التدبر

٢٣٥١ سلسلة (ختمة تعارف) سورة الرحمن اية 1 الوقفة كاملة
٢٣٥٢ سلسلة (ختمة تعارف) سورة المجادلة اية 1 الوقفة كاملة
٢٣٥٣ سلسلة (ختمة تعارف) سورة المجادلة اية 11 الوقفة كاملة
٢٣٥٤ سلسلة (ختمة تعارف) سورة الممتحنة اية 10 الوقفة كاملة
٢٣٥٥ سلسلة (ختمة تعارف) سورة الصف اية 1 الوقفة كاملة
٢٣٥٦ سلسلة (ختمة تعارف) سورة التغابن اية 14 الوقفة كاملة
٢٣٥٧ سلسلة (ختمة تعارف) سورة التغابن اية 11 الوقفة كاملة
٢٣٥٨ سلسلة (ختمة تعارف) سورة الملك اية1 الوقفة كاملة
٢٣٥٩ سلسلة (ختمة تعارف) سورة الملك اية 12 الوقفة كاملة
٢٣٦٠ نداء التحبب في هود (يا قوم) تكرر 16 مرة لا تنسيّك عظمة المهمة الترفق بالمدعوين واللطف بهم ليفتحوا قلوبكم لدعوتك الوقفة كاملة

تفسير و تدارس

٢٣٥١ سورة الفتح دورة الأترجة الوقفة كاملة
٢٣٥٢ سورة الفتح دورة الأترجة الوقفة كاملة
٢٣٥٣ سورة الطلاق - دورة الأترجة الوقفة كاملة
٢٣٥٤ سورة الطلاق - دورة الأترجة الوقفة كاملة
٢٣٥٥ بينات 1436ه الوقفة كاملة
٢٣٥٦ سورة الطلاق - دورة الأترجة الوقفة كاملة
٢٣٥٧ سورة التحريم - دورة الأترجة الوقفة كاملة
٢٣٥٨ بينات 1436هـ الوقفة كاملة
٢٣٥٩ سورة الحجرات دورة الأترجة الوقفة كاملة
٢٣٦٠ سورة التحريم - دورة الأترجة الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٢٣٥١ قوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) ) ( آل عمران 3، 4 ) . ان التعبير ( نَزَّلَ) اختلف عن ( وَأَنْزَلَ) اذا اجتمعا ، فهما اذا اجتمع افترقا ، واذا افترقا يمكن ان يجتمعا ، فالتنزيل يقتضى نزول المنزل مفرقا ومنجما على ازمنه متنوعة ، والانزال يكون بإنزال المنزل كله جملة واحدة ، لا تفريق فيها ، ولا تنجيم . أما اذا لم يجتمعا فيكمن التعبير بالتنزيل ، ويراد به الانزال ، ويرد التعبير بالإنزال ، ويقصد به التنزيل ، وفى هاتين الآيتين اجتمعا ، فورد التعبير عن نزول القران الكريم على رسولنا محمد – صلى الله عليه وسلم – بالتنزيل فقال ( نَزَّلَ) وعن نزول الكتب السابقة بالإنزال ، فقال ( وَأَنْزَلَ) وتعليل ذلك – والله اعلم – ما قاله احمد ابن ابراهيم بن الزبير الغرناطي : " فقوله تعالى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) مشير الى تفصيل المنزل وتنجيمه بحسب الدعاوى ، وانه لم ينزل دفعه واحده ، اما لفظ ( أَنْزَلَ) فلا يعطى ذلك اعطاء ( نَزَّلَ) وان كان محتملا ، وكذا جرى في احوال هذه الكتب ، فان التوراة انما انما اوتيها موسى – صلى الله عليه وسلم – جملة واحده في وقت واحد ، وهو المراد بقوله تعالى ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ) الاعراف ( 145) الآية ، أي المجموع ، واما الكتاب العزيز فتنزل مقسطا من لدن ابتداء الوحى ... " انتهى كلام الغرناطي رحمه الله . وأقول : وما قوله ( وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) فليس ناقضا لهذه القاعدة ، اذ علل بعض العلماء التعبير عن ذلك بالإنزال بدل التنزيل بأن المقصود هنا إنزاله الى السماء الدنيا ، كما قال تعالى ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) القدر ( 1) . وقيل : ان المراد بالفرقان فيالآية نصر رسولنا صلى الله عليه وسلم على اعدائه . واقول : ان هذا القول الاخير أرجح عندي ، اذ يؤيده قوله تعالى بعده (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) . ومما اجتمع فيه الفعلان ، وتفرق معناهما ، قوله تعالى في سورة ( محمد ) : ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ۖ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ۙ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) محمد ( 20 ) قال ابن الزبير الغرناطي : " ووجه ذلك – والله اعلم – أن المؤمنين هم الذين يودون نزول السورة ، وطلبهم