أسرار بلاغية

٣٠١ برنامج لمسات بيانية آية (٤٣) : (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) * (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ) ذكر اليوم تحديدًا مع أنه لا عاصم من أمر الله في أي يوم، لا نافية للجنس تنفي العاصم مطلقًا لا في هذا اليوم ولا في غيره، هذا اليوم ليس كسائر الأيام فأنت في سائر الأيام قد تأخذ بالأسباب فتنجو بأمر الله، مثلًا المرض من أمر الله والدواء من أمر الله لكن أنت قد تفر من قدر الله إلى قدر الله فتأخذ الدواء فتنجو، لكن في هذا اليوم الله سبحانه قضى أمرًا وجاء أمره فلا ينفع فيه اتخاذ الأسباب لكي تنجو، ولذلك ما قال لا عاصم اليوم من الماء وإنما (قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ) هذا أمر الله لا مفرّ، في هذا اليوم لا ينفع إلا هذا الفلك أن يركب معه فقط هذا الوحيد سبب للنجاة وليس هناك سبب آخر، (إِلاَّ مَن رَّحِمَ) اليوم لا جبل ولا غيره ينفع الذي فررت منه سيصل إليك. أنت تفرّ من الماء لكنه سيصل إليك أينما ذهبت، تصور أنت تذهب إلى جبل والجبل سيغرق، في هذا اليوم لا ينفع أما في بقية الأيام يمكن. * ذكر المهروب منه تحديدًا (يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء) وسيدنا نوح قال (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ) ما قال (من الماء) هذه عقوبة خاصة وليست مياه كسائر المياه، هذا أمر الله الذي أنزله خاص لهؤلاء القوم ولهذه المسألة لنجاة المؤمن وإغراق الكافرين. * الاستثناء (إِلاَّ مَن رَّحِمَ) قد يراد به احتمال إلا الراحِم وهو الله (الفاعل) العاصِم، هذا استثناء تام، ومحتمل أن يكون (إلا من رحمه الله) يعني إلا المرحوم فيكون استثناء منقطع، وإن كان قسم قال عاصم بمعنى معصوم يعني يحولها إلى إسم مفعول مثل دافع مدفوع وعيشة راضية مرضية، فتحتمل معنيين: لا عاصم إلا الراحم وهو الله، ولا معصوم إلا الناجي. * (فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) : - لم يقل مغرقًا يعني هو ليس وحده وإنما معه من لم يؤمن بسيدنا نوح. - لم يقل (فغرِق) لو قال فغرق أولًا لم يشر إلى الآخرين يصير إخبارًا عنه، وغرق يعني غرق بنفسه لكن مغرقين يعني هناك من أغرقه وأغرق الآخرين، أُغرقوا عذابًا وعقابًا (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا (٢٥) نوح) ليس غرقوا، تعدية. الوقفة كاملة
٣٠٢ قوله تعالى: (وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ. .) فإن قلتَ: لمَ قدَّم النَّصارى على الصَّابئين هنا، وعكَسَ في المائدة والحجِّ؟ قلتُ: لأن النصارى مقدَّمون على الصَّابئِين في الرتبة، لأنهم أهلُ كتابٍ، فقُدِّموا في " البقرة " لكونها أوَّلاً. والصَّابئون مقدَّمون على النَّصارى في الزمن، فقُدّموا في " الحّجِ "، ورُوعي في " المائدة " المعنيان، فقُدّموا في اللفظ وأُخِّروا في المعنى، إذِ التقديرُ: والصابئون كذلك كما في قول الشاعر: فمنْ يَكُ أمْسَى في المدينةِ رَحْلُه فإنّي وَقَيارٌ بهَا لَغَريبُ إذِ التقديرُ: فإني لغريبٌ بها وقيارٌ كذلك. الوقفة كاملة
٣٠٣ قوله تعالى: (فإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. .) الآيتين. حاصلُه أنَّ البعض منا يقاوم عشرة أعشاره منهم قبل التخفيف، ويقاوم ضعفه بعده. . وقد كرَّر كلًا من المعنييْن في الآيتين. وفائدةُ التكرارِ الدَّلالة على أن الحال مع الكثرة والقلة لا يختلف، فكما تَغلِبُ العشرون المائتين، تغلب المائةُ الألف، وكما تغلبُ المائةُ المائتين، يغلب الألفُ الألفين. الوقفة كاملة
