| ٢٠١ |
آية (۳) : (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)
* دلالة البناء للمجهول (مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) :
السياق حسب الحاجة وحسب ما يريد المتكلم أن يتحدث عنه، هل الكلام عن الفاعل أو عن نائب الفاعل، هنا الكلام عن الكتاب ( كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ .. (۲)) لكن يذكر من المنزِل فيما بعد لتعظيم الكتاب، (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (۲) الزمر) الكلام عن الله وليس عن الكتاب.
* (تَتَذَكَّرُونَ) لما تأتي تكون مساحة التأمل أوسع ففي الآية (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) الأنعام) كان الكلام قبلها عن النظر في آيات الله في الكون وهذا ربي ثم هذا ربي ثم هذا ربي أمور تحتاج إلى طول زمن.
- تذكّرون مثل (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) المسألة منحصرة في أوامر من الله عز وجل يأمرهم بتنفيذها لا تحتاج إلى طول الوقت الذي احتاجته التأملات في قصة إبراهيم عليه السلام.
- يذّكّرون بالتشديد على الذال فهو للتأكيد.
آية (٤) : (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ)
* ذكر هلاك القرية دون ذكر أهلها لقصد الإحاطة والشمول، تخيل مشهد القرية وهي تتدمر بأكلمها، وإذا كان هذا ما حل بالقرية وهي ثابتة مستقرة فكيف بأهلها؟ وستزداد دهشة إذا علمت أن ساعة الهلاك هي ساعة نومهم (بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ).
* أتى البأس بعد الإهلاك فالفاء تأتي للترتيب الذِكري ولا تنحصر بالترتيب والتعقيب. وهي تعني التفصيل بعد الإجمال . أولاً يأتي بالموت بشكل إجمالي ثم يفصّل الإهلاك.
الوقفة كاملة
|
| ٢٠٢ |
آية (١٤٦) : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
* عبر الله تعالى بلفظ المعرفة وقال (يعرفونه) ولم يقل يعلمونه ذلك أن المعرفة غالباً ما تتعلق بالذوات والأمور المحسوسة فأنت تقول عن شيء ما أنك تعرفه حينما يكون علمك به أصبح كالمشاهد له وكذلك كانت معرفة أهل الكتاب بصفات النبي صلى الله عليه وسلم فهي لم تكن مجرد علم مستند إلى غيب بل إنهم يعرفونه ويعرفون صفاته كأنهم يشاهدونه أمامهم قبل بعثته .
الوقفة كاملة
|
| ٢٠٣ |
آية (١٥٠) : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
* ذكر تعالى الناس معرّفة بـ (أل) وذلك حتى تستغرق هذه الكلمة الناس جميعاً مهما اختلفت مللهم .
* قال (لئلا يكون للناس) ولم يقل لئلا يكون للمشركين ولم يقتصر على ذكر الذين اعترضوا في ذلك الوقت على تحوّل القِبلة وشككوا في النبي وكأن هذه الكلمة (للناس) قد دلّت على أن التوجه إلى الكعبة المشرفة مبطلٌ لمزاعم الناس المشككين كلهم في كل زمان وكل مكان .
* متى تثبت الياء ومتى تحذف كما في قوله (واخشوني، واخشون) ؟
في جميع القرآن عندما يُظهِر الياء يكون التحذير أشد ويكون الأمر أكبر فلو اغتاب أحدهم آخر تقول له إتقِ الله ولكن إن أراد أن يقتل شخصاً فتقول له إتقي الله ، فالتحذير يختلف بحسب الفعل ، وهذا التعبير له نظائر في القرآن (اتّبعني إتبعنِ ، كيدوني كيدونِ ، أخّرتني أخرتنِ) ، أما إخشوني واخشونِ فوردت الأولى في سورة البقرة والثانية في المائدة .
في سورة البقرة التحذير أكبر فالسياق هنا في تبديل القِبلة وقد صار كلام كثير ولغط وإرجاف بين اليهود والمنافقين حتى ارتد بعض المسلمين ، هي أمر كبير لذا قال (واخشوني) .
في سورة المائدة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ (٣))هذا يأس هؤلاء يائسين فصار التحذير أقل .
في الآية الأخرى في سورة المائدة (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)) ليس فيها محاربة ولا مقابلة فقال (واخشونِ) بدون ياء .
الحذف في قواعد النحو يجوز والعرب تتخفف من الياء لكن الله سبحانه وتعالى قرنها بأشياء فنية .