نزلها انما هو على ما اعتادوه جارياً في غيرها من التنجيم وتفصيل النزول ، فالملائم هنا عبارة عن التضعيف –أي : نُزّلَت – وقوله (فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ) انما المراد تحصيلها بجملتها بعد كمالها ، وذلك مفهوم من سياق الكلام ، والملائم – لما تحصل ، وتم – عبارة الانزال من غير تضعيف ، فكل من الموضعين وارد على انسب نظم ، والعكس غير ملائم ، والله أعلم " . انتهى كلامه رحمه الله . واذا انفرد أحدهما بالذكر – أعنى : انزل ، ونزل – لم يكن ممنوعا أن يرد أحدهما بمعنى الاخر ، فقول الله تعالى ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) الفرقان ( 32 ) التنزيل فيه بمعنى الانزال ، لأنه قال : ( جُمْلَةً وَاحِدَةً) وجاء التعبير عن الانزال بالتنزيل في قوله تعالى ( وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) الانعام ( 7 ) . فالمراد الانزال جملة واحدة لدلالة قوله ( فِي قِرْطَاسٍ) ومثلها ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) ال عمران (93) ومعلوم ان التوراة أنزلت مجتمعه . والله أعلم . الوقفة كاملة
٢٣٥٢ قوله تعالى ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ) ال عمران ( 26) . ان الاصل في الاسماء اذا ذكرت ابتداء ان تكون ظاهرة ، فإذا ذكرت بعد أضمرت استغناء بالاسم الظاهر المتقدم ، فتكرار الكلمة إطناب ، والايجاز يدعو الى ضد ذلك ، والاظهار يحسن في موضعه ، كما هو الاضمار في موضعه . ولكن الاظهار في موضع الاضمار أتى في القران الكريم كثيرا محققا فوائد عظيمة وصلت به الى قمة البلاغة ، وتسنمت به ذرى الفصاحة وسنامها، ومن هذا الباب تلم الآيةالتي بين ايدينا ، فتأملوا تكريره كلمة ( الْمُلْكَ) حين قال ( تُؤْتِي الْمُلْكَ) لأنه لو قال ( تؤتيه ) لعاد الضمير الى ( الْمُلْكَ) في قوله ( مَالِكَ الْمُلْكِ) وهو ملك الله ، قال ابن الخشاب ، ولأوهم ذلك أن الله تعالى يعطى ملكه كله من يشاء ، وهذا غير صحيح ، وغير مراد ، بل المراد أن الله يعطى شيئا قليلا من ملكه لبعض البشر ، لا ينقص ذلك مهما كثر من ملكه – تعالى -شيء ، اما تكرار كلمة الملك مرة ثالثة في قوله ( وَتَنزِعُ الْمُلْكَ) فلتعدد المالكين . والله أعلم . الوقفة كاملة
٢٣٥٣ قوله تعالى ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ال عمران ( 99 ) . سبيل الله هو دين الاسلام ، أما صد أهل الكتاب عن سبيل اله فقد قيل فيه : إنهم يحتالون لصد من اراد الدخول في الاسلام عن ذلك ، وهذا التأويل يصح عند تأويل ( مَنْ آمَنَ ) بمن اراد الايمان . و أحسن هذا التفسير أن يقال : انهم يحاولون افتتان المسلمين بأن يثيروا ما بينهم من عداوات جاهلية ، كما كان اليهود يفعلون مع الأوس والخزرج ، أو بأن يشككوافي دين الاسلام و بالرسول ﷺاذ كانوا يقولون : ان صفته – عليه السلام – ليست في كتابهم ، ولا تقدمت البشارة به – عليه الصلاة والسلام –في كتابهم . والذى أريد ان الفت الانظار اليه في هذه الآية هو قوله : ( تَبْغُونَهَا عِوَجًا) فالضمير يعود على ( سَبِيلِ اللَّهِ) والسبيل يذّكر و يؤنث ، وهذه الآية شاهد على تأنيثه ، ومثلها قوله تعالى (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي) يوسف (108 ) . ومن التذكير قوله تعالى ( وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) الاعراف ( 146) . والأصل ان يقال : تبغون لها عوجا ) ، لان الفعل ( بغى ) غير متعد بنفسه ، لكن عدل عنه الى ما هو أبلغ ، فان المعنى مع تقدير حرف الجر هو : تطلبون لها اعوجاجا ، فيكون (عِوَجًا ) مفعولا به ، لكن ما ورد فيالآية من حذف اللام ، وجعل الضمير مفعولا به ، وجعل ( عِوَجًا) حالا أكمل في المعنى ، حيث إنهم يريدون ان تكون الطريقة المستقيمة المشهود لها بالعدل العوج نفسه ، كما تقول : عمر عدل ، فهو أبلغ من قولك : عمر عادل ، ففي المثال الاول كأن عمر صار العدل كله ، لا اين يكون معوجاً فقط ، والله أعلم . الوقفة كاملة