٣٠٤ قوله تعالى: (وَلْتنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ. .) أي: يوم القيامة، وفائدة تنكير النَّفْس، بيانُ أنَّ الأنفس الناظرة في معادها قليلةٌ جداً، كأنه قيل: ولْتنظرْ نفسٌ واحدةٌ في ذلك، وأين تلك النَّفسُ!! وفائدةُ تنكير " الغَدِ " تعظيمُه، وإبهامُ أمره، كأنه قيل: لا تعرف النفسُ كُنْه عَظَمتِهِ وهوله، فالتنكير فيه للتعظيم، وفي النَّفس للتقليل. فإن قلتَ: الغَدُ اليومُ الذي يعقب ليلتك، فكيف أطلق على يوم القيامة؟ قلتُ: الغَدُ له معنيان: ما ذكرتم، ومطلقُ الزمان والمسقبل، كما أنَ للأمسِ معنييْن مقابلين لما ذكرنا، وقيل: إنما أطلق الغد على يوم القيامة تقريباً له، لقوله تعالى " وما أمرنا إلَّا واحدة كلمح البصرِ " فكأنه لقربه أشبهَ اليومَ الذي يعقب ليلتك. الوقفة كاملة
٣٠٥ ( يا أيها النبي ) - النبي من النبو وهي المنزلة والرفعة - فالنبي عليه الصلاة والسلام ذو منزلة عند قومه . - وهذه الآية تشير لهذا المعنى ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة .. ) فهذه إساءة لمنزلة النبي . - أو النبيء سمي بذلك ؛ لأنه ينبئ بأخبار عظيمة عن الله تعالى ( يا أيها النبي حرّض ... ) ( يا أيها الرسول ) - من الرسالة ، في سياقات التكليفات الشرعية ( يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل ... ) - والآيات التالية تجمع هذين المعنيين : ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي .. ) الآية تتحدث عن المنزلة . ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله .. ) الآية تتحدث عن حكم شرعي . الوقفة كاملة
٣٠٦ س : هل هناك فرق بين القرية والمدينة ؟ جـ : القرية : أخذت من قريت الماء إذا جمعته كما عند أهل المعاجم فالقرية سميت بهذا لأنها جمعت أناسًا في مكان واحد وفي لغة حمير تسمى قِرية بكسر القاف من القِرى وهو الكرم فأهل القرى غالبًا يكرمون الداخل عليهم ( ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ) فهذه قرية لأنه قال فيها ( و اسأل القرية التي.. ) ثم إنه بالتأمل في القرآن الكريم جاءت لفظ القرية ومشتقاتها أكثر من خمسين مرة أكثرها في سياق العذاب ( وما أهلكنا من قرية ) ( وتلك القرى أهلكناهم ) (هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم..) - المدينة : فهي عند أهل المعاجم من مَدَن إذا أقام أو هي من الأتساع والانتشار وكلا المعنيين مرادان يقول الحق جل شأنه ( وقال نسوة في المدينة امرأة العزيزة ) هذا الخبر انتشر انتشاراً واسعاً و لفظ المدينة في الآية يعبر عن هذا الانتشار ونظير هذا قوله تعالى ( وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى ) خبر الرسل في ( يس ) انتشر وبلغ أقصا المدينة ، لم يقل قرية مع أنه سماها في أول القصة قرية ( واضرب لهم مثلا أصحاب القرية ) لكن لما كان مسألة انتشار واتساع وظفّ كلمة ( المدينة ) هذا من عظيم بلاغة كتاب الله تعالى والكلام في هذا يطول . الوقفة كاملة
٣٠٧ • ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴾ مع ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى ﴾ و ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى ﴾ • ما السر في التقديم أو التأخير لكل من الصابئين والنصارى في السور الثلاث ؟ • قال الكرماني : " لأن النصارى مُقدمون على الصابئين في الرتبة؛ لأنهم أهل كتاب فقدمهم في البقرة، والصابئون مقدمون على النصارى في الزمان؛ لأنهم كانوا قبلهم فقدمهم في الحج، وراعى في المائدة بين المعنيين، وقدمهم في اللفظ، وأخرهم في التقدير؛ لأن تقديره: والصابئون في كذلك ". الوقفة كاملة