الوقفة كاملة
|
| ٢٠٤ |
آية (١٥٥) : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)
* هل لهذا الترتيب وجه بلاغي؟
الآية تتكلم عن قتل وقتال هناك معركة فلا يفكر الإنسان بالجوع وإنما يفكر في ذهاب النفس فقدّم الخوف على الجوع ، ولما تكلم عن الرزق والتجارة رزق أيضاً قدّم الجوع ، (ونقص من الأموال والثمرات) يقدّم الأموال دائماً إلا عندما تتعامل مع الله تعالى فيقدّم الأسمى (الأنفس) .
* قال (من الأموال) بمعنى قلّصها ولم يقل( نقص في الأموال) لأن نقص فيها تعني أصابها شيء في داخلها أما نقص من الأموال يعني ذهب منها شيء .
* جاء الله تعالى بكلمة (بشيء) ولم يقل لنبلونكم بالخوف والجوع وفي ذلك لفتتان جميلتان :
الأولى أنه ذكر كلمة شيء قبل الخوف فيه تخفيف من وقع هذا الخبر المؤلم للنفس فلا أحد يرغب أن يكون خائفاً أو جائعاً فخفف الله تبارك وتعالى عنا هذا الخبر أن الابتلاء يكون بشيء من الخوف والجوع وليس بالخوف كله أو بالجوع كله .
والثانية إشارة إلى الفرق بين الابتلاء الواقع على هذه الأمة المرحومة وبين ما وقع من ابتلاء على الأمم السابقة فقد سلّط الله تعالى الخوف والجوع على أمم قبلنا كما أخبرنا في قوله تعالى (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (١١٢) النحل) ولذا جاء هنا بكلمة (بشيء) وجاء هنالك بما يدل على الملابسة والتمكن وهو أنه استعار لها اللباس اللازم مما يدل على تمكن هذا الابتلاء فيها وعِظَم وقعه عليها وقد خُفِّف عنا والحمد لله .
* انظر في لطائف القرآن كيف أسند البلوى لله سبحانه وتعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) دون واسطة الرسول صلى الله عليه وسلم وأسند البشارة بالخير الآتي من قِبَل الله تعالى إلى الرسول فقال (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) تكريماً لشأنه وزيادة في تعلّق المؤمنين به بحيث تحصل خيراتهم بواسطته دون أن يصيبهم أي مكروه بسببه .
* (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ (١٥٥)) تقديم الخوف وفي سورة قريش (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (٤)) تقديم الجوع :
في سورة البقرة قدم الخوف لأن هذه وقعت في سياق القتل والمصائب (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ... الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)) فقدّم الخوف .
في قريش (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) هذه التجارة أصلاً لغرض الميرة والأمن كان سبباً في نجاح الرحلة ، حاجة قريش للطعام والتجارة شديدة (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) ، حتى لما قال (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)) قدّم الجوع بمقابل الشتاء (رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) في الصيف آمنهم من خوف لأن الناس في الشتاء يحتاجون إلى الطعام أكثر ولذلك يدخرون قوتهم للشتاء ثم الأمن جعله في إزاء الصيف لأنه يسهل فيه الغارات يخرج قطاع الطرق تخرج هوامّ ووحوش ، فالجوع يناسب الشتاء والأمن يناسب الصيف فكلٌ جاء في رتبته وترتيبه .
الوقفة كاملة
|
| ٢٠٥ |
آية (٢١) : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)
* الفرق بين الفاتحة والخاتمة للآيتين (٢١) الأنعام – (١٧) يونس :
آية الأنعام: يخاطب بها بني إسرائيل الذين حرفوا التوراة والإنجيل على وفق ما تحققه مصلحتهم إلى يوم القيامة، وقالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله وغير ذلك كثير وهذا شرك، وأن تكذب على أحد فهذا ظلم وجور والله تعالى قال أن الكذب هو ظلم، فقال سبحانه (لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
آية يونس: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) الكلام هنا مبتدأ بالفاء تقريعاً على آية قبلها (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ (١٥)) ، لأن هؤلاء كفار وزعماء قريش وقادتها ما حرفوه من أجل تحيز ديني، ما كان فيهم طائفة ولا حزب بس غيرة وحسد.
* وردت الآية في عدة مواضع في القرآن الكريم:
في الأنعام (٢١) تقدمها قوله (فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ .. (٥)) ثم (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (٧)) فناسب هذا ورود الآية (٢١) على طريقة التعجب من جمعهم بين الافتراء والشرك والتكذيب مع وضوح الشواهد وكثرة الدلائل الواردة أثناء هذه الآي مما لا يتوقف فيه معتبر.
