| ٣٠٠١ |
برنامج لمسات بيانية
آية (16):
(قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16))
فكرة عامة عن الآية:
بعدما بالغ أصحاب القرية في تكذيبهم وردهم رداً غير جميل لم يتركهم رسل الله ولم يرحلوا عنهم وإنما أقسموا على صدقهم واستمروا على إبلاغهم دعوة ربهم قائلين (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) وفي هذا توجيه للدعاة أن لا يسأموا إذا جوبهوا بما يكرهون أو رُدوا رداً غير جميل أو اتهموا باتهامان باطلة بل عليهم أن يعيدوا النصح والتبليغ. وقولهم (ربنا يعلم) يجري عند العرب مجرى اليمين ويجاب بما يجاب به القسم فقوله (علم الله) و(ربنا يعلم) وما إلى ذلك هو نوع من القسم في كلام العرب ولذا أجيب بما يجاب به القسم وهو الجملة الإسمية المؤكدة بـ(إن واللام).
* هذا قسم بمثابة (والله)؟
المسألة ليست مثل (والله). أصلاً هم يقولون من قال (ربنا يعلم) وهو غير صادق فقد كفر ليست مثل حنث اليمين لأنه نسب الجهل إلى الله. كثير من المفسرين يقولون إذا قلت ربنا يعلم وعذا الكلام غير صحيح فقد نسبت الجهل إلى الله فقد كفرت يعني ليست مثل (والله).
* ليست مجرد حنث اليمين. يعني لو سألتني عن شيء من أمور الحياة وقلت ربنا يعلم؟
لا إذا إذا كنت تنوي القسم واستبدلت، يعلم الله وأنت تعلم أن هذا غير صحيح وأنت تعلم أن هذا غير صحيح، كأنك نسبت الجهل إلى الله تعالى أنت قلت ربنا يعلم فكأنه هو جاهل عنها لا يعلم.
* سلِّم يا رب. إذن هي ليست مجرد القسم؟
ليست مجرد قسم وإنما هي مسألة خطيرة ولذلك هم قالوا (ربنا يعلم) نسبوا العلم إلى الله. واختيار هذا التعبير أنسب شيء هنا فإنه إضافة إلى القسم الذي فيه فإنهم نسبوا العلم إلى الله فقالوا (ربنا يعلم ذلك) فإنهم أرسلوا بأمره وبعلمه. وهو ههنا أبلغ من مجرد القسم بأن نقول (والله) أو (وربنا) فإن أصحاب القرية قالوا إن الرحمن لم ينزل شيئاً وإنكم تكذبون فيما ادعيتم به فرد عليه الرسل بأن ربنا يعلم صدقنا وإننا مرسلون إليكم. وقيل إن من قال (يعلم الله ذلك) وهو غير صادق فيما يقول فقد كفر لأنه نسب إلى الله الجهل بخلاف اليمين الكاذبة.
* مثل ذا النون (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا (87) الأنبياء)؟
كلا، هم لم يتركوهم ولم يرحلوا عنهم بل استمروا على تبليغهم بالدعوة وهذا توجيه للدعاة أن لا يسأموا إذا أجيبوا إجابة شديدة أو ردوا رداً غير جميل أو اتهموا اتهامات باطلة عليهم أن يثبتوا، عليهم أن يعيدوا النصح ويثبتوا. هذا توجيه لكل متصدي للدعوة أن لا يترك بمجرد أنه سمع كلاماً.
* يعني لا نقول (اللهم قد بلغت اللهم فاشهد) من أول مرة نقول هذا الكلام! سيدنا النبي عليه الصلاو السلام قالها بعد 23 عاماً!
علينا أن نكرر، هذه فيها درس كبير للدعاة.
* اختيار الرب قالوا (رَبُّنَا يَعْلَمُ) ولم يقولوا الله يعلم؟
اختيار (الرب) مع الرسالة أنسب شيء فإن الرب هو المربي والهادي والهداية هي المقصودة من الرسالة ولذلك كثيراً ما يقترن الإرسال بالرب وذلك نحو قوله تعالى (لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا (134) طه) وقوله (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا (47) القصص) وقوله (لقد أبلغتكم رسالة ربي (79) الأعراف) وقوله (إني رسول رب العالمين (46) الزخرف).
وإضافته إلى ضمير المتكلمين (ربنا) يعني أن ربهم الذي خلقهم وله كمال الصفات هو الذي أرسلهم وأيدهم بالمعجزات ولو قالوا (ربكم يعلم...) لاحتمل أن يقولوا لهم: إن ربنا لا يرسل الرسل. ثم إنهم اتخذوا أرباباً لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه فكيف ترسل الرسل؟ ثم إن ذلك يعني أن ربهم هو الذي أرسلهم إلى أهل القرية لأنه ربهم أيضاً ولو لم يكن ربهم لم يعنه أمرهم فإضافة الرب إلى ضمير المتكلمين له أكثر من مناسبة ودلالة. وتقديم الرب على الفعل يفيد التوكيد والتقوية. وتقديم الجار والمجرور (إليكم) يفيد التخصيص أي إنا أرسلنا إليكم على وجه الخصوص لنبلغكم رسالة ربنا.
وقال ههنا (لمرسلون) باللام وقبلها (مرسلون) بلا لام وذلك زيادة في التوكيد لزيادة الإنكار. فقد أكد العبارة الأولى بـ(أن) بعد التكذيب فلما زاد التكذيب والإنكار بثلاث جمل كل منها غاية في التكذيب والإنكار زاد في التأكيد. فقد قال في المرة الأولى (إنا إليكم مرسلون) وفي المرة الأخرى (ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) فأكد بالقسم وهو قوله (ربنا يعلم) وبالجملة الإسمية وهو تقديم ربنا على الفعل وبإنّ واللام فكان كل تعبير المناسب للمقام.
جاء في التفسير الكبير في قوله تعالى (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) إنه "إشارة إلى أنهم بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا بل أعادوا ذلك وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين و (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) وأكدوا باللام لأن (يعلم الله) يجري مجرى القسم لأن من يقول (يعلم الله) فيما لا يكون فقد نسب الله إلى الجهل وهو سبب العقاب كما أن الحنث سببه". وجاء في روح المعاني "استشهدوا بعلم الله تعالى وهو جار مجرى القسم في التأكيد والجواب بما يجاب به وذكر أن من استشهد به كاذباً يكفر ولا كذلك القسم على كذب وفيه تحذيرهم معارضة علم الله تعالى.
وفي اختيار عنوان الربوبية رمز إلى حكمة الإرسال كما رمز الكفرة إلى ما ينافيه بزعمهم. وإضافة (رب) إلى ضمير الرسل لا يأبى ذلك ويجوز أن يكون اختياره لأنه أوفق بالحال التي هم فيها من إظهار المعجز على أيديهم فكأنهم قالوا: ناصرنا بالمعجزات يعلم أنا إليكم لمرسلون. وتقديم المسند إليه لتقوية الحكم أو للحصر أي ربنا يعلم لا أنتم لانتفاء النظر في الآيات عنكم.... وجاء كلام الرسل ثانياً في غاية التأكيد لمبالغة الكفرة في الإنكار جداً حيث أنه أتوا بثلاث جمل وكل منها دال على شدة الإنكار كما لا يخفى على من له أدنى تأمل".
* في قوله تعالى (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)) زاد التوكيد هنا كثيراً لماذا؟ ولماذا هذه الصيغة (إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ)؟ ما دلالة التقديم والتأخير؟
هما سؤالان: أما زيادة التوكيد أولئك لما أوغلوا في التكذيب (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15)) زاد التكذيب فاقتضى التوكيد والزيادة في التوكيد. لما قال (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا (14)) قال (فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14)) وهنا لما قال (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) .
*ازدادت حدة التكذيب بالتالي تزداد توكيد الرسالة؟
(رَبُّنَا يَعْلَمُ) هذا قسم، وجملة إسمية وإنّا واللام (إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ). (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) لما زاد التكليف زاد التوكيد. أما لماذا (إليكم) فهي تفيد الاختصاص لأنهم أرسلوا إليهم خاصة.
*هم يؤكدوا الرسالة هم كذبوا كونهم رسل؟
لكن هنا أمرين أن الرسل قبل الخاتَم ترسل إلى قوم خاص. مبلّغ إنا إليكم لمرسلون إليكم تحديداً لا يذهبوا لمكان آخر وإنما تحديداً لهم لأن الرسل كانت ترسل إلى أقوامهم، أما هؤلاء إنا إليكم لمرسلون خاصة بكم
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٠٢ |
برنامج لمسات بيانية
(قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18))
تطيرنا بكم أي تشاءمنا بكم فلم نر على وجوهكم خيراً في عيشنا. وقد تقول لقد قال في سورة النمل في قوم صالح (قالوا اطيرنا بك وبمن معك (47) النمل) فأبدل وأدغم فلم لم يقل ههنا كما قال ثمَّ؟ والجواب أنا ذكرنا في كتابنا بلاغة الكلمة في التعبير القرآني أن (اطّير) ونحوه كادّبّر واطّهّر أبلغ من (تطير) ونحوه لمكان التضعيف في الفاء زيادة على تضعيف العين فدل على أن التطير في سورة النمل أشد منه مما في هذه الآية، يدل على ذلك أنهم في هذه الآية هددوهم بالرجم والتعذيب إن لم ينتهوا. وأما في سورة النمل فقد تعاهدوا وتقاسموا بالله على قتله مع أهله (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله (49) النمل) فدل على أن تطيرهم في سورة النمل أقوى وأشد.
* ما العلاقة بين التطير والتشاؤم؟
كانوا في الجاهلية إذا أرادوا سفراً ورأوا طيراً زجروه فإن طار على ميامنهم يتفاءلون يسموه السامح وإذا طار على يسارهم يتشاءمون ويسموه البارح. من هنا دخل معنى التشاؤم من الطير. يبقى اختيار الصيغة. إطّير أصلها تطيّر صار فيها تضعيفان، فيها تضعيف آخر إبدال وإدغام، إبدال التاء طاء.
*إدغامهما في بعضهما بالتشديد وتشديد الياء؟
وتشديد الياء وفيه همزة وصل إذن هذا صار فيه من الإبدالات الجائزة والكثيرة فصار اطّيّر مثل تطهّر واطّهّر، تدبّر وادّبّر، تذكر واذكر، يدبرون يتدبرون، يطهرون يتطهرون، إطير يتطير، هذا إبدال جائز. لكن اطّيّر كما ذكرت فيها تضعيفان، الأصل تطيّر فيها تضعيف واحد، والتضعيف يفيد المبالغة والتكثير إذن صار التطيّر في النمل أشد من التطيّر في يس. كيف نعلم هذا؟ لو قرأنا ما في النمل (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ (47)). هنا هددوهم بالرجم والعذاب في يس (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)) نلاحظ في النمل قالوا (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49)) يقتلوه هو وأهله، أيّ الأشد؟ القتل أشدّ، أي التطير أكثر؟
* الخاص بالقتل فلهذا قال (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ)؟
(قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ) لأن ما أضمروا له كان أشد (لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ) يقتلونهم كلهم (ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ).النية المبيتة للقتل أقوى فكان التطير أقوى.
وقد تقول إذا كان الأمر كذلك فلم إذن أكّد التطير بـ (إنّ) في سورة يس فقال (إنا تطيرنا بكم) ولو يؤكده في سورة النمل فإنه قال (قالوا اطيرنا)؟ والجواب أنه لا يلزم في الكلام توكيد كل فعل فيه مبالغة وشدة دوما فإنه إذا ذكر المتكلم فعلاً أقوى وأبلغ من فعل أو وصفاً أقوى من وصف لا يلزمه أن يؤكد الفعل أو الوصف الأقوى منهما وإنما يكون ذلك بحسب الغرض فله أن يؤكد أي واحد منهما بحسب ما يقتضيه الكلام فله أن يقول مثلاً (اصطبرت عليك وإني صبرت على فلان) فيذكر الإصطبار من دون توكيد ويؤكد الصبر مع أن الاصطبار أبلغ وأقوى من الصبر لأن الغرض من العبارة أن يخبر باصطباره عليه ويؤكد صبره على الآخر.
ولك أن تقول (إنه كاذب) فتؤكد إسم الفاعل وتقول (هو كذاب) فلا تؤكد صيغة المبالغة مع أن المبالغة أقوى من إسم الفاعل ولا يلزم من مبالغة الوصف التوكيد وإنما يكون ذلك بحسب الغرض. قال تعالى (وإنهم لكاذبون) في أكثر من موطن فأكّد بـ(إنّ) واللام.
وقال (هذا ساحر كذاب (4) ص) و(بل هو كذاب أشر (25) القمر) ولم يؤكد مع أن (كذاب) صيغة مبالغة فأكد إسم الفاعل ولم يؤكد المبالغة.
والذي أريد أن أخلص إليه أن المبالغة في الفعل والوصف لا تقتضي التوكيد دائماً وإنما ذلك بحسب الغرض والمقام فلك أن تؤكد أيّ فعل أو وصف أو لا تؤكده ولك أن تؤكد ما هو أقل مبالغة ولا تؤكد الأقوى وبالعكس فكل ذلك إنما يكون بحسب ما يقتضيه الكلام. وإيضاح ذلك أنك قد تذكر شخصاً هو موضع ثقة كبيرة عند من تخاطبه فتقول له (هو كاذب) فينكر ذلك عليك فتؤكد ذلك بقولك (إنه كاذب) ثم ينكر عليك قولك إنكاراً أشد ن الأول فتقول له (إنه لكاذب). وتقول عن شخص آخر معروف بكثرة الكذب (هو كذاب) فلا تحتاج إلى توكيد لأن مخاطبك لا ينكر ذلك عليك. فأنت احتجت إلى أن تؤكد إسم الفاعل دون المبالغة.