٣٠٨ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)  يحتمل أن يكون أصل التعبير (اقترب حساب الناس) ثم (اقترب الحساب للناس) بذكر اللام التي تفيد الاختصاص والاستحقاق. ثم قدم الجار والمجرور للاهتمام والتهويل وهو المهم فقال: (اقترب للناس الحساب)، ثم أضيف (الحساب) إليهم ليكون مختصًا بهم، وفيه تهديد أكبر فقال: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ثم اقْتَرَبَ يفيد المبالغة في القرب، فإن (افتعل) أدل على المبالغة من (فُعَل)، والأصل (قرب). وقيل: إن اللام متعلقة بـ (اقترب)، واللام بمعنى (إلى) أو معنى (من)، والمعنى (اقترب من الناس حسابهم) أو (اقترب إلى الناس حسابهم). وقد ذكر هذين الاحتمالين صاحب (الكشاف) فقال: "هذه اللام لا تخلو من أن تكون صلة لـ (اقترب)، أو تأكيدًا لإضافة الحساب إليهم، كقولك: (أزف للحي رحيلهم)، الأصل: أزف رحيل الحي، ثم أزف للحي الرحيل، ثم أزف للحي رحيلهم ... ومنه قوله: (لا أبالك) لأن اللام مؤكدة لمعنى الإضافة ... والمراد اقتراب الساعة، وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك. ونحوه: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [الأنبياء: 97] (1). ومنع قسم من النحاة أن يكون (للناس) متعلقًا بالحساب؛ لأن (الحساب) مصدر ولا يتقدم معموله عليه. جاء في (البحر المحيط): "و(للناس) متعلق باقترب ... وأما جعله اللام تأكيدًا لإضافة الحساب إليهم مع تقدم اللام ودخولها على الاسم الظاهر فلا نعلم أحدًا يقول ذلك، وأيضًا فيحتاج إلى ما يتعلق به، ولا يمكن تعليقها بـ (حسابهم) لأنه مصدر موصول ولا يتقدم معموله عليه" (2). وذهب بعضهم إلى إجازة ذلك، جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وأنا لا أرى منعًا من تقدم معموله عليه إذا كان ظرفاً أو شبهه نحو قولك: (اللهم ارزقني من عدوك البراءة وإليك الفرار)، قال تعالى: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ [النور: ٢]، وقال: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ [الصافات: ۱۰۲] ... ومثله في كلامهم كثير، وتقدير الفعل في مثله تكلف (3). ونحوه قوله: لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: 108]، وقولهم: (اللهم اجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا)، وجعل الظرف متعلقًا بمحذوف حالاً من المصدر تكلف (4). إن تقديم الجار والمجرور (للناس) احتمل معنيين: الأول: أنه بمعنى اقترب من الناس أو إليهم فيكون متعلقًا بالفعل (اقترب). وعليه الأكثرون. والمعنى الآخر: أن يكون متعلقًا بالحساب، أي اقترب الحساب للناس، أي حساب الناس. كما أجازه جماعة من النحاة. فأفاد التقديم المعنيين واحتملهما، بخلاف ما لو أخر الجار والمجرور فقال: (اقترب الحساب للناس). ثـم إن تقـديـم (للنـاس) سـوغ ذكـر الضميـر فـي الحساب فقـال: (حسابهم)، ولو أخر الجار والمجرور فقال: (اقترب حساب الناس) أو: الحساب للناس لم يكن للضمير موضع. فذكر في التعبير: الناس مع ضميرهم، وهذا يفيد ضربًا من التأكيد. وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب تهويل وتفخيم، فكأن الحساب يحث السير والسعي للوصول إليهم، فهو استعارة تمثيلية، فكأن الحساب شخص مغير معجل الإغارة للوصول إلى الناس. جاء في (تفسير أبي السعود): "وفي إسناد الاقتراب المنبئ عن التوجه نحوهم إلى الحساب مع إمكان العكس بأن يعتبر التوجه والإعراض من جهتهم نحوه من تفخيم شأنه وتهويل أمره ما لا يخفى لما فيه من تصويره بصورة شيء مقبل عليهم لا يزال يطلبهم ويصيبهم لا محالة" (5). وجاء في (التحرير والتنوير): "الاقتراب مبالغة في القرب ... وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب استعارة تمثيلية، شبه حال إظلال الحساب لهم بحالة شخص يسعى ليقرب من ديار ناس. ففيه تشبيه هيئة الحساب المعقولة بهيئة محسوسة وهي هيئة المغير والمعجل في الإغارة على القوم يلح في السير تكلفًا للقرب من ديارهم وهـم غافلون عن تطلب الحساب إياهم كما يكون قوم غازين معرضين عن اقتراب العدو منهم" (6). لِلنَّاسِ قيل: إن المقصود بالناس مشركو مكة، وقيل: المشركون مطلقًا وقيل: هو عام في منكري البعث (7)، وقيل: إن المراد بالناس العموم (8). والذي يبدو أن المقصود بالناس كل من اتصف بالغفلة والإعراض. وإطلاق لفظ الناس على هؤلاء من باب المجاز المرسل والعلاقة الكلية، فقد ذكر الكل وأراد قسمًا منهم. جاء في (الكشاف): "وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالناس المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين" (9). وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ وصفهم بالغفلة والإعراض، وقيل: إن هذين الوصفين ظاهرهما التنافي، فإن الغافل غير المعرض، فإن المعرض عن الشيء إنما يكون إذا كان ذاكرًا له. وقيل: إنهما وصفان باعتبار حالين مختلفين، فإنهم غافلون فإذا ذكرتهم أعرضوا. جاء في (الكشاف): "وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم ... وإذا قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا" (10). وجاء في (البحر المحيط): "وأخبر عنهم بخبرين ظاهرهما التنافي لأن الغفلة عن الشيء والإعراض عنه متنافيان، لكن يجمع بينهما باختلاف حالين. أخبر عنهم أولًا أنهم لا يتفكرون في عاقبة أمرهم بل هم غافلون عما يؤول إليه أمرهم. ثم أخبر عنهم ثانيًا أنهم إذا نبهوا من سنة الغفلة وذكروا بما يؤول إليه أمر المحسن والمسيء أعرضوا عنه ولم يبالوا بذلك" (11). وقال: (في غفلة) بذكر (في) الظرفية، ولم يقل: (غافلون)، للدلالة على أنهم ساقطون في الغفلة وأن الغفلة محيطة بهم من كل الجهات وهم مغمورون فيها. جاء في (التحرير والتنوير): "ودلت (في) على الظرفية المجازية التي هي شدة تمكن الوصف منهم، أي وهم غافلون أشد الغفلة حتى كأنهم منغمسون فيها أو مظروفون في محيطها" (12). ولم يرد نحو هذا التعبير في القرآن الكريم إلا في اليوم الآخر. قال تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ [مريم: 39] وقال: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ [الأنبياء: ۹۷]. وقال: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: ۲۲]. وآية الأنبياء هذه. وذلك أشد الغفلة. وجاء بالإعراض بالصيغة الاسمية فقال: مُعْرِضُونَ  للدلالة على الثبات والدوام. والوصف بالإعراض الثابت الدائم مناسب لهذه الغفلة العظيمة الغامرة. وفي الآية مبالغات عديدة منها: أنه قال: اقْتَرَبَ  ولم يقل: (قرب) وهو مبالغة في القرب. وقال: (للناس) فأطلق الكل على الجزء وهم المشركون أو المتصفون بهذين الوصفين وهو مبالغة. وقدم الجار والمجرور للاهتمام والتهويل، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه أفاد التوسع في المعنى، فقد يحتمل أن يكون لِلنَّاسِ متعلقًا بـ اقْتَرَبَ ، ويحتمل أن يكون متعلقًا بالحساب، فأفاد معنيين وهو توسع في المعنى. وأضاف الحساب إلى الناس فقال: حِسَابُهُمْ تهويلاً وإنذارًا شديدًا، ولم يقل: (اقترب للناس الحساب). وقال: فِي غَفْلَةٍ ولم يقل: (غافلون) للدلالة على تمكن الغفلة منهم وأنهم ساقطون فيها كالساقط في اللجة. وقال: مُعْرِضُونَ بالاسم للدلالة على الثبات والدوام. وجمع بين الغفلة والإعراض. فهم في غفلة فإذا ذكروا أعرضوا. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 7 إلى ص 12. (1) الكشاف ۲/۳۲۰. (۲) البحر المحيط 6 / ٢٩٥ - ٢٩٦ . (۳) شرح الرضي على الكافية 3/406. (٤) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل ۲/۲۲. (5) تفسير أبي السعود ٣/٦٨٢. (6) التحرير والتنوير ۱۷/8 – 9. (7) انظر الكشاف ۲/۳۲۰، البحر المحيط 295. (8) فتح القدير 3/٣٨٤. (9) الكشاف ۲/۳۲۰. (10) الكشاف ۲/۳۲۰. (11) البحر المحيط 6/٢٩٦. (12) التحرير والتنوير ۱۷/۱۰. الوقفة كاملة
