| ٣٦٧١ |
{وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)}
الحسنى صفة، وهي تأنيث (الأحسن) كالعليا تأنيث الأعلى. وهي وصف مطلق لم يذكر له موصوف معين، ولذا هي تشمل كل ما هو الأحسن مما ينبغي التصديق به ولا تختص بشيء معين.
وقد اختلفت أقوال المفسرين في المقصود بهذا الوصف، فقال ابن عباس وجماعة: إنه الخلف في الدنيا الوارد به وعد الله تعالى لقوله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39] وقال مجاهد والحسن وجماعة: الجنة، وقال جماعة: الثواب. وقال السلمي وغيره: لا إله إلا الله (1).
وجاء في (فتح القدير) أن التصديق بالحسنى هو التصديق "بموعود الله الذي وعده أن يثيبه" (2). وقال القفال: "وبالجملة إن الحسنى تسع كل خصلة حسنة" (3).
والإطلاق ظاهر في الآية، فلا ينبغي تخصيصها بأمر واحد مما ذكروه، بل هي: تشمله وتشمل كل ما هو أحسن مما ينبغي التصديق به كما ذكرت.
جاء في (روح المعاني): "ويترجح عندي أن الإعطاء إشارة إلى العبادة المالية، والاتقاء إشارة إلى ما يشمل سائر العبادات من فعل الحسنات وترك السيئات مطلقًا.
والتصديق بالحسنى إشارة إلى الإيمان بالتوحيد أو بما يعمه وغيره مما يجب الإيمان به" (4).
وقد قدم العطاء على الاتقاء، وقدم الاتقاء على التصديق بالحسنى لأكثر من سبب ؛ فأما تقديم العطاء فقال فيه المفسرون إنه لكونه سبب النزول، ذلك أن سبب النزول كان في شخص أعطى ماله في سبيل الله، وأجمعوا على أنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وذهب الشيعة إلى أنه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (5). ونحن لا يعنينا هنا تعيين الشخص من هو، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن اللفظ يشمل كل من اتصف بالصفات التي ذكرها ربنا سبحانه، وأبو بكر وأبو الحسن كلاهما مشمولان بهذا الوعد الحسن. وعلى أية حال فإن سبب النزول كان في شخص أعطى ماله في سبيل الله، فكان تقديم العطاء أنسب لكونه سبب النزول.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن جو السورة شائع فيه المال وإعطاؤه أو البخل به، فقد جاء فيها قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} وهو أظهر في المال. ومقابله {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى}، وقوله: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}، وقوله: {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} فالمال وإنفاقه أو البخل فيه هو الشائع في السورة، فناسب تقديم العطاء.
والعطاء هو المفضول فيما ذكر من الصفات، ثم ذكر بعده ما هو أفضل منه وهو قوله: {وَاتَّقَى} وهو أفضل من العطاء، والعطاء في سبيل الله إنما هو من الاتقاء. قال : "اتقوا النار ولو بشق تمرة". ثم ذكر بعده ما هو أفضل منه، وهو التصديق بالحسنى، وهو أفضل من كل ما ذكر؛ لأنه رأس الإسلام، ومن كذب بالحسنى فلا ينفعه شيء مهما عمل، والإعطاء والاتقاء إنما هما من التصديق بالحسنى، فترقى من المفضول إلى الأفضل.
وهو أيضًا متدرج من الأخص إلى الأعم، فإن العطاء أخص من الاتقاء، والاتقاء أخص من التصديق بالحسنى، فكل معطٍ في سبيل الله متقٍ، وكل متقٍ مصدق بالحسنى، فالمصدق بالحسنى يشمل المتقي وغيره، والمتقي يشمل المعطي وغيره، فهو تدرج من الخصوص إلى العموم.
وهناك أمر آخر حسن هذا الترتيب، وهو أنه تقدم قبله قوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} والعطاء من السعي، وهو أظهر الخصال المذكورة فيه. ويليه الاتقاء، فإن فيه جانب سعي وجانب ترك وقعود.
وأما التصديق بالحسنى فإنه ليس بسعي، وإنما هو اعتقاد قلبي وتصديق، والمصدق بالحسنى قد يكون قاعدًا، فقدم ما هو ألصق بالسعي، ورتب المذكورات بحسب قربها وبعدها منه، فكان هذا الترتيب أنسب شيء.
وهناك أمر آخر في أولوية هذا الترتيب، ذلك أنه قال قبله: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} ومن الذكر والأنثى يكون المجتمع، فقدم ما هو أهم بالنسبة إلى المجتمع وهو العطاء، فإنه أولى ما يقدمه الفرد، إذ على الفرد أن يكون معطيًا لا آخذًا على الدوام، فأول دعامة في بناء المجتمع وتطوره وتقدمه وازدهاره هو العطاء له، وهو يعني التكافل والتآزر والتعاون وما إلى ذلك من خلال الخير.
والـدعـامـة الأخـرى وهي الاتقاء، وهو أن يحذر الإساءة إلى الآخرين، وأن يحذر ما يدعو إلى الإساءة إليه فيكون لبنة صالحة تحفظ المجتمع الذي يعيش فيه. والاتقاء له جانبان: أن يقي نفسه ويحفظها من الغوائل التي قد تقع عليه، وأن يقي المجتمع مما قد يقع عليه منه أو من غيره، ولذا أطلق الاتقاء والله أعلم.
والدعامة الأخرى وهي التصديق بالحسنى، وذلك من صفات المجتمع المؤمن، وهي من ألزم الأمور لتماسك المجتمع وقوته. فالمصدق بالحسنى يكون مؤثرًا لغيره على نفسه، غير مفرط في حقوق الآخرين، ويكون معطيًا متقيًا.
إن الصفة الأولى - وهي العطاء - صفة اجتماعية محضة، ثم تليها الثانية وهي الاتقاء، ثم الثالثة وهي الإيمان، وهذه أقرب إلى الفردية، لأنها اعتقاد شخصي وإن كانت آثارها تعود على المجتمع، فكان هذا التقديم أنسب شيء ههنا.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 173 إلى ص 176.
(1) البحر المحيط 8/483.
(2) فتح القدير 5/440.
(3) التفسير الكبير 31/199.
(4) روح المعاني 30/148.
(5) انظر التفسير الكبير 31/204.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٧٢ |
{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)}
اليسرى صفة، وهي اسم تفضيل مؤنث الأيسر، كالحسنى مؤنث الأحسن، والكبرى مؤنث الأكبر. وقد ذكر الصفة ولم يذكر لها موصوفا لقصد الإطلاق، نظير (الحسنى) فيما مر.
وقالوا في (اليسرى) أقوالًا: فقد قيل إنها الجنة، وقيل: إنها عمل الخير، وقيل: المراد أن يسهل عليه كل ما كلف: به من الأفعال والمتروك.
قال القفال: "ولكل هذه الوجوه مجاز من اللغة؛ وذلك لأن الأعمال بالعواقب، فكل ما أدت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة فإن ذلك من اليسرى، وذلك وصف كل الطاعات" (1).
وجاء في (البحر المحيط) أن معنى {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} أي "نهيئه للحالة التي هي أيسر عليه وأهون، وذلك في الدنيا والآخرة" (۲).
