| ١٨٢١ |
آية (13-14):
(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)).
*نظرة عامة على الآية :
بعد أن ذكر المؤمنين والمؤمنات ذكر المنافقين والمنافقات بمقابل المؤمنين والمؤمنات حتى يدل على أن كل فرد من الجنسين الذكور والإناث ينال جزاءه للا يشفع لأحد ما قرابة وما تغني المؤمنة عن قريبها المنافق أو قريبتها المنافقة كما أن المؤمن لا يغني عن قريبه ولا عن زوجه وإنما كل واحد بنفسه ولا تقول المنافقة كنت تابعة لزوجي أو لأخي وإنما كل واحد ينال جزاءه. المنافقون والمنافقات مقابل المؤمنين والمؤمنات يقولون للمؤمنين (انظرونا نقتبس من نوركم) يمعنى انتظرونا ولم يقولوا انتظرونا لأن الانتظار فيه تمهل وإبطاء أما الإنظار فليس فيه ذلك ولا يشترط فيه ذلك. انتظر على وزن (إفتعل) وفيها تمهّل مثل اصبر واصطبر وكسب واكتسب وجهد واجتهد. اصطبر هو صبر طويل شديد، (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) المزمل) (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) طه) لأن الصلاة هي كل يوم خمس مرات كل يوم ولا تنقطع طوال العمر. أما اصبر على ما يقولون واهجرهم لا يحتاج لصبر لكن قال (واصطبر عليها) لأن الصلاة تحتاج لصبر طويل ودائم. صيغة افتعل فيها تمهّل ومدّة واجتهاد وإبطاء. مثل كسب واكتسب (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286) البقرة) الإكتساب فيها تعمّل واجتهاد وليست اكتسب عامة أنها في الشر. الكسب يكون في الخير والشر لأن الكسب أسرع والاكتساب فيه تعمّل واجتهاد وكسب حتى يكتسب والسيئات تحتاج إلى مشقة أما الخير فقد يأتيك وأنت لا تعلم، يغتابك أحد وتكسب أنت خيراً وهو يكتسب شراً. لم يقل انتظرونا لأن الانتظار فيه تمهل وإبطاء وهؤلاء يُسرع بهم ولو قالوا انتظرونا ليس هناك مجال أن يجيبوهم، انظرونا ولو قليل، هم يُسرع بهم الآن إلى الجنة فلا ينتظرون، هم يعلمون أنه لو قالوا انتظرونا لم يجيبوهم لأنه ليس هناك فسحة للوقت فهم طلبوا أقل الوقت.
(المنافقون والمنافقات) في صدر الآية حتى لا يشفع أحدهم للآخر لا تقول المنافقة هذا زوجي يملك أمري كان منافقاً فماذا أفعل؟ لا يشفع هذا لها وينبغي أن تستقل بالعقيدة استقلالاًـ فيها إفراد لتتحمل المسؤولية لا يغني عنك هذا. في العقيدة ليس هناك طاعة "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" التغليب يدل على العموم والشمول وأحياناً يراد به التفصيل.
(انظرونا نقتبس) تحتمل انظروا لنا، هي فيها احتمالين انظروا إلينا نقتبس من نوركم. (أَنظَره بمعنى أمهله) (قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) الأعراف) هذا فعل رباعي انظرني من الفعل الرباعي، انظر مضارعه يُنظِر وكل رباعي مضموم حرف المضارعة. هنا أُنظرونا من نظر ينظر. انظرونا لها معنيين: على الإمهال (أنظرني في الدِيْن) أي أمهلني وانظرونا بالعين. نظر فعل متعدٍ بذاته (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا (19) الكهف).
ذكرنا المنافقين والمنافقات وذكرنا أنه فصّل وذكرهم ليدل على أن كل فرد من الجنسين ينال جزاؤه ولا يشفع لأحدهم قرابة فلا تقول المنافقة كنت تابعة لزوجي أو أخي. وذكرنا أن الانتظار فيه تمهل وإبطاء وقلنا أن نظر أسرع من انتظر لأن انتظر فيها تمهل وإبطاء على وزن (إفتعل) وضربنا أمثلة في حينها والمؤمنون يُسرع بهم إلى الجنة فلا يوجد وقت للانتظار والمنافقون يعلمون هذا ولو قالوا لهم انتظرونا لم يجيبوهم ولم يأبهوا لهم لأنهم يُسرع بهم إلى الجنة فطلبوا مدة قليلة أن ينتظروهم ولو كان في الأمر متسع في الوقت كما قال تعالى في الدنيا (فانتظروا إني معكم من المنتظرين) لكن الظرف لا يسمح بالانتظار والتمهل الكثير. قال انظرونا وهي ليست مثل انتظرونا من حيث دلالتها على الزمن. إبليس قال (أنظِرني إلى يوم يبعثون) أي أمهلني وهذا معنى مختلف. أَنظِرني أي أمهلني أما انظرونا بمعنى انتظرونا وهنا لم ترد اَنظرونا من أنظر الفعل الرباعي كما قال إبليس وإنما انظرونا من الفعل الثلاثي نظر ينظر وليس من أنظر. أُنظرونا في اللغة تحتمل أمرين: أنه انظروا إلينا وبمعنى انتظرونا وذكرنا هذا سابقاً. انظرونا أي استقبلونا بوجوهكم حتى نرى لأن لديهم نوراً في أيديهم حتى يستضيؤا به، قال انظرونا. إذن تحتمل معنيين يحتمل الانتظار ولو كان قليلاً ليستضيؤا بهم ويحتمل انظروا إلينا ليمشوا في نورهم.
(نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) أي نُصِب من نوركم وليس بمعنى نأخذ لأن القبس يستعمل في النار وهو الشعلة من النار. القبس ويقال اقتبس من علمه لكن في الأصل هو الشعلة من النار (بشهاب قبس) لكن فرق بين نأخذ ونقتبس فالقبس أن تأتي بعود وتضعه في النار فيشتعل فتأخذه أما الأخذ فهو أن تلتقط من النار لذا قال تعالى (نقتبس) ولم يقل نأخذ لأن الاقتباس لا يُنقِص من المقتَبَس أما الأخذ فقد ينقص منه لذلك قال تعالى (نقتبس من نوركم) أي أن نوركم باقٍ لكن دعونا نقتبس منه ولا نأخذ منه ولو قال نأخذ منه حتماً سيردّوهم. ولذلك قال نقتبس لأنه لن يؤثر على نورهم والنور كبير عندهم. أما لو قال نأخذ قطعاً يعرفون أن المؤمنين لن يوافقوا على هذا الطلب.
قال (نقتبس) ولم يقل نقبس لأن الاقتباس أعظم من القبس (اقتبس على وزن افتعل) أكثر. هذا يدل على عِظَم نور المؤمنين فهو ليس قليلاً مهما أُخِذ منه فهو كثير فقالوا نقتبس من نوركم وهذا يدل على عظم النور الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى للمؤمنين. فقالوا نقتبس، رأوا نوراً عظيماً عند المؤمنين فقالوا (نقتبس). هذا يشير للسامع العربي إلى النور العظيم الذي أعطاهم إياه الله تعالى حتى يقول المنافقون نقتبس منه وهذا معناه أنه نور عظيم وهذا يدل على إكرام المؤمنين، هذا النور لا ينقص بالاقتباس وهو كثير. هذا ليس من قبيل زيادة المبنى تدل على زيادة لمعنى هو في الغالب هذا صحيح لكن في بعض الأحيان قد يكون البناء الأقل أبلغ من البناء الأكثر مثلاً من صيغ المبالغة (حذِر) وحاذِر إسم فاعل لكن حذِر أبلغ من حاذر مع أن حذر بناؤها أقل. فهذه ليست قاعدة مضطردة.
(نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) لم يقل من النور الذي معكم. وقال (يسعى نورهم) إذن هو نورهم هم، ملكهم، ليس من النور الذي معكم وإنما لكل واحد منهم نور.
* هل في هذا دلالة على التملك؟
هو دلالة على شبه التمليك فهو أي النور لا يملّك.
ما قالوا انظرونا نقتبس من هذا النور لأن من نوركم أكبر ونور المؤمنين أكرم فكل واحد له نور عظيم وليس نوراً عادياً بحيث يمشون فيه وإنما لكل واحد نور خاص يمشي به.
(قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا): لاحظ الآية تقول (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا) إذن هم يخاطبون الذين آمنوا، (قيل) فعل مبني للمجهول ولم يقل قالوا لأنه من الذي قال؟ الملائكة لأن المؤمنين مشغولون بما هو أعظم وأهمّ وأدعى للاهتمام لذلك قال (قيل ارجعوا) الملائكة هم الذين قالوا لأن هذا ليس كلام المؤمنين وإنما هم يُسعى بهم إلى الجنة فليس عندهم وقت للوقوف والكلام.
*(قيل ارجعوا وراءكم) إرجعوا فيها دلالة الوراء فما دلالة وراءكم؟
هذه فيها أكثر من أمر في اللغة: إما أن يكون ظرفاً مؤكِّداً (وراءكم) ونحن عندنا ظرف مؤكد وظرف مؤسس كما عندنا حال مؤكد وحال مؤسس ونعت مؤكد ونعت مؤسس. المؤسس هو الذي يؤسس معنى جديداً غير موجود في الجملة مثل: أقبل أخوك مسرعاً، رأيت أخاك نائماً، نائماً ليست من رأيت أخاك وليس لها علاقة برأيت أخاك هذه يسمونها حال مؤسسة. أما قوله تعالى (ولّى مدبراً) حال مؤكدة. عندنا ظرف مؤسس وظرف مؤكد، ظرف مؤسس أكثر مثال على الظروف تقول: جاء يوم الجمعة لأن المجيء يمكن أن يكون في أيام أخرى، جلس بين الأشجار (مؤسس) لكن جلست زمناً لا بد أن يكون له زمن، تكلّم حيناً هذا يسمى ظرف مؤكد. (وراءكم) ظرف مؤكد لـ (ارجعوا). والدلالة التي يزيدها التوكيد هنا لأن التأكيد مطلوب في اللغة كما قال تعالى (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ (26) النحل) السقف معروف أنه فوق وكذلك قوله تعالى (وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ (38) الأنعام) معروف أن الطائر يطير بجناحيه فالتوكيد موجود في اللغة وغرضه البياني زيادة في التوكيد والاهتمام. وقد يكون (وراءكم) إسم فعل بمعنى ارجع فيكون فيها تأكيدين: إسم الفعل وتأكيد بالفعل. (إرجعوا وراءكم) فيها إهانة أشد للكافرين. ثم (وراءكم) ليس بالضرورة أن تكون مؤكدة. لما تقول إرجع قد ترجع في مكانك بظهرك من غير إستدارة لكن لما تقول إرجع وراءك فلا بد أن تستدير وترجع للمكان الآخر فهناك فرق بين ارجع أي أفسح المجال أو وسِّع أما ارجع وراءك فهو أمر آخر وهو أن يذهب للخلف يستدير ويرجع فهذا كالطرد. (قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا)، قيل ارجعوا قلنا أن المؤمنين لم يقولوا هذا الكلام وإنما الملائكة قالتها لأن المؤمنين مشغولون بما هو أهمّ.
لم يقل هناك نور وإنما قال (فالتمسوا نورا) أي اطلبوا منهم نوراً، لم يقل هناك نور موجود وإنما قال إلتمسوا نوراً.
(فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) حُجِز بينهم ولم يقل بينهما مع أنهما فريقان كما قال في آية أخرى (فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) النمل) أي بين الأفراد أجمعين لأنه قال بالجمع منافقين ومنافقات وعندنا مؤمنين ومؤمنات فضرب بينهم على الجمع أي حُجِز بينهم بسور. ضرب في اللغة لما تأتي بالباء (ضرب بينهم بسور) أي ليس ضرباً بالعصى وإنما حُجِز بينهم ويسمى هذا تضمين يعني يضمّن الفعل معنى آخر. أصل الفعل يتعدى بحرف جر ثم يأتي بفعل آخر لا يتعدى بهذا الحرف وتعدّيه بهذا الحرف الجر فيعطي معنى آخر، مثلاً: نصرناهم من الذين كفروا، فعل نصر لا يتعدى بـ (من) وإنما فعل نجّى يتعدى بـ (من) فلما قال نصرناهم من ضمّن معنى نجّى واكتسب معنى النجاة ومعنى النصر. هذا يسمى في اللغة التضمين يكتسب معنيين المعنى الأصلي المذكور ومعنى ذلك الفعل الذي أشار إليه بحرف الجر.
(ضرب بينهم بسور) أي حجز بينهم. السور هو ما أحاط بالشيء لكنه قال (له باب) حتى لا يُظنّ أن المؤمنين محتجزون فيه. لو لم يكن له باب يحتمل أنهم محتجزون. المؤمنون والمنافقون حُجِ. بينهم بسور هذا السور له باب يدخل منه المؤمنون ينفذون منه إلى مرادهم إلى الجنة والمنافقيون لا يستطيعون أن ينفذوا منه. فالسور يحجز بينهم بحيث هذا الباب يفضي بالمؤمنين إلى الجنة والمنافقون خارج السور والمؤمنون داخله فهمنا هذا من قوله تعالى (باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) داخله فيه الرحمة وهي الجهة التي فيها المؤمنون وظاهره من قِبَلِه العذاب جهة المنافقين. لم يقل بينهم سور وسكت وإنما من جهة المؤمنون السور له باب يسعون به في طريقهم إلى الجنة والمنافقون لا يمكن لهم الدخول لأن الباب ليس من جهتهم وإنما من باطنه أي جهة المؤمنين. ولاحظ أنه قال عن السور (باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) أي أن ظاهره يختلف عن باطنه كما أن المنافقين ظاهرهم يختلف عن باطنهم فهي لمسة فنية دقيقة جداً. فكما أن المنافقين يخالف باطنهم ظاهرهم كذلك السور باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. ولم يقل باطنه فيه الرحمة وظاهره فيه العذاب لأنهم خارجه.
(يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ) قبلها قال تعالى (يوم يقول المنافقون والمنافقات) باستعمال الفعل (يقول) والآن (ينادونهم) نادى أي رفع الصوت، مدّ الصوت، مدّ النداء والقول عام حتى في النفس كما في قوله تعالى (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ (8) المجادلة). هم كانوا قريبين منهم في البداية لكن مع السور صار كل واحد في جهة ويحتاجون لرفع الصوت (ينادونهم) أي يرفعون أصواتهم لأن القول حتى لو تكلم أحدهم بأخفض الأصوات هو القول حتى في النفس. الآن صار بينهم حاجز ويحتاجون لرفع الصوت (ينادونهم).
*(يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ) لم يقولوا ألم نكن منكم؟
هم لم يكونوا منهم ولو قالوا ألم نكن منكم لقال المؤمنون كلا. ألم نكن منكم أي مؤمنين، ألم نكن معكم صحيح أنتم معنا تُظهرون الإيمان، فالمعيّة لا تعني بالضرورة أن يكونوا منهم، نعم هم موجودون معهم في نفس المكان أو المدينة لكنهم ليسوا منهم. (معكم) ظرف و (من) حرف جر وكل واحدة لها دلالة. قالوا بلى أنتم معنا ولكن ليسوا منهم (قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ).
* هنا قال تعالى (قالوا بلى) وفي الآيات السابقة قال (قيل ارجعوا وراءكم)؟
لو قال :قيل بلى الكلام ليس حكماً لأنهم يكلمون المؤمنين ولو قيل بلى كيف يكون حكماً على الآخر؟ أنا أسألك أنت وغيرك يجيب عنك كيف تكون أجبت أنت؟ هذا سؤال، أما (انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا) هذا طلب يحتمل أن يرد الآخر عني أما في السؤال فلا يجب أن يجيب عنك أحد. (ألم نكن معكم) من يقول هذا الكلام صحيح؟ أنت المسؤول تجيب فقال (قالوا بلى) لا يمكن أن تكون هنا (قيل بلى) لأنه احتمال أن يجيب غيرهم أن يكون معهم أو لا. لو قال واحد بلى يقال أنا لا أسألك أنت ولكن أسألهم لأنني كنت معهم.