ونعود إلأى الآيتين فنقول إن قوم صالح أخبروه بتطيرهم الشديد وأما أصحاب القرية فإنهم أكدوا تطيرهم وهو نظير قولنا (اصطبرت عليك وإني صبرت على فلان) أو (هو مكتسب وإن زيداً كاسب) فيؤكد الأقل دون الأقوى.
إنه في آية يس قوله (قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم) أكد التطير بـ (إنّ) وفي آية النمل وهي قوله (قالوا اطيرنا بك وبمن معك) لم يؤكده ذلك أن كل موطن يقتضي ما ذكر فيه.
فإن أصحاب القرية أطالوا في كلامهم ولم يكتفوا بذكر التطير وإنما هددوهمبالرجم والتعذيب فقالوا (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم) في حين كان الكلام موجزاً في سورة النمل فقد ذكروا التطير ولم يهددوهم بشيء فناسب الإيجاز الإيجاز وناسب التفصيل التفصيل. ولا شك أن القول (تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم) أطول من (اطيرنا بك وبمن معك). هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن أصحاب القرية هددوهم بالرجم والتعذيب مؤكدين ذلك بالقسم ونون التوكيد (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) فناسب ذلك توكيد التطير في حين أن قوم صالح لم يهددوهم بشيء فناسب التوكيد في آية يس دون آية النمل. وهناك أمر آخر وهو أن رهطاً من قوم صالح كانوا يدبرون له ولأهله أمراً خفياً لا يريدون إشاعته ولا أن يعلم به غيرهم وهو أن يبيتوه وأهله بليل أي أن يغيروا عليهم ليلاً ويقتلوهم من دون أن يعلم أحد ثم إنهم إن سئلوا عن ذلك أجابوا أنهم لا يعلمون ذاك وقد تعاهدوا على ذلك وأقسموا عليه (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله) وهذا يقتضي عدم التهديد والتوعد المعلن لأنه سيفتضح أمرهم بل يقتضي عدم التوكيد في الكلام ولذا ذكروا أنهم متطيرون بهم ليس غير. فاقتضى كل موطن التعبير الذي ورد فيه. هذا علاوة على تردد التوكيد بـ(إنّ) في قصة أصحاب القرية أكثر من مرة (إنا إليكم مرسلون، إنا إليكم لمرسلون، إنا تطيرنا بكم، إني إذا لفي ضلال مبين، إني آمنت بربكم فاسمعون). في حين لم يرد ذلم في قصة صالح إلا قوله (وإنا لصادقون) فناسب كل تعبير موطنه وأما قوله (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51)) وقوله (إن في ذلك لآية (52)) فهذا من التعقيب على القصة وليس فيما دار فيها من كلام.
جاء في التفسير الكبير: "لما ظهر من الرسل المبالغة في البلاغ ظهر منهم الغلو في التكذيب فلما قال المرسلون (إنا إليكم مرسلون) قالوا (إن أنتم إلا تكذبون) ولما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا (ربنا يعلم) أكدوا قولهم بالتطير بهم".
(لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) : بعد أن ذكروا تطيرهم بهم هددوهم بالرجم إن لم يكفوا عن دعوتهم وقد أكدوا ذلك بالقسم وبنون التوكيد ويدل على القسم اللام الداخلة على (إنْ) وهي اللام المطئة للقسم أي الدالة عليه وأكدوا تهديدهم بنون التوكيد الثقيلة الداخلة على الفعل (لنرجمنكم) فكما أكدوا تطيرهم بـ (إنْ) أكدوا تهديدهم بالقسم ونون التوكيد. وقد تقول لقد قال في مكان آخر (لتكونن من المرجومين (116) الشعراء) وقال في سورة مريم (لئن لم تنته لأرجمنك (46)) فلم لم يجعل التعبيرات على نمط واحد؟ والجواب أنه لا يصح جعلها على نمط واحد لأن المعنى مختلف والمقام مختلف ذلك أن قولك (لأرجمنك) يعني لأوقعن عليك الرجم ولا يعني أن هناك مرجومين معه أو نالهم الرجم. وقولك (هو من المرجومين) يعني أنه واحد ممن نالهم الرجم. فلا يصح في سورة يس أن يقال (لئن لم تنتهوا لتكونن من المرجومين) لأنه ليس هناك أشخاص آخرون غير هؤلاء نالهم الرجم فيكونون منهم. وكذلك في آية مريم فإنه قال (لئن لم تنته لأرجمنك) ولم يقل (لتكونن من المرجومين) لأنه ليس هنام آخرون معه نالهم الرجم أو سينالهم فإن هذا الكلام موجه من أبي إبراهيم لولده إبراهيم عليه السلام وحده. أما في سورة الشعراء فإنه تهديد لنوح ولمن معه (قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين) أي لئن لم تنته لتكونن من الذين ينالهم الرجم. ولو قال (لنرجمنك) لكان الرجم مختصاً بنوح دون من آمن معه. فإن قيل ولم لم يقل (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) كما قال في سورة يس؟ والجواب أن الرسل في سورة يس ثلاثة كلهم بمنزلة واحدة داعون إلى الله مبلغون لرسالته ولذلك جاء الكلام على أنفسهم بصيغة الجمع (قالوا إنا إليكم مرسلون، قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، وما علينا إلا البلاغ المبين) وكان التطير بهم جميعاً (قالوا إنا تطيرنا بكم) فكان الخطاب لهم جميعاً. وأما نوح فهو رسول واحد يبلغ عن ربه أما البقية فهم أتباع وهو صاحب الدعوة والمبلغ فخوطب وطلب منه الكف فقالوا (لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين) أي لنرجمنك ومن معك فهذا تهديد له ولأتباعه. وهذا القول نظير ما قاله قوم لوط للوط (لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) الشعراء) أي لنخرجنك ومن معك بدليل قوله تعالى على لسان قومه (أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (82) الأعراف) وقوله (اخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) النمل) فلما واجهوا لوطاً قالوا له لتكونن من المخرجين أي لتكونن واحداً منهم وهو تهديد له ولأتباعه أيضاً. فكان كل تعبير هو المناسب في مكانه.
(وليمسنكم منا عذاب أليم) : هددوهم بالعذاب الأليم إضافة إلى الرجم فإنهم لم يقولوا (أو ليمسنكم منا عذاب أليم) فيهددوهم بأحد الشيئين بل جاؤا بالواو التي تفيد الجمع قم أعادوا اللام الواقعة في جواب القسم (ليمسنكم) للدلالة على أن التهديد بالعذاب مؤكد كالمعطوف عليه لأنه أحياناً يكتفي باللام الداخلة على الفعل الأول أما الفعل الثاني فيكتفي فيه بنون التوكيد فيكون الثاني أقل توكيداً وذلك كقوله تعالى (لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم (11) الحشر) فإنه أدخل اللام الموطئة في قوله (لئن أخرجتم) ولم يدخلها على المعطوف وإنما اكتفى بتوكيد الفعل فقال (وإن قوتلتم لننصرنكم) فكان الثاني أقل توكيداً من الأول ذلك أنهم أكدوا الفعل الأول لأنه أيسر عليهم ولم يؤكدوا الثاني لأنه أصعب عليهم وأشق.
وكان هناك خيار آخر وهو أن يخفف النون في الفعل المعطوف نظير قوله تعالى (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجننّ وليكوننْ من الصاغرين (32) يوسف) فيكون ما دخلت عليه النون الثقيلة آكد مما دخلت عليه النون الخفيفة ولكنه لم يفعل هذا ولا ذاك بل أعاد اللام وأتى بالنون الثقيلة للدلالة على أنهما بمنزلة واحدة في التوكيد وأنهم سيفعلونهما جميعاً. ثم قالوا (منا) للدلالة على الجهة التس ستقوم بالعذاب فالجهة التي ستقوم بالرجم والعذاب واحدة (لنرجمنكم وليمسنكم منا) فإنه لم يقل (وليمسنكم عذاب أليم) فيُبهم الجهة إذ لعله لو قالوا ذاك لفهم منه أنهم يقصدون أن آلهتهم هي التي ستمسهم بالعذاب. وقدم الجار والمجرور (منا) على العذاب لأكثر من سبب ذلك أن الكلام عليهم وهم مدار الإسناد (قالوا إنا تطيرنا، لنرجمنكم، وليمسنكم منا) فناسب تقديم ضميرهم فإنهم هم المتطيرون وهم الراجمون وهم المعذبون. ثم إن تقديم الجار والمجرور يفيد تعلقه بالفعل (ليمسنكم) أي (ليمسنكم منا) أي نحن الذين نعذبكم ونتولى أمر ذلك بأنفسنا ولا ندع ذلك لغيرنا ممن قد يرقّ لحالكم أو يخفف عنكم. ول قال (ليمسنكم عذاب أليم منا) لاحتمل أن يكون (منا) صفة لـ (عذاب) وعلى هذا الاحتمال يكون العذاب صادراً منهم أمره أما الذي يقوم بالتعذيب فهو غيرهم وهذا يكون نظير قولنا: "اتسعرت لمحمد كتاباً" و "استعرت كتاباً لمحمد" فإن الجملة الأولى يكون تعلق الجار والمجرور فيها بـ (استعرت) فتكون الإستعارة لمحمد أي "استعرت لمحمد" "كتاباً"، أما الجملة الثانية فتحتمل هذا المعنى وتحتمل معنى آخر وهو استعرت كتاباً عائداً لمحمد أي أن الكتاب هو كتاب محمد وأنت استعرته فيكون المعنى على النحو الآتي: (استعرت) (كتاباً لمحمد) فكان تقديم الجار والمجرور هو الأنسب.
* في قوله تعالى (لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)) تكرار اللام في الفعلين (لنرجمنكم - ليمسنكم) هل لهذا التكرار فائدة نعمل على سبر أغوارها ونفهمها؟ وفي موطن آخر قال (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ (11) الحشر) لم يقل ولئن قتلتم؟ فكيف نفهم هذا التكرار وعدمه؟
هو أكّد في (لَنَرْجُمَنَّكُمْ) بالقسم ونون التوكيد الثقيلة. وكذلك في (وَلَيَمَسَّنَّكُمْ) أكد بالقسم ونون التوكيد الثقيلة. الأمر أنهم هددوهم بأمرين يعني ما قالوا لنرجمنكم أو ليمسنكم. أو واحد منهم، لكن هنا الاثنين.
لكن يبقى السؤال الذي تفضلت به هو أعاد لام القسم بالاثنين والتوكيد كما هما في يس بينما في الآية التي ذكرتها (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ (11) الحشر) لم يقل لئن قوتلتم، لننصرنكم. تلك في المنافقين (أََلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ (11) الحشر). عندنا المنافقين يقولون (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ) أيُّ الأشد، الإخراج أو المقاتلة؟ القتال أشد والمنافقون ليس عندهم قتال.
* حتى في كلامهم يُعرفون! الإخراج لا بأس فيه أما القتال فلا!
لذلك هي دونها.
* (أََلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ) هم يخافون من القتل والمواجهة فكان تأكيد الكلام أقل فقال (وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ) لكنهم أدخلوا اللام على (لننصركم) يعلمون أنه لن يحدث؟.
ليست مثل تلك.
* في يس قال (لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ) باللام والنون!
هذا مصممين عليه وجاء بنون التوكيد الثقيلة ولم يأت بنون التوكيد الخفيفة.
* بهذا المنطق (لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)) ما فائدة (منّا) هنا، ما دلالتها؟
لو حذف (منا) في خارج القرآن لنرجمنكم وليمسنكم عذاب أليم؟ ممن يكون العذاب؟ قد يكون تحذير من الآلهة، يعني انتظروا قد يصيبكم من الآلهة ما يصيبكم من العذاب بينما هم لا يريدون هذا وإنما هم يريدون أن يباشروا الأمرين الرجم والمس منهم هم. لو لم يقل (منا) لاحتمل جهة أخرى قد يكون من باب التخويف والتحذير من الآلهة، انتبه الآلهة ستفعل بك كذا وكذا ليس نحن فقط، لا، هم حددوا جهة الرجم وجهة المسّ.
* هل الفاعل واضح في الفعل لنرجمنكم وليمسنكم؟ نحن.
* في سورة يس (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18))، ماذا لو كانت الآية "ولنمسّنكم بعذاب أليم" هل كانت ستفيد معنى مختلفاً أم أن هنالك لمسة بيانية في الآية؟
الآية (وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) الفرق بين ليمسنكم ولنمسنكم. (وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) الفاعل هو العذاب، (لنمسنكم) الفاعل نحن، الضمير. الفاعل المسند إليه، الفاعل هو الأهم أنت تذكره. الآن هو يريد أن العذاب يمسنكم (وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ). (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ (41) ص) الشيطان فاعل، المهم هو الفاعل ، إلى من تسنده؟ (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ َ(17) الأنعام) الفاعل هو الله، لو مسه غيره؟! (فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُو) لكن إذا غيره محتمل هذا.