وجاء في (فتح القدير) أن معنى {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} أي "فسنهيئه للخصلة الحسنى وهي عمل الخير، والمعنى: فسنيسر له الإنفاق في سبيل الخير والعمل بطاعة الله" (۳).
والحق - والله أعلم - أن ذلك يفيد الإطلاق، وأن التيسير لليسرى عام في كل خير في الدنيا والآخرة، ما ذكر وما لم يذكر.
أما دخول السين على الفعل فلأنه وعد مؤكد سيحصل لمن فعل ذلك، لأن السين تفيد الاستقبال والتوكيد. جاء في (تفسير الرازي): "أن الثواب لما كان أكثره واقعا في الآخرة، وكان ذلك مما لم يأت وقته.
ولا يقف أحد على وقته إلا الله لا جرم دخله تراخ، فأدخلت السين، لأنها حرف التراخي، ليدل بذلك على أن الوعد آجل غير حاضر والله أعلم" (4).
وجاء في (روح المعاني): "والسين في (سنيسره) قيل: للتأكيد، وقيل: للدلالة على أن الجزاء الموعود معظمه يكون في الآخرة التي هي أمر منتظر متراخ" (5).
ولا شك أن السين تفيد الاستقبال، والراجح أنها تفيد معه التأكيد.
وقد حذف السين من الفعل مع الرسول الكريم؛ لأن أمره ميسر على كل حال وعلى سبيل الدوام لا يختص ذلك بوقت دون وقت. قال تعالى:
{وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} [الأعلى: 8] ولو قال: (سنيسرك) لكان وعدًا بالتيسير في الاستقبال دون الحال وهو غير مراد.
وارتباط المتعاطفات بالتيسير أجمل ارتباط وأحسنه، ذلك أن التيسير لليسرى على اختلاف ما قيل فيه يدور على ثلاثة محاور:
الأول: أن يهيئ الله العبد لييسر على الآخرين أمورهم، ويمشي في حاجاتهم، ويعين المحتاج، ويغيث أصحاب اللهفة.
والآخر: أن تكون أموره ميسرة وأفعاله ميسرة فتسهل عليه الأمور وتقضى له الحاجات ويجعل الله له من كل ضيق مخرجًا.
والثالث: التيسير عليه في الآخرة حتى يدخله الجنة بيسر. وهذه كلها داخلة في قوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}.
وارتباط المتعاطفات بهذا الوعد أجمل ارتباط وأحسنه في كل معانيه، فقوله: (أعطى) مرتبط بالمعنى الأول، ذلك أن من يعطي بيسر على الآخرين ويرفع عنهم عسرهم ويقضي حاجاتهم، فيكون قد يسره الله لليسرى بهذا المعنى.
وقوله: (اتقى) مرتبط بالمعنى الثاني، ذلك أنه من يتق الله يجعل له من أمره يسرًا، ويجعل له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا. قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4]، وقال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3].
وقوله: {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} مرتبط بالمعنى الآخر، فمن صدق بالحسنى جعل الله له العاقبة الحسنى، وأدخله الدار الحسنى، ويسر له دخول الجنة. قال تعالى: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى} [الرعد: 18].
جاء في (التبيان في أقسام القرآن): "ذكر للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب:
أحدها: إعطاء العبد، وحذف مفعول الفعل إرادة للإطلاق والتعميم، أي اعطى ما أمر به وسمحت به طبيعته وطاوعته نفسه، وذلك يتناول إعطاءه من نفسه الإيمان والطاعة والإخلاص والتوبة والشكر وإعطاءه الإحسان والنفع بماله ولسانه وبدنه ونيته وقصده ... السبب الثاني: التقوى، وهي اجتناب ما نهى الله عنه، وهذا من أعظم أسباب التيسير. وضده من أسباب التعسير. فالمتقي ميسرة عليه أمور دنياه وآخرته، وتارك التقوى وإن يسرت عليه بعض أمور دنياه تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه من التقوى ...
وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] فأخبر أنه ييسر على المتقي ما لا ييسر على غيره، وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 – 3] وهذا أيضًا ييسر عليه بتقواه ...
السبب الثالث: التصديق بالحسنى، وفسرت بلا إله إلا الله، وفسرت بالجنة، وفسرت بالخلف، وهي أقوال السلف. واليسرى صفة لموصوف محذوف، أي الحالة والخلة اليسرى ...
وحقيقة اليسرى أنها الخلة والحالة السهلة النافعة الواقعة له، وهي ضد العسرى، وذلك يتضمن تيسيره للخير وأسبابه، فيجري الخير وييسر على قلبه ويديه ولسانه وجوارحه، فتصير خصال الخير وأسبابه ميسرة عليه، مذللة له، منقادة لا تستعصي عليه ولا تستصعب؛ لأنه مهيأ له ميسر لفعلها" (6).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 177 إلى ص 180.
(1) انظر التفسير الكبير 31/199.
(2) البحر المحيط 8/483.
(3) فتح القدير 5/440.
(4) التفسير الكبير 31/201.
(5) روح المعاني 30/149.
(6) التبيان في أقسام القرآن 37 – 41.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٧٣ |
{وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}
قابل الصفات الثلاث المذكورة آنفا بهذه الصفات الثلاث:
فقوله: {مَنْ بَخِلَ} يقابل {مَنْ أَعْطَى}.
وقوله: {وَاسْتَغْنَى} يقابل {وَاتَّقَى} فإن المستغني لا يحذر شيئًا. والاستغناء مدعاة إلى الطغيان. قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7].
وقوله: {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} يقابل {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}.
وقوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} يقابل {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}.
وهذه الصفات متقابلة تقابل الليل والنهار اللذين أقسم بهما في أول السورة.
ومعنى {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}: أننا سنسهل له العمل بالشر، وأن نجريه على يديه حتى تتعسر عليه أسباب الخير ويضعف عن فعلها، حتى يصير إلى النار وهي العاقبة العسرى، كما أن الجنة هي اليسرى" (1).
جاء في (التبيان في أقسام القرآن) "التيسير للعسرى يكون بأمرين: (أحدهما): أن يحول بينه وبين أسباب الخير، فيجري الشر على قلبه ونيته ولسانه وجوارحه.
(والثاني): أن يحول بينه وبين الجزاء الأيسر" (2).
و(العسرى) اسم تفضيل، وهو مؤنث الأعسر، كما مر في اليسرى أنه مؤنث الأيسر. وحذف الموصوف لقصد الإطلاق والعموم، فيشمل تهيئته لكل ما هو عسير، وأن يتعسر عليه فعل الخير فيلقى العاقبة العسرى، وأشدها جهنم، وهي أعسر شيء وأشده، وهي مصيره المحتوم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 180 إلى ص 181.
(1) انظر فتح القدير 5/440.
(2) التبيان في أقسام القرآن 41.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٧٤ |
{وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}
يجوز أن تكون (ما) استفهامية، أي أيّ شيء يغني عنه ماله إذا تردى، أي إذا هلك، ويجوز أن تكون (ما) نافية أي لا يغني عنه ماله شيئًا" (1)، والمعنيان مرادان، وهذا من التوسع في المعنى.
معنى (تردّى): هلك، من الردى، أو تردّى في حفرة القبر، أي سقط فيها، وهو من مستلزمات المعنى الأول، أو تردى في قعر جهنم، أي سقط فيها (2).