*(وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) هل هذا الترتيب مقصود هنا؟
هو قطعاً مقصود لأنه مرتب ترتيباً منطقياً. أولاً نعرف ما هو معنى (فتنتم أنفسكم)؟. فتن أشرنا إلى معناها في الحلقة السابقة، (فتنتم أنفسكم) معناه الاختبار وقد يكون التعذيب (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (191) البقرة) والفتنة إدخال الناس في النار (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) الذاريات) وكل هذه المعاني مطلوبة هنا. أنتم فتنتم أنفسكم أي وضعتم أنفسكم في الاختبار وتقولون لهؤلاء نحن معكم ولهؤلاء نحن معكم وكل فريق سوف يختبركم إذن هم وضعوا أنفسهم في فتنة الاختبار. ثم هذا الاختبار طال (تربصتم وارتبتم) فصار هناك تعذيب نفسي هي ليست لحظة وإنما عمر، والتعذيب في الدنيا والآخرة. التربص هنا هو الانتظار والنار مأواهم. تربصتم أي تنتظرون النتيجة لكل واحد يتربصون بالفريقين، (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ (141) النساء) ثم يتربصون بالفريقين وينتظرون ماذا سيكون؟ أي فريق الذي فيه نفع لهم؟ يقولون نحن معكم، هذا فيه تربص ثم لما دخلتهم الريبة من سيفوز؟ الريبة بمعنى الشك. والشك يختلف عن الريبة لأن الريبة حتى يقال هذا الحيوان لا يريبه شيء أي لا يزعجه شيء فالريبة أعمّ (ذلك الكتاب لا ريب فيه).
ما قال ارتبتم في شيء لأن الحياة عامة ليست في شيء محدد وهذا عمر والأمر طال. ارتبتم حتى تربصتم ولم يذكر شيئاً والفريقان ينتظرون من سيفوز؟ طال الأمر وينتظرون من سيفوز هؤلاء أم هؤلاء؟ دخلتهم الريبة لأنه طال الانتظار. ولما طال الانتظار دخلتهم الريبة ولما دخلتهم الريبة بقيت الأمنيات. لما لم يحدث شيء بقيت الأمنيات. ثم دخل الشيطان فقال (وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) فهي مرتبة ترتيباً منطقياً أحدها يفضي إلى الآخر. هم ظلموا أنفسهم وأظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ثم طال التربص ودخلتهم الريبة والشكوك ثم طالت المسألة ثم دخل الشيطان حتى جاء أمر الله ورحلوا عن الدنيا منافقين مغرورين من الشيطان (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ).
في صدر الآية قال (انظرونا نقتبس من نوركم) هو الآن مشهد ذكر أن المؤمنين يسعى نورهم بين أيديهم (بشراكم اليوم جنات) هذا الآن يُسرع بهم إلى الجنة أما المنافقين فليس عندهم غير أن يطلبوا النور حتى يمشون لكن النور انقطع فقالوا أعطونا النور قيل ارجعوا وراءكم ثم صار تدرجاً، صار سور، (ألم نكن معكم) بدأ الحوار.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٢٢ |
(فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(15))
الكلام لا يزال في يوم القيامة. ذكر الفدية لأن الخطاب موجه إلى المؤمنين والمنافقين إما من الله تعالى أو من الموكلين بهذا القول. (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية) أولاً ذكر الفدية لأنه تكرر في السورة ذكر الإنفاق والقرض الحسن فذكر فدية ويبدو أن الفدية هنا هي المال لأنه قال (لا يؤخذ منكم) وما قال لا يقبل منكم لأن الفدية في اللغة والقرآن ليست مختصة بالأموال فقد ورد في القرآن (فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (196) البقرة). الفدية يفدي بها نفسه يدفع فدية. ذكر ربنا في الدنيا في الحج (فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) والآن قال لا يؤخذ منكم فدية وما قال لا يقبل منكم فيبدو أنها مال. كان يمكن أن نفقوا في الدنيا ويفدوا أنفسهم في الدنيا أما اليوم فلا يؤخذ منهم فدية وليس منهم فقط ولكن من الكفار أيضاً وليس جميع الكفار منافقين حتى تكون عامة. هل يخرج من غير المنافقين؟ قال لا منكم ولا من غيركم، لا منكم ولا من الذين كفروا فالخطاب للجميع.
(مأواكم النار) الكلام الآن بالذات مع المنافقين النار مولاكم عامة ومأواكم النار المأوى هو دار الإقامة أو الملجأ المكان الذي تأوون إليه أو الملجأ، والمولى هي التي تتولى أمركم، النار تتولى أمرهم. ذكر أمرين: يأتيهم الشر من جهتين من المأوى والمولى فقد يكون المأوى سيئاً لكن المولى حسن وقد يكون العكس أنا هؤلاء فالنار مأواهم ومولاهم. يحتمل أن يكون المولى من الوليّ أي القرب (أولى لك فأولى) أي مكانكم عن قرب والمعنيان مرادان فهي تتولى أمرهم وهي مكانهم عن قرب ولم يرد في جهنم (هي مولاكم) إلا في هذا الموطن وذلك لسببين:
1. السبب الأول أنه ذكر في الآية أن المنافقين تربصوا وغرتهم الأماني حتى الموت فبعد طول الأمل والتربص الطويل كانت النار أقرب إليهم فهم كانوا يستبعجونها وهي أقرب وأدنى من آمالهم.
2. والسبب الآخر أن كل الآيات التي ورد فيها (وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) آل عمران) ونحوها إنما قيلت وهم في الدنيا والدنيا لا تزال غير منقضية وأما هذا القول فإنه قيل وهم في الآخرة وقد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين وأتاهم العذاب من قبله فالنار قريبة منهم فقال (هي مولاكم).
(وبئس المصير) هذه أنسب خاتمة لهم فقد كانوا في ترقبهم وأمانيهم ينتظرون المصير السن والمستقبل المشرق فكانت لهم الظلمة والمصير الأسوأ.
***إن هذه الآيات يتجلى فيها إكرام المؤمنين وإبعاد النصب عنهم بخلاف المنافقين فإنها يتجلى فيها إرهاقهم وإهانتهم والتهكم بهم فقد قال في المؤمنين: (هذا الجزء منقول من كتاب الدكتور فاضل السامرائي على طريق التفسير البياني الجزء الأول من صفحة 262 إلى صفحة 266 للفائدة)
1 ـ (يسعى نورهم): ولم يقل (يمشي نورهم) للدلالة على الإسراع بهم إلى الجنة، وهذا إكرام فإن الإبطاء إلى السعادة ليس كالإسراع إليها، وفي الإسراع ما فيه من الإكرام.
2 ـ أنه تعالى أسند السعي إلى النور ولم يسنده إليهم فلم يقل (يسعون) لأن السعي قد يجهدهم، فأسنده إلى النور فدل على أنه يسعى بهم، فهو لم يقل إنهم يمشون، لأن المشي قد يكون فيه إبطاء، ولم يقل يسعون، لأن سعيهم قد يكون فيه إجهاد، ولكنه أفاد السعي من ذكر سعي النور.
3 ـ قال(يسعى نورهم)، فذكر الفاعل ولم يقل (يُسعى بهم) بالبناء للمجهول وحذف الفاعل فلا يُدرى أيسعون في ظلمة أم في نور، فذكر أن لهم نورا يسعى.
4 ـ أضاف النور إليهم، وهذا فيه أمران: الأول الدلالة على أن هذا النور إنما هو نور المؤمن، وهو يدل على قدر عمله. فهو إهابة بالمؤمن ليعظم نوره ويكثره. ومن ناحية أخرى لم يقل (يسعى النور) فيجعله عاما يستضيء به المنافقون، فجعل لكل مؤمن نوره الذي يستضيء به فلا يشاركه فيه غيره، وهذا إكرام للمؤمنين وحسرة على المنافقين.
5 ـ قال (بين أيديهم) ومعنى (بين أيديهم) أمامهم، غير أنه لم يقل (أمامهم) لأن الأمام قد يكون بعيدا عن الشخص، فقد تسأل عن قرية فيقال: هي أمامك، وقد يكون النور أمامك و لا تتمكن من الاستضاءة به لبعده فقال (بين أيديهم).
6 ـ وقال (وبأيمانهم) ولم يقل (عن أيمانهم) لأن معنى بأيمانهم أنه ملتصق بالأيمان وليس مبتعدا عنها كما قال تعالى: "وما تلك بيمينك يا موسى17" طه، ولو قال (عن أيمانهم) لدل أنه متراخٍ عن أيمانهم أو منحرف عنها لأن (عن) تفيد المجاوزة، والباء تفيد الإلصاق.