إذن مدار الكلام على الفاعل وليس مجرد المسّ بالعذاب ، المهم الآن هو العذاب (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ) بالنسبة للعذاب. الفاعل هو المهم هو الذي يسند إليه الفعل، هو المهم، الفعل بما يقوم به الفاعل على قدر الفاعل. إذن تختلف المسألة
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٠٣ |
برنامج لمسات بيانية
آية (20-21):
(وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20))
فكرة عامة عن الاية:
نلاحظ أول مرة هذا الوقت متأزم والظرف عصيب وكثر فيه التهديد وتشاؤوم وعذاب أليم وإرهاب نلاحظ في هذا الظرف العصيب الشديد الذي فيه التوعد يأتي من أقصى المدينة رجل يسعى، يسعى يعني يجدّ حتى يعلن اتباع للرسل وإيمانه بهم غير مبالٍ بما سيحدث له. لاحظ المشهد في هذا الظرف يأتي رجل من أقصى المدينة مسرعاً حتى يعلن الدعوة. يعني أولاً جاء قال من أقصى المدينة يعني من أبعد مكان فيها، لا يثنيه شيء حامل هم الدعوة والتبليغ. مسرع ليس متباطئاً، يقدّم رجلاً ويؤخر أخرى وإنما في همّة وعزم وهذا توجيه للدعاة بعدم التواني، هذا درس لهم.
* وكما تعلمنا منكم سابقاً جاء فيها قوة وسرعة ولم يقل أتى!
الوضع متأزم المجيء ليس سهلاً. ثم قال من أقصى المدينة
* ليس من جوارهم، هل كان سمع بالرسل؟
نعم، معناه أن التبيلغ وصل إلى آخر المدينة. طبعاً القرآن سماها قرية.
* في الآية (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) أيّ مدينة إذا كان القرآن في البداية يقول (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13)) هل يكلم أصحاب القرية أم أصحاب المدينة؟
القرية إذا اتسعت تسمى مدينة في اللغة، القرية أصلاً واسعة تشمل الضيعة وتشمل المدينة في اللغة. فإذن قرية صحيح، مدينة صحيح، لكن النص على أنها مدينة معناها أنها متسعة. حتى يدل على أنها واسعة، القرية لا تناقض المدينة قد تكون صغيرة قد تكون ضيعة صغيرة وقد تكون مدينة كلها في اللغة يمكن أن يسمى قرية. القرية قد تطلق على المدينة وقد تطلق على ضيعة صغيرة. فلما سماها مدينة معناها أنها متسعة ليست صغيرة. يعني جاء من مكان بعيد يسعى. مدينة من مَدَن يعني أقام. الإشتقاق اللغوي لمدينة من مَدَن يعني أقام بالمكان،
* ومنها مدين؟
مدين إسم علم لشخص، إسم إبن إبراهيم أطلقت فيما بعد على مدينة. مدني يعني أقام بالمكان. ولهذا ربنا لما يذكر الهلاك يذكرها بلفظ قرية (وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ (4) الحجر) لم يقل مدينة لأنها ليست دار إقامة، قرية تطلق حت وإن كانت خاوية (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا (45) الحج). فلما يذكر الهلاك يذكر القرية لأنها لم تعد دار إقامة (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) الإسراء) (وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا (58) الإسراء) يذكر القرية. إذن معناها أن هذه مدينة متسعة
* في أماكن أخرى يمكن أن يذكر القرية (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا (77) الكهف)
أكمل الآيات في السورة (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ (82)) أيضاً سماها قرية استطعما أهلها يعني على سعتها ما ضيّفوهما
* إذن لا يقول قائل القرآن مرة يقول قرية ومرة يقول مدينة، هل هي قرية أم مدينة؟
هي قرية ومدينة لكن إذا أراد أن يبين أنها متسعة يسميها مدينة.
* دار إقامة وتحقق تسمى مدينة، إذا لم تكن دار إقامة؟
محتمل قرية مسكونة أو هالكة ليس فيها أحد.
* هل تنكير كلمة رجل له دلالة؟
هم قالوا قد يكون لتعظيم هذا الرجل.
* في اللغة العربية نقول هذا هو الرجل؟
أحياناً تكون هذا وأحياناً هذا بحسب السياق. نلاحظ أنه هو لم يجامل ولم يسكت عن الحق (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)) أعلن عن إيمانه من دون مجاملة ومن دون خوف ومن دون نظر للعواقب وما سيحدث له.
*ما دلالة التقديم والتأخير لكلمة رجل في الآيتين (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى (20) يس) و (وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى (20) القصص)؟
الآية الأولى في سورة يس والأخرى في سورة القصص في قصة موسى . (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) يعني هو فعلاً جاء من أقصى المدينة أي من أبعد مكان فيها. (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) ليس بالضرورة ذلك وإنما تحتمل هذا المعنى وغيره. تحتمل أنه فعلاً جاء من أقصى المدينة وتحتمل لا هو من سكان تلك الأماكن البعيدة لكن ليس مجيئه من ذلك المكان ليس بالضرورة. كما تقول جاءني من القرية رجال تعني أن المجيء من القرية، جاءني رجال من القرية أي قرويون هذا يحتمل معنيين في اللغة، هذا يسمونه التعبير الاحتمالي. هناك نوعين من التعبير تعبير قطعي وتعبير احتمالي يحتمل أكثر من دلالة والتعبير القطعي يحتمل دلالة واحدة. لما تقول جاءني رجال من القرية تحتمل أمرين الرجال جاءوا من القرية أي مجيئهم من القرية وجاءني رجال من القرية احتمالين أن المجيء من القرية وتحتمل أنهم رجال قرويون ولكن ليس بالضرورة أن يكون المجيء من القرية. كما تقول: جاءني من سوريا رجل يعني رجل سوري وجاءني رجل من سوريا ليس بالضرورة أن يكون جاء من سوريا، جاء من سوريا رجل يعني جاء من سوريا. وجاء من أقصى المدينة رجل يعني جاء من أقصى المدينة، أما جاء رجل من أقصى المدينة ليس بالضرورة فقد يكون من سكان الأماكن البعيدة، مكانه من أقصى المدينة لكن ليس بالضرورة أن المجيء الآن من ذاك المكان وقد يكون من مكان آخر..
سؤال: تعقيب الآية في سورة يس (قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)) أما في القصص فالتعقيب (فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) المجيء في سورة يس أهم لذا قال (رجل يسعى) جاء لتبليغ الدعوة وإشهار الدعوة وأن يعلن ذلك أمام الملأ مع أنهم كلهم ضد على أصحاب يس، على الرسل وهناك في القصص جاء ليسرّ في أذن موسى كلاماً (إن الملأ يأتمرون بك). هذا إسرار أما ذاك فإشهار، ذاك تبليغ دعوة وهذا تحذير. في قصة يس أن القرية كلها ضد الرسل (إن لم تنتهوا) موسى لم يقل له أحد هذا. في يس كان إشهار الدعوة خطر على الشخص تحتاج إلى إشهار لكن عاقبتها خطر على الشخص. في القصص ليس كذلك لأنه ليس هناك ضد لموسى فلما كان الموضوع أهم وإن موضوع الدعوة لا يعلو عليه شيء والتبليغ لا يعلو عليه شيء وهو أولى من كل شيء قال (من أقصى المدينة رجل يسعى) يحمل هم الدعوة من أقصى المدينة ويسعى ليس متعثراً يخشى ما يخشى وإنما وقال يسعى لتبليغ الدعوة وليس مجيئاً اعتيادياً هكذا لكنه جاء ساعياً. ذاك جاء ساعياً أيضاً لأمر مهم لكنه أسرّ إلى موسى ولهذا جاء التقديم والتأخير بحسب الموضوع الذي جاء من أجله. فلما كان الموضوع أهمّ قدّم (جاء من أقصى المدينة) يحمل هم الدعوة. وفي الموضوع الآخر أخّر.
سؤال: الجُمَل بعد المعارف أحوال وبعد النكرات صفات، صفة رجل يس يسعى لذا عدد القرآن بعض أقواله ومناقبه أما رجل القصص؟
يحتمل أن شبه الجملة (من أقصى المدينة) أن يكون صفة و(يسعى) صفة ثانية هو كونه من أقصى المدينة فتكون صفة، يحتمل أن الجار والمجرور صفة ويسعى صفة ثانية. كلمة يسعى بعد المدينة وبعد رجل، كلمة (رجل) كلاهما نكرة. جملة (يسعى) صفة في آية يس وفي القصص (يسعى) صفة للرجل وليست للمدينة. كلمة رجل في الحالتين نكرة فجملة يسعى في الآيتين صفة. يسعى صفة للرجل في الحالتين.
*فى إجابة أخرى للدكتور فاضل:
من حيث الدلالة اللغوية أصل المجيء مختلف بين الآيتين نقول مثلاً جاء من القرية رجل بمعنى أن مجيئه كان قطعياً من القرية وهذا تعبير قطعي أم إذا قلنا جاء رجل من القرية فهذا تعبير احتمالي قد يكون جاء من القرية أو يكون رجلاً قروياً ولم يجيء من القرية كأن نقول جاء رجل من سوريا فهذا لا يعني بالضرورة أنه جاء من سوريا ولكن قد تعني أنه سوري. وإذا قلنا جاء رجل من أقصى المدينة رجل يسعى تحتمل أن يكون من سكان أقصى المدينة وتحتمل أن مجيئه كان من أقصى المدينة. وفي سورة يس (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) تعني أنه جاء قطعياً من أقصى المدينة لأن مجيء صاحب يس كان لإبلاغ الدعوة لأن الرسل في السورة قالوا (وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ {17}) والبلاغ المبين هو البلاغ الواضح الذي يعمّ الجميع فمجيء الرجل من أقصى المدينة تفيد أن الدعوة بلغت الجميع وبلغت أقصى المدينة ليتناسب مع البلاغ المبين. أما في سورة القصص في قصة موسى (التعبير احتمالي) فالرجل جاء من أقصى المدينة للإسرار لموسى سؤال : في مواضع من القرآن الكريم يعبر بـ ( القرية ) عن المكان , وأحيانا يعبر عنه بـ ( المدينة ) , وهما موضع واحد . وذلك كما في قوله تعالي في سورة يس : { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ } [ يس : 13 ] , وقوله فيها أيضا : { وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ } [ يس : 20 ] .
وكذلك في قصة لوط , فقد قال فيهم في سورة الحجر : { وَجَاء أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ } [ الحجر : 67 ] , وقال في العنكبوت فيهم : { إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } [ العنكبوت : 34 ] فما الفرق ؟ وما السبب ؟
الجواب : إن لفظ ( المدينة ) من ( مدن ) إذا أقام بالمكان . وأما ( القرية ) فهي المصر الجامع , والقرية الضيعة , وكل مكان اتصلت به الابنية واتخذ قرارا . وتقع علي المدن وغيرها .
وفي ( روح المعاني ) في قوله تعالي : { وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى } أنه عبر بالمدينة بعد التعبير بالقرية إشارة إلي السعة .
وعلي هذا لا منافاة بين القرية والمدينة , غير أن المدينة تقال لما اتسع , والقرية تقال فيها وفيما هو أقل سعة كالضيعة , فالتعبير بالمدينة بعد التعبير بالقرية إشارة إلي أنها متسعة وليست صغيرة . هذا من ناحية .
ومن ناحية أخري أن ربنا إذا ذكر الهلاك جاء معه بلفظ ( القرية ) , وذلك نحو قوله تعالي : { وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ } [ الحجر : 4 ] .
وقوله : { وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ } [ الشعراء : 208 ] , وقوله : { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } [ الاسراء : 16 ] . وقوله : { وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ } [ الاسراء : 58 ] وغيرها . وذلك أنها تعد دار إقامة فعبر عنها بالقرية .
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٠٤ |
برنامج لمسات بيانية
ندما أدخل الله سبحانه وتعالى آدم وزوجه حواء إلى الجنة تعهد الله سبحانه وتعالى لآدم قائلاً (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) طه) الجمع بين الجوع والعُري قال (تجوع وتعرى وتظمأ وتضحى) لماذا هذا الجمع؟ وكيف نفهمه في سياق اللمسات البيانية؟ (د.فاضل الساامرائي)
هم قالوا هنالك تناسب بين الجوع والعري، الجوع هو خلو الباطن من الطعام والعُري هو خلو الظاهر من اللباس. والظمأ ألم الباطن و(تضحى) ألم الظاهر، ضحى أن يكون بارزاً للشمس تؤذيه الشمس وليس في الشمس أصلاً لا تضحى يعني لا يصيبك حرّ.
* لا يتوقف عند دلالة الشمس لاقترانه بالضحى؟
لا ليس لذلك. ثم الحر يؤذي إلى الظمأ لو كان واحد في حرّ ألا يظمأ؟ صار تناسب بين الظمأ والحرّ (لا تظمأ فيها ولا تضحى) لكن السؤال يخيل إلي (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) طه) لماذا همزة أنَّ مفتوحة؟ أظن هذا كان أصل السؤال.
(إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) طه) لماذا فتح همزة إن (وأَنك)؟ هناك قراءة (إِنك) لكن نحن على قراءة حفص (وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى). هنا مصدر مؤول و(أنّ) مصدرية، هذا معطوف على إسم إنّ، أين إسم إنّ؟ (إنّ لك) (لك) هذا الجار والمجرور خبر إنّ، (أن لا تجوع فيها ولا تعرى) هذا إسم إنّ (مصدر).
ألا مصدرها (أن – لا)، (أن) مصدرية ناصبة فهذا المصدر هو إسم إنّ. (وأَنّك) أيضاً مصدر لأن (أنّ) مصدرية فكما أن (أن) مصدرية (أنّ) مصدرية، (أنّ) بالفتح مصدرية ليست إنّ، أن وأنّ مصدرية.
* أليست أن المؤكدة؟
طبعاً من أخوات إنّ لكنها مصدرية.
* المصدرية تدخل على الفعل فقط؟
(أنّ) مثل بقية أخواتها تدخل على المبتدأ والخبر. فإذن المصدر هذا (وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) هذا معطوف على المصدر السابق الذي هو إسم إنّ (ألا تجوع فيها ولا تعرى) (وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) هو أيضاً معطوف على إسم إنّ. لو قال (إِنّك) لو قالها بالكسر تصير استئنافية.
* تكون استئنافية؟ يعني الكلام يتوقف عند (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى)؟
ذاك أمر آخر و(إِنك) حكم آخر. هذا العطف على ما قبله (على إسم إنّ).
* أوليس بحكم آخر؟
هو عطف عليه ليس جملة مستقلة .
* فعطف على (ألا تجوع)؟
نعم، هذا محل النصب معطوف على (ألا تجوع فيها ولا تعرى).
* وطالما عُطف على (ألاّ) بالفتح يكون هو مفتوحاً أيضاً؟
حتى يصير مصدراً لأنه لو عطف بالكسر لا يكون مصدراً ولن يكون معطوفاً في الأصل، تصير جملة على جملة.
* عظيم، هو عطف مصدر على مصدر وليس عطف جملة على جملة؟
لا، قطعاً لا، لو قال (إنك) لصارت جملة على جملة.
* (وأَنّك) جملة مستقلة أيضاً؟
لا، ليست جملة مستقلة. لما تقول (أنّ محمداً حاضرٌ) ليست جملة، (إنّ محمداً حاضرٌ) جملة. لما تقول (أنّ محمداً حاضرٌ) ليست جملة وليس لها معنى أصلاً إلا أن يكون معها كلام، ضمير مثل (علمت أنّ محمداً) (سرّني أن محمداً) لا بُدّ. (أَنّ محمداً حاضرٌ) ليست جملة هذه مفرد مصدر. (إن محمداً حاضر) جملة مستقلة.
* (إنّ) واسمها وخبرها لا بأس، لكن (أنّ محمداً حاضرٌ)؟
إسمها وخبرها لكن ليس جملة .
* أليس الخبر حكم على المبتدا؟
لا، لما تحذف مثل لما تقول (إن تأتني) كامل؟ أو تأتي بشيء بعدها؟!.(محمدٌ حاضر) جملة كاملة تامة المعنى، (إنّ محمداً حاضرٌ) جملة مؤكدة تامة المعنى، (أنّ محمداً حاضرٌ) ليست جملة، نُعربها لكنها ليست جملة والعربي لا يقولها أصلاً، أصلاً لا تُقال لا بد يكون معها ضمير لأنها مصدر، هذه حكمها حُكم مفرد، حُكم كلمة واحدة.
* (وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) معطوفة على (ألا تجوع فيها ولا تعرى) على المصدر، هذا مصدر معطوف على مصدر؟
معطوفة على (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى) المصدر، إن لك هذا ولك هذا، لك هذا ولك أيضاً أنك لا تظمأ فيها ولا تضحى.
* عجيب سبحان الله!. إذن لو قال وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى؟
لا، هذا حكم آخر، هذه جملة جديدة حكمها مختلف.
* وبالتالي تتغير الدلالة.
أصلاً هو هنا السؤال لماذا كان المصدر هناك أن وهنا أنّ؟ (ألا: أن – لا) (أن) الناصبة الداخلة على الفعل وهذه أنّك أيضاً مصدرية لكن غاير بين الحرفين مع أنهما مصدران كلاهما.
* هل لهذا أثر في الدلالة؟ يعني مثلاً تلظمأ وكونه يؤذى بالشمس أو بالحرّ أقوى من الجوع والعري؟
نعم، طبعاً الجوع يسده الأكل والعُري يسده اللباس. ماذا حصل لآدم؟ ما الذي أخرجه من الجنة؟ الأكل مع أنه غير جائع. أكل من الشجرة وهو غير جائع، يعني هو خرج بسبب الأكل ماذا ترتب عليه؟ أنه عرى. ترتب على الأكل الإخراج من الجنة، الثاني لم يحصل في الجنة فلم يظمأ ولم يضحى. الذي حصل له أنه أكل من الشجرة. الفعل الأول وقع والثاني على أثره ماذا حصل؟ (يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا (27) الأعراف) إذن كل مسألة لها حكم. هذا الأول هو الذي حصل والثاني لم يحصل لذا أكّد الثاني .
* ولهذا جاء مع الأول بـ (أن) الخفيفة والثاني (أنّ) دقة متناهية، دقة عجيبة الشكل
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٠٥ |
برنامج لمسات بيانية
قال ربنا سبحانه وتعالى (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123))طه) بضمير الغائب ومرة يقول (قلنا اهبطوا) بضمير المتكلم ما الفرق مع أن الموقف واحد؟ (د. فاضل السامرائي)
لا الموقف ليس واحداً. لو نقرأ النص يوضح المسألة. في سورة طه قال (وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)) ما قال ثم اجتبيته الكلام أصلاً في الغائب (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)) السياق بالغيبة. (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)) الكلام كله في الغائب. حتى في سورة الأعراف (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)) ناداهما ربهما غائب، (قال اهبطوا - قال فيها تحيون وفيها تموتون) في الغائب. في البقرة قال (وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)) (وقلنا – وقلنا اهبطوا) ضمير المتكلم (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)) متكلم، لما كان السياق في الغيبة قال (قال) بالغائب ولما كان السياق في المتكلم قال (قلنا)
* هل هناك فرق كبير بين أن يكون السياق للغائب أو للمتكلم؟ الموقف بمجمله كله أن الله تعالى قال لآدم وحواء اهبطوا، هذه القصة لكن ما الذي يمكن أن نستفيده دلالياً، مرة يقول قال ومرة يقول قلنا مع أن آدم وحواء هبطا من الجنة؟
لا، أنت تسرد كلاماً عن شخص غائب فتتكلم عنه بالغيبة، تتكلم عن نفسك في المسألة تتكلم بضمير المتكلم.
* ألا يُحدِث هذا إزعاجاً لدى المتلقي؟ المتكلم في الحالتين هو الله سبحانه وتعالى !
كما هو شأنه. يعني ربنا سبحانه وتعالى يتكلم عن قصة نوح ويذكر قال وقال (فَدَعَا رَبَّهُ (10) القمر) يذكر أمراً يسرد القصة بصيغة الغيبة فيكون السياق هكذا.
* في فرعون قال (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ (47) طه) مع أن فرعون كان باطشاً وجباراً ومتكبراً؟
لكن الذهاب إليه سهل في الطريق. هما في الطريق ذاهبين إليه. وهناك أمر أضيفه (فَأْتِيَاهُ) في القرآن الكريم لم يأت فعل مضارع لفعل جاء ولا فعل أمر ولا إسم فاعل ولا إسم فاعل وإنما كله ماضي (فَأْتِيَاهُ) هذا ماضي. بينما من أتى يأتي الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل والمصدر. ليس في القرآن مجيء ولا يجيء ولا غيرها بينما من أتى يأتي الأمر والمضارع وإسم الفاعل والمصدر، هذه تعود أيضاً للصعوبة واليسر.
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٠٦ |
برنامج لمسات بيانية
آية (11):
(إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11))
فكرة عامة عن هذه الاية:
بالنسبة للذين تقدموا قال (وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (10)) يبقى من يستفيد من الإنذار؟ أولئك سواء عليكم.
* إذن هنالك طائفتان؟
هنالك (وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (10)) وطائفة أخرى تستفيد من الإنذار قال (إنما تنذر) إنذراً نافعاً (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)) يعني ينفع من كان حياً يؤثر فيه الإنذار. في هذه الآية ذكر صنفين يستفيدان من هذا الإنذار (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)) طائفة من المؤمنين الذين استجابوا هم كانوا مؤمنين تأتي الآية فتزيدهم إيماناً وطائفة من كان له قلب فسمع فيستفيد. إذن هذه عندما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب أن هنالك طائفتان تستفيدان الطائفة المؤمنة الذين هم اتبعوا في الأصل فيزيدهم إيماناً (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا (124) التوبة) فيستفيدوا منها وطائفة أخرى ممن كان له قلب حيّ فيسمع فيستفيد إذن هذه تنفع طائفتين الطائفة المومنة وطائفة أخرى لها قلب فتنتفع بالإنذار يعني قسمين المؤمنين ومن كان حيّ القلب يستمع ويستفيدز إذن هو إنذار نافع قسمين من اتبع الذكر يعني كان مؤمناً ومن سيتبع من إذا سمع الإنذار اتّبع. لكن يبقى السؤال هو قال (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) يقولون هذا ماضي يعني المؤمنين، لا، أحياناً الفعل الماضي يكون للإستقبال مثلاً لما قال (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) البقرة) هو لم يخرج بعد، هل هي فقط للماضي؟ هو للمستقبل و(خرجت) ماضي دل على الإستقبال. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) البقرة) هل التوبة بعد الكتمان أو قبله؟ بعد الكتمان، (يكتمون) فعل مضارع وقال (تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا) معناها يتوبون لأن هذا واقع بعد يكتمون بعد المضارع فأحياناً الماضي يأتي للمستقبل.
* هذه من أساسيات اللغة أيضاً، جرياً على سنن العربية؟ طبعاً.
* هل لهذا دلالة معينة؟
هذا للتوكيد أنه تنزّل المستقبل منزلة الماضي مثل أحوال القيامة (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ (99) الكهف) فإذن هو الآن اتبع الذكر تشمل صنفين صنف سيتّبع وصنف اتّبع (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) كما ذكرنا الآن من كان له قلب فاتّبع ومن كان له قلب حيّ فيتبع عندما يسمع (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس).
*هل الإنذار خاص بالكافرين في القرآن؟(د.فاضل السامرائى)
الإنذار في القرآن الكريم لا يكون خاصاً للكفار والمنافقين وقد يأتي الإنذار للمؤمنين والكافرين. والإنذار للمؤمن ليس فيه توعد فهو للمؤمنين تخويف حتى يقوم المؤمن بما ينبغي أن يقوم به كما في قوله تعالى (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ {11} يس) وهذا ليس فيه تخصيص لمؤمن أو كافر. وقد يأتي الإنذار للمؤمنين (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ {214} الشعراء) (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ {18}فاطر) وقد يكون للناس جميعاً (وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ {44} ابراهيم) (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ {51}) .
* ربنا تبارك وتعالى قال (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) لماذا اتّبع وليس تبِع؟
افتعل تفيد المبالغة والاجتهاد في الأمر يعني فرق بين صبر واصطبر، جهد واجتهد، اصطبر فيها مبالغة في الصبر (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) طه) فاتّبع للمبالغة في الإتباع وليس إتباعاً عرضياً وإنما مبالغة في الإتباع ويدلنا على هذا لو قرأنا الاية (وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) هل هذا متّبع كيفما كان أو متّبع مجتهد في الإتباع؟ مجتهد. لما قال (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) هل هذه للمتّبع هكذا أو المجتهد؟ للمجتهد. فإذن (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) مناسب لما بعده من الصفات (وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) هذا المبشّر بالمغفرة والأجر الكريم هذا مبالغ في الإتّباع وليس هكذا كيفما كان. فهو مناسب.
قال سبحانه وتعالى ( وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) خشي الرحمن بالغيب فيها أكثر من معنى يُذكر: من المعاني التي تسبق إلى الذهن أنه خشي الرحمن وإن لم يشاهده كما آمن به بالغيب خشيه بالغيب.
* ما معنى الخشية؟
الخوف مع التعظيم. ويكون في الغالب عالِماً بما يخشى.
* إنما يخشى الله من عباده العلماء لأنهم يعلمون!
كما آمن به سبحانه بالغيب خشيه بالغيب، آمن به ولم يشاهده كذلك خشيه ولم يشاهده وهذا طبعاً من تمام الإيمان لأن الناس عادة يخشون من يشاهدهم ويشاهدونه إذا كانوا يعلمون أن هنالك من يراقب أفعالهم توقفوا عند أمورلا يفعلوها وإن كانوا يحبون أن يفعلوها فإن غاب عن أعينهم ذهبت الخشية. أما هذا فإنه يخشى الرحمن لأنه يعلم أنه حاضر معه (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ (4) الحديد) يراقب أفعالكم وهذا من معاني الخشية، هذا أحد المعاني، أحد الأوجه. من أحد معاني يخشى أنه يخشى عقابه الذي سيكون بالغيب وهو يوم القيامة.