كل هذه المعاني مرادة، فإن هذا الشخص لا يغني عنه ماله شيئًا إذا هلك وقبر وكانت عاقبته أن يهوي في النار، وماذا يغني عنه ماله يا ترى؟!
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 181 إلى ص 182.
(1) انظر البحر المحيط 8/483.
(2) انظر الكشاف 3/443، البحر المحيط 8/483 – 484.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٧٥ |
{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى}
ذكر لهذه الآية أكثر من معنى؛ فقد قيل إن المعنى أن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال وبيان الحلال والحرام والطاعة والمعصية، ونحن نتكفل ببيان ذلك والتعريف به (1).
وقيل: المعنى إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته، فالسالك في طريق الهدى يصل إلى الله سبحانه، أي إلى مرضاته، وهو نحو قوله تعالى: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56]، وقوله: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [الإنسان: ۲۹].
جاء في (التبيان في أقسام القرآن): "قال الواحدي: (علينا للهدى) أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته، وهذا المعنى في القرآن في ثلاثة مواضع: ههنا، وفي (النحل) في قوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9]، وفي (الحجر) قوله: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ}. وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك طريق الهدى يوصله طريقه إلى الله ولابد. والهدى هو الصراط المستقيم، فمن سلكه أوصله إلى الله، فذكر الطريق والغاية، فالطريق: الهدى، والغاية: الوصول إلى الله" (2).
وجاء في (فتح القدير): "أي إن علينا البيان. قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال. قال قتادة: على الله البيان، بيان حرامه وطاعته ومعصيته.
قال الفراء: من سلك الهدى فعلى الله سبيله، لقوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} يقول من أراد الله فهو على السبيل القاصد" (3).
وجاء في (تفسير ابن كثير): "{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} تبيين الحلال والحرام، وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله. وجعله كقوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}" (4).
وهذا المعنيان مرادان، فإن بيان الهدى وبيان سبيل طاعته إنما يكون على الله سبحانه تبيينه وتوضيحه.
وإن طريق الهدى يوصل إلى الله سبحانه، أي إلى مرضاته وثوابه وجنته، وأما طريق الضلال فلا يوصل إليه وإنما يوصل إلى النار، وقد جمعت الآية هذين المعنيين الجليلين معًا.
ونظير ذلك قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9] فإنه يجمع هذين المعنيين، فإنه يعني أن على الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين.
ومعنى (القصد): الاستقامة والعدل، ومعنى (القصد) أيضًا: استقامة الطريق. جاء في (لسان العرب) "القصد: استقامة الطريق، قصَد يقصِد قصدًا فهو قاصد، وقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} أي على الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة.
ومنها جائر، أي ومنها طريق غير قاصد.
وطريق قاصد: سهل مستقيم، وسفر قاصد: سهل قريب، وفي التنزيل {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ} [التوبة: 42] قال ابن عرفة: سفرًا قاصدًا، أي غير شاق، والقصد: العدل" (5).
ويعني أيضًا أن الطريق القاصد يصل إلى الله، والطريق القاصد هو الطريق المستقيم، وأما ما عداه فهو طريق جائر حائد عن الحق، كما قال الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ}.
ويحتمل معنى آخر، وهو أن مقصدك واعتزامك ينبغي أن يكون على ربك، وأن يكون توجهك إليه. قال الفراء: "من سلك الهدى فعلى الله سبيله لقوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}، يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد" (6).
أي من أراد الله فهو على السبيل المستقيم، أي فليسلك السبيل المستقيم، فإن ربنا عليه.
ونحو هذا ما قيل في قوله تعالى: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} [الحجر: 41]، فقد قيل: إن المعنى "عليّ أن أدل على الصراط المستقيم بالبيان والحجة، وقيل: بالتوفيق والهداية" (7).
وقيل: هو "على معنى أنه طريق يؤدي إلى الوصول إلي من غير اعوجاج وضلال، وهو على نحو (طريقك عليّ) إذا انتهى المرور عليه.
وإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة والشهادة باستعلاء من ثبت عليه، فهو أدل على التمكن من الوصول، وهو تمثيل فلا استعلاء لشيء عليه سبحانه، تعالى الله عن ذ ذلك علوًا كبيرًا ...
والعرب تقول: طريقك في هذا الأمر على فلان، على معنى: إليه يصير النظر في أمرك، وعن مجاهد وقتادة أن هذا تهديد للعين، كما تقول لغيرك: افعل ما شئت فطريقك علي، أي لا تفوتني" (8).
وذهب بعضهم إلى أن (علي) بمعنى (إليّ) (9)، وهذا المعنيان مرادان معًا في هذه الآيات الثلاث، والله أعلم.
ثم لنلاحظ من جهة أخرى تأليف هذه الآية:
لقد قدم الخبر (وهو الجار والمجرور) على الاسم، وأكد الآية بإن واللام. أما التقديم في مثل هذا التعبير فإنه يفيد القصر غالبًا، ومعنى ذلك أن الهداية مختصة به سبحانه، إذ هو وحده الذي يهدي الناس إلى ما يصلحهم في الدنيا والآخرة، ولا يقبل هدى غيره. وكل هدى سوى هداه باطل وضلال، وهو مردود مرفوض، وصاحبه شقي في الدنيا والآخرة، ولا يمكن لأحد أن يهدي خلقه غيره ولا يستطيع ذلك، وإن الناس لو اتبعوا هدى غيره لضلوا وشقوا.
وقد أكد التعبير بإن واللام ليثبت هذا المعنى في نفوسنا، وليبين لنا أهمية هذا الأمر.
إن أكثر الناس ينازعون في هذا الأمر ويبتغون الهدى في غير ما أنزل الله، ولا يقرون بهذه الحقيقة، ولذا أكده بمؤكدين.
وإذا كانت الآية بالمعنى الآخر، وهو أن طريق الهدى يوصل إلى الله ولا يذهب إلى غيره، وما سواه طريق منقطع عنه يوصل سالكه إلى النار فهذا المعنى به حاجة إلى القصر والتوكيد أيضًا، وهو نظير قوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: ٤٢]، ونظيره في القصر {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، وقوله: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 30] فهو على كل معنى مؤكد مقصور.
إن هذه الآية مرتبطة بما قبلها وما بعدها أحسن ارتباط وأجله، فهي مرتبطة بقوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} فإن هذا السعي المختلف المتناقض أصحابه محتاجون إلى الهدى ليسلكوا الطريق الصحيح، وإن الخلق إذا أوكل أمر السعي إليهم ذهبوا في متاهات وابتعد بعضهم عن بعض وسلكوا طرقًا متنائية متباعدة، ألا ترى أن سعي الناس شتى لأنهم لم يتبعوا هدى ربهم وإنما اتبعوا أهواءهم وعقولهم فضلوا، ولذلك ينبغي أن يكون الهدى الله حصرًا لئلا يكون سعي الناس شتى.
وهي مرتبطة بقوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ....} فهذا من الهدى الذي بينه ربنا وقد عرفنا كل طريق وإلى ماذا يوصل، وهي مرتبطة بما بعدها من الآيات كما سنوضح ذلك.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 182 إلى ص 186.
(1) انظر فتح القدير 5/440، تفسير ابن كثير 4/520، البحر المحيط 8/484.
(2) التبيان 45.
(3) فتح القدير 5/440.
(4) تفسير ابن كثير 4/52.