7 ـ قال (بشراكم)، ولم يقل (يقال لهم بشراكم) لأنه أراد ن يجعل المشهد حاضرا ليس غائبا، يُسمع فيه التبشير ولا يُنقل.
8 ـ وأضاف البشرى إلى ضمير المخاطبين لتنال البشرى كل واحد، ولم يقل (البشرى جنات) وهو إكرام آخر.
9 ـ وقال (اليوم) للدلالة على قرب البشرى، وأنها ليست من الوعد البعيد الوقوع، والبشرى كلما كانت أقرب كانت أحب وأدعى إلى المسرة.
10 ـ وقال (جنات) ولم يقل (جنة) للدلالة على أن لكل منهم جنة أو أكثر كما قال تعالى: "ولمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى" النازعات.
11 ـ قال: "تجري من تحتها الأنهار" ولم يقل (فيها أنهار) وذلك للدلالة على أنها جارية وليست راكدة، والركود مظنة الأسون، هذا إضافة إلى التمتع بمشهد الجري، ولذلك عندما لم يذكر الجري في قوله: "فيها أنهار من ماء 15" محمد. قال (غير آسن) لينفي عنها صفة الأسون، ولما ذكر الجري لم يذكر ذلك لأنه لا حاجة إليه.
12 ـ وقال (الأنهار) ولم يقل (نهر) للدلالة على كثرة الأنهار.
13 ـ قال (خالدين) وهي بشرى أخرى، وقال (فيها) للدلالة على أن الخلود في الجنات وليست الجنة مرحلة أو مكانا ينتقلون منه إلى ما هو أقل سعادة.
14 ـ قال (ذلك هو الفوز العظيم) ولم يقل (ذلك فوز عظيم) وإنما عرف الفوز بأل للدلالة على القصر وعلى أنه لا فوز أعظم منه، ثم جاء بضمير الفصل للزيادة في التوكيد.
ثم إن الأمر يعظم ويكبر بعظم قائله فإن الفوز الذي يذكره طفل أو رجل من ضعفة الناس يختلف عن الفوز الذي يذكره قائد أو ملك. فكيف وقد ذكره ملك الملوك ووصفه بالعظمة وقصره وأكده؟
15 ـ ذكر أن المنافقين يقولون (انظرونا) ولم يقولوا (انتظرونا) فإنهم يدركون أنهم لا يسعهم الانتظار، وإنما طلبوا منهم مهلة قصيرة لينظروهم أي ينتظروهم. وفي هذا دلالة على الإسراع بهم إلى الخير والسعادة، فإن الذي يسرع به إلى الخير والسعادة أكرم من الذي يبطأ به.
16 ـ ثم قال (نقتبس) ولم يقل (نقبس) والاقتباس أكثر من القبس، وذلك يدل على عظم النور الذي عندهم.
17 ـ قال (من نوركم) ولم يقل (من النور) وهذا تكريم آخر فإن النور نورهم.
18 ـ قال (قيل ارجعوا) ولم يقل (قالوا) لأنه أراد ألا ينشغلوا بما لا فائدة فيه من الكلام فتكلم الملائكة أو غيرهم بالنيابة عنهم ولم يشغلوهم بالكلام عما هو أهم، ولم يرهقوهم بكثرة القيل.
19 ـ قال (فضرب بينهم بسور) فحجزوهم عن أولئك السائلين المنافقين.
20 ـ ثم قال (له باب) للدلالة على أنهم غير محتجزين فيه، وإنما ينفذون منه إلى مرادهم.
21 ـ ثم قال (باطنه فيه الرحمة) وهو تكريم آخر وكيف لا وهم في رحمة الله؟
***أما دلالتها على إهانة المنافقين وإرهاقهم فهو أوضح ما يكون:
1ـ فقد ذكر أن المنافقين والمنافقات يطلبون من المؤمنين أن ينظروهم للاقتباس من نورهم، وهذا يدل على أنهم في ظلمة، وقد قيل إنهم أعطي لهم نور ثم انطفأ من باب إهانتهم وخديعتهم والاستهزاء بهم كما كانوا يخادعون ويستهزئون في الدنيا. قال تعالى: "إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم " النساء 142
جاء في تفسير ابن كثير: "ويقول المنافقون للذين آمنوا "انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا" وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال "يخادعون الله وهو خادعهم" فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب"
2 ـ وقال (قيل ارجعوا) ولم يذكر أن المؤمنين ردوا عليهم، فبنى الفعل لمجهول، وقيل إن القائل هم الملائكة، فهم الذين تولوا الرد عليهم، أما المؤمنون فلا يعنيهم هذا الطلب وإنما هم مشغولون بما هو أهم، وهذا إهانة للمنافقين أن يطلبوا من المؤمنين فلا يجيبوهم وإنما يجيبهم آخرون.
3 ـ وقال (ارجعوا) وهو إهانة أخرى.
4 ـ وقال (وراءكم) وهو إما أن يكون ظرفاً مؤكداً أو يكون اسم فعل بمعنى (ارجعوا) فيكون كأنه قيل لهم: ارجعوا ارجعوا، وهو إهانة ظاهرة.
5 ـ قال (فالتمسوا نورا) وهم يعلمون أن ليس ثمة نور، وهو من باب الاستهزاء بهم.
6 ـ وقال (فضرب بينهم بسور له باب) فحجزوهم عن اللحاق بالمؤمنين وهو إهانة ظاهرة.
7 ـ وقال (وظاهره من قبله العذاب) وهي جهتهم.
8 ـ وقال (ينادونهم ألم نكن معكم) فذكر أنهم يرفعون أصواتهم من وراء السور ينادون المؤمنين ليلتحقوا بهم، ولكن حيل بينهم وبين ما يريدون.
9 ـ وفي رد المؤمنين عليهم إهانات متعددة، فقولهم لهم: إنكم فتنتم أنفسكم، وتربصتم، وارتبتم، وغرتكم الأماني، وغركم بالله الغرور، كل خصلة منهن إهانة وتبكيت.
10 ـ قوله تعالى: "فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا"و "مأواكم النار" "هي مولاكم" "وبئس المصير" كله إهانات وإخبار لهم بما سيلاقونه من سوء العاقبة والمنقلب، نعوذ بالله.
فالأشياء محشودة حشداً فنياً دقيقاً في إكرام المؤمنين وإهانة المنافقين.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٢٣ |
(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16))
*نظرة عامة على الآية :
قال تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) ألم يأن يعني ألم يحِن؟ الفعل يأن ماضيه أنى يأني، أنى يعني حان ونضج. ألم يأن معناه ألم يحِن لهذه القلوب أن تخشع لذكر الله؟ لما تقول حان الشيء أي هذا وقته ووجب. ألم يأن أي إلى الآن لم يحِن هذا الأمر وقد جاءت الآيات والبينات؟ (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم) نلاحظ أنه أسند الخشوع إلى القلب والخشوع هو أمر مشترك بين القلب والجوارح في الحديث "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" وفي القرآن قال تعالى (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ (43) القلم) (أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) النازعات) وقال (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) الغاشية) ويقال صوت خاشع والرجل يوصف بالخشوع (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ (45) الشورى). الخشوع هو الخضوع والخشية والتذلل. فخشوع القلب أي خضوعه وتذلله وخشيته لله رب العالمين. ما قال تخضع واستعمل الخشوع لأن فيه التذلل والخشية والخضوع. ذكر أمرين قال (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (لذكر الله) وهو عام. والقرآن هو من الذِكر وسمّاه الله سبحانه وتعالى ذكراً (أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا (8) ص) فالذكر عام والقرآن من الذكر والذكر أعم من القرآن فالذكر يكون في القرآن في التسبيح والتحميد والتفكّر. (وما نزل من الحق) أي القرآن. عندنا أمران: ذكر الله العام (عموم ذكر الله) أن تذكر الله تعالى خالياً فتفيض عيناك كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله ذكر منهم (ورجل ذكر الله خالياً ففضات عيناه)، وما نزل من الحق هو القرآن تحديداً فذكر الخاص بعد العام وكل منهما مدعاة إلى الخشوع. ذكر الله عموماً حتى لو في نفسك تذكر عظمته وتسبحه وهذا مدعاة للخشوع والخشية وقال تعالى (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (35) الحج) والقرآن هو في حد ذاته مدعاة للخشوع والخشية (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) الإسراء) الخشوع من القرآن، (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (21) الحشر) (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (22) الزمر) إذا كان علماء أهل الكتاب إذا يتلى عليهم القرآن يخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً وإذا كان الجبل يتصدع من خشية الله تعالى فكيف لا يخشع قلب المؤمن؟!. ذكر ثلاثة أمور كل منها مدعاة للخشية أولاً الخطاب للمؤمنين (يا أيها الذين آمنوا) وذكر الله والحق الذي نزل والذي هو القرآن وهذا قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الأنفال). هذه نظرة عامة على الآية.