٣٠٩ {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) } يحتمل أن يكون أصل التعبير (اقترب حساب الناس) ثم (اقترب الحساب للناس) بذكر اللام التي تفيد الاختصاص والاستحقاق. ثم قدم الجار والمجرور للاهتمام والتهويل وهو المهم فقال: (اقترب للناس الحساب)، ثم أضيف (الحساب) إليهم ليكون مختصًا بهم، وفيه تهديد أكبر فقال: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} ثم {اقْتَرَبَ} يفيد المبالغة في القرب، فإن (افتعل) أدل على المبالغة من (فُعَل)، والأصل (قرب). وقيل: إن اللام متعلقة بـ (اقترب)، واللام بمعنى (إلى) أو معنى (من)، والمعنى (اقترب من الناس حسابهم) أو (اقترب إلى الناس حسابهم). وقد ذكر هذين الاحتمالين صاحب (الكشاف) فقال: "هذه اللام لا تخلو من أن تكون صلة لـ (اقترب)، أو تأكيدًا لإضافة الحساب إليهم، كقولك: (أزف للحي رحيلهم)، الأصل: أزف رحيل الحي، ثم أزف للحي الرحيل، ثم أزف للحي رحيلهم... ومنه قوله: (لا أبالك) لأن اللام مؤكدة لمعنى الإضافة... والمراد اقتراب الساعة، وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك. ونحوه: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} [الأنبياء: 97] (1). ومنع قسم من النحاة أن يكون (للناس) متعلقًا بالحساب؛ لأن (الحساب) مصدر ولا يتقدم معموله عليه. جاء في (البحر المحيط): "و(للناس) متعلق بـ اقترب... وأما جعله اللام تأكيدًا لإضافة الحساب إليهم مع تقدم اللام ودخولها على الاسم الظاهر فلا نعلم أحدًا يقول ذلك، وأيضًا فيحتاج إلى ما يتعلق به، ولا يمكن تعليقها بـ (حسابهم) لأنه مصدر موصول ولا يتقدم معموله عليه" (2). وذهب بعضهم إلى إجازة ذلك، جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وأنا لا أرى منعًا من تقدم معموله عليه إذا كان ظرفاً أو شبهه نحو قولك: (اللهم ارزقني من عدوك البراءة وإليك الفرار)، قال تعالى: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} [النور: ٢]، وقال: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} [الصافات: ۱۰۲]... ومثله في كلامهم كثير، وتقدير الفعل في مثله تكلف (3). ونحوه قوله: {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} [الكهف: 108]، وقولهم: (اللهم اجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا)، وجعل الظرف متعلقًا بمحذوف حالاً من المصدر تكلف (4). إن تقديم الجار والمجرور (للناس) احتمل معنيين: الأول: أنه بمعنى اقترب من الناس أو إليهم فيكون متعلقًا بالفعل (اقترب). وعليه الأكثرون. والمعنى الآخر: أن يكون متعلقًا بالحساب، أي اقترب الحساب للناس، أي حساب الناس. كما أجازه جماعة من النحاة. فأفاد التقديم المعنيين واحتملهما، بخلاف ما لو أخر الجار والمجرور فقال: (اقترب الحساب للناس). ثـم إن تقـديـم (للنـاس) سـوغ ذكـر الضميـر فـي الحساب فقـال: (حسابهم)، ولو أخر الجار والمجرور فقال: (اقترب حساب الناس) أو: الحساب للناس لم يكن للضمير موضع. فذكر في التعبير: الناس مع ضميرهم، وهذا يفيد ضربًا من التأكيد. وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب تهويل وتفخيم، فكأن الحساب يحث السير والسعي للوصول إليهم، فهو استعارة تمثيلية، فكأن الحساب شخص مغير معجل الإغارة للوصول إلى الناس. جاء في (تفسير أبي السعود): "وفي إسناد الاقتراب المنبئ عن التوجه نحوهم إلى الحساب مع إمكان العكس بأن يعتبر التوجه والإعراض من جهتهم نحوه من تفخيم شأنه وتهويل أمره ما لا يخفى لما فيه من تصويره بصورة شيء مقبل عليهم لا يزال يطلبهم ويصيبهم لا محالة" (5). وجاء في (التحرير والتنوير): "الاقتراب مبالغة في القرب... وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب استعارة تمثيلية، شبه حال إظلال الحساب لهم بحالة شخص يسعى ليقرب من ديار ناس. ففيه تشبيه هيئة الحساب المعقولة بهيئة محسوسة وهي هيئة المغير والمعجل في الإغارة على القوم يلح في السير تكلفًا للقرب من ديارهم وهـم غافلون عن تطلب الحساب إياهم كما يكون قوم غازين معرضين عن اقتراب العدو منهم" (6). {لِلنَّاسِ} قيل: إن المقصود بالناس مشركو مكة، وقيل: المشركون مطلقًا وقيل: هو عام في منكري البعث (7)، وقيل: إن المراد بالناس العموم (8). والذي يبدو أن المقصود بالناس كل من اتصف بالغفلة والإعراض. وإطلاق لفظ الناس على هؤلاء من باب المجاز المرسل والعلاقة الكلية، فقد ذكر