٢٣٥٤ قوله تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) ال عمران ( 110 ) . عد بعض المفسرين والنحاة ( كان ) ههنا زائدة ، وجعل المعنى : أنتم خير أمة أخرجت للناس ، وبعضهم جعلها بمعنى ( صار ) أي : صرتم خير أمة أخرجت للناس . وهذان القولان غير حسنين ، فادعاء زيادتها خطأ واضح ، لأن ( كان ) لا تزاد في أول الكلام ، وأما جعلها بمعنى ( صار ) فمعناها : أنهم لم يكونوا خير أمة للناس ، ولكنهم صاروا فيما بعد ، وهو صحيح ولو أريد بهذه الأمة العرب ، أما والمراد بها المسلمون فالمعنى غير مستقيم . ولعل الصحيح – والله أعلم – أن ( كان ) على معناها الأصلي مع افادة معنى الدوام ، أي : كنتم في سابق علم الله ، أو يوم أخد الله المواثيق على الذرية ، خير أمه أخرجت للناس ، ولا تزالون كذلك ، فتفيد ( كان ) هنا أن خيريّتهم على الناس صفة أصلية فيهم ، لا عارضة متجددة . ***** الوقفة كاملة
٢٣٥٥ قوله تعالى ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴿١٥٩﴾) ال عمران ( 159) . قبل الابحار بسفينة التأمل في هذه الآيةالكريمة يجدر بي أن أتناول أراء العلماء في القول بوقوع الزيادة فيالقران الكريم ، فأقول : اختلف العلماء في القول بوقوع الزيادة في القران الكريم ، وفى تسميتها ، سواء وقعت بالحرف ، أم بالفعل ، فالبصريون يجيزون وقوعها ، ويسمونها ( زيادة ، أو لغواً ) ، والكوفيون يجيزون أيضاً وقوعها ، ويسمونه ( صلة ، أو حشواً ) . والعلماء في القول بوقوع الزيادة في القران فريقان : فريق ينفيه كالمبرد وثعلب وابن السراج ، قال الشريف الرضى : " وأقول : ان لأبى العباس المبرد مذهبا في جملة الحروف المزيدة في القران ، أنا أذهب اليه ، أتبع نهجه فيه ، وهو اعتقاد انه ليس شيء من الحروف جاء في القران الا لمعنى مفيد ، ولا يجوز أن يكون لقى مطرحاً ، ولا خاليا من الفائدة صفراً ، وذلك ان الزيادات والنقائص في الكلام انا يضطر اليها ، ويحمل عليها الشعر الى هو مقيد بالأوزانوالقوافي ... فأما اذا كان الكلام محلول العقال ، مخلوع العذار ، ممكنا من الجريفي مضماره ، غير محجوز بينه وبين غاياته ، فان شاء صاحبه أرسل عنانة ، فخرج جامحاً ، وان شاء قدع لجامه ( أي : كبحه ) ، فوقف جانحاً ، لا يحصره أمد دون امد ، ولا يقف به حد دون حد ، فلا تكون الزيادات الواقعة فيه الا عيا واستراحة ولغوبا والاحة ، وهذه منزلة ترفع عنها كلام الله سبحانه الذى هو المتعذر المعوز ، والممتنع المعجز " . والفريق الثاني : يثبت الزيادة في القران الكريم ، وهو أكثر المفسرين والنحاة والفقهاء ، وان كره اسمها بعضهم ، كابن هشام الذى يقول : " وينبغي ان يتجنب المعرب ان يقول في حرف في كتاب الله تعالى : انه زائد ، لأنه لا يسبق الاذهان ان الزائد هو الذى لا معنى له ، وكلا الله سبحانه منزه عن ذلك " . وهذا الفريقان صنفان : صنف يجعل وجود الزائد كالعدم ، ولا شك في أن هذا قول فاسد لا يصح ، وهو الذى جعل النافين يشنعون على المثبتين اثباتهم الزيادة في القران ، كما فعل الشريف الرضى أنفاً ، لانهم يعتقدون أن الزائد ليس ليه فائدة في الاعراب ولا في المعنى ، ولا شك في ان الحكم بوجود زيادة في القران الكريم على هذه التعريف لها – وهو : ما لات تأثير للمزيد في الاعراب ولا في المعنى – غير صحيح . والصنف الثاني : يجعل الزائد غير مؤثر في الاعراب فقط ، أما في المعنى فلا يكتفى بإثبات معنى له ، بل يجعل له معنى زائداً في الجملة عليها لو خلت منه . قال ابن يعيش " وقد أنكر بعضهم وقوع هذه الاحرف زوائد لغير معنى ، اذا ذلك يكون كالعبث ، والتنزيل منزه عن مثل ذلك . وليس يخلو انكارهم ذلك من انهم لم