هناك مسألة: قال (تخشع قلوبهم لذكر الله) ثم قال بعدها (قست قلوبهم) وضع المؤمنين في مقابل الذين قست قلوبهم. وللعلم فإن القرآن لم يُسند القسوة إلا إلى القلوب (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ (22) الزمر) (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (74) البقرة) لم تسند القسوة إلا إلى القلوب في القرآن كله. (فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) منهم أي من الذين أوتوا الكتاب.
*قال تعالى (أن تخشع قلوبهم) بإسناد الخشوع إلى القلوب فلم لم يقل مثلاً: ألم يأن لقلوب المؤمنين أن تخشع لذكر الله وما نزل من الحق؟
هو حذّرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب ولم يحذرهم من قلوبهم. لم يُحذّروا من قلوب الذين أوتوا الكتاب وإنما من الذين أوتوا الكتاب لم يقل ولا يكونا كقلوب الذين أوتوا الكتاب. إذن التحذير من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب هذا أمر. وصار تشبيه جماعة بجماعة، الذين أوتوا الكتاب بمقابل الذين آمنوا. ثم قال (وكثير منهم فاسقون) هذا وصف للأشخاص لا للقلوب. ثم ذكر المؤمنين وقلوبهم وأهل الكتاب وقلوبهم (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ)، (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) كأن الله تعالى حريص على العباد حتى لا يطول عليهم الأمد فتقسو قلوبهم لأن طول الأمد مدعاة لقسوة القلوب ولهذا قال (تخشع قلوبهم). الأمد هو الزمن وجمعها آماد.
*لماذا قال (أوتوا الكتاب) ولم يقل (آتيناهم الكتاب)؟
القرآن الكريم يستعمل أوتوا الكتاب في مقام الذم ويستعمل آتيناهم الكتاب في مقام المدح. قال تعالى (وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (101) البقرة) هذا ذم، (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ (145) البقرة) هذا ذم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) آل عمران) (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) البينة) هذا ذم، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ (44) النساء) ذم. بينما آتيناهم الكتاب تأتي مع المدح (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ (121) البقرة) مدح، (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ (89) الأنعام) مدح، (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ (36) الرعد) (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) القصص) مدح، (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (47) العنكبوت) مدح. هذا خط عام في القرآن على كثرة ما ورد من أوتوا الكتاب وآتيناهم الكتاب حيث قال أوتوا الكتاب فهي في مقام ذم وحيث قال آتيناهم الكتاب في مقام ثناء ومدح. القرآن الكريم له خصوصية خاصة في استخدام المفردات وإن لم تجري في سنن العربية. أوتوا في العربية لا تأتي في مقام الذم وإنما هذا خاص بالقرآن الكريم. عموماً رب العالمين يسند التفضل والخير لنفسه (آتيناهم الكتاب) لما كان فيه ثناء وخير نسب الإيتاء إلى نفسه، أوتوا فيها ذم فنسبه للمجهول (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا (5) الجمعة) (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ (14) الشورى)، أما قوله تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا (32) فاطر) هذا مدح.
* ما دلالة (من قبلُ) في الآية (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ) ولماذا البناء على الضم في (قبلُ)؟
لو لم يقل (من قبلُ) يعني لو قال ولا يكونوا كالذين اوتوا الكتاب هذا لا يدل على أن الأولين قست قلوبهم وإنما فقط يدل على المعنيين في زمن الرسول أما الأولون فلم تقسو قلوبهم. (من قبلُ) هي التي دلت على أن الأولين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم. إذن (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ) (من قبل) أفاد أن الأولين قست قلوبهم ولو لم يقل (من قبلُ) لم يفد هذا. لو قال ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب قد يكون المقصود بهم الذين في زمن الرسول ولم يشر إلى الأولين فهوالآن كأنه ذمّ الذين في زمن الرسول أن هؤلاء طال عليهم الأمد وليس فيه دلالة على أن الأقدمين قست قلوبهم كذلك والمراد هم الأقدمون. لما قال (من قبلُ) دل على أن الأولين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فكيف لهؤلاء وقد تطاول عليهم الأمد؟! إذا كان الأولون قست قلوبهم وقد تطاول الزمن فما بالك بهؤلاء؟!.
*أما السؤال الآخر وهو لماذا جاءت (قبلُ) بالضم؟
هذه تسمى الظروف المقطوعة (قبل وبعد وما جرى مجراها) قبلُ هنا ظرف زمان لكن الظروف المقطوعة لا تنحصر في الزمان (الظروف: فوق وتحت وما جرى مجراها مثل من فوق ومن تحت ومن قبل ومن بعد). إذا حذف المضاف إليه ونُويَ معناه نقول (من قبلُ). عندنا أن يذكر المضاف إليه كما في قوله (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ (10) الحديد) هذا مُعرَب والمضاف مذكور. وعندنا أن يحذف المضاف إليه وينوى معناه (من قبلُ)، وعندنا أن يحذف المضاف إليه ولا ينوى معناه يصير نكرة (من قبلٍ) ليس هناك مضاف إليه أصلاً كنكرة من النكرات فننوّن هنا ويكون ظرفاً مجروراً بالكسرة (كجلمود ضخر حطّه السيل من علِ). قد يحذف وينوى لفظه فيحذف التنوين كأنه موجود. هذا أن يحذف المضاف إليه وينوي معناه تقصد هنالك زمن محدد يعلمه المخاطَب هذا من المعارف. هذه هنا (من قبلُ) لما تحذف المضاف إليه وتنوي معناه ستبنيه على الضمّ فيصبح معرفة وليس نكرة لأنك تنوي زمناً معلوماً للمخاطَب لذلك قالوا سقط من علُ فُهم أنه من علو معلوم، سقط من علِ أي سقط من مكان عالٍ لا نعرف ارتفاعه لذا قال (حطّه السيل من علِ) أي من مكان مرتفع لم يقصد مكاناً معيناً. (من قبلُ) من زمن يعلمه المخاطَب ولديه فكرة عنه. (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ) أي من قبلهم، من قبل الكتاب عليهم. إذا كانت مبنية على الضم تدل على أمر معين زمن أو مكان وإعرابها مبني على الضم في محل جرّ. قوله تعالى (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ (10) الأحزاب) (من أسفلَ) هذا ليس فيه حذف وإنما هو ممنوع من الصرف. الظروف المقطوعة أي مقطوعة للإضافة.