* ليست خشية خاصة بذات الله وإنما بعقابه؟
بعقابه، (اتقوا النار) ومرة يقول (اتقون) فهو إذن يخشى عقابه الكائن يوم القيامة وهو غيب يوم القيامة غيب وما يحصل فيه غيب. إذن من معاني هذا التعبير أيضاً أنه يخشاه وهو لم يشاهده وأنه يخشى عقابه وهو غيب يوم القيامة. من معاني أيضاً هذا التعبير أنه يخشى الرحمن إذا غاب عن أعين الناس بمعنى يعني هنالك أناس كثير يفعلون أفعالاً إذا خلوا إلى أنفسهم فإن علموا أن أحداً شاهدهم توقفوا عنه لا يفعلونه، إذا أمن مراقبة الناس فعل لكن هذا الفعل قد لا يفعله أمام الناس. فهذا يخشى الرحمن وإن غاب عن أعين الناس
* يخشى الرحمن أمام الناس وبعيداً عن أعين الناس؟
يخشى الرحمن وإن لم يشاهده ويخشى عقابه الذي في الغيب ويخشاه إذا غاب عن أعين الناس فكثير من الناس وإن كان عندهم دين لكن إذا خلوا إلى أنفسهم قد يفعلون أفعالاً لا يفعلونها أمامهم، هذا يخشى الرحمن وهو غائب عن أعين الناس. فإذن هذه عموم أنواع الخشية
* التي تتجلى في قوله (وخشي الرحمن بالغيب) ليس بالغيب الغيب المطلق لأننا في الدنيا لم نرى الله؟
هذا أحد الأوجه التي تُذكر في هذه الآية.
* يعني إطلاق عموم دلالة كلمة الغيب بالنسبة للناس وبالنسبة لرب الناس، سبحان الله!
وهم غائبون عنه ربنا سبحانه وتعالى الإيمان به بالغيب وما وعد الله به غيب.
* بالتأكيد أننا لا نرى الله سبحانه وتعالى فما أفادت كلمة غيب هنا؟
لأنه آمن به بالغيب. ربنا سبحانه وتعالى ذكر الملائكة أنه يؤمنون به، ايضاً ربنا سبحانه وتعالى غائب عن الملائكة لم يروه وهم يؤمنون به، فهذا إيمان بالغيب ليس كل الناس يؤمنون بالغيب.
* حينما نقول اتبع الذكر المنطق إذا قلنا اتبع الذكر يقصد به يخشى الرحمن ويؤمن بالغيب، إتباع الذكر في حد ذاته.
كل متبع يخشاه بهذه الأوجه كلها؟ أحياناً مع أنه متبع لبعض الأمور لكن قد تفلت منه أمور لا يفعلها أمام الناس وإنما يفعلها أمام نفسه، يحصل هذا الشيء، هذا أمر آخر إتباع مع الخشية والخشية بالغيب.
* (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ (14) البقرة) لكن هنا الخشية كما ذكرتها معنى الخوف فما الإادة التي استفدناها من كلام الرحمن مع الخشية؟ كان يأتي إسم آخر، ما دلالة وجود الرحمن مع الخشية؟
أحياناً يسبق إلى الذهن أن الرحمن لا يعاقب الناس يقولون (رحمته سبقت غضبه) (رحمتي وسعت كل شيء) فيتجرأ على فعل إلتجاء أو اتكالاً على الرحمن الرحيم، هكذا يذهب أن رحمتي واسعة والله غفور رحيم فيفعل الأشياء اتكالاً على هذه الصفة، على صفة الرحمن الرحيم، فربنا حذّرهم قال لا مع أنه رحمن لكن ينبغي أن يُخشى يعني رحمته لا تمنع عقابه ولا تمنع غضبه،
* لا نغترّ برحمته كثيراً!
لا تتكل على هذا وتترك كل شيء، وإنما الرحمن يعاقب فلا تتكلوا على رحمته فلذلك كان هذا تحذيراً مهماً وكبيراً. ثم إذا كان المنعِم رحمته كثيرة فينبغي أيضاً أن تخشى هذا الراحم وإلا يقطع عنك نعمتك. يعني إذا كان واحد يرحم إنساناً ويفعل له الخير هل ينبغي له أن يخالفه أو يحاربه؟ أو يطيعه؟ هذا يعاقِب بقطع الرحمة عنه إذن كونه رحمن ينبغي أن يُخشى ويُطاع لئلا يقطع عنه رحمته ولئلا يعاقبه بسلب ما أنعم به عليه . جو السورة هو يشيع فيها العزة والرحمة (تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)). هناك أمر آخر مهم، هذا توجيه أن تكون الرحمة تنبغي أن تكون مقرونة بخشية الراحم، لا يصح الاتصاف بالرحمة وحدها لأنها قد تكون ضعفاً في غير محلها، قد تكون ضعفاً إن لم يكن معها قوة وخشية. يجب أن يكون معها قوة وخشية إذا كان الشخص لا يخاف من المٌربي ولا يخشاه متكلاً على رحمته يسيء .
* "من أمِن العقاب أساء الأدب" !
قد تكون الرحمة وحدها في غير موضعها ستكون موطن ذم وموضع نقص، يعني هذا توجيه للمربي ليجمعوا بين الرحمة والخشية من الراحِم يجب أن تجمع الأمرين الرحمة والخشية والخوف من هذا الراحم، لا تترك كل شيء وتتركه يفعل ما يشاء ولا تعاقبه لأنك ترحمه هذا سيسيء ويفعل ما يشاء "من أمِن العقاب أساء الأدب" إذن هذا توجيه للمربين ليجمعوا بين الرحمة والخشية من الراحِم.
* إذن وجود صفات أو أسماء لله فيها قوة وعزة هذا مطلوب بجانب الرحمة؟
طبعاً، ولذلك قال (نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (50) الحجر) يجمع ، حتى سيدنا إبراهيم قال (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) مريم).
* أو نقول هنا أن الخشية هنا خوف بسيط أو عذاب بسيط مقرون بالرحمن أم لا تعطي هذه الدلالة؟
عندما حذر (وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (50) الحجر) صفة فيها شدة ولذلك هذا الاقتران اقتران في غاية الكمال الخشية والرحمة.
* مع إسم الرحمن أيضاً لكن عودة بسيطة لكلمة الغيب يقول ربنا تبارك وتعالى (وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) وفي مواطن أخرى يذكر الخشية فقط (يخشون ربهم) بدون كلمة الغيب وبدون كلمة الرحمن أيضاً، فما الفرق بين هذه الآية وتلك؟ كيف نفهم سياقاتهما الدلالية؟
لما يقول (يخشون ربهم) هذه خشية مطلقة، يعني غير مقيّدة بالأمور التي تُذكر، عامة على كل حالة سواء كانت بالغيب أم لا. مثلاً عند غيبتهم عن عيون الناس أو عند حضورهم هم يخشون الرحمن في كل حال ليست في حالة دون حالة فستكون خشية مطلقة يدخل فيها (بالغيب) لما قال (يخشون ربهم) صارت الخشية مطلقة وصارت الخشية بالغيب جزءاً من تلك.
* يعني هنا أطلق الخشية، عامة؟
عامّة في كل الأحوال. الآن ماذا ذكرت؟ يخشى ربه بالغيب وإن لم يشاهده يخشى ربه، يخشى عقابه أيضاً هذا دخل في قول يخشى ربه، يخشى إذا غاب عن عيون الناس هذا أيضاً يخشى ربه فهو يجمع كل المواطن التي تُذكر بالغيب وغيرها. تلك ستكون جزءً من الإطلاق، يخشون ربهم بالغيب هي حالة من حالات الخشية وتلك خشية عامة مطلقة وهذه مقيّدة.
* حينما يقيّد بالغيب (وخشي الرحمن بالغيب) إذا كانت الخشية من العبد لله بالغيب فهي في غير الغيب أعمّ بالنسبة للناس وهذا العموم يدخل فيه التقييد؟
لا، الخصوص يدخل فيه التقييد وليس العموم، العموم مطلق سواء كان في هذه أو غيرها.
* (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (23) الزمر) بدون بالغيب!
الآية (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) هذا الأمر اقشعرار الجلود ولينها هل يشعر بها غير صاحبها؟ لا، مع الناس أو وحده؟ إذن دخل فيها (بالغيب) لأنه لا أحد يعلم غير الله سبحانه وتعالى فإذا قال هنا بالغيب ليس لها هنا موضع أصلاً، لا تفيد، هذا الأمر لا يعلمه إلا صاحبه وربنا سبحانه وتعالى، من يعلم بهذا؟ (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) هذه القشعريرة أمر داخلي ولين القلوب.
* هذه القشعريرة أمر داخلي ولين القلوب يعلمه الله سبحانه وتعالى وفيه غيب!
إذا قال هنا (بالغيب) ماذا ستفيد هذه العبارة؟
* إذن لا توجد في القرآن الكريم كلمة زائدة أبداً؟
لا، مستحيل. حتى في سورة الرعد أيضاً ذكر (يخشون ربهم) قال تعالى (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ (21) الرعد) ليس فيها غيب، آية الزمر عرفناها فماذا عن هذه؟ هذا الأمر يتضح عند ذكر كل سياق ورد فيه (بالغيب) وهذه الآية، ينبغي أن يُعلم السياق حتى يعلم لماذا هنا لم يقيد وهناك قيد. نقرأ سياق آية الرعد هذه ونقرأ سياقات أخرى حتى يتبين الفرق لماذا هنا أطلق وهناك قيّد. في الرعد قال (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)) أطلق في هذه الآية. الآن نقرأ ماذا قال في الغيب، ماذا ورد في الغيب، قال تعالى في الأنبياء (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)). وفي موطن آخر (إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) فاطر) (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) الملك) (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (33) ق) (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس) هذه بالغيب وتلك مطلقة. لو لاحظنا أولاً حتى نفهم النص الذي يظهر من آية الرعد التي هي مطلقة وصفهم بأنهم أولو الألباب ذكر أولو الألباب (إنما) وقصّر التذكر عليهم (إنما) أداة قصر (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)، (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) هذا وصف عام يشمل جميع كل ما أمر الله به، لا ينقضون الميثاق (وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ)، يصلون ما أمر الله به أو يوصل (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ)، يخشون ربهم (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)، يخافون سوء الحساب (وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)، (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ)، (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً)، هذه مطلقة بالغيب وزيادة (سِرًّا وَعَلَانِيَةً)، (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ). جزاؤهم (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ) يدخل معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم (يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) والملائكة يدخلون عليهم يحيونهم سلام عليكم (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ). لو نظرنا في جميع الآيات التي ورد فيها قوله (يخشون ربهم بالغيب) تشمل الجزء مما ذكر في آية الرعد. كما أطلق الخشية أطلق الوصف وأطلق الأجر، لما كانت الخشية بالغيب جزء من الخشية العامة تلاحظ كل ما ورد في القرآن في هذه المواطن هو جزء. حتى تكون المسألة واضحة، في الأنبياء قال (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)) ذكراً للمتقين، يخشون ربهم بالغيب، من الساعة مشفقون. لاحظ في سورة الرعد (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) (في سورة الرعد أكثر). في سورة الرعد أكثر فأصبح هذه الصفات (الذين يخشون ربهم بالغيب) جزء مما ذكر في الخشية العامة. نلاحظ في سورة فاطر (إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)) أمران يخشون ربهم وأقاموا الصلاة هذه جزء مما ورد في سورة الرعد. في سورة الملك (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)) فقط يخشون ربهم بالغيب لم يذكر شيئاً آخر، سورة ق (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (33) ق) متقين، أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب، في سورة ق لم يذكر عبادة بدنية كلها عبادات قلبية (أواب، حفيظ، قلب منيب) لم يذكر عبادة بدنية مثل الإنفاق وإقامة الصلاة، سورة الرعد أعمّ. في سورة يس قال (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس) لم يذكر صفات أخرى. إذن تلاحظ عندما قال (بالغيب) هي جزء من الخشية العامة والصفات التي ذكرها هي جزء من الصفات المطلقة المذكورة في قوله (يخشون ربهم). في يس قال (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) لكن نلاحظ في سورة الرعد ذكر اتباع الذكر على درجة الإحسان. أنت عندما تنفق تكون اتبعت الذكر لكن هؤلاء ما اكتفوا وإنما أنفقوا سراً وعلانية هذا إحسان في الانفاق ليس مجرد إتّباع. مثال آخر، هو قال (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) لاحظ (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا (40) الشورى) هذا اتّباع (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) الشورى) هذا أعلى، (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) هذا أعلى، هذا إحسان في الإتباع وليس اتباعاً فقط.
* إذن هو يقصد ليس مجرد إتباع الذكر وإنما الإحسان في الإتباع؟
فما ذكر في الرعد قال (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) ولما قال (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) هذا إحسان في الإتباع، إذن صارت آية يس جزء مما ورد في قوله (يخشون ربهم). لاحظ حتى الجزاء، الجزاء في آية الرعد أعلى مما ذكر في يس. في يس قال (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) وفي الرعد (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)). في يس قال مغفرة وأجر كريم الأجر لا يعني الجنة.الأجر هو الجزاء على العمل ولا يعني الجنة بالضرورة. قال تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) النساء) هذه في الدنيا وقال (لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أجراً عظيماً) الجزاء على العمل وليس بالضرورة الجزاء هو الجنة.