في الأنعام (٩٣) ذكر قبلها الرسل عليهم السلام وأعقب ذكرهم بقوله (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) ثم قال (وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) فأعظم تعالى مرتكبهم فى هذا وفى تعاميهم عن التوراة وما تضمنته من الهدى والنور ثم أعقبه بقوله تنزيها للرسل عليهم السلام عن الافتراء على الله سبحانه وادعاء الوحى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ ..) ولم يتقدم الآية (٢١) ذكر الأنبياء والوحى إليهم.
في الأعراف تقدمها وعيد من كذب بآيات الرسل واستكبر عنها وأنهم أهل الخلود فى النار فناسب هذا قوله تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ(٣٧)) .
في يونس (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)) تقدم قبلها قوله تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ ..) ولا أظلم ممن قال هذا مع علمهم بفصاحته واعترافهم بالعجز عنه فجمعوا بين إنكار ما علموا صدقه وبين طلبهم تبديله وهو أعظم إقدام وأوضح إجرام لأنه كفر على علم فلهذا أعقبت الأية بقوله (إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) ، ولم يقع قبل التى فى الأنعام أو الأعراف مثل هذا الاقدام على مثل هذه الجريمة فى القول وإنما تقدم عداوتهم وظلمهم أنفسهم فى مرتكباتهم وتعاميهم فناسبه قوله (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) .
ولما تقدم وصفهم بالظلم في الأنعام ثم تكرر ذلك ممن افترى أو كذب، فوصف ثانيا بالاجترام ترقيا فى الشر كما يترقى فى الخير وأيضا ليناسب ما وقع فى يونس متقدما من قوله (وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) .
الوقفة كاملة
|
| ٢٠٦ |
آية (١٦٢) : (خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ)
* خالدين فيها وخالدين فيها أبداً في القرآن الكريم سواء في أهل الجنة أو في أهل النار هناك أمران :
إذا كان المقام مقام تفصيل الجزاء أو في مقام الإحسان في الثواب أو الشدة في العقاب يذكر (أبدا) لأن (خالدين فيها أبداً) أطول من (خالدين فيها) وإذا كان في مقام الإيجاز لا يذكرها ، أو كون العمل المذكور يستوجب الشدة فيستخدم (أبداً) .
(أبداً) لا تحمل معنى التأبيد الدائم أو عدم الخروج لأن الخلود وحده يحمل هذا المعنى . والخلود لغوياً يعني البقاء وهم يقولون الزمن الطويل أحياناً والخلود عند العرب تعني المكث الطويل وليس بالضرورة المكث الأبدي .
وقد وردت خالدين فيها أبداً في أهل الجنة ٨ مرات وفي أهل النار ٣ مرات وهذا من رحمته سبحانه لأن رحمته سبقت غضبه .
ومسألة وجود وعدم وجود (أبداً) ليس لها علاقة بالخلود الدائم فهناك آيات كثيرة فيها خالدين وحدها وليس في العقيدة أنهم يغفر لهم (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ .. خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ) .
(أبداً) ظرف زمان خاص بالمستقبل فقط وليس له دلالة زمنية معينة . نستعمل (قطّ) للماضي و(أبداً) للمستقبل وخطأ أن نقول ما رأيته أبداً وهذا خطأ لغوي شائع ، نقول لا أكلمه أبداً وما رأيته قطّ .
* (وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ) الإنظار هو الإمهال ، والمعنى أنهم لا يؤخرون عن عذابهم أو بمعنى لا ينظر إليهم لأن النظر يعطي شيئا من الشفقة لأنك قد تتجه ناحيته فتنظره دون قصد بتلقائية ، وهو سبحانه لا ينظر إليهم أساسا فكأنهم أهملوا إهمالاً تاماً .
الوقفة كاملة
|
| ٢٠٧ |
آية (٣٢) : (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)
* سمى ربنا الحياة الآخرة بالدار لأن الدار هي محل إقامة الناس وفي هذا إيماء للمؤمن بأن الدنيا هي ممر لا مقر.
* دلالة تقديم اللعب وعطف اللهو عليه في الأنعام ومحمد والحديد وتأخيره في الأعراف والعنكبوت:
في الأنعام وجه تقديم اللعب فى الآيتين (٣٢) و (٧٠) لينبه سبحانه عباده المؤمنين على أن هذه حال الحياة الدنيا وصفتها التى تمتاز بها ليجتنبوها ويحذروا غرورها فاللعب هو المتقدم فى الدنيا على اللهو لأن أول عمر الإنسان اللعب، فإذا استمر ألهى عن التدبر والاعتبار فتحصل الغفلة عن النظر فى الآيات فيعقب الهلاك، فورد الاخبار على حسب جرى الأعمار، فأمر تعالى نبيه عليه السلام بالإعراض عنهم فقال (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا(٧٠)) .