* آخر الآية قال تعالى (وكثير منهم فاسقون) نقف عند (كثير) وفي مواطن أخرى استخدم إسم التفضيل (أكثر) فلماذا استخدم هنا كثير؟
كثير على وزن فعيل وهي صفة مشبهة، أكثر إسم تفضيل. يعبّر بـ (أكثر) إذا كان السياق في تعداد أسوأ الصفات والإطالة في ذكرها. (أكثرهم) جاءت صيغة التفضيل هذه في مكانين في المائدة وآل عمران. في آية الحديد ذكر وانتقل إلى كلام آخر ليس له علاقة بأهل الكتاب، فالكلام عن أهل الكتاب جزء من آية ثم انتقل بكلام آخر ليس له علاقة بأهل الكتاب. أما في سورة المائدة فالآيات من (57) إلى (65) يستمر في ذكر الصفات فلما يطيل ذكرهم ويعدد مساوئهم يأتي بإسم التفضيل (أكثر). في آل عمران الآيات من(66)-(78) ومن (98)-(115) آيات كثيرة أفاض فيها فقال (أكثر). أما التي لا يطيل فيها فيقول (كثير). قد تشترك صيغة فعيل في المبالغة والصفة المشبهة وإسم المفعول من حيث الصيغة فقط أما إذا كان أصل الفعل متعدياً تصير مبالغة وإذا كان أصل الفعل لازماً تصير صفة مشبهة. مثال: سميع من سمع وهو فعل متعدي إذن سميع صيغة مبالغة، عليم من علم وهو فعل متعدي إذن عليم مبالغة، حتى في رحيم قالوا إذا كانت من رحِم فعل متعدي فهي مبالغة وإذا كانت من رَحُم فعل لازم تصير صفة مشبهة. وعندنا فعُل أبلغ من فعِل وأحياناً نحوِّل إلى فعُل بقصد المبالغة. طويل من طال فعل لازم فطويل صفة مشبهة وكذلك قصير وقبيح وجميل صفة مشبهة.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٢٤ |
(اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17))
*نظرة عامة على الآية وارتباطها بما قبلها وما بعدها:
أمرنا ربنا أن نعلم هذا الأمر وهو أن الله تعالى هو الذي يحيي الأرض بعد موتها فما كانت لتحيا لولا أن الله يحييها، لا تحيا من الماء بنفسها ولا أن هنالك ذاتاً معه أو بدونه قادرة أن تحيي وإنما هو الذي يحيي الأرض وأراد أن نعلم هذا الأمر فقال (اعلموا). الارتباط بما قبلها ظاهر من جهتين: أولاً في الآية قبلها قال تعالى (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) فهو تمثيل لأثر الذكر والقرآن في القلوب وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض. أثر الذكر والقرآن في القلوب يحييها كما يحيي الغيث الأرض. الله تعالى يحيي الأرض بالغيث والذكر والقرآن يحيي القلوب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) الأنفال) هذه حياة. إذن أثر الذكر الذي أمرنا به (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) هذا الذكر يحيي كما تحيا الأرض بالغيث فالذكر يحيي القلوب من موتها كما يحيي الله الأرض من موتها، هذا أمر. والأمر الآخر أن فيها دلالة على بعث الأموات وقد ذكر قبلها مشهداً من مشاهد الآخرة (فضرب بينهم بسور له باب) ويذكر لنا في القرآن حياة الأرض للتمثيل بحياة الآخرة فينتقل منها إلى الآخرة (كذلك يحيي الله الموتى). إذن من جهتين من جهة أن الله سبحانه وتعالى كما يحيي الأرض بعد موتها يحيي القلوب بذكر الله وما نزل من القرآن، هذا أمر ومن ناحية أخرى دليل أو تشبه كيف يحيي الله الموتى وذكر مشهداً من مشاهد الآخرة هذا أيضاً تدل على أن الله سبحانه وتعالى سيحيي الموتى كما يحيي الأرض، يحيي الموتى في الآخرة كما يحيي الأرض.
*قال تعالى (يحيي الأرض بعد موتها) أليس هذا مظنة والعياذ بالله لأي شك أن الذي يميت هو غير الله تعالى؟
قال يحيي بعد موتها ولم يقل بعد إماتتها. يقال مات فلان وأماته أي شخص آخر يميته. قال تعالى (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) النجم) (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (28) البقرة) أنت تقول مات الإنسان. يميتكم من أمات، عندنا مات يموت وعندنا أمات يميت. هناك فرق بين الموت والإماتة. الموت من تلقاء نفسه، أماته أي الله سبحانه وتعالى أماته. مات وأمات فعلان أحدهما لازم والآخر متعدي. لو قال يحيي الأرض بعد إماتتها يكون للسؤال وجاهة لكنه قال بعد موتها.
إرتباطها بما بعدها (إن المصدقين والمصدقات) شأن الأرض التي تحيا بالغيث تضاعف ما فيها (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) البقرة) والمصدقين والمصدقات أيضاً يضاعف لهم كما أن الأرض بعد موتها تضاعف ما يخرج من الغلّة كذلك الصدقة تضاعف الأجور (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ) المنفق والمقرِض يضاعف له كما أن الأرض تضاعف. إذا أحيا الله سبحانه وتعالى الأرض بعد موتها تضاعف الحبّ وكذلك المصدقين يضاعف لهم الله تعالى الأجور. ثم ذكر الآخرة (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ (19)) أيضاً فيها دلالة على الحياة الآخرة. وسيأتي ذكر للآخرة فيما بعد. فهي ترتبط بما قبلها وبما بعدها من ناحيتين.
هل إرتباطها بما قبلها أقوى؟ التذكير بقدرة الله تعالى حاصل لكن من الناحية الفنية عندما قال (يضاعف لهم) وهذا شأن الأرض التي تحيا بالغيث ولما ذكر المصدقين والمصدقات قال يضاعف لهم ولهم أجر كريم كما تضاعف الأرض فالمناسبة ظاهرة. والآية مدخل للآية التي بعدها
الوقفة كاملة
|
| ١٨٢٥ |
فى سؤال ل(د.أحمد الكبيسى):ما دلالة الاختلاف بين(قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) آل عمران) و (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) الحديد) ؟
(إن كنتم تعقلون) في آية آل عمران و (لعلكم تعقلون) في آية سورة الحديد. لنفهم الآيات مثلاً أنت مدرّس دخلت على فصل أغبياء وعابثين تقول لهم سأشرح لكم الدرس إن كنتم تفهمون وكأنك تغمزهم من طرف خفي أنكم لن تفهموا بينما لو دخلت على فصل آخر أذكياء ومهذبين ومؤذبين تقول لهم سأشرح لكم الدرس لعلكم تفهمون يعني ستفهموا. هذا التجري من الله عز وجل تحقيق (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) الطلاق) أي سيحدث بعد ذلك أمراً. في آية آل عمران قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118)) كيف تستعينون بأعدائكم؟ كان قسم من المسلمين يستعينون ببعض يهود المدينة وكانوا يستشيرونهم ويتعاملون معهم وهم من المستحيل أن ينصحوهم (لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) يعني لن تعقلوا يا مسلمين وستبقون من الآن إلى أن تقوم الساعة وكثير منكم من يتعامل مع عدوه والله تعالى قال (هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ (119) آل عمران) هذا طبع المسلمين في كل مكان ليس في قلب مسلم غلٌ لأحد لا مسلم ولا غير مسلم والله ما وجد اليهود ولا النصارى ولا الصابئين ولا الوثنيين ولا أي مِلّة أخرى أمناً وأماناً واحتراماً واختلاطاً كما وجدوا في بلاد المسلمين نحن الآن في العالم الإسلامي وقد فعل بنا الغرب ما فعل ومزقونا مزقاً وليس في قلب واحد منا غلٌ على أحد والجميع يعيشون معاً وبالعكس بيننا وبين إخواننا من المسلمين مشاكل وقتل وقتول وليس بيننا وبين الآخرين شيء كما شهد الله تعالى قال صحيح أنتم طيبون أمرتكم أن تؤمنوا بكل الأنبياء وبكل الرسالات والكتب لكن هذا لا يعني أن تسلموهم أمركم وتسمعوا كلامهم في كل شيء فهم لا يحبونكم (هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ (119) آل عمران) (وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ (119) آل عمران) فأنتم تعايشوا معهم ولكن لا تعطوهم أسراركم تأخذوا نصائحهم ولا توكلوا أمركم إليهم وتجعلهم يقودونكم وتفعلوا ما يأمروكم به فأنتم حينها ستضيعون لأنهم لن يخلصوا لكم فالله تعالى سبق في علمه أن المسلمين لن يطبقوا هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) آل عمران) يفرحون بمعاناتكم، لن تعقلوها وستبقون إلى يوم القيامة بهذه البساطة وبهذه النفوس الطيبة مع العدو وهو ينخر بكم نخراً يمزقكم ويذهب باقتصادكم وسلامتكم ووحدتكم كما فعلوا من قرنين أو ثلاثة بل منذ أن جاء النبي وإلى يوم القيامة فقال (إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) فيها غمز.
في الآية الثانية شيء آخر (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) الحديد) وفعلاً البشرية كلها تقريباً أن لهذا الكون رباً وهذا من آيات الكون ولا بد أن يكون لهذا الكون صانع لا يوجد من ينكر الله تعالى إلا أحمق (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا (14) النمل). يوري غاغارين لما صعد إلى القمر في زمن خروتشوف قال له أنا أعلم أنك رأيت الله ولكن إياك أن تتكلم بهذا لأنك شيوعي عليك أن تبقى شيوعياً ملحداً. ما من ملحد إلا ويعلم بينه وبين نفسه أن للكون رباً. قال هنا (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) لأن 99% من البشرية تؤمن بأن لهذا الكون خالقاً هو رب العالمين، من هو؟ نختلف لكن لا بد أن يكون لهذا الكون رباً (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وفعلاً كلمة (لعلكم) بشارة من رب العالمين أن الغالبية العظمى من البشرية كلها وخاصة المسلمين بالإجماع يعلمون أن لهذا الكون رباً.
