل على أن تلك الصيحة أماتتهم تصريحًا، ذلك أنه قد يحال بين الحي والتوصية وبينه وبين الرجوع إلى أهله، فلا يستطيع توصية ولا يرجع إلى أهله، وذلك حال كثير من المساجين، فلما قال: (من الأجداث) علم من هذه الآية أنهم ماتوا. والجهة الأخرى: أنه ذكر جهة الرجوع، فإنه لما قال: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} ذكر في هذه الآية أنهم إلى ربهم ينسلون. فكان في هذه الآية توضيح ما حدث لهم وتعيين جهة الرجوع. فقوله: {مِنَ الْأَجْدَاثِ} مقابل قوله: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ......}. وقوله: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} مقابل قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}. وتقديم الجار والمجرور في قوله: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} نظير التقديم في قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}. إن هذه الآية نظير قوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} فإنها بينت الآية قبلها وهي قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. ففي كلتا الآيتين أعني قوله: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لم يصرح بما حصل، وإنما أشار إلى ذلك في الآية بعدها. وهو تناظر بديع. (1) التفسير الكبير 26/88. (2) روح المعاني 23/32. (3) التفسير الكبير 26/88. (4) روح المعاني 23/32. (5) التفسير الكبير 26/90. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 241 إلى ص 247. الوقفة كاملة
٥١٧ { قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا …. (52)} قال: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا} ولم يقل: (يقولون يا ويلنا) ذلك أنه لو قال: (يقولون) لكان الفعل حالًا للنسلان أي (ينسلون قائلين يا ويلنا)، كما نقول: (هو يقبل يبكي) و(يُدبر يسرع) فيكون القول عند النسلان، في حين أن القول قبل النسلان، فإنما قالوا ذلك في ابتداء بعثهم من القبور (1). جاء في (التفسير الكبير): "لو قال قائل: لو قال الله تعالى: (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا) كان أليق. نقول: معاذ الله، وذلك لأن قوله: {فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} على ما ذكرنا إشارة إلى أنه تعالى في أسرع زمان يجمع أجزاء ويؤلفها ويحييها ويحركها... فلو قال: (يقولون) لكان ذلك مثل الحال لينسلون أي ينسلون قائلين يا ويلنا، وليس كذلك، فإن قولهم: (يا ويلنا) قبل أن ينسلوا" (2). {يَا وَيْلَنَا} الويل هو الحزن والعذاب والهلاك، ومعنى (يا ويلنا) أنهم ينادون هلاكهم وعذابهم، أي احضر يا عذابنا و يا هلاكنا فهذا أوانك، كما يقول الناس: (يا مصيبتي) و(يا خراب بيتي) أي احضر فهذا وقتك وأوانك، قال تعالى في أصحاب النار: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} {الفرقان: 13 - ۱4}، أي قالوا: يا ويلاه، يا ثبوراه. جاء في (لسان العرب): "الويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه يا حزني و يا هلاكي و يا عذابي: احضر فهذا وقتك وأوانك، فكأنه نادي الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع" (3). وقد تقول: ولم قال: (يا ويلنا) ولم يقل: (يا ويلتنا) بالتاء؟ والجواب: أن الويل هو ما ذكرناه أي العذاب والحزن، أما الويلة فهي الفضيحة. ويؤتى بها في مواطن الفضيحة وذلك نحو قوله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} {الكهف: 49}. فقالوا: (يا ويلتنا) أي يا للفضيحة وهي فضيحة نشر الأعمال، فإن قسما من الأعمال كان يتستر منها فاعلها، فهو يفعلها في السر فإذا بالكتاب قد فضحها كلها. ولو تتبعنا مواطن استعمال الويلة بالتاء في القرآن الكريم لوجدناها كلها في مواطن الفضيحة، بخلاف مواطن الويل. قال تعالى: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} {هود: 72}. فقالت: (يا ويلتا) ذلك أن العجوز المسنة التي تلد وبعلها شيخ تشعر بأن ولادتها في مثل هذه السن فضيحة تخجل منها، ولذا قال تعالى في موطن آخر: {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} {الذاريات: 29}. وقال في ابن آدم الذي قتل أخاه ولم يعلم ماذا يفعل به ولا كيف يتخلص من الجثة وقد أعيته الحيلة {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} {المائدة: 31}. وهو موطن عجز فاضح، إذ كان أقل تفكيرًا وحيلة من الغراب. وقال: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} {الفرقان: 27 - 29}. وهذا موطن افتضاح في ضعف الشخصية وعجزها، فإن صاحبه استطاع أن يخدعه ويضله ويلغي تفكيره ويعبث بعقله وذلك دليل نقص وعجز. ولم يرد الويل في مثل هذه المواطن. قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} {الأنبياء: 12 – 15}. وقال: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} {الأنبياء: 46}. وقال: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} {الأنبياء: 