(5) لسان العرب (قصد) 4/354 – 355.
(6) فتح القدير 5/440.
(7) فتح القدير 3/136.
(8) روح المعاني 14/51.
(9) انظر روح المعاني 14/51.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٧٦ |
{وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13)}
معنى الآية أن "لنا كل ما في الآخرة وكل ما في الدنيا نتصرف به كيف نشاء، فمن أرادهما أو إحداهما فليطلب ذلك منا" (1).
إن هذه الآية مرتبطة بما قبلها، وهي قوله: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} ذلك أن هدى الله يكون في اتباعه سعادة الدارين، وفي الإعراض عنه شقاء الدارين، ولذا أوصى ربنا آدم بعد خروجه من الجنة أنه سيأتيه منه الهدى فمن اتبعه كان له خير الدنيا والآخرة وسعادتهما، ومن أعرض عنه كان له الشقاء فيهما. قال تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123 - 124].
وقال: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 38 - 39].
إن سلوك سبيل الهدى في الدنيا يوصل في الآخرة إلى مرضاته سبحانه وإلى ثوابه وجناته، فهو مرتبط أحسن ارتباط بما قبله.
وهي مرتبطة بقوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}، وقوله: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} ذلك أن المعطي المتقي يريد الآخرة فيقول الله له: إن لنا الآخرة، والبخيل المستغني يريد الدنيا فيقول الله له: إن لنا الدنيا، فمن أرادهما أو أراد أحدهما فليطلبها. منه تعالى وليسلك سبيل طاعته.
وهي مرتبطة أيضًا بقوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}، وقوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} لأن التيسير والتعسير إنما يكونان في الآخرة والأولى، وهما له.
ومرتبطة بقوله: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى}، لأن ذلك إنما يكون في الآخرة، والآخرة له سبحانه، لذا يجب اتباع أوامره واجتناب نواهيه على كل حال.
وقدم الآخرة لتقدم طالبها وهو قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ....}، وأخر الأولى لتأخر طالبها وهو قوله: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى .....}
ثم نلاحظ من ناحية أخرى أن بناء الآية مثل بناء ما قبلها، كلتاهما مؤكدة بإن واللام، وقد قدم الخبر على الاسم، وكلتاهما تفيد القصر، فقوله: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} يفيد أن الهدى عليه قصرًا، وقوله: {وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى} يفيد أنهما له قصرًا لا يشاركه فيهما أحد.
وقد تقول: لقد وردت هذه الآية في هذه السورة مؤكدة، ووردت في سـورة النجم غير مؤكدة، قال تعالى: {أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى} [النجم: 24 - 25] فما السبب؟.
والجواب: أن ثمة أكثر من سبب لهذا؛ فقد وردت الآية في سورة الليل في سياق امتلاك الأموال والتصرف فيها، فذكر سعة ملكه مؤكدًا بإن واللام، فقد قال: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} والمعطي مالك، وقال: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} والبخيل مالك؛ لأنه إن لم يكن مالكًا فلا يوصف بالبخل، إذ ليس عنده ما يبخل به. وذكر الاستغناء والاستغناء من الغنى. وذكر المال بعد ذلك بقوله:{وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}، وقوله: {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} وكل ذلك في من يملك الأموال، فذكر ربنا سعة ملكه وعظمته، فناسب ذلك توكيد الملك في سورة الليل.
بخلاف آية النجم التي ليس فيها شيء من ذلك. فقد قال: {أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا} فناسب التوكيد في سورة الليل دون النجم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن جو سورة الليل يشيع فيه ذكر الآخرة، فقد ذكر عاقبة من أعطى ومن بخل، وقال بعدها: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} وذلك في الآخرة، وقال: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} وهذه في الآخرة، فناسب التوكيد في سورة الليل. بخلاف سورة النجم التي لم يشع فيها جو الآخرة على هذا النحو.
وهناك أمر آخر في هذه الآية، وهو أنه قدم الآخرة على الأولى فيها، وكذلك في آية النجم. غير أنه قدم الأولى على الآخرة في سورة القصص فقال: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70] فما سبب ذلك؟
فنقول: إن آية القصص وردت في سياق ذكر نعم الله على الإنسان في الدنيا، وهو ما ينبغي أن يحمده العبد عليها، قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص: 69 – 73].
فناسب تقديم الأولى على الآخرة لما وقعت في سياق الكلام على الأولى، وأنت ترى أن هلم يقل كما قال في آيتي الليل والنجم: {فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى} أو {وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى}، وإنما ذكر الحمد فقال: {وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى} لما ذكر النعم على خلقه، فناسب كل تعبير موضعه.
ثم إن من الملاحظ في القرآن الكريم أنه لم يقل مرة: (إن لنا الدنيا والآخرة) أو (الآخرة والدنيا) بل كل ما ورد في نحو هذا ذكر الأولى مع الآخرة، وذلك لأكثر من سبب.
منها أن (الأولى) أعم من (الدنيا)، ذلك أنه استعمل (الدنيا) لما يحيا فيه المرء ويعيش نحو قوله: {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً}، وقوله: {اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ}، وقوله: {مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} وغير ذلك، أما (الأولى) فتستعمل للكون وما فيه على العموم، ما يدركه الإنسان وما لا يدركه. فالسماوات وما فيها وساكنوها وما لا نعلم خلق الله والأرض وما فيها كله من الأولى، فلما أراد أن يذكر ملكه وسعته ناسب أن يذكر (الأولى) بدل (الدنيا).
ثم إن (الدنيا) مؤنث (الأدنى)، ومن معاني (الأدنى) الأقرب، ومن معانيه السَّفِل والأخسّ (2)
وذلك نحو قوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61]. فلما كان من معانيها السفالة والخساسة لم يناسب حين ذكر ملكه وعظمته ذكر الدنيا، وإنما يناسب ذلك ذكر الأولى، فكان ذلك أنسب، والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 186 إلى ص 190.
(1) فتح القدير 5/440.
(2) انظر لسان العرب (دنو) 18/299 – 300.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٧٧ |
{فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16)}
قوله تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا .....} مرتبط بقوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} ذلك لأن هذا من الهداية الإرشاد.
جاء في (روح المعاني): {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} قيل: متفرع على كون الهدى عليه سبحانه، أي فهديتكم بالإنذار وبالغت في هدايتكم" (1)، ومرتبط بقوله: {وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى} كما ذكرنا.
وظاهر أنه أنذرهم ولم يبشرهم، ولذا كان الكلام عليها وعلى من يصلاها ومن ينجو منها. ولم يذكر الجنة؛ لأن ذلك ليس من الإنذار وإنما هو من التبشير. فلما قصر تبليغه على الإنذار قصر الكلام على النار وعلى صفات صاليها والناجي منها.
لقد نكر النار ووصفها بقوله: {تَلَظَّى} وهذا يحتمل أنه أنذرهم النار على وجه العموم، ويحتمل أنه أنذرهم: نارًّا مخصوصة أعدت للأشقى دون غيره.
فإن النار دركات، وبعض العذاب أشد من بعض، فالأشقى على هذا يصلى نارًّا قد لا يصلاها غيره ممن هو دونه في الشقاء، كما قال تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} [الأعلى: 10 – 12].