يجدوه في اللغة ، او لما ذكروه من المعنى ، فإن كان الاول فقد جاء التنزيل والعشر مالا يحصى . ، وان كان الثاني فليس كما ظنوا ، لان قولنا : ( زائد ) ليس المراد أنه قد دخل لغير معنى البتة ، بل يزيد لضرب من التأكيد ، والتأكيد منى معنى ، قال سيبويه عقيب ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ) المائدة ( 13 ) . ونظائره : فهو لغو من حيث انها لم تحدث شيئا لم يكن قبل أن تجئ ، من المعنى سوى تأكيد الكلام . ومما سبق يتبين أن سبب الخلاف في إثبات وقوع الزيادة أو الصلة في كتاب الله تعالى راجع – ككثير من الاشياء المنفية عن القران الكريم كالمجاز مثلا – الى الاختلاف في تعريف الزائد ، فمن عرفه بأنه : ( ما ليس له أثر في الاعراب ولا المعنى ) . نفى وقوعه ، وأما من عرفه بأنه : ( ما لا أثر في الاعراب ، وله أثر في المعنى ) .. أجاز وقوعه ، وهو الصحيح ، فمما لا شك فيه أن الحرف الزائد لا يؤثر في الاعراب ، أما تأثيره في المعنى فيتضح فيالآياتالتيقيل فيها بالزيادة ، كهذهالآيةالتي بين ايدينا (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) ال عمران ( 159 ) . فإن ( ما ) في قوله : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ) زائدة ، ومعنى الآية : ما لنت لهم الا برحمة عظيمة من الله ، ولو لم تزد ( ما ) لجاز أن يكون اللين حاصلا بسبب الرحمة وغيرها ، أما وقد زيدت فيه ( ما ) فقد نابت هنا عن نفى واثبات ، وأفادت الحصر ، فقطعت بأن اللين لم يكن الا بسبب الرحمة ، وهذا يدل على ان للزائد معنى زائداً ، وأنه ليس مهمل المعنى ، ولذلك رد أبو حيان – رحمة الله – على الرازي انكاره جعل ( ما ) ههنا زائدة ، حيث كان الرازي يرى ان دخول اللفظ المهمل الوضع في كلام أحكم الحاكمين غير جائز ، لكن المحققين يخالفونه في هذا ، ومنهم أبو حيان الذى خالفه قائلا : " وما قاله المحققون صحيح ، لكن زيادة ( ما ) للتوكيد لا ينكره في اماكنه من له أدنى تعلق بالعربية فضلا عن من يتعاطى تفسير كلام الله ، وليس ( ما ) في هذا المكان مما يتوهمه أحد مهملا " . انتهى كلامه . والرأي المتناقض للفريقين في هذه الآية يوضح أن السبب في ذلك هو ما ذكرته أنفا من ان سبب الاختلاف في الجواز وعدمه واجع الى الاختلاف في المراد بالزيادة . الوقفة كاملة
٢٣٥٦ قوله تعالى ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ال عمران ( 164 ) . (المن ) صفة مدح وصفة ذم ، فهيفي حق الله تعالى مدح ، فمن الله ابتداؤه وتفضله بالنعم العظيمة من غير أن يعتد سبحانه وتعالى بمقابلتها من خلقه بمثلها ، فهو يحسن الى من لا يستثيبه ، ولا يطلب منه الجزاء عليه ، وهذا النوع لا يكون الا بالأفعال ، فلا يصاحبه من قولي ، وهذا النوع خاص بالله جل وعلا . ويكون المن في حق غير الله تعالى ذماً ، لأنه القول أو الفعل المشعر بتعالي صاحب الفضل على المتفضل عليه بتعظيم احسانه اليه ، وفخره به ، وتذكيره اياه ، وان يبدئ فيه ، ويعيد حتى يفسده ، ويبغضه اليه ، ومن هذا النوع قوله تعالى ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة (262) . وعودا على بدء أقول : ان قوله تعالى فيالآية الاولى : ( رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) غاية روعة التعبير ، فقوله ( مِنْ أَنْفُسِهِمْ) يدل على القرب والخصوص الحقيقيين ، لان قولك : محمد من أنفس المؤمنين ، يدل على انه من خاصتهم ، وانه قريب جدا منهم ، لا أنه منتسب اليهم انتسابا قد يكون مجازيا مراد به التشريف ، كقول رسول الله ﷺ ( سلمان منا أهل البيت ) فالرسول ﷺمن أقرب المقربين الى المؤمنين ، ولذلك لما كان الحديث غير خاص بالمؤمنين في قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) الجمعة (2) . لم يقل فيها ( من أنفسهم ) وانما قال ( مِّنْهُمْ) ، لان