97}. وقال: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} {يس: 52}. وقال: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ} {الصافات: 19 – 20}. وقال: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} {القلم: 30 - 31}. جاء في (لسان العرب): "الويل: حلول الشر، والويلة: الفضيحة والبلية. وقيل هو تفجع، وإذا قال القائل: واويلتاه، فإنما يعني وافضيحتاه، وكذلك تفسير قوله تعالى: {يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ} {الكهف: 49}" (4). و(المرقد) يحتمل المكان ويحتمل المصدر أي الرقاد، وهو بهذا المعنى أي بمعنى الرقاد تكون ضجعة القبر كالنوم بالنسبة إلى اليقظة، فيكون البعث يقظة والرقاد في القبر كالنوم. وقال: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} ولم يقل: (من بعثنا من أجداثنا) ليشمل المعنيين: المكان والمصدر. فهم قد بعثوا من الأجداث وبعثوا من رقدة الموت. جاء في (الكشاف): "عن مجاهد للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور قالوا: من بعثنا" (5). وجاء في (البحر المحيط): "المرقد استعارة عن مضجع الميت، واحتمل أن يكون مصدرًا، أي: من رقادنا، وهو أجود، أو يكون مكانًا فيكون المفرد فيه يراد به الجمع، أي من مراقدنا. وما روي عن أبي بن كعب ومجاهد وقتادة من أن جميع البشر ينامون نومة قبل الحشر فقالوا: هو غير صحيح الإسناد، وقيل: قالوا: (من مرقدنا) لأن عذاب القبر كان كالرقاد في جنب ما صاروا إليه من عذاب جهنم" (6). (1) روح المعاني 23/32. (2) التفسير الكبير 26/89. (3) لسان العرب (ويل) 14/265. (4) لسان العرب (ويل) 14/265. (5) الكشاف 2/560. (6) البحر المحيط 7/341، روح المعاني 23/32. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 247 إلى ص 251. * * * {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)} من المحتمل أن يكون هذا كلام الملائكة جوابًا عن سؤالهم، ويحتمل أن يكون هذا كلام المؤمنين، أو أن يكون كلام الكافرين (1)، فإنهم يعلمون أن المؤمنين كانوا يذكرون اليوم الآخر ويؤمنون به، فذكر ما علموه عن ذلك، وقد حذف القائل ليعم جميع الاحتمالات ويشمل كل من يصح منه القول. فإن قيل: إن قول الكفار: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} سؤال عن الذي بعثهم، وقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} ليس جوابًا عنه فكيف يصح ذلك؟ والجواب: أن قول الكفار: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} ليس سؤالًا حقيقيًا عن الذي بعثهم، وإنما هو سؤال تحسر وابتئاس وندم، يدل على ذلك قولهم: (يا ويلنا) فهم يعلمون على وجه اليقين أن الله هو بعثهم للحساب ولذا قالوا: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} فكان الجواب بما هو الأولى وهو تذكيرهم بالوعد الذي كان يوعدونه في الدنيا وما ذكرته الرسل وتقريعهم على ما فرط منهم ، ومع ذلك هو يتضمن الجواب عن الباعث وذلك قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} أي أن الرحمن هو الذي بعثكم. وهو نظير قولنا لرجل يقول متحسرًا مبتئسًا: كيف وصلت إلى هذه الحال؟ فنقول له: هذا بسوء عملك . وهو ليس جوابًا عن سؤاله، فإن سؤاله عن الحال والكيفية، والجواب كان عن السبب، فهو في الحقيقة جواب عن سؤال (بأي شيء حصل؟) أو: لم حصل هذا؟ فعدل إلى ما هو الأولى بالجواب. جاء في (الكشاف): "فإن قلت: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} سؤال عن الباعث فكيف طابقه ذلك جوابًا؟ قلت: معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم بالبعث وأنبأكم به الرسل، إلا أنه جيء به على طريقة سيئت بها قلوبهم ونعيت إليهم أحوالهم وذكروا كفرهم وتكذيبهم وأخبروا بوقوع ما أنذروا به، وكأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث، إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع، وهو الذي وعده الله في كتبه المنزلة على ألسنة رسله الصادقين" (2). وجاء في (التفسير الكبير): "إن قلنا: (هذا) إشارة إلى المرقد أو إلى البعث فجواب الاستفهام بقولهم: (من بعثنا) أين يكون؟ نقول: لما كان غرضهم من قولهم: (من بعثنا) حصول العلم بأنه بعث أو تنبيه، حصل الجواب بقوله: هذا بعث وعد الرحمن به ليس تنبيهًا. كما أن الخائف إذا قال لغيره: ماذا تقول أيقتلني فلان؟ فله أن يقول: (لا تخف) ويسكت لعلمه أن غرضه إزالة الرعب عنه و به يحصل الجواب" (3). وجاء في (روح المعاني): "وكان الظاهر أن يجابوا بالفاعل لأنه الذي سألوا عنه بأن يقال الرحمن أو الله بعثكم، لكن عدل إلى ما ذكر تذكيرًا لكفرهم وتقريعًا لهم عليه مع تضمنه الإشارة إلى الفاعل. وذكر غير واحد أنه من الأسلوب الحكيم على أن المعني: لا تسألوا عن الباعث فإن هذا البعث ليس كبعث النائم وإن ذلك ليس مما يهمكم الآن، وإنما الذي يهمكم أن تسألوا ما هذا البعث ذو الأهوال والأفزاع. وفيه من تقريعهم ما فيه" (4). و(ما) في قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} تحتمل أن تكون اسمًا موصولًا أي هذا الذي وعده الرحمن. ويحتمل أن تكون مصدرية أي هذا وعد الرحمن. أما الواو فتحتمل العطف على الجملة وتحتمل الحالية، أي وقد صدق المرسلون فيما أخبروا به. وجوزوا أيضًا أن تكون الواو عاطفة على الصلة، فإن كانت (ما) مصدرية كان التقدير: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين. وإن كانت اسمًا موصولًا كان المعنى: هذا الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون. جاء في (الكشاف): "فإن قلت: إذا جعلت (ما) مصدرية كان المعنى: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين، على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق، فما وجه قوله: {وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} إذا جعلتها موصولة؟ قلت: تقديره: هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون، بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون من قولهم: صدقوهم الحديث والقتال. ومنه: صدقني سن بكره" (5). وهذه الآية نظير قوله في سورة الأحزاب: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} {الأحزاب: 22}. إن هذه الآية بمقابل قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {يس: 48}. فهذا القول في الآخرة يقابل قولهم في الدنيا. فقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} {يس: 52} بمقابل قولهم في الدنيا: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ}. وقوله: {وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} بمقابل قولهم: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. والسخرية والاستهزاء بقولهم: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ ....} يقابله الندم والحسرة بقولهم: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا}. وقوله: {وَيَقُولُونَ} في الدنيا يقابل قوله: (قالوا) في الآخرة. ثم إن اختيار لفظ (المرسلون) هو المناسب لما تردد في السورة من ذكر المرسلين. ثم لننظر من ناحية أخرى أن ثمة سؤالين قد ذكرا وهما: السؤال الأول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ والسؤال الآخر: من بعثنا من مرقدنا؟ وأن قوله تعالى: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} جواب عن السؤالين معًا. فقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} جواب من جهة عن السؤال الأول، فقد سألوا: متى هذا الوعد؟ فقال: هذا هو. وجواب عن السؤال الآخر من جهة أخرى، فقد تضمن ذكر الباعث الذي بعثهم من المرقد وهو الرحمن. ثم إن هذه الآية مرتبطة أيضًا بقول أصحاب القرية: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}. فقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} رد على قولهم: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} فوعد الرحمن إنما يكون فيما أنزل. وقوله: {وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} رد على قولهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}. وهي مرتبطة أيضًا بقوله تعالى في أول السورة: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} {يس: 11 – 12}. فقد وعد الرحمن على لسان رسوله أن من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب له مغفرة وأجر كريم، ثم قال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا}. وقال ههنا: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}. فإنه أحيا الموتى وبعثهم من مرقدهم وصدق رسوله فيما بلغ. هذا إضافة إلى أنه تردد ذكر الرحمن في الآيتين. ثم لننظر من ناحية تعبيرية وهي أن كلمة (الوعد) في قوله: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} مصدر بمعنى اسم المفعول، أي الموعود به. جاء في (التفسير الكبير): "وقوله: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} أي متى يقع الموعود به" (6). وقد فسر بيوم القيامة وبالعذاب (7). فالمصدر الصريح في الآية بمعنى الذات. وقوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} إجابة عن المصدر وعن الذات. فإن كانت (ما) اسمًا موصولًا فهي بمعنى الذات فتكون إجابة عن الوعد الذي هو بمعنى الذات. وإن كانت (ما) مصدرية فقد أجاب بالمصدر المؤول وهو إجابة عن المصدر الذي هو الوعد. فجاء في (ما) ولم يأت بـ (الذي) ليشمل المعنيين معًا. ثم إنه جمع قوله: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} بين الوعد والصدق، كما في قوله تعالى: {وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} {الأحقاف: 16}. وأما اختيار لفظ (الرحمن) فله أكثر من سبب: منها: أنه إذا كان هذا قول المؤمنين فإنهم آثروا اسم الرحمن؛ لأن هذا وقت رحمته التامة بهم فإنه يدخلهم في رحمته كما قال تعالى: {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {آل عمران: 107}. وإذا كان قول الكافرين فإنهم آثروا اسم الرحمن طمعًا في رحمته. جاء في (روح المعاني): "في