فإن كانت نارًّا خاصة بالأشقى لا يصلاها غيره فالقصر واضح، فإنه لا يصلاها غيره، وإن كان يراد بها. عموم النار فقد أثير في ذلك سؤال وهو: إن عموم النار يصلاها الأشقى وغيره ممن دونه في الشقاء، ويصلاها العصاة من المسلمين، فكيف قصر ذلك على الأشقى فقال: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى}
والجواب عن ذلك من أوجه:
منها: أن المقصود أن يصلاها صليًا تامًّا لازمًّا على جهة الخلود، وهذا خاص بالكافر الكامل في الشقاء (2).
ومنها: أن النار يطلق بهذا التنكير على عموم النار بكل أقسامها وأحوالها، وجميع ما أعد فيها من أهون أحوال العذاب إلى أشده، فكل ذلك داخل في قوله: {نَارًا تَلَظَّى}، يصلاها الشقي والأشقى، وتشمل الدرك الأسفل والأعلى، أعاذنا الله منها جميعها، فيصح أن يقال بهذا العموم {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} باعتبار قسم منها، وأن يقال: (يصلاها عموم الأشقياء) باعتبار العموم .
ومنها: أن النار بكل أصنافها وعلى اختلاف دركاتها وأحوالها وأهوالها لا يصلاها إلا الأشقى، فإن الذي يصلى النار هو أشقى الخلق، إذ ليس بعدها شقاء، فالذي يعذب أهون العذاب هو الأشقى، فكيف بمن يصلى أشد العذاب؟
إن أهون النار وليس فيها هين أعد للأشقى فكيف أشدها؟ إن من يعذب أهون العذاب يرى أن ليس أحد من أهل النار أشد عذابًا منه.
فقد جاء في (صحيح مسلم) أن رسول الله قال: "إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما: دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا وإنه لأهونهم عذابًا" فعلى هذا المعنى لا يصلى النار إلا الأشقى، إذ إن أقلهم شقاء هو الأشقى فكيف بأشقاهم؟ أعاذنا الله منها.
والراجح فيما يبدو لي أنه يشير إلى نار خاصة أعدت للأشقى الذي كذب وتولى، والله أعلم.
وقد تقول: ولم نكر النار وجعلها عامة ولم يعرفها ليدل على أنها نار خاصة بالأشقى؟
والجواب عن ذلك من أوجه:
منها: أنه نكر النار وجعلها عامة ووصفها بأنها تلظى - وكل جهنم كذلك، نارٌ تلظّى - ليعلمنا أن النار بكل أقسامها وأحوالها وصفاتها تستحق الإنذار وأن على الناس أن يحذروها، ولو عرّفها لظن ظان أن التحذير واقع على تلك النار دون غيرها، في حين أنه أنذرنا النار على العموم، فكان التنكير أنسب.
ووصفها بأنها {تَلَظَّى} وكل جهنم نار تلظى ولكنها دركات، فوصفها بوصف عام لتشمل نار الأشقى وغيره، فيتحقق الإنذار على العموم وعلى الأشقى خاصة.
ومثلهـا أن تقول: (نار حامية) فإن كل جهنم نار حامية، ولكن بعضها أشد من بعض، فالشقي يصلى نارًّا حامية، والأشقى يصلى نارًّا حامية، والعصاة يصلون نارًّا حامية.
ونحوه أن تقول: (نار ذات لهب) فلا ينفي أن يكون ذلك للشقي والأشقى وعصاة المسلمين، فهناك نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى، ونار تلظى يصلاها غير الأشقى.
ومن جهة أخرى أنه لو عرفها وخصصها لكان قوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} خاصًّا بتلك النار دون غيرها، فقد يذوق غيرها، ولكنه جعلها عامة، فدل تنكيرها على أن الأتقى يتجنب النار على العموم بكل أحوالها، فكان التنكير أنسب من كل ناحية.
لقد ذكر للأشقى صفتين وهما التكذيب والتولي فقال: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}.
ومعنى {كَذَّبَ} كذّب بكل مفردات الإيمان ومقتضياته، ومعنى {وَتَوَلَّى} أدبر عن الطاعات وابتعد عنها وانشغل بالمعاصي، فقوله: {كَذَّبَ} مقابل {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}، وقوله: {وَتَوَلَّى} مقابل {أَعْطَى وَاتَّقَى}، وقوله: {كَذَّبَ وَتَوَلَّى } توكيد لقوله: {بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى}، فالبخل والاستغناء من التولّي، والتولّي أعم لأنه يشملهما ويشمل غيرهما.
والتكذيب أعم من التكذيب بالحسنى، لأن التكذيب يشمل التكذيب بالحسنى وغيره من التكذيب بغير الحسنى، وهو عاقبة الكفار.
ولما كان الوصف أعم وأشمل كانت العاقبة أسوأ، فقد قال في الآية الأولى: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}، وذكر في هذه الآية أنه الأشقى وأنه يصلى نارًّا تلظى لا يصلاها غيره فقال: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}، وهذه العقوبة أسوأ وأعظم.
ولما كان التكذيب عامًّا غير مخصوص بشيء، والتولي عامًّا غير مخصوص بشيء، استحق أن يكون ذلك هو الأشقى.
وهذا وجه آخر لتنكير النار وعمومها وعدم تخصيصها، فإنه أطلق صفة الأشقى في التكذيب والتولي فناسب الإطلاق ههنا.
وقال: {فَأَنْذَرْتُكُمْ} ولم يقل: (فأنذركم) بالمضارع، كما قال: {إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} [الأنبياء: 45] ذلك لأنه أنذرهم بأمر واحد أخبرهم به وهي النار. أما قوله: {أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} فلأن الوحي مستمر والإنذار لم ينته ما دام الوحي يتنزل، فجاء به مضارعًا.
ونحوه من التعبير بالماضي قوله: {فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13]، وقوله: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا} [النبأ: 40] فإن الإنذار فيهما تم واكتمل، وهما نظير قوله: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى}.
ومن الملاحظ أنه لم يؤكد الإنذار في هذه السورة، في حين أكده في سورة النبأ فقال: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا} بتوكيد الإنذار بإن، ذلك أن الإنذار في سورة الليل لم يرد إلا في هذه الآيات {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}.
أما في سورة النبأ فقد اتسع الإنذار وتكرر، ذلك أنه بدأ بقوله: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} وهو إنذار مؤكد بالتكرار، ثم أعاد الإنذار بقوله: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} [النبأ: 21 -30].
ثم كرر الإنذار في آخر السورة بقوله: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا}، فكان الإنذار في أول السورة ووسطها وآخرها، فناسب ذلك التوكيد في سورة النبأ دون سورة الليل.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 190 إلى ص 194.
(1) روح المعاني 30/150.
(2) انظر فتح القدير 5/440 – 441.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٧٨ |
{وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18}
ولم يقل: (ولا يجنبها إلا الأتقى) كما قال: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى}، وإنما ذكر أن الأتقى سيجنبها، أما غير الأتقى فقد يجنبها أيضًا أو يردها ورودًا خفيفًا على حسب عمله، أما الأتقى فإنه يجنبها تجنيبًا كاملاً.
ثم ذكر مقابل الأشقى الذي كذب وتولى: {الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} وذكر له ثلاث خصال: التقوى بل الصفة العليا في التقوى وهي {الْأَتْقَى}، وأنه يؤتي ماله يتزكى، وهو مقابل {بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} وهو الوصف الأعلى في هذا الأمر، ذلك أنه {يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}، فهو يعطي ماله كله، وبذا يكون قد وصفه بالوصف الأعلى في التقوى والوصف الأعلى في الإنفاق، فإنه لا عطاء أكثر من ذلك.
ثم انظر كيف قال: {يُؤْتِي مَالَهُ} بإضافة المال إليه، ولم يقل: (يؤتي المال) بمعنى أنه يؤتي ثمرة كدّه وعمله وهو. ثم ذكر الغرض من ذلك وحاله عند العطاء وهو أنه يتزكى بذلك، أي يتطهر.
وذكر أنه لم يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، وذلك أعلى درجات التصديق بالحسنى.
ثم انظر كيف أنه لما ذكر الأشقى بصفات أعم وأسوأ مما قاله فيمن قبله فقال: {الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} وهو أعم وأسوأ ممن قال فيهم: { وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} ذكر أيضًا بمقابل: {مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} من هو أعلى منه فقال: {الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}، فقد ذكر بمقابل {أَعْطَى} وهو يحتمل العطاء الكثير والقليل أنه {يُؤْتِي مَالَهُ} وهو أكثر وأعم؛ ذلك لأن هذا يؤتي ماله كله.
وبمقابل (اتقى) الأتقى وهي الصفة العليا، وبمقابل {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} أنه يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه الأعلى ولا يفعله إلا لذلك، فهو أعلى درجات التصديق.
ولذا كان الجزاء أعلى، فإنه قال في الأولى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} وقال ههنا أنه يجنب النار وأنه سوف يرضى، فذكر أمرين.
ومعنى {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} أنه سوف يرضى بثوابه في الآخرة لعظيم ما أعد له. وهناك معنى آخر لها، وهو أنه لم يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ورضوانه ولسوف يرضى الله عنه، وكلا المعنيين جليل شريف، فإن رضا الله أكبر من الجنات، كما قال الله تعالى {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 72] والمعنيان مرادان معًا، ذلك أن الله سوف يرضى عنه، وأنه سيرضى بما جزاه الله سبحانه، فانظر عظم هذا الجزاء.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف قال: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} بالبناء للمجهول، ولم يقل: (سيتجنبها الأتقى) بالبناء للمعلوم، ذلك أن تجنب النار أمر عسير ليس ذلك إليه بل ذلك إلى ربه، وسبيل ذلك التقوى والتطهر وإنفاق المال وإخلاص العمل الله.
ونظير ذلك قوله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185] بالبناء للمجهول، ولم يقل: (فمن تزحزح عن النار) لأن الزحزحة عن النار ليست إلى الناس بل إلى خالقهم ومالكهم خالق النار، وهذا إنذار عظيم للناس لو كانوا يعلمون، فإنه ليس باستطاعة أحد أن يتجنب النار بنفسه ولو كان الأتقى، وكيف يمكن أن يتجنبها وقد أقسم ربنا على أننا كلنا سنردها ولا ينجو إلا من ينجيه الله منها، فقال سبحانه: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: ۷۱ - ۷۲]، وقال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الزمر: 60 – 61].
ألا ترى إلى قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا}، وقوله: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا} بإسناد التنجية إلى الرب نفسه لا إلى المتقين، وهو نظير قوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} ببناء التجنيب للمجهول، والمتقون – كما يظهر من الآيات – هم الناجون.
وقد تقول: ولم أسند ضمير التنجية في سورة مريم إلى ضمير المتكلمين فقال: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} وأسنده في سورة الزمر إلى الله فقال: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا} وبنى الفعل للمجهول في سورة الليل فقال: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى}؟
والجواب: أن ذلك بحسب السياق الذي ورد فيه التعبير، فإن الجو الشائع في سورة مريم إسناد الفعل إلى ضمير المتكلمين، وذلك نحو قوله: { أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ …. (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ …. (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ …. ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ ..... ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ...... يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ ..... } إلخ، فناسب ذلك إسناد الفعل (ننجي) إلى ضمير الجماعة للتعظيم.
وإن الجو الشائع في سورة الزمر إسناد الفعل إلى الله سبحانه، وقد شاع فيها ذكر الله نحو قوله: { إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ..... إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا .... ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ .... أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ .... وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً .... أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ .... اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ .... فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .... } وغير ذلك وغيره، فناسب ذلك أن يسند التنجية إلى الله.
في حين شاع في سورة الليل العموم والإطلاق، فناسب حذف الفاعل وإسناد التجنيب إلى غير مذكور ليناسب جو الإطلاق في السورة، ولا شك أن ذكر الفاعل يفيد التخصيص لا الإطلاق.
ومن الملاحظ أنه ذكر في الذين اتقوا أنه ينجيهم، وفي الأتقى أنه يجنبها، ذلك أن النجاة قد تكون بعد الوقوع في الشيء ومعاناته، وذلك نحو قوله تعالى في بني إسرائيل: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [البقرة: 49 ]. أما التجنيب فمعناه التنحية والمباعدة، فقولي: (جنبتك العذاب) يفيد أني أبعدتك عنه فلم تذقه، وأما (أنجيتك من العذاب) فقد يحتمل أنه كان واقعًا فيه ثم أنجاه منه، ولذا قال تعالى بعد قوله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} أي بعد الورود.
ولا شك أن الأتقى هو في الدرجة العليا من التقوى فقال فيه: (وسيجنبها)، وأما الذين اتقوا ففيهم المتقي والأتقى، فذكر أن لهم النجاة، وكلاهما ذو حظ عظيم غير أنهم درجات عند ربهم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 195 إلى ص 198.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٧٩ |
{وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)}
أي ليس لأحد عليه فضل فيجازيه عليه، وإنما يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه، فعمله خالص الله غير مشوب بشائبة، ولذا استحق أن يرضيه الله وأن يرضى الله عنه.
جاء في (فتح القدير) في تفسير هذه الآية "الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها من كون التزكي على جهة الخلوص غير مشوب بشائبة تنافي الخلوص، أي ليس ممن يتصدق بماله ليجازي بصدقته نعمة لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها، وإنما يبتغي بصدقته وجه الله تعالى، ومعنى الآية أنه ليس لأحد من الناس عنده نعمة من شأنها أن يجازي عليها حتى يقصد ما يؤتي من ماله مجازاتها" (1).
إن السورة فيها أكثر من خط تعبيري، منها خط العموم، ومنها خط المقابلة، ومنها خط التفضيل، وغير ذلك من الخطوط التعبيرية.
يتضح خط العموم في السورة من مواطن، منها: أنه أقسم بالليل إذا يغشى على العموم، ولم يقل يغشى ماذا. وأقسم بالنهار إذا تجلى، ولم يقل مثلاً كما قال في سورة الشمس: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}.
وقال: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} فإن قوله: (وما خلق) عام يحتمل القسم بالخالق، أي والذي خلق الذكر والأنثى، ويحتمل القسم بالمصدر أيضًا، أي وخلق الذكر والأنثى.