الكلام عن العرب عامة ، لا عن المؤمنين خاصة ، قال احمد بن ابراهيم الغرناطي : " ان قولك : فلان نت أنفس القوم ، أوقع في القرب والخصوص من قولك : فلان منهم ، فإن هذا قد يراد للنوعية ، فلا يتلخص لتقريب المنزلة والشرف الا بقرينة ، أما ( من انفسهم ) فأخص ، فلا يفتقر الى قرينة ، ولذلك وردت حيث قصد التعريف بعظيم النعمة به ﷺعلى امته ، وجليل اشفاقه ، وحرص على نجاتهم ، ورأفته ورحمته بهم ، فقال تعالى ( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) التوبة ( 128 ) . وقال تعالى في من كان على الضد من حال المؤمنين المستجيبين : ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ) النحل (113 ) فتأمل موقع قوله هنا : ( مِّنْهُمْ) لما قصد انه انعام عليهم لم يوفقوا لمعرفة قدره ، ولا للاستجابة المثمرة النجاة ... " . الوقفة كاملة
٢٣٥٧ قوله تعالي : " قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) " { يوسف : 47 – 49 } . قال ابن الجواليقي : " ولا تُفرّقُ عوامُّ النّاس بين ( العام ) و ( السَّنَةِ ) ، ويجعلونهما بمعنًي واحدٍ ، فيقولون : سافرَ في وقتٍ من السَّنَةِ ، أي : وقتَ كان إلي مثله ذلك ، وهو غلطٌ ، والصوابُ ما أُخبِرتُ به عن أحمد بن يحي أنّه قال : ( السَّنَةُ ) من أيّ يومٍ عددتَهُ إلي مثله . و( العامُ ) لا يكون إلا شتاءً وصيفًا ، وليس ( السَّنَةُ ) و( العامُ ) مشتقّين من شئ ، فإذا عددتَ من اليوم إلي مثله فهو سَّنَةٌ ، يدخلُ فيه نصفُ الشتاء ونصفُ الصيف ، والعامُ لا يكون إلا صيفًا وشتاءً ... فالعامُ أخصُّ من السَّنَةِ ، فعلي هذا تقول : كلُّ ( عامٍ ) سَّنَةٌ ، وليس كلُّ ( سَنَةٍ ) عامًا " انتهى من تاج العروس للزبيدى : 8 / 413 . وقال الراغب الأصفهانيّ في كتابه ( المفردات ) ص 245 : " وأكثر ما تُستعملُ السَّنَةُ في الحَوْلِ الذي فيه الجَدْبُ ، يقال : أسنتَ القومُ ، أصابتهم السَّنَةُ " ، وقال في موضعٍ آخر ص 354 : " العامُ كالسَّنَةِ لكن كثيرًا ما تُسْتَعْملُ السَّنَةُ في الحَوْلِ الذي يكون فيه الشدّةُ أو الجَدَبُ ، ولهذا يُعبّرُ عن الجَدْبِ بالسَّنَةِ ، والعام بما فيه الرخاء والخِصْبُ " . وقد سار أكثر المفسّرين – أبى السعود : 4 / 238 - علي التفريق بينهما من حيث القَحْطُ والخِصْبُ ، واستشهدوا علي ذلك بأحاديث ، منها ما رواه مسلمٌ - رحمه الله - عن ثوبان - رضي الله عنه - أنّ رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ( .... وإنّي سألتُ ربّي لأمّتي أن لا يهلكها بسنةٍ بعامّهٍ ) صحيح مسلم : 3 / 2215 . وأقول : أوضح منه في الاستشهاد ما رواه مسلمٌ - رحمه الله - عن أبي هريرة أنّ رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال : ( ليست السَّنَةُ بأن لا تُمطروا ، ولكنّ السَّنَةَ أن تُمطروا ، وتمطروا ، ولا تُنبِتُ الأرضُ شيئًا ) صحيح مسلم : 3 / 2228 . ؛ لأنّ رسول الله - صلي الله صلي الله عليه وسلم - سار في تعريفه للسَّنَةِ علي ما يعرفه أصحابه - رضي الله عنهم - ، ثمّ بيّنَ لهم التعريف الصحيحَ لهم . ولكنْ فرّقَ بينهما أبو هلال العسكريّ من جوانب أخري ، فقال الفروق اللغوية : 224 : " الفرق بين ( العام ) و( السَّنَةِ ) أنّ العامَ جمعُ أيّامٍ ، والسَّنَةَ جمعُ شهورٍ ، ألا تري أنّه لمّا كان يُقال : أيّامُ الرنْجِ ، قيل عامُ الرنْجِ ، ولمّا لم يُقَل : شهورُ الرنْجِ ، لم يُقَلْ : سنة الرنْجِ . ويجوز أن يقال : ( العام ) يفيد كونه وقتًا لشئ ، ( والسَّنَةُ ) لا تفيد ذلك , ولهذا يقال : عامُ الفيل ، ولا يقال : سنة الفيل ، ويقال في التاريخ : سنة مئةٍ ، وسنة خمسين ، ولا يقال : عام مئة وعام خمسين ؛ إذ ليس وقتًا لشئ ممّا ذُكِرَ من هذا العددِ ، ومع هذا فإنّ العامَ هو السَّنَةُ ، والسَّنَةَ هي العامُ ، وإن اقتضي كلُّ واحد منهما ما لا يقتضيه الآخر ممّا ذكرناه ، كما أن الكلَّ هو الجَمْعُ ، والجَمْعُ هو الكلُّ ، وإن كان الكلُّ إحاطةً بالأبعاض ، والجَمْعُ إحاطةً بالأجزاء " . ويري السهيليّ - رحمه الله - أنّ الفرق بينهما أنّ ( العام ) يطلق علي ذي الشهور القمريّة ، وأمّا ( السنة ) فتطلق علي ذات الشهور الشمسيّة الروض الأنف 2 / 57 – 59 . وعودًا إلي الآيات التي هي محلّ هذه النظرة نجد المولي - عز وجل - قال : " سَبْعَ سِنِينَ " , ثمّ قال : " عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ " , ففي الأولي استعمل السنين , ثمّ استعمل العام , فما السرّ في ذلك ؟ . قال السهيلي - رحمه الله – الروض الأنف : 2 / 57 – 58 : " قال : " سِنِينَ " , ولم يقل : ( أعواما ) , و السَّنَةُ و العامُ - وإن اتّسعت العربُ فيهما واستعملتْ كلَّ واحد منهما مكانَ الآخر اتّساعًا - ولكَنَّ بينهما في حكم البلاغة والعلم بتنـزيل الكلام فرقًا فَخُذْهُ : أولًا : من الاشتقاق ؛ فإنّ السَّنَهَ من : سَنا , يَسْنُو , إذا دار حول البئر والدابّة : هي السانية , فكذلك السَّنَهُ : دورةٌ من دورات الشمس , وقد تسمّي السَّنَةُ ( دارا ) ؛ ففي الخبر : ( إنّ بين آدم ونوحٍ ألفَ دارا ) , أي : ألف سَّنَةٍ هذا أصل الاسم , ومن ثمّ قالوا : أكلتْهم السَّنَةُ , فسمّوا شدّة القحط سنةً , قال الله سبحانه : " وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ " الأعراف : 130 , ومن ثمّ قيل : أسنتَ القومُ , إذا أقحطوا .. ؛ لأنّ الجُدُوبَةَ والخِصْبَ معتبرٌ بالشتاء والصيف , وحسابُ العجم إنّما هو بالسنين الشمسيّة , بها يؤرّخون ...... وانظرْ بعد هذا إلي قوله : " تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا " , ولم يقل : ( أعوامًا ) , ففيه شاهدٌ لما تقدّم , غير أنّه قال : " ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ " , ولم يقل : سنة , عدولًا عن اللفظ المشترك ؛ فإن السنة قد يعبّر بها عن الشدّة و الأزمة , كما تقدّم , فلو قال : ( سَّنَةٌ ) لذهب الوهم إليها ؛ لأنَّ العامَ أقلُّ أيّامًا من السنة , وإنّما دلّتِ الرؤيا علي سبعِ سنينَ شدادٍ , و إذا انقضي العدد فليس بعد الشدّة إلا رخاءٌ , وليس في الرؤيا ما يدلُّ علي مدّة ذلك الرخاء , و لا يمكن أن يكون أقلّ من عامٍ , و الزيادة علي العام مشكوكٌ فيها , ولا تقتضيها الرؤيا , فَحُكِمَ بالأقلِّ , وَتُرِكَ ما يقع فيه الشكُّ من الزيادة علي العام , فهاتان فائدتان في اللفظ بالعام في هذا الموطن " . ثمّ وجَّهَ السهيليّ - رحمه الله - بعض الآيات , فقال الروض الأنف : 2 / 58 – 59 : " وأمّا قوله : " وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً " الأحقاف : 15 , فإنّما ذكر السنين , وهي أطول من الأعوام ؛ لأنّه مخبرٌ عن اكتهالِ الإنسانِ , و تمامِ قوّتِهِ , و استوائِهِ , فلفظ السنين أولى بهذا الموطن ؛ لأنّها أكملُ من الأعوام . وفائدة أخري : أنه خبرٌ عن السنّ , والسنُّ معتبرٌ بالسنين ؛ لأنّ أصل السنّ في الحيوان لا يُعْتَبَرُ إلا بالسَّنَةِ الشمسيّة ؛ لأنَّ النتاجَ و الحملَ يكون بالربيع والصيف , حتّي قيل : ( رِبعيّ ) للبكيرِ , و ( صيفيّ ) للمُؤخَّرِ ...... , فلمّا قيل ذلك في الفصيل ونحوه : ابنُ سنةٍ , وابن سنتين , قيل ذلك في الآدميّين , وإن كان أصله في الماشية . وأمّا قوله : " وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ " لقمان : 14 , فلأنّه قال سبحانه : " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ " البقرة : 189 , فالرضاع من الأحكام الشرعية , و قد قصرنا فيها علي الحساب بالأهلّة . وكذلك قوله : " يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا " التوبة : 37 , ولم يقل : سنة ؛ لأنه يعني شهر المحرّم