إيثارهم اسم الرحمن قيل: إشارة إلى زيادة التقريع من حيث إن الوعد بالبعث من آثار الرحمة، وهم لم يلقوا له بالًا ولم يلتفتوا إليه وكذبوا به ولم يستعدوا لما يقتضيه. وقيل: آثره المجيبون من المؤمنين لما أن الرحمة قد غمرتهم فهي نصب أعينهم... وقال ابن زيد: هذا الجواب من قبل الكفار على أنهم أجابوا أنفسهم، حيث تذكروا ما سمعوه من المرسلين عليهم السلام أو أجاب بعضهم بعضًا. وآثروا اسم الرحمن طمعًا في أن يرحمهم، وهيهات ليس لكافر نصيب يومئذ من رحمته عز وجل" (7). هذا مع أنه من الملاحظ في القرآن الكريم أن اسم الرحمن كثيرًا ما يذكر في مشاهد الآخرة وهذا منها. قال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} {مريم: 61}. وقال: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} {طه: 108}. وقال: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} {طه: 109}. وقال: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} {يس: 52}. وقال: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} {النبأ: 37}. وقال: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} {النبأ: 38}. وقال: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ} {مريم: 69}. وقال: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} {مريم: 85}. وقال: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} {مريم: 87}. وقال: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} {مريم: 93}. وقال: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} {الفرقان: 26}. هذا إضافة إلى أنه تردد اسم الرحمن في السورة أربع مرات وأن جو الرحمة شائع فيها. قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} {يس: 11}. وقال:{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ }{يس: 15}. وقال: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} {يس: 23}. وقال: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} {يس: 52}. وقال: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} {يس: 5}. وقال: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} {يس: 58}. وقال: {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} {يس:44}. وقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} {يس: 45}. وقد تقول: لقد أسند الفعل (وعد) إلى (الله) في مواطن من القرآن الكريم وذلك كقوله تعالى {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} {النساء: 95}. وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} {المائدة: 9}. وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَ} {التوبة: 68}. وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} {التوبة: 72}. وهنا أسند الفعل (وعد) إلى الرحمن فما الفرق؟ فنقول: إن كل سورة أسند فيها الفعل الماضي (وعد) إلى (الله) لم يذكر فيها اسم (الرحمن) وإن كانت طويلة كسورة النساء والمائدة والتوبة وغيرها من السور، وذلك في عشر سور من القرآن الكريم. وكل سورة أسند فيها الفعل (وعد) إلى (الرحمن) تكرر اسم الرحمن في السورة، وذلك في سورتي مريم و(يس). أما سورة مريم فقد تكرر فيها اسم الرحمن إحدى عشرة مرة، وأما سورة (يس) فقد تكرر فيها اسم الرحمن أربع مرات. فناسب هذا الاختيار من كل وجه. وقد تقول: وهل ثمة فرق بين ما أسند الوعد فيه إلى الله، وما أسند إلى الرحمن؟ فنقول: إن ما أسند فيه الوعد إلى الله مخصص بالمؤمنين أو بالكافرين فيقول مثلا: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ} أو {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} فهو وعد خاص. أما ما أسند فيه الوعد إلى الرحمن فهو وعد عام يشمل عموم العباد وذلك تحقيقًا للرحمة التي يحققها اسم الرحمن، قال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ} {مريم: 61}. فقد ذكر أنه وعد عباده على الإطلاق مع أن المقصود بعباده هؤلاء من تاب وآمن وعمل صالحًا كما في الآية السابقة، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} {مريم: 60 – 61}. وقال في سورة (يس): {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} فأطلق الوعد ولم يذكر الموعود من الخلق أهم المؤمنون أم الكافرون، فهو وعد عام على الإطلاق فلم يذكر مفعولاً لوعد، أما إسناده إلى الله فهو مخصص دائمًا وذلك في اثني عشر موضعًا من القرآن الكريم، فاتضح الفرق بينهما. وسبحان قائل هذا الكلام. (1) ينظر الكشاف 2/560. (2) الكشاف 2/590. (3) التفسير الكبير 26/90. (4) روح المعاني 23/33. (5) الكشاف 2/590. (6) التفسير الكبير 26/86. (7) البحر المحيط 7/340. (8) روح المعاني 23/32. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 251 إلى ص 260. الوقفة كاملة