و(الذكر والأنثى) عام أيضًا يحتمل كل ذكر وأنثى، ويحتمل أن يراد به بنو آدم، وذكر السعي المختلف على العموم ولم يقيده بعمل صالح أو غيره. ثم قال: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} فأطلق العطاء ولم يقيده بشيء، فإنه يحتمل العطاء العام من مال وغيره، ويحتمل العطاء القليل والكثير. كما أطلق جهة العطاء فلم يقيدها بمسكين أو أسير ونحو ذاك، و(من) اسم يفيد العموم أيضًا. وقال: (واتقى) ولم يقيد الاتقاء بشيء، فلم يقل مثلاً: (اتقى ربه) أو (اتقى النار) أو (اتقى يومًا يرجع فيه إلى الله) كما قال في آيات أخرى، وإنما أطلقه في كل ما ينبغي اتقاؤه.
وقال: {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} والحسنى صفة تحتمل أمورا عدة، وهي صفة مطلقة لم يقيدها بشيء ولم يذكر لها موصوفًا.
وقال: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} وهو عام مطلق يحتمل أمورًا عديدة ولم يذكر أمرا بعينه.
وكذلك قوله: {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى}، وقوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} عام مطلق، نظير قوله: {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}، وقوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}.
وقوله: {وَمَا يُغْنِي} يحتمل الاستفهام والنفي، وقوله: {إِذَا تَرَدَّى} يحتمل عدة معان: منها السقوط، ومنها الهلاك، ومنها إذا تردى في أكفانه.
وقوله: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} يحتمل أكثر من معنى، فقد يحتمل أن علينا بيان الهدى، ويحتمل أن علينا طريق الهدى، أي يوصل إلينا.
وقوله: {وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى} عام مطلق، فلم يقل مثلاً: (لله ما في السماوات وما في الأرض) أو (مالك يوم الدين) بل أطلق ذلك ليشمل الآخرة والأولى على العموم.
وقوله: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} ذكرها منكرة لم تخصص إلا بالتلظي، والتلظي وصف عام لنار جهنم، فكانت النار عامة والوصف عامًا.
وقوله: {الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} عام مطلق، فإنه أطلق التكذيب ولم يقيده، فلم يقل مثلًا: (الذي يكذب بالدين) أو (يكذب بآياتنا) أو (بما أرسلنا به رسلنا) بل أطلقه، وكذلك قوله: {وَتَوَلَّى} فإن التولي عام لا يختص بشيء.
وكذلك قوله: (يتزكى) فإنه يحتمل أكثر من معنى، فقد يكون معناه: (يتطهر) أو يدفع زكاة ماله وغير ذلك.
وقوله: {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} يحتمل أكثر من معنى، فإنه يحتمل أن الأتقى هو الذي يرضى، ويحتمل أن ربه سيرضى عنه.
ومن التقابل في السورة أنه أقسم بالليل إذا يغشى وبالنهار إذا تجلى وهما متقابلان، فالليل يقابل النهار، و(يغشى) يقابل (تجلى)، فإن معنى (يغشى): يغطي، ومعنى (تجلّى): ظهر وتكشف، و(يغشى) فعل مضارع، و(تجلى) فعل ماض.
وذكر الذكر والأنثى، وهما متقابلان، وقوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} يقابل قوله: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى}، فـ (أعطى) مقابل (بخل)، و(اتقى) مقابل (استغنى)، و(صدق بالحسنى) مقابل (كذب بالحسنى).
وقوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} مقـابـل قوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}، و(الآخرة) تقابل (الأولى).
و(يصلاها) مقابل (يجنبها)، و(يصلاها) مبني للمعلوم، و(يجنبها) مبني للمجهـول، وقوله: {الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} يقـابـل {الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}.
فهو خط واضح في السورة كما ترى.
ويتضح في السورة خط تعبيري آخر، وهو ذكر الدرجة العليا في الوصف، وذلك قوله: (الحسنى) وهو مؤنث الأحسن، و(اليسرى) مؤنث الأيسر، و(العسرى) مؤنث الأعسر، و(الأولى) مؤنث الأول، و(الأشقى) و(الأتقى) و(الأعلى)، وكلها مما عرف بأل، وهو أعلى درجات التفضيل.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 198 إلى ص 201.
(1) فتح القدير 5/441.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٨٠ |
{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)}
تذكر السورة الإنسان قبل وجوده، وتذكره وهو نطفة أمشاج، وتذكره وهو إنسان مكلف، وبعد خروجه من الدنيا إلى النعيم والملك الكبير أو إلى الأغلال والسعير.
{هَلْ أَتَى}
اتفق المفسرون على أن (هل) بمعنى (قد) (1) على أن الاستفهام للتقرير، أي (أقد أتى على الإنسان حين من الدهر؟)، فإن معنى {هَلْ أَتَى}: (أقد أتى) بقد المسبوقة بهمزة الاستفهام، وليس معناها (قد أتى) من دون استفهما. والمراد بها التقرير، أي أن تستجوب المخاطب وتقرره بأمر قد علمه فتقول له: (هل أتى على الإنسان ذلك؟) فلابد أن يقول مقرًّا معترفًا بذلك: نعم قد أتى عليه. كما تقول لشخص قد أعطيته وأرضيته: هل أعطيتك وأرضيتك؟ فيقول لك: نعم.
وهو أبلغ من مجرد الإخبار بأن تقول له: قد أعطيتك وقد كفيتك؛ لأن هذا إخبار من المتكلم دون أن يًقرّ به المخاطب ويعترف به، بخلاف ما إذا سبقه الاستفهام التقريري.
فإذا أقرّ – ولابد – بأنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، قيل له: ومن الذي خلقه وأوجده؟
جاء في (الكشاف): "هل بمعنى (قد) في الاستفهام خاصة، والأصل: أهل، بدليل قوله:
أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم
فالمعنى (أقد أتى) على التقرير والتقريب جميعًا، أي أتى على الإنسان قبل زمن قريب حين من الدهر لم يكن فيه شيئًا مذكورًا، أي كان شيئًا منسيًّا غير مذكور نطفة في الأصلاب" (2).
وجاء في (التفسير الكبير): "اتفقوا على أن (هل) ههنا وفي قوله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} بمعنى قد، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان؟ وقد علمت أنه قد رآه، وتقول: هل وعظتك وهل أعطيتك، ومقصودك أن تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته" (3).
وجاء في (روح المعاني): {هَلْ أَتَى} "أصله على ما قيل (أهل) على أن الاستفهام للتقرير، أي الحمل على الإقرار بما دخلت عليه، والمقرر به من ينكر البعث، وقد علم أنهم يقولون: نعم قد مضى على الإنسان حين لم يكن كذلك. فيقال: فالذي أوجده بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه إحياؤه بعد موته، و(هل) بمعنى (قد) وهي للتقريب ... فلما سدت (هل) مسدّ الهمزة دلت على معناها ومعنى الهمزة معًا، ثم صارت حقيقة في ذلك، فهي للتقرير والتقريب" (4).
وجاء في (فتح القدير): "قيل: هي وإن كانت بمعنى (قد) ففيها معنى الاستفهام، والأصل: أهل أتى، فالمعنى؛ أقد أتى، والاستفهام للتقرير والتقريب" (5).