الكل وأراد قسمًا منهم. جاء في (الكشاف): "وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالناس المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين" (9). {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} وصفهم بالغفلة والإعراض، وقيل: إن هذين الوصفين ظاهرهما التنافي، فإن الغافل غير المعرض، فإن المعرض عن الشيء إنما يكون إذا كان ذاكرًا له. وقيل: إنهما وصفان باعتبار حالين مختلفين، فإنهم غافلون فإذا ذكرتهم أعرضوا. جاء في (الكشاف): "وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم... وإذا قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا" (10). وجاء في (البحر المحيط): "وأخبر عنهم بخبرين ظاهرهما التنافي لأن الغفلة عن الشيء والإعراض عنه متنافيان، لكن يجمع بينهما باختلاف حالين. أخبر عنهم أولًا أنهم لا يتفكرون في عاقبة أمرهم بل هم غافلون عما يؤول إليه أمرهم. ثم أخبر عنهم ثانيًا أنهم إذا نبهوا من سنة الغفلة وذكروا بما يؤول إليه أمر المحسن والمسيء أعرضوا عنه ولم يبالوا بذلك" (11). وقال: (في غفلة) بذكر (في) الظرفية، ولم يقل: (غافلون)، للدلالة على أنهم ساقطون في الغفلة وأن الغفلة محيطة بهم من كل الجهات وهم مغمورون فيها. جاء في (التحرير والتنوير): "ودلت (في) على الظرفية المجازية التي هي شدة تمكن الوصف منهم، أي وهم غافلون أشد الغفلة حتى كأنهم منغمسون فيها أو مظروفون في محيطها" (12). ولم يرد نحو هذا التعبير في القرآن الكريم إلا في اليوم الآخر. قال تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} [مريم: 39] وقال: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: ۹۷]. وقال: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: ۲۲]. وآية الأنبياء هذه. وذلك أشد الغفلة. وجاء بالإعراض بالصيغة الاسمية فقال: {مُعْرِضُونَ } للدلالة على الثبات والدوام. والوصف بالإعراض الثابت الدائم مناسب لهذه الغفلة العظيمة الغامرة. وفي الآية مبالغات عديدة منها: أنه قال: {اقْتَرَبَ } ولم يقل: (قرب) وهو مبالغة في القرب. وقال: (للناس) فأطلق الكل على الجزء وهم المشركون أو المتصفون بـ هذين الوصفين وهو مبالغة. وقدم الجار والمجرور للاهتمام والتهويل، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه أفاد التوسع في المعنى، فقد يحتمل أن يكون {لِلنَّاسِ} متعلقًا بـ {اقْتَرَبَ }، ويحتمل أن يكون متعلقًا بالحساب، فأفاد معنيين وهو توسع في المعنى. وأضاف الحساب إلى الناس فقال: {حِسَابُهُمْ} تهويلاً وإنذارًا شديدًا، ولم يقل: (اقترب للناس الحساب). وقال: {فِي غَفْلَةٍ} ولم يقل: (غافلون) للدلالة على تمكن الغفلة منهم وأنهم ساقطون فيها كالساقط في اللجة. وقال: {مُعْرِضُونَ} بالاسم للدلالة على الثبات والدوام. وجمع بين الغفلة والإعراض. فهم في غفلة فإذا ذكروا أعرضوا. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 7 إلى ص 12. (1) الكشاف ۲/۳۲۰. (۲) البحر المحيط 6 / ٢٩٥ - ٢٩٦. (۳) شرح الرضي على الكافية 3/406. (٤) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل ۲/۲۲. (5) تفسير أبي السعود ٣/٦٨٢. (6) التحرير والتنوير ۱۷/8 – 9. (7) انظر الكشاف ۲/۳۲۰، البحر المحيط 295. (8) فتح القدير 3/٣٨٤. (9) الكشاف ۲/۳۲۰. (10) الكشاف ۲/۳۲۰. (11) البحر المحيط 6/٢٩٦. (12) التحرير والتنوير ۱۷/۱۰. الوقفة كاملة