* إذن في يس ليس المغفرة والأجر الكريم لا يدل دلالة قاطعة على أن الجزاء هو الجنة؟
ليس بالضرورة وإنما الجزاء على العمل زولا يشترط أن يكون الجنة. (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا (20) المزمل) لا تعني الجنة. يمكن أن تكون حسنات لكن الأجر هو الجزاء على العمل. ما ذكر في الرعد أعلى لأنه ذكر الجنة ويدخلون عليهم من كل باب. قد تقول يخشون ربهم بالغيب أعلى من يخشون ربهم؟ هو أشمل لأن قد تكون أحياناً الخشية بالحضور أعلى من الخشية
* كيف وقالوا (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)؟
قسم من الناس ضعاف نفوس لا يحبون أن يُتهموا بالتدين يقولون هذا رجعي ويقولون هو معقد فيعمل أعمالاً أمام الناس لا يرتضيها هو ويخشى أن يُتهم بالرجعية والتخلّف ولو رجع إلى نفسه لا يفعلها، مثلاً أنا لست صائماً للتدين وإنما للصحة، يخجل أن يُتهم أنه متدين. يقول أنا لا أمتنع عن الخمر تديناً وإنما لأنها مذهبة للعقل أو تضر بالصحة، يعني هو يراعي الناس يفعل أفعالاً محرّمة بدافع المجاملة لا يخشى الله. الخشية أمام الناس وإظهارها أعل، يُظهر خشيته من الله أمام الناس ستكون أعلى وستكون أكمل لأن فيها إظهار وتعظيم لشعائر الله
* مهما سمع من كلام ومهما اتُهم من انهامات هو ثابت!
تقوية لضعفاء المؤمنين ولذلك ربنا ذكر عن قوم (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) المدثر) فإذن الخشية المطلقة أكمل وأشمل لأن أحياناً تكون الخشية أمام الناس وإظهار أنك تخشى الله هذه فيها تقوية للإسلام وتقوية لشعائر الدين وتقوية للآخرين.
* إذا صنع هذا ربما يقال له هذا رياء مثلاً؟
المهم هو وأمام الناس قد تكون أكمل
* يعني ذكر الخشية بتقييد الغيب هذه أشمل؟
أشمل، ولذلك كان أجرها كما ذكر كثير.
* هل الله سبحانه وتعالى فعلاً يحب اللغة العربية؟ وإذا كان يحبها هو أنزل كتباً أخرى بغير لغات؟
هو تحدى بها الخلق وتحدى بها الناس وتحدى به العرب لم يتحدى بلغات أخرى.
* هذا التحدي فيه تعظيم للغة، يتحدى بها لأنها قوية في حد ذاتها. والله هذا يفسر لنا الإنهيالات التي تنهال على اللغة العربية ولن تنال منها ولن تطال إن شاء الله. نكمل رحلتنا مع الخشية بالغيب والخشية بدون غيب بالشمول والعموم.
ذكرنا الآن الفرق بين الخشية المطلقة وبين الخشية المقيّدة. أذكر أمراً في هذه الآية (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس) وفي هذه الآية ذكر نوعين من العبادة عبادة ظاهرة (اتبع الذكر) وعبادة قلبية (خشي الرحمن بالغيب) وذكر نوعين من الجزاء (مغفرة وأجر كريم) المغفرة ما يتعلق بالذنوب والأجر الكريم ما يتعلق بالعمل الصالح إذن شمل كل أنواع العبادة القلبية والظاهرة وكل أنواع العمل العمل السيء مغفور لهم والعمل الصالح مأجورون عليه.
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٠٧ |
برنامج لمسات بيانية
آية (12):
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12))
فكرة عامة عن هذه الآية:
يقولون أصول الإيمان ثلاثة التوحيد والرسالة والحشر.
* يعني نؤمن بالله وملائكته واليوم الآخر؟
والباقي كله يدخل في هؤلاء الثلاثة، لما ذكر الرسالة يذكر الكتب.
* الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؟
لذلك قالوا الأصول ثلاثة التوحيد والرسالة والحشر. هذه الآيات التي ذكرناها في يس تجمع هذه الأصول: ذكر التوحيد في قوله تعالى (تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) وذكر الرسالة (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3)) وذكر الحشر (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى (12)) إذن إلى هنا جمعت الآيات كل أصول الإيمان. ثم ارتباط هذه الآية بما قبلها واضح قال (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) قبل (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) عاقبة الإنذار والتبشير بعد إحياء الموتى. متى يحصل هذا؟ عاقبة الإنذار والتبشير؟ بعد الإحياء، عندما يحيي الموتى. عندما ذكر (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) قال (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) قال بعدها (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) فيتضح الإنذار والبشارة.
* الإنذار في الدنيا؟
وعاقبته؟
* البشارة في الآخرة!
وعاقبة الإنذار؟ في الآخرة أيضاً عاقبته إذا لم تفعل فلك النار لك جهنم. الأمران، عاقبة الأمرين ستكون في الحياة بعد الموت الإنذار والتبشير، ولذلك عندما قال (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) قال بعدها (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) كله سيحصل والعاقبة والنتيجة التي سترونها ستحصل للجميع بعد أن يحيي الموتى (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ).
لو لاحظنا أنه (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) توكيد بـ (إن) وضمير الفصل (نحن)، أصلها نحن نحيي الموتى (إنّ) للتأكيد ثم جاء بضمير الفصل (نحن) لإفادة القصر والتوكيد. من يحيي الموتى حصراً؟ الله تعالى لا يشاركه في ذلك أحد.
* ألا تكون (إنّ) بمعنى (نحن)؟
(نحن) هذا يسموه ضمير الفصل له أغراض من جملتها القصر فإذن الآن أفاد التوكيد والقصر.
* في موطن آخر قال (وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) الحجر) ؟
هذا السياق. ذكرنا (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) أكد بـ إنّ وجاء بضمير الفصل (إنا نحن) وقلنا هذا التوكيد لغرض الاهتمام والقصر يعني ربنا فقط هو الذي يحيي ويميت دون غيره فأكد ذلك وجاء بضمير الفصل للدلالة على الحصر يعني لا يفعل ذلك إلا الله. أما السؤال الذي تفضلت به هو في سورة الحجر قال (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)) أكّد، في يس قال (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) وهنا قال (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ). لو لاحظنا في الحجر التي فيها التوكيد أكثر مما في آية يس نلاحظ في السياق نفسه ذكر من مظاهر قدرته وفصّل فيها ما لم يذكره في سورة يس. ولا شك أن إحياء الموتى من مظاهر القدرة ففصّل فيها، قال في سياق سورة الحجر (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)) فصّل في سياق سورة الحجر من مظاهر القدرة ما لم يفصّل في يس. أصلاً لم يذكر هذا الشيء في يس، فناسب الإيجاز الإيجاز والتفصيل التفصيل
* من حيث حالة العامة؟
من حيث الحالة العامة فصّل ففصّل قال (إنا لنحن) فيها توكيد فهي مناسبة للسياق. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ايضاً فصّل في ذكر الحشر في الحجر ما لم يذكره في يس. قال في الحجر (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25)) في يس لم يقل إلا (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) فقط هذا في الحشر أما (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) هذا في الدنيا. بينما في الحجر فصّل فقال (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25)) فمن ناحية أخرى ناسب التأكيد في آية الحجر، يعني مناسب للمقام والسياق.
* هل مسألة إحياء الموتى تحتاج إلى كل هذه التأكيدات؟ (إنّا) تأكيد و(نحن) فيها تأكيد لتقديمها و(إنا لنحن) كل هذه تأكيدات لإثبات فكرة نحيي الموتى وجاءت في موضع في القرآن الكريم؟
كثير من الناس ينكرون إحياء الموتى. هنالك قسم يؤمن بالله وينكر الحشر وهم كفار قريش (قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ (32) الجاثية) (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) ق) وهم مؤمنون بالله، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) العنكبوت) إذن هذه المسألة تحتاج لأن ينكرها الكثير حتى أحياناً قسم من الذين يؤمنون بالله يرون مظاهر خلقه من إنزال السماء وقدرته لكن ينكرون إحياء الموتى فتحتاج إلى توكيد.
* (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) أو (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ) هذه اللام تعطي من التوكيد بما لا يعطي في النفس مجال للشك؟
زيادة في التأكيد.
* في قوله (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) ما معنى (وآثارهم)؟
نكتب ما قدموا من الأعمال الصالحة أو غير الصالحة هذه (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا)، تبقى الآثار والآثار ما أبقوه بعدهم من أعمال البر أو الإساءة. إذا انقطع العمل آثاره تبقى يعني الإنسان قد يعمل في حياته أعمالاً فيها فائدة للمسلمين يبقى بعده كتأليف كتاب أو بناء مسجد أو مدرسة تعلم الناس أو من أعمال البر أو سنّ أيّ سنة حسنة هذه تبقى له وتكتب له في صحيفة الأعمال حيث انتفع بها الناس وإلى متى انتفعوا. وبالعكس قد يعمل عمل فيه إضرار بالمسلمين مثل مظلمة أو ابتداع بدعة سيئة أو نشر أفكار ضارة بالمسلمين أو معادية للإسلام أو معصية إلى غير ذلك من أعمال السوء هذه تكتب عليه أوزار بقدر ما أحدثت من أضرار وبقدر ما تُحدث من أضرار تدون له وهو في قبره، وذاك وهو في قبره تدون له آثار أعمال الخير والبر وهذا تدون عليه الأوزار كما قال صلى الله عليه وسلم: "من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
* في قوله تبارك وتعالى (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) توسط الكتابة أو موقع الكتابة هنا هل له غرض مقصود؟
هو قدّم إحياء الموتى على الكتابة مع أن إحياء الموتى متأخر عن الكتابة.
* في خارج القرآن نتصور نكتب ثم نحيي الموتى وليس العكس لأن الكتابة تأتي مع الحياة وليس بعدها؟
طبعاً من ناحية النحو الواو لا تفيد ترتيباً ولا تعقيباً، حضر فلان وخرج فلان، ليس فيها شيء. ثم التقديم والتأخير لا يقوم على السبق في الزمن دائماً أو على الأفضل ولذلك لاحظ أحياناً يقدم المتأخر (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) الحاقة) ثمود بعد عاد، مرة يقدم السجود على الركوع (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (42) آل عمران) ومرة يقدم الركوع على السجود. مرة يقدم الموت على الحياة (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الملك) ومرة يقدم الحياة على الموت. وأحياناً حتى في الأشخاص يقدم المتقدم في الزمن وأحياناً يؤخر الزمن. (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) النساء)
* هل لهذا غرض بلاغي ؟
هو كما ذكرنا في أكثر من مناسبة هو السياق. يعني أحياناً يأتي ما يقتضي التقديم من الأسبق في الرتبة أو الأفضل أو بالعكس الكثرة (فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ (2) التغابن)، السياق هو الذي يقدم ما دام الواو لا تفيد التعقيب ولا تفيد الترتيب وطالما لا تفيد الترتيب إذن التقديم والتأخير سيكون بحسب ما يقتضيه السياق. وأنا أذكر في الحلقة السابقة ذكرنا (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ (32) فاطر) (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) هذا الأمر يتعلق بالمقام بالسياق قد يكون حسب السبق في الزمن وقد يكون حسب الرتبة
* واضح مما تفضلت به من أمثلة أنه لا يعري الزمن اهتماماً ولا يعري الترتيب اهتماماً ولا التصور المنطقي أيضاً لا يعطيه اهتماماً (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) يقول نكتب ونحيي؟!. هذا أمر بلاغي.
* ولا التصور البلاغي لا يعطيه أيضاً اهتماماً لماذا لم يقل نكتب ونحيي؟
الكتابة الغرض منها لما بعد الموت أو في الحياة؟ لما بعد الموت هي المهم إذن قدّم الأهم، الكتابة لا قيمة لها إلا إذا كان هنالك حياة للموتى، وإلا ما قيمة الكتابة؟ لماذا يكتب؟
* بعد البعث لا شيء!
إذن هو قدم الأهم فعلاً لأن الغرض الأول الكتابة هو لما بعد الموت.
* إذن فالموت هو الأهم!
إذن نحيي الموتى هي أهمّ والثانية تابعة لها فإذن أيّ الأهم في الواقع؟ إحياء الموتى. ثم إحياء الموتى مناسب لما ذكره من قبل من التبشير والإنذار (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) و (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)) هذا كله يكون في الحياة بعد الموت، إذن هو مناسب لما قبله. إذن هو رتبها بحسب الأهمية، أهمّ شيء في المذكورات هو الحياة بعد الموت، ثم كتابة الأعمال، ثم الآثار لأن الآثار هي من أثر الأعمال كتابة الآثار. إذن أهمّ شيء هو الحياة بعد الموت ثم كتابة الأعمال لأنها لها ثم إحصاء الآثار. هناك أمر آخر وهو قدّم الأهمّ من ناحية أخرى ليس فقط لهذا الترتيب وإنما قدّم ما لا يستطيع فعله إلا الله، الكتابة يمكن أن يفعلها المخلوقون الملائكة مثلاً يفعلونها من حيث الفعل في حد ذاته، الكتابة يفعلها البشر لكن إحياء الموتى لا يستطيع أن يفعلها فقدم من ناحية أخرى ما لا يستطيع فعله إلا الله وهو الإحياء ولذلك جاء في الأسلوب المؤكد (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) لكن ما قال "وإنا نحن نكتب" وإنما قال (ونكتب) لأنها دونها في التوكيد.