(إن) تستعمل في الأشياء المستحيلة الحدوث أما (إذا) فالبعكس.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٢٦ |
(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18))
ذكر تعالى في غير موطن المتصدقين والمتصدقات وأشرنا في أكثر من مناسبة ووقفنا عند هذا وقلنا أنه من باب الإبدال الجائز. أصل المصّدّقين والمصدقات متصدقين ومتصدقات مثلما ذكرنا يدّبر ويتدبر وذكرنا في حينها أنه فيها تضعيفان (المصّدّقين) والتضعيف فيه مبالغة فهنا قال (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ) لما بالغوا في الصدقة أعطاهم مضاعفة لذا لاحظ في سورة يوسف قال (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) يوسف) لم يطلبوا المبالغة في الصدقة وهذا من حسن أدبهم يعني يكفيهم الشيء القليل فلم يقولوا (فاصّدّق علينا) كأنهم يريدون الشيء الكثير. قسم قال (يجزي المتصدقين) لم يقل المصدقين لأن المتصدقين تشمل المقلّين والمكثرين. لو قال المصدقين تدل على أنه يجزي المبالغين في الصدقة دون غيرهم لكنه يجزي المُقِلّ والمُكثِر. المصّدّقين والمصّدّقات هم المكثرون في الصدقات فقال تعالى يضاعف لهم ولهم أجر كريم، هؤلاء المبالغين في الصدقة وأقرضوا الله قرضاً حسناً والجزاء على قدر العمل. (مصّدّق) الذي يُخرج أمواله في سبيل الله ومنها قد تكون من باب الفروض كالزكاة ورب العالمين سماها صدقة.
*ماذا يفيد العطف بين المصدقين والمصدقات؟
أولاً يدل على استقلال النساء في أموالهن، وما دام مالها فلها الحرية في أن تصرف وتقرض الله قرضاً حسناً وأن تفعل ما تشاء في مالها. ويبين أيضاً أنه إذا كان لها مال فلا تغني صدقة زوجها أو أبيها عنها وأنها يضاعف لها كما يضاعف للرجال. ثم ذكر المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات فالجو العام هكذا فذكر المصدقين والمصدقات.
*ألا تشمل المصدقين كجمع مذكر النساء أيضاً للتغليب؟
أحياناً وأحياناً يراد به التفصيل، يذكر الأمرين وحتى المصدقات إذا كان لهن مال فليس لأحد أن يرغمهن على أموالهن فيمنعهن من الصدقة ولهن أن يتصرفن بأموالهن وأن عليهن الصدقة كما على الرجال ولا تغني صدقة أزواجهن ولا آبائهن إذا كان لهن مال لذلك أفردهم (والمصدقات). ومثله جرى في السورة فذكر المنافقين والمنافقات والمؤمنين والمؤمنات فذكر أيضاً المصدقين والمصدقات، جرى هذا النمط في السورة. هذا ما ذكرناه في الحلقة الماضية.
*ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (وأقرضوا الله قرضاً حسناً) ولماذا ذكر القرض بعد المصدقين؟
قسم ذهب إلى أن الصدقة غير القرض. قسم قال القرض هو تطوع والصدقة في الواجب. ربنا تعالى سمّى الزكاة صدقة لكن هي ليست مقصورة على الزكاة وإنما هي عبادة عامة (المال) ومنها الزكاة لكن قسم من الصدقة هو فروض كصدقة الفطر وبعض الصدقات كالكفارات هذه فروض والزكاة فرض. فقسم قال الإقراض المذكور هو من باب التطوع ولا يدخل في باب الفروض. المصدّقين قد يدخل فيها الفرض. وقسم قال القرض هو أعمّ من الصدقة يدخل في الفروض وغير الفروض. فإذا كان الأمر كذلك فهو من باب عطف العام على الخاص إذا كان القرض هو أعم من الصدقة (ما كان تطوعاً وغير تطوع) أي الصدقة في عمومها يصير أعم من الصدقة فعند ذلك إذا كان الأمر كذلك أي إذا كان القرض عموم الصدقة فتكون أعم من الصدقة فيكون من باب عطف العام على الخاص. وقسم يقول لا هي تطوع الصدقة هي في الفروض والقرض هو في التطوع والذي يبدو لي - والله أعلم- أن القرض في التطوع ويختلف عن الصدقة بدليل أنه فيما أظن أن القرض هو في صدقة التطوع نلاحظ أن القرآن الكريم يذكر القرض الحسن بعد الزكاة في مواطن وقد يأمر به بعد الأمر بالزكاة كما في قوله (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا (12) المائدة) ذكر الزكاة ثم ذكر القرض الحسن، الزكاة فرض فقال بعدها (وأقرضتم الله). وفي آية أخرى قال تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (20) المزمل) هذا أمر. يبدو لي أنه لما عطفها على الزكاة والزكاة فرض صار القرض من باب التطوع، من باب المندوبات وليس كل المندوبات فروض لكن علمنا أن الزكاة فرض وعطفها على الزكاة فلا يأخذ نفس الحكم لأنه ليس بالضرورة أن يأخذ المعطوف نفس الحكم خاصة في المندوبات فقد يكون عطف مندوب على فرض.
ثم تسميته (قرض) المُقرِض ليس ملزماً بالإقراض. القرض في اللغة إعطاء مال تحديداً. القرض إعطاء مال ويتوقع إسترداده أما الزكاة فلا تُردّ. لما قال المصدقين والمصدقات الصدقة لا تُردّ، المقرِض عندما يُقرِض شخصاً المفروض أن يرد عليه قرضه. لذلك لما قال تعالى (من ذا الذي يقرض الله) رب العالمين سيرده عليه بأضعاف كثيرة (فيضاعفه له). تسميته قرضاً المقرِض ليس ملزماً بالإقراض إذا أردت الاقتراض من أحد فهو ليس ملزماً بإقراضك فلما قال ربنا (قرض) معناه أنه ليس ملزماً، معناه أنه من باب التطوع. وبخلاف التصدق لأن منه ما يلزم. وقال تعالى في أكثر من موضع (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) كأنه من باب الترغيب. فتسميته قرض توحي والله أعلم بأنه ليس من باب الفروض وحتى طبيعة قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) من باب الترغيب وليس من باب الإلزام.
(قرضاً) أحد أمرين: إذا كان المقصود مال تحديداً يكون مفعولاً به وإذا كان مصدراً فيكون مفعولاً مطلقاً.
*ما المقصود بالقرض في (قرضاً)؟ هل هو مال؟
إذا كان مالاً يكون (قرضاً) مفعولاً به (أقرضتك مالاً) وإذا كان مصدراً يعني أقرضتك إقراضاً حسناً يكون مفعولاً مطلقاً ويصير حدثاً. المصدر أقرض إقراضاً وليس قرضاً. المسألة أن قرض مصدر قَرَض وقَرَض وأقرض كلاهما بمعنى واحد ثلاثي ورباعي وأحياناً نأتي بالمصدر، نأتي بالفعل وتأتي بمصدر فعل آخر كما في قوله تعالى (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) نوح) لم يقل إنباتاً وقال في مريم عليها السلام (وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا (37) آل عمران) المفروض أن يقال إنباتاً، لكن هذا يكون لغرض. إذا كان الفعلان بمعنى واحد قرض وأقرض أو حتى لم يكونا بمعنى واحد يكون لغرض آخر مثل قوله تعالى (وتبتل إليه تبتيلا) المفروض تبتّلاً. تبتيل مصدر بتّل وبتل غير تبتّل تماماً والمعنى مختلف. ليجمع المعنيين يأتي بالفعل للدلالة ويأتي بالمصدر من فعل آخر من دلالة أخرى فيجمع بينهما حتى يجمع المعنيين. فبدل أن يقول: وتبتل إليه تبتلاً وبتّل نفسك إليه تبتيلاً يقول (وتبتل إليه تبتيلاً) فيجمع المعنيين وهذا من أعجب الإيجاز. هذه الآية (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) المزمل) فيها أمور في غاية الغرابة في الإيجاز. في مريم قال (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا (37) آل عمران) لم يقل إنباتاً لأنه لو قال إنباتاً هو الله تعالى أنبتها فالمنبِت هو الله تعالى لم يجعل لها فضلاً لكن أنبتها فنبتت نباتاً حسناً جعل لها من معدنها الكريم قبول هذا النبات وأنبتها فنبتت نباتاً حسناً أي طاوعت هذا الإنبات فجعل لها قبول، فجعل لها فضل في معدنها الكريم. بينما لو قال إنباتاً لم يجعل لها فضلاً رب العالمين أنبتها يفعل ما يشاء، لكن نباتاً جعل لها فضلاً، هي نبتت وجهل لها فضلاً فنبتت نباتاً حسناً فجعل لها في معدنها قبول لهذا النبات فنبتت نباتاً حسناً.