٣١٠ {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4)} الوسواس كلمة على وزن فعلال، وفعلال المفتوح الفاء يكون أسمًا، والمكسور الفاء مصدرًا وذلك كالزلزال، فالزلزال بالكسر مصدر الفعل (زلزل)، وبالفتح الاسم، أي هو اسم لحركة الأرض المعروفة (1). وقد يكون فعلًا وصفًا بمعنى اسم الفاعل، وذلك كالثرثار وهو بمعنى المثرثر، الفأفاء والتمتام، غير أنه يفيد المبالغة والكثرة كفعال في الثلاثي (2). وقد اختلف في الوسواس على هذا، فمنهم من ذهب إلى أن الوسواس اسم بمعنى الوسوسة، وهو ما يوسوس به الشيطان من هوى النفس وشهواتها، فما توسوس به النفس من خطرات وأهواء هو الوسواس، وعلى هذا تكون الاستعاذة من شرور هذه الوساوس التي تنقمع بذكر الله تعالى. وقيل: المراد به الشيطان على تقدير حذف المضاف، أي من شر ذي الوسواس، وذو الوسواس هو الشيطان. جاء في (الكشاف): "الوسواس اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. وأما المصدر فوسواس بالكسر كزلزال، والمرد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه؛ لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه، أو أريد به ذو الوسواس. والوسوسة: الصوت الحفي" (3). وقسم ذهب إلى أن الوسواس وصف بمعنى اسم الفاعل، أي الموسوس، كالثرثار والقضقاض والتمتام بمعنى المثرثر والمقضقض، وهو من اسماء الشيطان أيضًأ. جاء في (روح المعاني): "وقال الزمخشري: المكسور مصدر، والمفتوح اسم للحركة المعروفة [يعني الزلزال] ... وقال أيضًا: ليس في الأبنية فعلال بالفتح إلا أن الأغلب فيه إذا فتح أن يكون بمعنى اسم الفاعل كصلصال بمعنى مصلصل، وقضقاض بمعنى مقضقض، ووسواس بمعنى موسوس، وليس مصدرًا عند ابن مالك. وأما في غير المضاف فلم يسمع إلًا نادرًا، سواء كان صفة أو اسمًا جامدًا... ومن النادر خزعال بمعجمتين، وهو الناقة التي بها ظلع" (4). وجاء فيه أيضًا: "والوسواس عند الزمخشري اسم مصدر بمعنى الوسوسة، والمصدر بالكسر ... وقال بعض أئمة العربية: إن فعلل ضربان: صحيح كدحرج، وثنائي مكرر كصلصل. ولهما مصدران مطردان: فعللة وفعلال بالكسر، وهو أقيس، والفتح شاذ، لكنه كثر في المكرر كتمتام وفأفاء. ويكون للمبالغة كفعال في الثلاثي، كما قالوا: وطواط للضعيف وثرثار للمكثر. والحق أنه صفة، فليحمل عليه ما في الآية الكريمة من غير حاجة إلى التجوز أو حذف المضاف" (5). والذي يترجح أنه وصف بمعنى اسم الفاعل يفيد الكثرة والمبالغة، ويدل على ذلك قوله: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} فجعل الوسواس قسمين: قسمًا من الجنة وقسمًا من الناس، وهذا لا يحمل على المصدر أو ما كان بمعنى المصدر إلا على ضرب من التأويل والتقدير. فحمله على الوصف سالم من التقدير ومن التجوز، وله نظائر في اللغة. وقد يحمل على المعنيين معًا على التوسع في المعنى، فتكون الاستعاذة من شر الوسوسة والموسوس جميعًا. واختيار الوسواس على الموسوس له أكثر من سبب، فإن الوسواس يحتمل أمثر من معنى كما ذكرنا، فهو يحتمل معنى الوسوسة ومعنى الموسوس فيستعاذ من شروره على اختلاف معانيه. ثم إن الموسوس قد يكون لمعنى آخر غير الوسواس، ذلك أن لفظ الموسوس قد يطلق على من تغلب عليه الوسوسة، فيقال: "رجل موسوس إذا غلبت عليه الوسوسة ... وفلان الموسوس – بالكسر – الذي تعتزيه الوساوس" (6). ثم إن الوسواس هو المبالغ في الوسوسة، فهي من صفات المبالغة، مثل (فعال) في الثلاثي كالكذاب والصبار، وليس في الموسوس مبالغة، فكان اختيار الوسواس أولى. ثم إنه استعاذ من شر الوسواس، ولم يستعذ منه على العموم، فلم يقل: (من الوسواس الخناس)، في حين عندما ذكر الشيطان استعاذ منه على العموم فقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98]، وقال: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]، ذلك أن المذكورين في سورة الناس هم الجنة والناس وليسوا الشياطين، والجن منهم المؤمنون الصالحون ومنهم الفسقة ومنهم الكافرون، شأن بني آدم، كما قال تعالى على لسان الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} [الجن: 14] وقال: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} [الجن: 11] فالكفرة منهم هم الشياطين. وذكر مع الجنة الناس، وهم أصناف كما لا يخفي، فاستعاذ من شرور هؤلاء لا منهم على العموم، فإنه لا ينبغي الاستعاذة من الجن على