* لماذا أكدّ هنا ولم يؤكد نكتب مع أن الكتابة حادثة بالفعل وعليها المعوّل في الحساب؟
ولكنها ليست بمنزلة إحياء الموتى، قدّم ما يفعله الله على ما يفعله غيره لأن الكتابة فعل الملائكة وقد قال تعالى (وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) الزخرف) (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ق) إذن التقديم من كل ناحية.
* إذن لا يباشر هذا العمل إلا الله سبحانه وتعالى، وإن كانت الملائكة تكتب فبأمر من الله هم يكتبون أما إحياء الموتى فلله والملائكة لا تحيي؟
طبعاً بلا شك. إذن من كل ناحية إذا كان الغرض الأول فإحياء الموتى هو الغرض الأول والكتابة بعدها لأنه لا قيمة لها إن لم يكن هناك إحياء موتى. وإذا كان من حيث الأهمية فإحياء الموتى أولاً ثم الكتابة ثم الآثار لأنها بعد العمل. وإذا كان من حيث ما يفعله الله فلا شك أن هذا دونه.
* هم ينكروا اصلاً إحياء الموتى فربما قُدمت لهذا الغرض أيضاً؟
ممكن، أصلاً السورة مبنية والجو فيها في الحياة بعد الموت. سورة يس ليس فيها ذكر الكتابة بقدر ما فيها ذكر إحياء الموتى، يشيع فيها ذكر إحياء الموتى عموماً (وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32)) هذا يكون بعد الإحياء، (وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)) (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (48)) الوعد الحشر (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)) (إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53)) ثم يذكر مشهداً من مشاهد الحياة الآخرة في الجنة وفي النار (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55)) (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63)) وآخر السورة (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)) أصلاً السورة يشيع فيها هذا الطابع العام فالتقديم مناسب للطابع العام.
* معذرة إسمح لي إذا جاءت فرضاً تقديم الكتابة على إحياء الموتى سنذهب ونلتمس أيضاً ما تفضلت به أن الكتابة عمل فقدمت الكتابة على إحياء الموتى لأن الكتابة كذا وعليها حساب العباد وفيها جنة ونار وسنلتمس ما تفضلت به!.
لكن لو أثار لك سؤالاً واحداً وقال لك ما الغرض من الكتابة؟ لماذا تكتب؟ ماذا ستقول؟
* للحساب!
إذن الكتابة ليست لذاتها. أيُّها الأهم لما أُعدّت له أو لها هي؟ هذا سؤال للمناقشة؟
* هي متعلقة على شيء آخر؟
إذن هي لذلك الغرض فستكون الأهمية لها.
* لا يقول قائل مثلاً بأنكم كعلماء تنظرون في بيان القرآن الكريم أنكم تأوّلون بحسب ما جاء في آي القرآن الكريم وإذا جاء بأسلوب آخر أيضاً ستقولوا نفس الكلام؟
هو هذا فعلاً كنت أنا أشاهده وأحسه في قسم من التعليلات. وكنت أقول لو قيل على نمط آخر وقد ذكرته في بداية كتاب التعبير القرآني ثم قلت ننظر ونبحث ونثير سؤالاً آخر ونرى ماذا سيحصل ولاحظت -ولا أقول أني عرفت الأساليب القرآنية - هنالك أمور أحياناً نراها كالقانون الرياضي أحياناً يعني تأخذ نمطاً دقيقاً بحيث لو أقول نفعل هذا؟ تقول لا. حتى أني كنت أقول لطلابي في الدراسات العليا أحياناً كنت أثير مسألة وأقول لهم هذه العبارة مثلاً لو بدلنا العبارة بهذا أو وضعنا ما ختمت به هذه الاية مكان هذه ماذا تقولون؟ ثم نبدأ ندرسها من الناحية اللغوية ثم نقول الآن نغير؟ فيقولون لا، كيف نغير؟ لا يصح. أنا لا أقول أن كل التعليلات التي قال بها العلماء ضروري أن يعتقد بها الشخص ويقتنع بها ربما يكون لا يقتنع بها لكن في المناقشة والنظر فيها يغير كثيراً من هذه النظرة.
* أفهم من كلامك أننا لا نستطيع أن نحكم على دلالة كلمة خارج السياق، الكلمة خارج السياق لا تفي بشيء والآية داخل منظومة الآيات تعطي مسرحاً للأحداث ومسرحة الأحداث من خلالها نستنبط الحكم وليس مجرد النظر في آية أو في معنى كلمة؟ لا.
* في قوله تبارك وتعالى (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) لماذا جاءت نكتب وليس نعلم مثلاً والله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء؟ فلماذا جاءت (نكتب) تحديداً؟
لغرض الاهتمام حتى توثيقها وإطلاع صاحبها عليها (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا (49) الكهف) يجب أن يقرأ شيئاً لتوثيقها أما العلم فهو أمر آخر (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) الكهف) إذن الكتابة الآن هي المهمة هي تتناسب مع إحياء الموتى وإطلاع صاحبها عليها، إذن يعلم ونعلم ولكن هذا توثيق فيها.
* هل الناس تحتاج لمثل هذا التوثيق من قِبل الله عز وجل؟ سبحانه عنده علم الأشياء؟
كيف لا يحتاجون؟ إقامة الحجة عليه لا له، إقامة الحجة على الشخص وليس له، يقال له أنت فعلت كذا انظر في هذه الصحيفة ماذا ترى فيها؟
* إذا جاء الله تعالى وقال هؤلاء بعث النار وهؤلاء في الجنة وتنتهي القضية على هذا الشكل؟
لكن هذا هل يراه الشخص من العدل أم يطلعه على ما فعل؟ ولذلك هو يقول : إن أهل النار يقضى بهم إلى النار وحمده في قلوبهم لأنهم علموا أنه لم يظلمهم وأنه أعطى لهم الفرصة الكافية ليرعووا وأعطاهم كل الأشياء التي كان يمكن فيها أن يرعووا ويكونوا من أصحاب النعيم. إذن إن أهل النار يُقضى بهم إلى النار وإن حمده لفي نفوسهم وفي قلوبهم.
* يقيم الحجة الكاملة؟
فيقول يقول أنا استحق هذا، هذا ما عملته.
* وبالتالي قال ربنا (ونكتب) وليس ونعلم. الموقف موقف حساب. ما زالت هذه النقطة مستمرة سيدي ، الكتابة ألا تفي بالغرض فلماذا ذكر بعدها الإحصاء (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ)؟ هو ذكر الكتابة وهي جزء من الإحصاء؟
لا، أحياناً يكتب ويضيع لكن الإحصاء هو الجمع والحفظ، يجمعها ويحفظها لكن أحياناً تكتب ورقة ويتركها كنا في السابق نكتب ما نكتب ونرمي. أما الإحصاء حفظها وجمعها حتى تكون جاهزة لمن يحاسبه رب العالمين.
* يعني لو ذكر الكتابة فقط يُتوهم معه أنه تضيع الكتابة وذكر الإحصاء قيّد المكتوب.
حفظها وجمعها في موضع واحد ووضعها سابقاً في الإمام المبين
* لماذا أحصيناه تحديداً بصيغة الماضي؟
لأنها أسبق من الكتابة (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) والناس أحياء (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) هذا قبل أن يخلق الخلق، في اللوح المحفوظ. أحصيناه فعل ماضي هي مكتوبة في اللوح المحفوظ، ربنا سجّل كل شيء.
* إذن نحن مسيّرون طالما أنه سجل الأشياء علينا
لكن لم يجبرك عليها، هذا علمه (فِي إِمَامٍ مُبِينٍ).
* ولهذا هل الإحصاء في إمام؟ أو نكتب في إمام؟
لا، نكتب، (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) ق) هذه صحيفة الأعمال.
* كأن الكتابة من الملكين والإحصاء عند الله سبحانه وتعالى؟
(وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) الزخرف) لديهم، هم يكتبون وربنا يحفظها.
* لماذا (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) يس) نصب (كل) وليس بالرفع كما قال (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) القمر) فلماذا النصب؟
هذا النصب نسميه اشتغال، هذا اصطلاح نحوي "التنازع والاشتغال". هو المعنى بنصب (كل) عند النحاة بمعنى أحصينا كل شيء، التقدير عند النحاة أحصينا كل شيء أحصيناه،
* خارج القرآن ما أصل (كلَّ شيء أحصيناه)؟
(كلَّ) مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور يعني أحصينا كل شيء في إمام مبين. إذن (وكل شيء أحصيناه) معناه أحصينا كلَّ شيء في إمام مبين، هذا معناها. الرفع يحتمل معنيين.
* علمتنا أن الرفع أقوى من النصب؟
الأصل هذا واضح، دلالة قطعية مفعول به لفعل محذوف أحصينا كلَّ شيء في إمام مبين، هذا النصب دلالة قطعية. الآن لو قال قائل و(كلُ شيء أحصيناه في إمام مبين) ما دلالة هذا التعبير؟ ما دلالته؟ وأين المبتدأ والخبر؟ (في إمام) أو أحصيناه؟
(في إمام) و(أحصيناه) يحتمل وسيتغير المعنى. أحد أمرين إما أن يكون (كلُّ) مبتدأ وأحصيناه خبر فيكون مثل المعنى الأول، (كلُ شيء أحصيناه في إمام) هذا معنى. والمعنى الآخر أن جملة (أحصيناه) نعت لـ (كل) والخبر (في إمام) يعني كلُ شيء أحصيناه موجود في إمام. إذن (في إمام) خبر، لكن ما هو المعنى، كلُ شيء أحصيناه يعني الأفعال قسمان قسم أحصاه وقسم لم يحصه.
* في قوله (كلُ شيء أحصيناه) فيها دلالة أن هنالك قسم لم يُحصى؟
قسم لم يُحصى، الذي أحصاه في إمام والذي لم يُحصى؟ ولذلك جاء بالدلالة القطعية التي لا تحتمل هذا الشيء.
* أنه ما ترك شيئاً إلا أحصاه؟
أنت ذكرت (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) القمر) لا يمكن أن يقول (كلّ شيء) يعني وفعلوا كلَ شيء في الزبر؟ ماذا فعلوا في الزبر؟
* مع أن كل شيء فعلوه في الزبر مكتوب في الزبر، موجود؟
ولذلك لا يمكن النصب هنا، النصب هنا يوهِم أن كل شيء فعلوه في الزبر، ماذا فعلوا في الزبر؟ لاحظ مثلها (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) القمر) ما قال (كلُ) لو قال كلُ يعني هناك أجزاء مخلوقة وأجزاء غير مخلوقة، الذي خلقناه بقدر والذي خلقه غيرنا؟ تؤدي إلى أن هناك خالق آخر!.
* حتى قطع احتمالية ورود فهم ثاني إلى الذهن!
لا يمكن، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) يعني خلقنا كلَّ شيء، بينما إنا كلُ شيء خلقناه فيها احتمالين إنا كلُ شيء خلقناه بقدر والذي خلقه غيرنا .
* الرفع هنا يوهم أنه خلق وغيره خلق تعالى الله عن ذلك، توحي بمعنى الشرك والعياذ بالله، فبالنصب هنا تحدد دلالة قطعية واحدة؟ طبعاً.
* قلت هنا اشتغال، ما معنى اشتغال؟ وأين نجده في هذه الآية الكريمة (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12))؟
(أحصى) فعل متعدي يأخذ مفعولاً به، أحصيناه أخذ المفعول به (الضمير) إذن هو اشتغل بنصب الضمير
* اشتغل بالضمير عن نصب المفعول السابق؟
لو لم يكن هناك ضمير ما نسميه اشتغال. مثلاً (محمداً أكرمتُ) ليس فيها اشتغال وإنما مفعول به مقدّم مثل (وربك فكبر)، مثل (إياك نعبد) لكن إذا قلت (محمداً أكرمته) صار اشتغال لأن الفعل اشتغل بنصب الضمير، هذا يحتاج إلى فعل، اشتغل عن نصبه بنصب ضميره.
* في سورة يس (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) يس) الإمام المبين كما قال الدكتور هو اللوح المحفوظ في يوم القيامة، لكن الإمامة هي منصب منصب دنيوي الله تعالى يقول لإبراهيم (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (124) البقرة) وكأن الإمامة منصب دنيوي يخص الله تعالى به من يشاء من عباده فكيف تفسير الدكتور للإمام المبين بأنه اللوح المحفوظ؟
الإمام في اللغة قد تأتي بمعنى الطريق قال تعالى (وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ (79) الحجر) والإمام هو الكتاب، له أكثر من دلالة وليس له دلالة واحدة في اللغة ويكفي الرجوع إلى أمهات اللغة لمعرفة معاني الإمام. وكلمة إمام يتحدد معناها داخل السياق.
* في سورة يس كلمة مبين وردت سبع مرات كثيرة وكل مرة تأتي بمعنى مختلف فلماذا وجودها 7 مرات ودلالة اختلاف معانيها؟(د.فاضل السامرائى)
مبين معناها ظاهر واضح ومُظهِر لنفسه (مبين أبان) وهذه تصلح أن تكون صفة لأشياء متعددة مختلفة: بلاغ مبين، سحر مبين، عدو مبين، ضلال مبين، ظاهر العداوة والدلالة، عدو مبين عن نفسه، ظاهر ومظهِر لنفسه، كتاب مبين، نذير مبين، يمكن أن يكون صفات لأشياء عديدة، فوز مبين مثل عظيم فوز عظيم، عذاب عظيم، قرآن عظيم هي صفة بحسب الموصوف وهنالك أشياء كثيرة يمكن أن توصف بمبين أو عظيم أو كبير.