{عَلَى الْإِنْسَانِ}
اختلف في المقصود بالإنسان في هذه الآية أهو آدم عليه السلام فيكون المقصود بقوله: {لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} منذ خلقه الله من طين إلى أن نفخ فيه الروح، فإنه كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، أم هو جنس الإنسان، أي بنو آدم، بدليل قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}، فإن كل واحد من بني آدم لم يكن شيئًا أصلاً، ثم كان شيئًا غير مذكور وهو نطفة في الرحم، ثم كان إنسانًا مذكورًا فيما بعد، والآية تحتملهما، والراجح عندي أن الإنسان في هذه الآية آدم وفي الآية بعدها جنس الإنسان، فذكر الإنسان الأول ومن تلاه.
وجاء في (البحر المحيط): "والإنسان هنا جنس بني آدم، والحين الذي مرَّ عليه إما حين عدمه وإما حين كونه نطفة وانتقاله من رتبة إلى رتبة حتى حين إمكان خطابه، فإنه في تلك المدة لا ذكر له، وسمي إنسانًا باعتبار ما صار إليه.
وقيل: آدم عليه الصلاة والسلام، والحين الذي مر عليه هي المدة التي بقى فيها إلى أن نفخ فيه الروح" (6).
وجاء في (التفسير الكبير): "اختلفوا في الإنسان المذكور ههنا:
فقال جماعة من المفسرين: يريد آدم عليه السلام، ومن ذهب إلى هذا قال: إن الله تعالى ذكر خلق آدم في هذه الآية، ثم عقب بذكر ولده في قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}.
والقول الثاني: أن المراد بالإنسان بنو آدم، بدليل قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ} فالإنسان في الموضعين واحد ...
واعلم أن الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث، ومتى كان كذلك فلابد من محدث قادر" (7).
{لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا}
تحتمل الآية أكثر من معنى، فإنها تحتمل أنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا أصلاً لا مذكورًا ولا غير مذكور، مثل قوله تعالى: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 67]، وقوله: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9].
وتحتمل أن النفي موجه للقيد، أي كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، فإن مثل هذه التعبيرات تحتمل نفي الأصل، كما تحتمل نفي القيد. ومثل ذلك قوله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] والمعنى: لا يسألونهم أصلاً لا ملحفين ولا غير ملحفين. وتحتمل نفي القيد وحده ولا يتوجه إلى الأصل، وذلك كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: 16]، فإنه نفى اللعب ولم ينف خلق السماوات والأرض.
والآية هنا تحتمل المعنيين، فإنه أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا أصلاً، ثم أتى عليه حين قد كان فيه شيئًا ولم يكن مذكورًا.
وقد تقول: إذا كان المقصود هو المعنى الأول، فلم ذكر القيد، ولِمَ لَمْ يقل كما قال في موطن آخر: {وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}؟
والجواب: أن ذكر كلمة (مذكور) له أكثر من سبب ويؤدي أكثر من فائدة، منها: أن ذكرها يدل على تطور الإنسان ووجوده في جميع المراحل:
فإنه لم يكن شيئًا، ثم كان شيئًا غير مذكور، ثم كان شيئًا مذكورًا، بخلاف ما إذا حذف كلمة (مذكور) فإنه يقفز المرحلة الوسطى.
ثم إن ذكرها مناسب للآية بعدها، وهو قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} فإن الإنسان في الرحم حين كان نطفة أمشاجًا كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، ومناسب لقوله في السورة: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} فإن هذا يفيد أنه صار فيما بعد شيئًا مذكورًا.
وأما عدم ذكرها في آيتي مريم فهو المناسب أيضًا، يوضح ذلك السياق الذي وردت فيه الآيتان؛ أما الآية الأولى فهي إيضاح لنبي الله زكريا حين بشره الله بيحيى واستبعد ذلك زكريا بقوله: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} [مريم: 8] فتعجب كيف يكون له غلام وهذا حال وحال امرأته؟ فقال رب العزة: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9].
فإذا كان رب العزة خلقه، ولم يك شيئًا أصلاً كان أهون عليه أن يخلق ولدًا من أبوين، ولا شك أن الخلق من العدم أصعب في ميزان العقل من الخلق من شيء وإن لم يكن مذكورًا، فإنه في حالة كونه شيئًا غير مذكور هو موجود على هيئة ما أو في حالة ما أو في طور ما لكنه غير مذكور، فالحالة الأولى – وهي خلقه من العدم – أبعد، وهو مع ذلك أوجده، ثم إنه لو قال: (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا مذكورًا) لقال: رب لقد كنت شيئًا وإن لم أكن مذكورًا فخلقتني، وأما الغلام الذي وعدتني به فليس له وجود أصلاً، فالأمر مختلف.
وكذلك الآية الأخرى في السورة نفسها، وهو قوله: {وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} [مريم: 66 – 67] فإن الإنسان يستبعد إخراجه حيًّا بعد الموت، فيقول له رب العزة: لقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا أصلاً، والإعادة أيسر من الابتداء، ثم إن المادة بعد موت الإنسان موجودة في حين ابتدأ الله خلقه ولم يك شيئًا أصلاً، فالخلق الأول أدل على القدرة، ولا يناسب في هذا المقام أن يقول: (ولم يك شيئًا مذكورًا) لأن ذلك يعني أنه كان شيئًا غير أنه لم يكن مذكورًا، والحالة الأولى أدلّ على القدرة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه بعد الموت هو شيء لكنه غير مذكور، فلو قال: (ولم يك شيئًا مذكورًا) لأشبهت هذه الحالة حالته بعد الموت في أنه شيء غير مذكور.
في حين أراد أن يدلل على عظيم قدرته في الإنشاء والابتداء ليدل على سهولة الإعادة والإخراج، فكان كل تعبير في مكانه هو الأنسب.
ثم لننظر من ناحية أخرى نظم الآية { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ...} فإنه استعمل (أتى) بدل (جاء) ذلك أن بعض أهل اللغة فرق بين الإتيان والمجيء، فذكر أن (الإتيان) يفيد المجيء بسهولة (8). وقد استبان لي من النظر في التعبير القرآني أنه يستعمل المجيء لما فيه صعوبة ومشقة أو لما هو أصعب وأشق مما تستعمل له (أتى)، وقد بينت ذلك بصورة وافية في كتابي (لمسات بيانية في نصوص من التنزيل) في شرح قصة موسى في سورتي النمل والقصص.
فاستعمل (أتى) ههنا؛ لأن إتيان الدهر على الإنسان في هذه الحال ليس فيه مشقة ولا صعوبة عليه، فهو إما لم يكن شيئًا، أو كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، وفي كلتا الحالتين ليس في إتيان الدهر عليه مشقة أو صعوبة، فاستعمل (أتى) دون (جاء).
ثم إنه قدم الجار والمجرور على الفاعل فقال: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} ذلك لأن الجار والمجرور أهم، فإن الإنسان هو مدار الحديث وليس الدهر، فإن الدهر يمر ولا يقف في حال، فالقول: إن الدهر يأتي ليس فيه فائدة كبيرة، بخلاف ذكر المأتى عليه وهو الإنسان.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 203 إلى ص 210.
(1) التفسير الكبير 30/235.
(2) الكشاف 3/295، وانظر البحر المحيط 8/393.
(3) التفسير الكبير 30/235، وانظر معاني القرآن 3/213.
(4) روح المعاني 29/150.
(5) فتح القدير 5/334.
(6) البحر المحيط 8/393.
(7) التفسير الكبير 30/235 – 236.
(8) مفردات الراغب 6، 102.
الوقفة كاملة
|