العموم، فإن فيهم خيرًا وصلاحًا، ولكن يستعاذ من شرهم. وكذلك الناس فإننا لا نستعيذ من الناس على العموم، بل من شرورهم، فإننا مأمورون بمخالطة الناس ودعوتهم وإصلاحهم ونصحهم فكيف نستعيذ منهم. فلا تقول: أعوذ بالله من الناس، وإنما نستعيذ من الظالمين المتسلطين ومن شرورهم ونحو ذلك قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]. أما الشيطان فهو شر كله، حضوره وهمزه ونسخه، فالاستعاذة تكون منه على العموم ومن شروره، قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. فحسن ذكر الشر مع الوسواس. ثم انظر كيف استعاذ من شر الوسواس، وهي الذات الموسوسة، ولم يقل: من شر وسوسته، وذلك لتعم الاستعاذة من شروره كلها لا من شر الوسوسة فقط، فإن الموسوس قد يكون شيطانًا وغيره، فاستعاذ من شرور كل ما يصدر عنه سواء كان ذلك وسوسة أم غيرها. جاء في (التفسير القيم): "وتأمل حكمة القرآن وجلالته كيف أوقع الاستعاذة من شر الشيطان الموصوف بأنه (الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس)، ولم يقل: (من شر وسوسته)، لتعم الاستعاذة شره جميعه، فإن قوله: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ} يعم كل شره" (7). وجاء في (روح المعاني): "والظاهر أن المراد الاستعاذة من شر الوسواس من حيث هو وسواس، ومآله إلى الاستعاذة من شر وسوسته. وقيل: المراد الاستعاذة من جميع شروره، ولذا قيل: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ} ولم يقل: من شر وسوسة الوسواس، قيل: وعليه يكون القول بأن شره يلحق البدن كما يلحق النفس أظهر منه على الظاهر" (8). {الْخَنَّاسِ} صيغه مبالغة من الخنوس، وهو التأخر والاستتار أحيانًا. واختيار وصف الخناس مع الوسواس مناسب له في المبالغة، فإن الوسواس من الرباعي كفعال في الثلاثي، كلاهما يدل على الاستمرار في الوصف والمبالغة فيه. ذلك أن وزن (فعال) في المبالغة منقول عن الحرفة والصنعة، فالكذاب كأن حرفته الكذب كالنجار والحداد. والوسواس يدل على أنه همه الوسوسة، وهي شغلة الشاغل له. وتكرار المقطع يدل على تكرار الفعل مثل: الكبكبة والهزهزة والزلزلة. ونحن البشر بنا حاجة إلى ما يخنس الوسواس ويقمعه كلما وسوس، فاختار لفظ الخناس الذي يدل على مداومة الخنوس وملازمته كلما استعاذ المستعيذ بالله. فهو مزاول للوسوسة والخنوس وملازمته كلما استعاذ المستعيذ بالله. فهو مزاول للوسوسة والخنوس كلما سنحت فرصة لأي منهما. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه إذا كان لك خصم أو عدو يتربص بك السوء فينبغي أن تعلم صفة خصمك وقوته ومكامن ضعفه، وما المقدار الذي بإمكانك أن توقع عليه الضرر، وكيف تنجو منه. وقد أعلمنا ربنا أننا لا نستطيع أن نقضي على هذا العدو قضاءً تامًا، وإنما قصارى ما نستطيع هو أن ندفع عنا شر وسوسته، فإنه يخنس بذكر الله تعالى وطاعته، وهو لا يلبث أن يعاود وسوسته وكيده في أقرب فرصة سانحة، وفي كل لحظة غفلة عن ذكر الله والاستعاذة به. لقد عرفنا ربنا صفة هذا العدو وكيده وشغله الشاغل له والسلاح الذي ينبغي أن نتسلح به لنصد خطره، لا أن نقضي عليه ونستريح منه، فإن هذا ليس بإمكاننا ولا نستطيعه. فقال: {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} أي المختفي ليعيد الكرة ويتربص لحظة الغفلة، ولم يقل: (الوسواس المنهزم الذي لا يعود) أو ( الوسواس المقتول بذكر الله وطاعته)، فاحذر واستعن بالله. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 61 إلى ص 67. (1) انظر الكشاف 3/352، روح المعاني 30/208 – 209. (2) انظر روح المعاني 30/286. (3) الكشاف 3/370. (4) روح المعاني 30/208 – 209. (5) روح المعاني 30/286. (6) لسان العرب (وسوس) 8/142. (7) التفسير القيم 608 – 609. (8) روح المعاني 30/286. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 301 إلى 310 من إجمالي 396 نتيجة.