فى سورة القتال (إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ.. (٣٦)) الخطاب قبلها للمؤمنين بالأمر بالطاعة لله ورسوله ووصية لهم وإعلام بحال عدوهم من الكفار (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ...) .
آية الحديد (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا .. وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)) تعريف لعباده المؤمنين بصفة الدنيا كما سبق في الأنعام.
آية الأعراف هي قول المؤمنين أهل الجنة إخبارا عن حال الكافرين الموجبة لتعذيبهم (قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) فقدموا اللهو الشاغل عن الاستجابة مع سن التكليف الذي أوجب عليهم العذاب – وهو اللهو- والذى اتخذه الكافر بالقصد والاختيار، فكأن الكلام: ان الله محرم نعيم الجنة على من تأبط الكفر واعتمده، فلم يبرح عن ملازمة الطبع والهوى.
آية العنكبوت (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)) تقدم قبلها قوله تعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ، ولا يسأل عن هذا ويجيب الا من جاوز سن اللعب وبلغ سن التى فيها يصح خطابه وعتابه على تفريطه، فقدم اللهو ليناسب ذكر مانعهم من الاستجابة.
* قال تعالى (وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ) وفى الأعراف (وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ) وفى يوسف (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)
آية الأنعام تقدمها قوله تعالى معرفا بحال الدنيا (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ) فجاء بلام القسم للتأكيد فى تعريف حال الدار الأخرة (وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ) وكأنك تقول والله للدار الآخرة خير، وليس فى آية الأعراف ما يقتضى القسم لأنها مناطة بقوله تعالى (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى) ثم قال (وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ) .
النعت بلفظ الآخرة على الدار فى آيتي الأنعام والأعراف يطابق ما تقدم قبل كل واحدة ففى آية الأنعام (وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) فقال (وللدار الآخرة خير) وأما آية الأعراف (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى) المراد به الدار الدنيا فقوبل بقوله (والدار الآخرة خير) ، ولما لم يتقدم مثل ذلك قبل آية يوسف ورد لفظ الدار مضافا بغير الألف واللام فيه فقيل (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ).
الوقفة كاملة
|
| ٢٠٨ |
آية (١٦٤) : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
* قال ربنا (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) فاستخدم كلمة تصريف للدلالة على أحوال الرياح ولم يستخدم كلمة أخرى كالهبوب مثلاً :
ذلك لأن هذه الكلمة قد جمعت أحوال الرياح التي يحتاج إليها الإنسان وفي كل حالة من أحوالها آية من آيات وجود الخالق وعظيم قدرته سبحانه . فهبوب الريح مثلاً يحتاج إليه أهل موضع لتخفيف الحرّ عنهم وقد يحتاج أهل موضع آخر إلى إختلاف هبوبها لتجيء رياح رطبة بعد رياح يابسة أو تهب من جهة الساحل مسيّرةً السفن إلى البحر أو تهب إلى جهة الساحل ليرجع أهل السفن من أسفارهم . فكل تلك الأحوال التي أنعم الله تعالى بها على الناس وغيرها كثير اجتمعت في قوله تعالى (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) .
* الفرق بين استعمال ريح ورياح في القرآن الكريم :
كلمة ريح في القرآن الكريم تستعمل للشّر كما في قوله (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ (١٦) فصلت) . أما كلمة الرياح فهي تستعمل للخير كالرياح المبشّرات (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) .
* ما دلالة وصف السحاب في الآية بالمسخر؟
الآية في سياق تعداد نِعم الله سبحانه وتعالى فالله تعالى خلق السموات والأرض وتعاقب الليل والنهار لأجل الإنسان ، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس من رحمة الله سبحانه ليس أمراً سهلاً لكن ألِفناه ، وما أنزل الله من السماء من ماء وكل ما يتناوله الإنسان والنبات والحيوان وهذه الدواب التي على الأرض مما مصدره السحاب ، والسحاب يتحرك بالرياح ولذلك أكّده (والسحاب المسخر) يعني هو مهيأ ومُعدّ لكم . كل هذا (لآيات لقوم يعقلون) .