٥١٨ {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53)} أي ما كانت النفخة المذكورة في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} إلا صيحة واحدة (1) فإذا هم مجموعون محضرون لدى رب العزة. وجاء بالفاء و(إذا) للدلالة على مفاجأة الجمع والإحضار بعد الموت والبلى وسرعته، فإن (إذا) تفيد المفاجأة، والفاء تدل على الحدوث بلا تراخ، واجتماعهما يدل على المفاجأة والسرعة. ومعنى (جميع) مجموعون، أي فإذا هم مجموعون. وقد تقول: ولم قال: (جميع) ولم يقل: (مجموعون) كما قال في مكان آخر من القرآن الكريم؟ فقد قال في سورة الواقعة: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} {الواقعة: 49 – 50}. وقال: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} {هود: 103}. والجواب: أن (جميع) تأتي بمعنيين - كما ذكرنا في آية سابقة - إما أن تكون بمعنى مفعول أي مجموعون، وإما أن تكون بمعنى مجتمعين وذلك نحو قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} {القمر: 44}، وقوله: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} {الشعراء: 56} أي مجتمعون. فجاء بـ (محضرون) ليدل على أنهم مجموعون لا مجتمعون، أي لم يجتمعوا باختيارهم. وأما (مجموعون) فهو يدل تنصيصًا على اسم المفعول، أي جمعوا جمعًا، ولذا لم يحتج إلى نحو (محضرون). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن (جميع) على زنة (فعيل) وهي بمعنى (مفعول) كما اتضح، وهذه الصيغة لا تقال إلا لما وقع فعلاً (2)، ولا تقال لما سيقع، أما صيغة (مفعول) فتقال لما وقع ولما لم يقع. فأنت لا تقول: (قتيل) إلا لمن قتل، ولا تقول: (طريد) إلا لمن طرد. أما مقتول ومطرود فيقال لمن قتل ولمن سيقتل، أي أن صيغة (مفعول) تحتمل الحال والاستقبال، بخلاف فعيل. وفي آية (يس) تحدث عن أحداث القيامة بصيغة ما وقع، فجاء بالصيغة التي تدل على الوقوع. أما آيتا الواقعة وهود فإنهما في سياق المستقبل فجاء بهما على مفعول. قال تعالى في الواقعة: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ} {الواقعة: 49}، فقد أمر الرسول أن يبلغهم بقوله: (قل) وهذا يدل على أن الكلام في الدنيا، وسياق الآيات واضح في ذلك. وقال في هود: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} {هود: 103 – 105}. فقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ} يدل على أنهم في الدنيا. وكذلك قوله: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ}، وقوله: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} فكل ذلك يدل على أن الكلام على المستقبل. فاتضح الفرق. ويدل (لدينا) على الحضور والقرب، وهو أخص من (عندنا)، فإن (عند) قد تكون للحاضر والغائب. فأنت تقول: (عندي مال) وإن كان غائبًا، ولا تقول (لدي) إلا إذا كان حاضرًا قريبًا (3). وتقديم (لدينا) يدل على القصر، أي محضرون لدينا لا لدى غيرنا كما مر بيان ذلك. (1) ينظر التفسير الكبير 26/90، فتح القدير 4/363. (2) كتاب سيبويه 2/213، أدب الكاتب 228، المخصص 16/156. (3) ينظر الهمع 1/202، شرح ابن يعيش 4/100، شرح الرضي على الكافية 2/128. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 260 إلى ص 262. الوقفة كاملة
٥١٩ {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)} فاليوم، أي يوم القيامة الذي يحضر فيه الجميع للحساب لا تظلم نفس شيئًا. نكر النفس ليشمل كل نفس برة كانت أو فاجرة (1)، فالتنكير أفاد العموم، ونفى الظلم على الإطلاق، فليس في ذلك اليوم من ظلم، كما قال تعالى: {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} {غافر: 17}. و(شيئًا) يحتمل معنيين: يحتمل المصدرية، أي لا تظلمون شيئًا من الظلم وإن قل. ويحتمل المفعول به، أي لا تظلمون شيئًا من الأشياء (2). وهذان المعنيان مرادان معًا، فلا تظلم نفس شيئًا من الظلم، ولا شيئًا من الأشياء، ولذا أطلق كلمة (شيء) ولم يقيدها. (1) ينظر روح المعاني 23/33. (2) ينظر روح المعاني 23/33 – 34. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 263 إلى ص 263. * * * {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بعدما نفى الظلم عن الجميع التفت إلى المخاطبين فقال: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} خطاب للكافرين، ذلك أن المؤمن يجزي أضعاف ما كان يعمل، أما الكافر فلا يجزى إلا ما كان يعمل. وقيل: بل إن الخطاب عام؛ لأن المقصود به الجنس، بمعنى أن الجزاء من جنس العمل إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، فلا يجزى العمل السيء بالجزاء الحسن، ولا العمل الحسن بالسيء. جاء في (التفسير الكبير): "فقوله: {لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ} ليأمن المؤمن. {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} لييأس المجرم الكافر. وفيه مسائل: (المسألة الأولى): ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم بقوله: (ولا تجزون)، وترك الخطاب في الإشارة إلى أمان المؤمن من العذاب بقوله: (لا تظلم) ولم يقل: (ولا تظلمون أيها المؤمنون)؟ نقول لأن قوله: {لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} يفيد العموم، وهو كذلك فإنها لا تظلم أبدًا. (ولا تجزون) مختص بالكافر، فإن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصًا بالمؤمن وعدلًا عامًا، وفيه بشارة. (المسألة الثانية): ما المقتضي لذكر فاء التعقيب؟ نقول لما قال: (محضرون) مجموعون، والجمع للفصل والحساب، فكأنه تعالى قال: إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للفصل بالعدل، فلا ظلم عند الجميع للعدل، فصار عدم الظلم مترتبًا على الإحضار للعدل، ولهذا يقول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل فلا تظلم، أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه. (المسألة الثالثة): لا يجزون عين ما كانوا يعملون، بل يجزون بما كانوا يعملون أو على ما كانوا، وقوله: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} يدل على أن الجزاء بعين العمل. لا يقال: (جزى) يتعدى بنفسه وبالباء، يقال: جزيته خيرًا وجزيته بخير؛ لأن ذلك ليس من هذا، لأنك إذا قلت: (جزيته بخير) لا يكون الخير مفعولك، بل تكون الباء للمقابلة والسببية، كأنك تقول: جزيته جزاء بسبب ما فعل. فنقول: الجواب عنه من وجهين: (أحدهما) أن يكون ذلك إشارة على وجه المبالغة إلى عدم الزيادة، وذلك لأن الشيء لا يزيد على عينه، فنقول قوله تعالى: (يجزون بما كانوا يعملون) في المساواة كأنه عين ما عملوا، يقال: فلان يجاوبني حرفًا بحرف. أي لا يترك شيئًا، وهذا يوجب اليأس العظيم. (الثاني) هو أن (ما) غير راجع إلى الخصوص وإنما هي للجنس، تقديره: ولا تجزون إلا جنس العمل، أي: إن كان حسنة فحسنة، وإن كانت سيئة فسيئة، فتجزون ما تعملون من السيئة والحسنة، وهذا كقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} {الشورى: 40}" (1) وجاء في (روح المعاني): "واستظهر أبو حيان أن الخطاب يعم المؤمنين بأن يكون الكلام إخبارًا من الله تعالى عما لأهل المحشر على العموم كما يشير إليه تنكير (نفس) واختاره السكاكي. وقيل: عليه يأباه الحصر؛ لأنه تعالى يوفي المؤمنين أجورهم ويزيدهم من فضله أضعافًا مضاعفة. ورد بأن المعنى أن الصالح لا ينقص ثوابه، والطالح لا يزاد عقابه؛ لأن الحكمة تأبى ما هو على صورة الظلم، أما زيادة الثواب ونقص العقاب فليس كذلك. أو المراد بقوله تعالى: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أنكم لا تجزون إلا من جنس عملكم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر" (2). والتحقيق في الأمر أنه يعبر عن نحو ذلك بتعبيرين: (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون)، (ولا تجزون إلا بما كنتم تعملون) وكل له معنى. فالتعبير الأول يحتمل معنيين: المعنى الأول: هو أنكم تجزون بمقدار ما كنتم تعملون، أي لا يزيد الجزاء عن العمل ولا ينقص. والمعنى الآخر: هو أنكم تجزون من جنس عملكم إن كان عملكم خيرًا فالجزاء خير، وإن كان شرًا فالجزاء شر، كقوله : "الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر". وأما التعبير الثاني وهو قولنا: (ولا تجزون إلا بما كنتم تعملون) فالباء فيه تفيد السبب، ولا يقتضي أن يكون الجزاء بمقدار العمل، بل ربما زاد عليه، ففي قولك: (عاقبتك بفعلتك) قد تكون العقوبة شديدة وهي أكبر مما تقتضيه الفعلة. وتقول (أكرمتك بحسن إجابتك أو بحسن تصرفك) فقد يكون الإكرام أكبر بكثير من عمله، فلا يقتضي ذلك مساواة الجزاء للعمل، بل قد يكون مساويًا له، وقد يكون غير مساو له. ولم يرد في القرآن الكريم: (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) ونحوه من التعبيرات في خطاب المؤمنين البتة، وإنما ورد ذلك في خطاب الكافرين أو الخطاب لعموم الخلق. فأما في خطاب الكافرين فتكون العبارة بمعنييها معًا، وهو أنه لا يجزون إلا بمقدار ما كانوا يعملون ومن جنس ما كانوا يعملون. وأما في خطاب عموم الخلق فالراجح أنه يعني الجنس؛ أي: إنما تجزون من جنس عملكم، بدليل استثناء المؤمنين من المعنى الأول، فإن جزاءهم أكبر من عملهم. أما الجزاء بالباء فيكون للمؤمنين والكافرين، قال تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} {النجم: 31}. فكلاهما جعل جزاءه بالباء، لكنه قال في الكافرين إنه يجزيهم بما عملوا، وأما المؤمنون فذكر أنه يجزيهم بالحسنى وليس بما عملوا. وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {الأعراف: 147}. وقال: {وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {سبأ: 33}. وقال: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {الأعراف: 180}. وقال: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {النمل: 90}. وقال: {إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {الصافات: 38 – 39}. وقال: {اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {الطور: 16}. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {التحريم: 7}. فأنت ترى أن الخطاب كله للكافرين. وقال نحو ذلك في عموم الخلق فقد قال تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} {إبراهيم: 51}. وقال: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {الجاثية: 28}. أما في المؤمنين فقد ذكر أنه يوفيهم أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ولم يقل إنه يجزيهم ما كانوا يعملون. قال تعالى: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {التوبة: 121}. وقال: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} {النور: 38}. وهذه بشارة عظيمة، وقد أخبرنا ربنا أن الذي يعمل السيئة لا يجزي إلا مثلها، أما الحسنة فتجزي بعشر أمثالها، أو تجزي بخير منها. قال تعالى: { مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} {غافر: 40}، وقال: {فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {القصص: 84}. وقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} {الأنعام: 160}. وقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ} {النمل: 89}. وأما التعبير بالباء فيرد للمؤمنين والكافرين كما ذكرنا. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {النحل: 97}. وقال: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} {الزمر: 35}. فهذا في المؤمنين. وقال في الكافرين: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} {الأنعام: 120}. وقال: {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} {الأنعام: 157}. فاتضح الفرق بين التعبيرين. ونعود إلى آية (يس) وهي قوله: {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فقد ذكرنا أنه التفت إلى المخاطبين بعدما ذكر العموم، ولم يقل: (فاليوم لا تظلم نفس شيئًا ولا تجزى إلا ما كانت تعمل) وذلك أن الظلم منفي عن أن يوقع بكل نفس على جهة العموم فلا تظلم نفس شيئًا. ولو قال: (ولا تجزي إلا ما كانت تعمل) لاحتمل أن يكون المعنى أنه لا تجزي أي نفس إلا بمقدار ما كانت تعمل، وهذا المعنى غير صحيح ولا مراد، إذ قد تجزي نفس بأضعاف ما كانت تعمل، وهي نفوس المؤمنين على العموم، فالتفت إلى المخاطبين ليخبرهم بما أخبر ويحذرهم من مغبة أعمالهم. فقوله تعالى: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} قد يكون مقصودًا به الكفار خصوصًا، ولهذا المعنى ما يرجحه، ذلك أن الآية وقعت في سياق الكلام على الكفار وذلك ابتداء من قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} إلى هذه الآية. ويرجح ذلك أيضًا قوله بعد البعث: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} فيكون هذا التعبير مقصودًا بمعنييه، أي أنكم لا تجزون إلا بمقدار ما كنتم تعملون ومن جنسه. وقد يكون مرادًا به العموم، فيكون المقصود به أنكم لا تجزون إلا من جنس أعمالكم. فكان الالتفات في نحو هذا أولى. وقد تقول: لقد قدم نفي الظلم على الجزاء في هذه الآية. وفي آية أخرى قدم الجزاء على نفي الظلم فقال: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} {غافر: 17}. فما السبب؟ فنقول: إن جو سورة (يس) وسياق الآيات فيها إنما هو في العلاقات بين أفراد المجتمع وظلمهم لبعضهم، فقد ذكر قبل هذه الآيات ظلم أصحاب القرية للمرسلين، وقتلهم الرجل الصالح ظلمًا، وذكر ظلم الموسرين للفقراء بأن منعوهم حقهم، ثم ذكر أن الصيحة تأخذهم وهم يختصمون فيما بينهم. فقدم نفي الظلم الذي يقع بين العباد على العمل الذي هو عام، ويدخل فيه الظلم وغيره. وأما في غافر فلم يرد ما يتعلق بعلاقة الفرد بالمجتمع وتظالمهم فيما بينهم، بل الكلام فيها على العقيدة. وليس في السورة موطن واحد ذكر فيه ظلم العبد للعبد، حتى أنه في الآية الخامسة وهي قوله: { وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ}لم يذكر الأخذ وإنما ذكر الهم بالأخذ. فناسب تقديم الجزاء على نفي الظلم، والله أعلم. (1) التفسير الكبير 26/90 – 91. (2) روح المعاني 23/34 وينظر البحر المحيط 7/341. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 263 إلى ص 270. الوقفة كاملة
٥٢٠ {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} * * * يصح أن يكون هذا الكلام من جملة ما يقال للكفار، وهو تتمة للكلام السابق، فقد قيل لهم: {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ثم ذكر لهم عن أصحاب الجنة فقال: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} وذلك زيادة لحسرتهم بأن يروا ما أعد لهم من أنواع العذاب ويخبروا بنعيم أهل الجنة. كما يصح أن يكون هذا استئناف كلام جديد وإخبارا عاما لنا عن أصحاب الجنة ونعيمهم لنقتدي بسيرتهم. فهو على تقدير كونه خطابًا للكافرين يوم القيامة يكون تنديمًا لهم وزيادة في حسرتهم. وعلى تقدير كونه إخبارًا لنا عن نعيمهم في ذلك اليوم يكون باعثًا لنا لنكون منهم. وقد صيغ هذه الصيغة الاحتمالية لتحتمل الأمرين، فهو من ناحية تنديم للكافرين يوم القيامة، وهو من ناحية أخرى حث لأهل الدنيا، فجمع بين الأمرين. ولو خاطب أصحاب الجنة