وربيع إلي آخر العام , ولم يكونوا يحسبون بأيلول , ولا بتشرين ولا بينير , وهي الشهور الشمسية . وقوله سبحانه : " فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ " البقرة : 259 , إخبارٌ منه لمحمّد - صلي الله عليه وسلم - وأمّته , وحسابهم بالأعوام والأهلّة كما وقّتَ لهم سبحانه . وقوله سبحانه في قصّة نوح : " فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا " العنكبوت : 14 , قيل : إنّما ذكر أولًا السنين ؛ لأنّه كان في شدائدَ مُدَّتَهُ كُلَّها إلا خمسين عامًا منذ جاءه الفرج , وأتاه الغوث , و يجوز أن يكون الله سبحانه عَلِمَ أنّ عُمُرَهُ كان ألفًا إلا أن الخمسين منها كانتْ أعوامًا فيكون عمره ألفَ سنة , ينقص منها ما بين السنين الشمسية و القمريّة في الخمسين خاصّة ؛ لأن خمسين عامًا بحساب الأهلّة أقلّ من خمسين سنة شمسيّة بنحو عامٍ و نصف , فإن كان الله سبحانه قد عَلِمَ هذا من عُمُره , فاللفظُ موافقٌ لهذا المعني , و إلا ففي القول الأوّل مقنعٌ , والله اعلم بما أراد . فتأمّل هذا ؛ فإنّ العلم بتنـزيل الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح لك بابًا من العلم بإعجاز القرآن . وابْنِ هذا الأصلَ تَعْرِفِ المعني في قوله تعالي : " فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) " المعارج : 4 وقوله تعالي : " وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) " الحج : 47 , وأنه كلامٌ وَرَدَ في مَعْرضِ التكثير والتفخيمِ لطول ذلك اليومِ , و السَّنَهُ أطولُ من العامِ , كما تقدّم , فلفظها أليقُ بهذا المقام . الوقفة كاملة
٢٣٥٨ قوله تعالي : " فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) " يوسف : 76 . كرّر كلمتي " وِعَاءِ أَخِيهِ " وذلك لأسباب : أمّا تكرار كلمه " وِعَاءِ " فإنّه لو قال : ( ثمَّ استخرجها منه ) لأوهمَ الكلامُ أنّه استخرجها من أخيه ؛ لأنّه أقربُ مذكورٍ , قال ابنُ الحاجبِ في أماليه الأمالى النحوية : 1 / 102 – 103 : " فيصيرُ كأنَّ الأخَ كانَ مُباشَرًا بطلبِ خروجِ الوعاء , ولم يكن الأمرُ كذلك ؛ لما في المباشَرةِ من الأذى الذي تأباهُ النفوسُ الأبيّةُ , فَأُعِيدَ بلفظِ الظاهر ؛ لنفي هذا التوّهمِ " . وأمّا تكرارُ كلمة " أَخِيهِ " فإنّه لو قال : ( ثمّ استخرجها من وعائه ) لأوهمَ الكلامُ أنَّ يوسفَ - عليه السلام - استخرجها من وعائه هو - أي من وعاءِ يوسفَ - ؛ لأنّ الأصل في الضمير أن يعود علي أقرب مذكور , و هو يوسف البرهان فى علوم القرآن . ثُمَّ إنَّ تكرارَ هذه الكلمة فيه تأكيدٌ علي منزلةِ الأخِ في قلبِ يوسفَ - عليه السلام - . والله اعلم . قوله تعالى : " فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) " يوسف : 80 . يروي أنّ أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ هذه الآية , فقال : ( أشهدُ أنّ مخلوقًا لا يقدر علي مثل هذا الكلام ) البداية والنهاية لابن كثير : 1 / 64 ؛ فالاستفعال هنا " اسْتَيْئَسُوا "يدلّ علي شدّة قنوط إخوه يوسف - عليه السلام - بعد تكرار محاولاتهم بأن يأخذ يوسف أحدهم مكان أخيهم الذي عاهدوا أباهم علي الحفاظ عليه , قال أبو السعود - رحمه الله - : " فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ " أي : يئسوا من يوسف وإجابته لهم أشدّ يأس بدلالة صيغة الإستفعال , وإنّما حَصَلَتْ لهم هذه المرتبةُ من اليأس ؛ لما شاهدوه من عوذه بالله ممّا طلبوه , الدالِّ علي كون ذلك عنده في أقصي مراتب الكراهة , وأنّه ممّا يجب أن يُحْتَرَزَ عنه , ويَعُاذَ منه بالله عزّ وجلّ , ومن تسميته ضلما بقوله : " إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ " . " خَلَصُوا " : اعتزلوا , وانفردوا عن الناس , " نَجِيًّا " أى : ذوي نجوي ، علي أن يكون بمعني النجوي والتناجي ، أو : فوجا نجيًّا ، علي أن يكون بمعني المناجي ، كالعشير والسمير بمعني المُعاشَر والمُسامَرِ . وأظن أنَّ سببَ سجود الأعرابيِّ هو ما يدلّ عليه قوله : " خَلَصُوا نَجِيًّا " من مبالغتهم في الإعتزال والانفراد عن النّاس ، وتحاشيهم أن يسمع أحدٌ كلامَهُمْ ، ومع ذلك أطلع الله تعالي نبيّه محمّدًا - صلي الله عليه وسلم - علي محاوراتهم ، حيث قال :" قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) " يوسف : 80 - 82. الوقفة كاملة