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٠٨ |
برنامج لمسات بيانية
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13) المجادلة) ما دلالة الاختلاف في استعمال إن وإذ في الآيتين؟
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12)) هذه شرطية تفيد الاستقبال، (إذ) للماضي (أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)) (فإن لم تجدوا) هذه للمستقبل أما (فإذ لم تفعلوا) للماضي لأن إذ للماضي في أكثرها وإن للمستقبل. يذكرهم (فإن لم تجدوا) في المستقبل، إذا لم تجد فإن الله غفور رحيم. هنا في الماضي (أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا) إذا كنتم لم تعملوه أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وتاب الله عليهم، تاب الله عليه تعني أنه لم يفعل. (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) لأنكم لم تفعلوا، لم يقدموا، ناجوا ولم يقدموا.
* يعني إن للمستقبل (فإن لم)، (إذ) للماضي (وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ (86) الأعراف) (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ (26) الأنفال) ماضي، (إذ) في أغلب أحوالها للماضي. (إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا 9) الأحزاب) ؟
ماضي، أمر ماضي. (أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) أنتم ما فعلتم، ناجيتم ولم تقدموا فتاب الله عليكم.
* إنما (إن) للمستقبل. ربما (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (9) الحجرات) فيها مستقبل.
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٠٩ |
برنامج لمسات بيانية
سورة النساء
أية 135
الوقفة كاملة
|
| ٣٠١٠ |
برنامج لمسات بيانية
آية (14):
(إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ {14})
* (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14)) هنا قال ربنا تبارك وتعالى إليهم ولم يقل إليها أي القرية مع أن قبلها مباشرة قال جاءها أي القرية فكيف نفهم هذا؟
نحن ذكرنا في مطلع هذه الآية قوله تعالى (إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ) أنهم ذهبوا إليهم في مسكنهم لو قال جاءهم لم يدل على أنهم ذهبوا إليهم في دارهم، وهذا دال على الاهتمام أنهم يذهبون إليهم في دارهم للمكث والتبليغ. التبليغ لهم لأن القرية قد تطلق على الأماكن.
قال (أرسلنا إليهم) ولم يقل (أرسلنا إليها) كما قال (جاءها) لأن الإرسال في الحقيقة إلى أهل القرية لا إلى القرية أما المجيء فكان إلى القرية فإن القرية تطلق على المساكن والأبنية والضِياع وإن كانت خالية، قال تعالى (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها (259) البقرة) ولذلك قال بعدها (فكذبوهما) فنسب التكذيب إلى أهلها ولم ينسبه إلى القرية لأنهم هم المرسَل إليهم وهم المكذبون.
وقوله (فكذبوهما) يدل على أنهما أنذرا أصحاب القرية وبلغاهم دعوة ربهم إلا أنهم كذبوهما وهذه الفاء تسمى فاء الفصيحة وهي التي أفصحت عن المحذوف وهو التبليغ لأن التكذيب لا يكون إلا مع التبليغ فحذف ما هو مفهوم من الكلام وما لا داعي له لأن العناية ههنا بموقف أهلها منهما. وهو الموقف المشابه لموقف أهل مكة. جاء في روح المعاني " وقيل (أرسلنا إليهم) دون (ارسلنا إليها) ليطابق (إذ جاءها) لأن الإرسال حقيقة إنما يكون إليهم لا إليها بخلاف المجيء وأيضاً التعقيب بقوله تعالى (فكذبوهما) عليه أظهر, وهو هنا نظير التعقيب في قوله تعالى (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت)".
* إذن المرسلون كانوا لأصحاب القرية ولهذا قال (إليهم) ؟
نعم، حتى لاحظ هو قال (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا) هو لم يقل أنذر أهل القرية لكننا نحن فهمنا من هذا أن هؤلاء أنذروا اصحاب القرية وبلّغوهم.
* هذا كان يدعوني لأن أسأل كذبوهما على ماذا؟ هما ماذا قال لهما الاثنان؟ قال (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا)
معناه أنهم بلّغوا وأنذروا. هذه تسمى فاء الفصيحة في اللغة تفصح عن شيء غير مذكور لكن نفهمه من السياق لأن لا حاجة إليه لأنه فُهم. لما قال (فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) الفرقان).
*لم يذكر شيئاً!
لكن ما الذي تفهم منها؟ نفهم منها أنهم ذهبوا فلم يؤمنوا فدمرناهم. أفصحت عن شيء يعني عن محذوف دلت عليه هذا غاية الإيجاز، غاية الإيجاز أن تفهم لماذا (فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً (60) البقرة).
* ما قال فرفع فضرب فحدث، ما ذكر توصيف الحالة؟
ما ذكر توصيف الحالة لا يحتاجها المهم أنه يركز على المهم في المسألة. المهم الآن أنه أرسل فكذبوه يعني إذن قطعاً أنذر وبلغ لكن كذبوه.
* لكن ربما يقول قائل خارج القرآن الكريم لأنه قال في البداية (واضرب لهم مثلا) المثل يحتاج إلى التبيين والإيضاح والسرد ماذا حدث في هذا المثل لا إلى الإيجاز بهذه الصورة : أرسلنا فكذبوا؟
هو يفصّل فيما يقتضي التفصيل، أما هذا مفهوم. الآن لو لم أذكر هذا الأمر أنها مطلقة ولم أشر إليه إذا قلنا (أرسلنا فكذبوا) ماذا يفهم منها. آمنوا؟ لا، أنذروهم أم لا؟ أنذروهم، وبلّغوهم، إذن هي مفهومة. والآن لما أقول أنذروا وبلغوا لا أضيف شيئاً جديداً. الآن يعطيك الأشياء التي لا تعلمها ويفضل لك في الأمور التي لا تعرفها أو ما ينبغي أن تعلمها (فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ) لو قال فضرب ماذا ستزيد؟!
* تكرار، لا شي. يعني هنا ينطبق عليها البلاغة في الإيجاز؟
حيثما يقتضي الإيجاز والتقصيل حيثما يقتضي التفصيل. مراعاة الكلام لمقتضى الحال، وحتى في التفصيل تراعي الإيجاز، للتفصيل ضوابط أيضاً وللإيجاز واضح أن له ضوابط أيضاً .
* قال ربنا تبارك وتعالى (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) فلماذا لم يقل فعززناهما مع أنه قال (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ)؟
(فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) عززنا قوّينا والمعنى فقويناهما غير أنه لم يذكر المفعول به فلم يقل (فعززناهما) ذلك أن المقصود تقوية الحق الذي أرسلوا به علاوة على تقويتهما وليس المقصود تقوية الشخصين فقط، فأخرج الفعل مخرج العموم ولو ذكر مفعولاً به لتقيد التعزيز بذلك المفعول. فنحن نرى فيما نرى أنك تنصر شخصاً وتقويه ولا تنصر فكره ونرى شخصين أو فريقين متخاصمين يحارب أحدهما الآخر أو يقتله وهما يحملان فكراً واحداً. فقال ههنا (فعززنا بثالث) ليدل على أن التقوية عامة لهما ولدعوتهما. وقد ذهب الزمخشري وآخرون إلى أن الغرض من الحذف إنما هو لبيان المقصود ذكر المعزز به وهو الحق الذي أُرسلا به. والذي يبدو لي ما ذكرت والله أعلم. جاء في الكشاف في قوله تعالى (فعززنا بثالث) "فعززنا فقوّينا.. فإن قلت لمَ ترك ذكر المفعول به؟ قلت لأن الغرض ذكر المعزز به... وإذا كان الكلام منصباً إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه سواء كأن ما سواه مرفوض مطرح ونظيره قولك (حكم السلطان اليوم بالحق) الغرض المسوق إليه (بالحق) فلذلك رفضت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه". وجاء في التفسير الكبير" : وترك المفعول حيث لم يقل (فعززناهما) لمعنى لطيف وهو أن المقصود من بعثهما نصرة الحق لا نصرتهما والكل مقوون للدين المتين بالبرهان المبين".
* ماذا عزز الله تبارك وتعالى؟ الرسالة؟
الحق، أطلقها حتى تفيد تقويتهم وتقوية ما جاء به من الحق. أصلاً المقصود تقوية الحق ليس المقصود الشخصين لأن الإرسال لغرض الرسالة ليس للشخصين بذاتهما.
* ليس الكلام أصلاً على الشخصين؟
المهم التبليغ وما أُرسلوا به. (فَعَزَّزْنَا) لو قال عززناهما ما تعطي هذا المعنى لأنه أحياناً تنصر شخص وتقويه ولا تنصر فكره أسباب أخرى، تنصره ولا تنصر فكره. وأحياناً تجد إثنين متخاصمين متحاربين وفكرهما واحد وأحياناً يؤدي إلى القتل. (عززنا) مطلقة تقوية الحق وتقوية الرسولين لو قال (فعززناهما) لا يفهم منها تقوية الحق بالضرورة.
* إذا قوّى رسوله ألا يُفهم من ذلك بالتبعية أنه قوّى الحق الذي جاء به الرسول؟
هو أطلق حتى يشملهم ويشمل الحق.
* من قبيل التوسع ؟
قد يكون الحذف من قبيل التوسع، الحذف قد يكون للتوسع لكن هو (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) لم يشر إلى ما هما لأن المهم نصرة الحق وليس نصرة الشخصين
* هذا أقوى في الدلالة على نصرة الرسالة ولو قال عززناهما يكون للرسول. ولهذا قال (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) ؟
(فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) عززنا بثالث أي قوينا، ماذا قوّى؟ تقوية الحق الذي جاء به وتقوية حمل الرسالة.
وأسند التعزيز إلى نفسه سبحانه فقال (فعززنا) كما قال (إذ أرسلنا) للدلالة على أن المرسِل والمعزِّز واحد كل ذلك بأمره سبحانه.
(فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) أسند القول إليهم جميعاً لأنهم يدعون بدعوة واحدة وقد انضم الثالث إلى الإثنين في دعوتهما إلى الله سبحانه. (إنا إليكم مرسلون) قالوا مؤكدة بـ (إنّ) لأن الموقف يحتاج إلى توكيد ذلك أن أصحاب القرية كذبوا الرسولين كما أخبر تعالى (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا) ولذا قوّاهما بثالث فاحتاج الكلام بعد التكذيب والتقوية بالثالث إلى توكيد فقال (إنا إليكم مرسلون) وهذا القول إنما هو بعد التكذيب والتعزيز يدل على ذلك (فقالوا) بالجمع وقوله (إنا إليكم مرسلون) بالجمع.
* لما ذهب الاثنان إلى القرية قالوا (إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ) لماذا التوكيد هنا وما سببه؟
(فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) يعني صاروا ثلاثة (فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ) التوكيد حسب الحاجة. هو قال أول مرة (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا) الآن صار المقام مقام تكذيب يحتاج إلى توكيد.
* تكذيب مع الاثنين؟ ليس مع الثالث؟
تكذيب سابق. الثالث قوّاهم، لكن قبله تكذيب حاصل فاحتاج إلى توكيد، قال (فَكَذَّبُوهُمَا) إذن هذا ليس ابتداء وإنما هو أمر سابق هذا يحتاج إلى التوكيد، ذاك كذّب وهذا يجب أن يؤكِّد (فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ) بعد التكذيب الأول.
* بعد التكذيب الأول ولهذا التوكيد هنا له سبب؟
طبعاً. ليس هو القول الأول وإنما هذا بعد التوكيد.
* القول الأول الذي فهمناه في (فَكَذَّبُوهُمَا) في إضمار الرسالة، في حذف الرسالة. لكن قال ربنا (فَكَذَّبُوهُمَا) ولم يقل فكذبوا فلو كذبوا تعني كذبوا الحق أيضاً وكذبوا الرسالة؟ أم كذبوهما خاصة بالرسولين؟
ذاك الحق كذّب به، كذبوهما كذبوا الشخصين اللذين يحملان الرسالة، تكذب الشخص.
* هم لا يكذبون الرسالة؟
هم سكتوا عنها، ما موقفهم من الرسالات الآن سيأتي ما موقفهم من الرسالة.
* ولهذا يتبادر للذهن لماذا كذبوا؟ وما هي الرسالة؟ ولماذا لم يقل ربنا هنا (فكذبوا) أو فأعرضوا كما قال في غير مواضع مثلاً؟
سيتضح ما السبب. بقية القصة توضِّح هذا الأمر.
* عندما يقول (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) يعني أضاف إليهم شخصاً ثالثاً؟ أضاف إليهم واحداً لكن في عدادهم هو الثالث.
نعم.
*(إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14) يس) هل كانوا رسلاً أم أنبياء؟ ومن هما؟
هذه مختلف فيها أيضاً قسم قالوا هم رسل عيسى إلى أنطاكيا من الحواريين أرسلهم بأمر الله سبحانه وتعالى وقسم قال هم من رسل الله لم يذكر ربنا سبحانه وتعالى أسماءهم.
الوقفة كاملة
|