كلمة سحاب هي إسم جنس جمعي لفظ مفرد معناه جمع وليس له واحد من لفظه ، والسحابة هي القطعة من السحاب وليست واحدة من السحاب والقطعة مجزّأة تماماً مثل كلمة ماء . السحاب يُذكّر ويؤنّث فالعرب تقول ظهر السحاب وظهرت السحاب ، لكن الإحالة عليه بالضمير بالمفرد المذكّر يعني تقول السحاب رأيته ولا تقول السحاب رأيتها ، فإذا جمعته على سُحُب تؤنّث تقول السحب رأيتها ولا تقول السحب رأيته .
الوقفة كاملة
|
| ٢٠٩ |
آية (١٦٧) : (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)
* الفرق بين الحسرة والندامة :
الحسرة هي أشد الندم والتلهف على ما فات حتى ينقطع الإنسان من أن يفعل شيئاً . والحسير هو المنقطع في القرآن الكريم ، يقولون هو كالحسير من الدواب الذي لا منفعة فيه (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ) منقطعة ولا فائدة من الرجوع ثانية .
الندم قد يندم على أمر وإن كان فواته ليس بذلك ، الندم له درجات والحسرة من الندم لكن أشد الندم يبلغ الندم مبلغاً .
الوقفة كاملة
|
| ٢١٠ |
آية (١٧٠) : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)
* (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) مبنية للمجهول ليتضمن كل قول جاء على لسان أي رسول من الله من بدء الرسالات ، أي إذا قيل لهم من أي رسول اتبعوا ما أنزل الله قالوا (بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ) .
* الفرق بين الآيات : في سورة البقرة (أَلْفَيْنَا) وفي لقمان (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)) وفي المائدة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (١٠٤)) .
- وجدنا وألفينا : في القرآن الكريم لم يرد الفعل ألفى إلا فيما هو مشاهد محسوس (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا (١٧٠)) (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) ، أما (وجدنا) هي أشمل وتستعمل للأمور القلبية والأمور المشاهدة (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً) (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ) (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ) وجدهم يخلفون الميعاد .
الذي لا يؤمن إلا بما هو مشاهد محسوس هو أقل علماً ومعرفة وإدراكاً ، ولذلك يستعمل (ألفينا) في الحالة الشديدة للذم أكثر من (وجدنا) .
-- قولهم (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ) في ظاهرها أبلغ من قولهم (نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ) لكن كل من اللفظين مناسب للسياق الذي جاء فيه فـ (اتَّبِعُوا) يناسبها (نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا) وقوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ) يناسبها قولهم ( حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ) يعني كافينا ما عندنا ولا نريد شيئا غيره .
--- (لاَ يَعْقِلُونَ) و(لاَ يَعْلَمُونَ) :
في آية البقرة نفى عنهم العقل (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) ، وفي المائدة نفى عنهم العلم (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) . نفي العقل أشد من نفي العلم فاستعمل ألفى في نفي العقل ، ونفي العقل يعني نفي العلم ، فالعاقل يمكن أن يعلم لكن غير العاقل لا يعلم . وفي آية لقمان (أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) الشيطان يدعو العاقل لأن غير العاقل غير مكلف .
رأي آخر: إن (يعقلون) تعني ما ينشأ عن فكرهم وتدبرهم للأمور، لكن هناك أناس لا يعرفون كيف يعقلون، ولذلك يأخذون القضايا مسلماً بها كعلم من غيرهم الذي عقل ، إذن فالذي يعلم أقل منزلة من الذي يعقل ، لأن الذي عقل هو إنسان قد استنبط ، وأما الذي علم فقد أخذ علم غيره ، إذن فنفي العلم عن شخص أبلغ من نفي التعقل لأن معنى (لا يعلم) أنه ليس لديه شيء من علم غيره أو علمه .
وعندما يقول الحق سبحانه (لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً) فمعنى ذلك أنه من المحتمل أن يعلموا ، لكن عندما يقول (لاَ يَعْلَمُونَ) فمعناه أنهم لا يعقلون ولا يعلمون ، وهذا يناسب ردهم. فعندما قالوا (بَلْ نَتَّبِعُ) فكان وصفهم بـ (لاَ يَعْقِلُونَ) ، وعندما قالوا (حَسْبُنَا) وصفهم بأنهم (لاَ يَعْلَمُونَ) كالحيوانات تمامًا .
---- يختم الحق الآية في سورة البقرة وفي المائدة بقوله (وَلاَ يَهْتَدُونَ) لنعلم أن هدى السماء لا يختلف بين عقل وعلم ، بين من يعقلون ومن يعلمون .
الوقفة كاملة
|