قائلاً: (يا أصحاب الجنة إنكم اليوم في شغل فاكهون ...) كما خاطب الكافرين بقوله: {وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}لم يجمع هاتين الفائدتين. جاء في (روح المعاني): «قوله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} على تقدير كون الخطاب السابق خاصًا بالكفرة من جملة ما سيقال لهم يومئذ زيادة لحسرتهم وندامتهم، فإن الإخبار بحسن حال أعدائهم إثر بيان سوء حالهم مما يزيدهم مساءة على مساءة، وفي حكاية ذلك مزجرة لهؤلاء الكفرة عما هم عليه ومدعاة إلى الاقتداء بسيرة المؤمنين. وعلى تقدير كونه عامًا ابتداء كلام وإخبار لنا بما يكون في يوم القيامة إذا صار كل إلى ما أعد لهم من الثواب والعقاب" (1). لقد أخبر عن أصحاب الجنة بأنهم في شغل، والشغل هو الأمر الذي يشغل المرء عما سواه فلا يلتفت إلى غيره إما لكونه موجبًا للمسرة أو للمساءة. ولما قال: (فاكهون) علم بأنهم مشغولون بالنعيم فلا يعنيهم أمر أهل النار، ولا أهوال يوم القيامة، ولا غير ذلك من الأمور. ونكر الشغل ليدل على أن هذا الشغل ليس مما نعهد من الشغل ولا مما نعرف وإنما هو شغل آخر، يكفي أن يقال: إنهم فاكهون فيه. ولا يحسن التعريف ههنا؛ لأن الشغل المذكور غير معلوم ولا معروف، فأنت إذا سألت شخصًا: أين أبوك؟ فقال لك: هو في الشغل، دل ذلك على أنه في الشغل المعهود الذي يشغله كل يوم أو مما يشغله في العادة. فإن قال لك: هو في شغل، علمت أنه ليس في شغله المعهود، وإنما هو شغل آخر طرأ له ولا تعلم أهو شغل في خير أم في مساءة، فقال تعالى: إنهم فاكهون في شغلهم. جاء في (التفسير الكبير): "قوله: (في شغل) يحتمل وجوها: (أحدها): في شغل عن هول اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب، فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب، وقوله: (فاكهون) يكون متممًا البيان سلامتهم، فالله لو قال: (في شغل) جاز أن يقال هم في شغل عظيم من التفكر في اليوم وأهواله، فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره ويخبر بخسران وقع في ماله يقول: أنا مشغول عن هذا بأهم منه. فقال: (فاكهون) أي شغلوا عنه باللذة والسرور، لا بالويل والثبور. و(ثانيها): أن يكون ذلك بيانًا لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء، بل يكون معناه: هم في عمل، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق، بل هو ملذ محبوب" (2). وجاء في (روح المعاني): "والشغل هو الشأن الذي يصد المرء ويشغله عما سواه من شؤونه لكونه أهم عنده من الكل، إما لإيجابه كمال المسرة أو كمال المساءة، والمراد ههنا هو الأول، وتنكيره للتعظيم، كأنه شغل لا يدرك كنهه، والمراد به ما هم فيه من النعيم الذي شغلهم عن كل ما يخطر بالبال... وأفرد الشغل باعتبار أنه نعيم، وهو واحد بهذا الاعتبار" (3). إن هذا التعبير يحتمل أن يكون قد أخبر عن أصحاب الجنة بخبرين وهما: أنهم في شغل وأنهم فاكهون، فيكون (في شغل) خبرًا أول و(فاكهون) خبرًا ثانيًا على النحو الآتي: إن أصحاب الجنة (في شغل)، (فاكهون). كما يحتمل أن يكون الخبر هو (فاكهون) و(في شغل) متعلقًا به، أي أنهم فاكهون في الشغل. أي: أن أصحاب الجنة (فاكهون في الشغل) أي متمتعون بالشغل. وبهذا جمع عدة معان وهي: أنهم في شغل، وأنهم فاكهون على العموم، سواء كان ذلك في الشغل أم في غيره، وأنهم فاكهون في الشغل. إنه يصح في العربية أن يقال: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهين) فيكون الخبر في شغل)، و(فاكهين) حالًا من الجار والمجرور، غير أن ما قاله أولى؛ ذلك لأنه لو قالها بالنصب لكان المعنى أنهم فاكهون عند شغلهم فيكون التمتع في الشغل، أما في غيره فهو مسكوت عنه، فقد يكونون فاكهين أو غير فاكهين. فجاء به مرفوعًا ليعم ذلك كل الأحوال والأوقات. جاء في (روح المعاني): "والجار مع مجروره متعلق بمحذوف وقع خبرًا لان، و(فاكهون) خبر ثان لها، وجوز أن يكون هو الخبر و(في شغل) متعلق به أو حال من ضميره... والتعبير عن حالهم هذه بالجملة الاسمية قبل تحققها لتنزيل المترقب المتوقع منزلة الواقع للإيذان بغاية سرعة تحققها ووقوعها، وفيه على تقدير خصوص الخطاب زيادة المساءة المخاطبين" (4). ومعنى (فاكهون): متنعمون متمتعون متلذذون بما يحصل لهم (5). يقال: (تفكهت بالشيء) أي تمتعت به (6). وقد قدم (في شغل) على (فاكهون) للاهتمام وذلك لبيان أنهم في الشغل فاكهون، إذ من المعتاد أن يتفكه الإنسان في الراحة من الشغل لا في الشغل، فذكر أنهم في شغل فاكهون، إذ إن هذا الشغل ليس كالأشغال الأخرى التي ترهق المرء وتضنيه. هذا في الشغل فكيف في غيره مما يتفكه فيه الإنسان؟! (1) روح المعاني 23/34. (2) التفسير الكبير 26/91. (3) روح المعاني 23/34. (4) روح المعاني 23/34. (5) الكشاف 2/591. (6) لسان العرب (فكه) 17/420. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 270 إلى ص 274. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 511 إلى 520 من إجمالي 1052 نتيجة.