٢٣٥٩ قوله تعالي : " قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) " الحجر : 37 - 38 . فقد أضيفَ اليومُ إلي " الْوَقْتِ "، والظاهرُ أنَّهما بمعني واحد , فكأنّه قال : ( إلي وقت الوقت المعلوم ) ، فأضيفَ الشئُ إلي نفسِهِ ، وقد صحَّ ذلك ؛ لأنَّ " الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ " الذي أُضيفَ إليه " يَوْمِ " يرادُ به النفخُ في الصور ، أو القيامةُ ، فكأنّه قال : يوم النفخِ في الصور ، أو يوم القيامة ، فالوقتُ المعلومُ أصبح علمًا علي النفخ أو القيامة ، فلم تكنِ الإضافةُ ههنا من إضافةِ الشئ إلي نفسِه الممنوعةِ في اللغة الأمالى النحوية : 1 / 69 . الوقفة كاملة
٢٣٦٠ قوله تعالي : " فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) " الحجر : 94 . حُكيَ أنَّ بعضَ الأعرابِ لما سمعَ هذه الآية سَجَدَ ، فلما سُئلَ عن سببِ سجودِه قال : " سجدتُ لفصاحة هذا الكلام " البداية والنهاية لابن كثير : 1 / 64 . ونقل أبو حيّان عن أبي عبيدة عن رؤبة قوله : " ما في القرآن أغرب من قوله " فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ " البحر المحيط : 6 / 498 . وقال أبو منصور الثعالبيّ : " ثلاث كلمات اشتملت علي شرائط الرسالة ، وشرائعها ، وأحكامها ، وحلالها ، وحرامها " الإعجاز والإيجاز : 17 . فقوله : " فَاصْدَعْ " بمعني : امض فيه ، وأظْهِرْهُ ، واجْهَرْ به ، قالَ ابنُ أبي الإصبع في كتابه ( بديع القرآن ) ص : 22 : " المعني : صَرِّحْ بجميعِ ما أوحي إليك ، وَبَلِّغْ كُلَّ ما أُمِرْتَ ببيانِهِ ، وإنْ شقَّ بعضُ ذلك علي بعضِ القلوب ، فَانْصَدَعَتْ ، والمشابهةُ بينهما فيما يؤثِّرُه التصديعُ في القلوب ، فيظهرُ أثرُ ذلك علي ظاهرِ الوجوهِ من التَّقَبُّضِ والانبساطِ ، ويلوحُ عليها من علاماتِ الإنكارِ أو الاستبشارِ ، كما يظهرُ علي ظاهرِ الزجاجةِ المصدوعةِ من المطروقةِ في باطنها ، فانظرْ إلي جليلِ هذه الاستعارة ، وإلي عظيم إِيجازِهَا ، وما انطوتْ عليه من المعاني الكثيرة " . انتهي كلامه . فالصَّدْعُ علي هذا القولِ يكونُ من الرسولِ - صلي الله عليه وسلم - لقلوبِ الكفّارِ بما أوحي اللهُ تعالي إلي نبيِّه – صلى الله عليه وسلم - . ثم تأملوا - رحمني اللهُ وإيّاكم - في تَخصيصِ الآية للمصدوعِ به بالأوامرِ فقط , حيثُ قالَ اللهُ تعالي : " بِمَا تُؤْمَرُ " , ولمْ يقلْ : ( وبما تُنهى ) ؛ لأنّه لمّا حذفَ الجارَ والمجرورَ بعدَ قولِه : " تُؤْمَرُ " حيث أصلُ الكلامِ : ( بما تؤمرُ به ) , صار اللفظُ دالًا علي الأوامرِ والنواهي ؛ لأنَّ أوامرَ اللهِ تعالي لنبيه - صلي الله عليه وسلم - كانت تقتضي بأنْ يأمرَ الكافرين باتّباعِ الدينِ الجديدِ , وينهاهم عن عبادةِ الأصنامِ , والطلبُ من الرسول - صلي الله عليه وسلم - بتبليغ الكفارِ أوامرَ اللهِ تعالي ونواهيه , كلَّها أوامرُ للرسول - عليه أفضلُ الصلاةِ و السلامِ - , و لأجلِ ذلك حَسُنَ حذفُ الجارِ والمجرورِ , فلم يَقُلْ : ( بما تؤمر به ) ؛ إذ لو قيلَ ذلك لوجبَ أن يُقالَ : ( وبما تُنْهى عنه ) , وما يُنْهى الإنسانُ عنه لا يليقُ به الجهرُ . والله أعلم . الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 2351 إلى 2360 من إجمالي 26698 نتيجة.