*هل المقصود بالقرض في الآية (قرضاً حسناً) المال أو المصدر؟
أحياناً يسمونه التوسع في المعنى. يمكن أن نذكر هذا التعبير بعدة صور: أقرضوا الله إقراضاً حسناً، قرضوا قرضاً حسناً باعتبار فعل قرض بمعنى أقرض. لو قال أقرضوا الله إقراضاً حسناً لم يكن إلا معنى المصدر، معنى واحد هو الحدث إقراضاً فقط. لما قال قرضاً حسناً فيه أمران المال والحدث، الإقراض الحسن في التطوع وكيفية الإقراض والمال هو حسن في نفسه من الحلال الطيب فيجمع الأمران الإقراض والمال. لو قال إقراضاً فقط كأنه فقط المصدر، فقط الحدث ولذلك جمع بين الأمرين.
* لماذا استخدم أقرضوا الله ولم يقل قرضوا الله؟
أقرضوا الله أشهر.
*ما فائدة حسناً بعد قرضاً؟
ذكرنا سابقاً القرض الحسن. وللعِلم أنه لم يذكر القرض إلا وصفه بالحسن في جميع القرآن. ذكرنا في حينها ما المقصود بالقرض الحسن: في الشخص أن يكون من دون منٍّ، عن طيب نفس وبشاشة وجه، وفي المال ينبغي أن يكون في المال الحلال الطيب الكريم وأن لا يبتغي الخبيث (وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ (267) البقرة) ثم في الجهة أن يتحرى أفضل الجهات، هذا القرض الحسن. القرض الحسن يكون له صفات في المقرِض وصفات في المال وصفات في الجهة، هذا هو القرض الحسن يكون من كريم المال وحلاله ويكون من دون منّ ويكون في أفضل الجهات التي فيها نفع للمسلمين ولذلك لا تجد في القرآن إلا وصفه بالحسن، القرض بالذات. أيضاً لا تجد القرض إلا لله. الصدقة أطلقها لكن القرض لم يأت إلا قرضاً حسناً ومع الله تعالى (أقرضوا الله قرضاً حسناً) حتى يفرق بين القرض الذي هو في المعاملات والقرض الذي هو عبادة مع الله. هنا الإقراض قد يكون بين الناس في المعاملات وهنا المقصود العبادات ولذلك دائماً يقول وأقرضوا الله. لو قال أقرضوا لم تختص بالعبادة وإنما بالمعملة بين الناس ولذلك الصدقة دائماً عبادة أما الإقراض فليس دائماً عبادة فقد يكون في المعاملة والتعامل بين الناس ليس له علاقة بالعبادة. ولذلك في القرآن هنالك أمران أنه وصف القرض بالحسن والآخر أنه لله تعالى. هذان الأمران في جميع القرآن لم يرد الإقراض إلا بهذين أنه حسن وأنه لله تعالى فقط ولهذا ثوابه من الله عز وجل يضاعف له.
* لماذا عطف بالفعل على الإسم في الآية (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)؟
هذا يجوز إذا كان الإسم المشبه بالفعل يجوز عطفه على الفعل (واعطف على اسم شبه فعل فعلاً وعكس استعمله تجده سهلا) تكرر أكثر من مرة على ما هو مقرر في القرآن أن الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث. الصدقة لازمة ثابتة ولذلك لا تجد في القرآن (المقرضين) لأنها ليست صفة ثابتة ثبوت الصدقة كما نجد المتصدقين التي هي ثابتة.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٢٧ |
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19))
*هل الصديقون هم الذين آمنوا فقط؟
ليس هناك صدّيق إلا من هو آمن بالله والرسل ولا يمكن أن يكون صدّيقاً من غير إيمان بالله. (صدّيق) صيغة مبالغة قسم قال من صَدَق وقسم قال من صدّق وفي الحديث " ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً" يصدق ويصدّق بما جاء به، إذا كان يبالغ في الصدق فهو صدّيق وإذا كان يبالغ في التصديق بما أنزل الله وما جاء به الرسل يسمى صدّيقاً. الصدّيق وصف، رب العالمين وصف قسماً من الرسل بالصديقين ذكر إبراهيم (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41) مريم) وإدريس (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) مريم). فكلمة صدّيق وصف الله تعالى بها الأنبياء وغير الأنبياء ووصف مريم عليها السلام (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ (75) المائدة). النبي صدّيقاً أي كثير الصدق فيما يحدّث ولا يخبر إلا بالصدق (وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) الزمر). وقد يعدهم صنفاً آخر غير الأنبياء فيقول (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم (69) النساء). يذكر الأنبياء وغير الأنبياء ويصفهم بالصّدّيقية. كلمة صدّيق مبالغة (والذين آمنوا بالله ورسله) أولئك هم الصديقون على العموم؟ هل كل من آمن بالله ورسله هو صدّيق؟ الصديقية درجات كما أن الشهداء درجات، ذكر تعالى الأنبياء صديقون وذكر من هم دونهم أيضاً ووصفهم بالصديقين وذكر الرسول الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً. هي درجات تتسع إتساعاً كبيراً.
هناك أمر أيضاً: الرسول سُئل: أيزني المؤمن؟ قال بلى، قيل أيسرق المؤمن؟ قال بلى، قيل: أيكذب المؤمن؟ قال لا. فالمؤمن لا يكذب إذن المؤمن يجب أن يصدق فإن كذب فقد خرج عن الإيمان. هكذا يقول الحديث. فالمؤمن صفته الصدق دائماً وأبداً فإن لم يصدق خرج عن الإيمان في تلك اللحظة. فإذن قطعاً المؤمن صدّيق لأنه صدّق وصَدَق في الكلام. الصدّيق قد يكون من كثرة الصدق " ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً"، ما قال يُصدِّق وإنما يصدُق أي حينما يتكلم لا يتكلم إلا صِدقاً. في هذه الحالة يكون المؤمن صدّيقاً. إذا تحرى الصدق فهو صدّيق وإذا صدّق بما جاء به النبي فهو صدّيق، إذا صدّق صار مؤمناً. فالصّدّيقون هنا مقصود بهم كلها فما دام أصبح مؤمناً فهو يَصْدُق ويصدّق لأنه إذا لم يصدّق فهو ليس بمؤمن وإذا كذب انتفت عنه صفة الإيمان. لكن الصديقية درجات كالإيمان والعمل الصالح فالمؤمن تطلقها على سيد الرسل وتطلقها على من آمن بالله. وهم درجات متفاوتة عظيمة والصديقية تطلق على صفوة الخلق وعلى الرسل وعلى من دونهم (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) مرتبة عامة وفيها خصوصية.
*من هذا المنطلق سمي أبو بكر الصديق بهذه الصفة مع أن غيره كثيرون صدقوا الرسول ؟
الرسول أطلق عليه هذا الاسم والصدّيقون درجات فهناك الصفوة وهناك صفوة الصفوة.
*في الآية (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)) هل الذين كفروا وكذبوا مقابل الذين آمنوا بالله ورسله؟
لو أخذنا الآية (والذين آمنوا بالله ورسله) وبعدها (كفروا وكذبوا بآياتنا) الذين كفروا بمقابل الذين آمنوا بالله، والذين كذبوا بآياتنا مقابل الذين آمنوا برسله لأن تكذيب الآيات يكون عن طريق الرسل. التصديق والتكذيب يكون عن طريق الرسل، فإذن الذين كفروا مقابل الذين آمنوا بالله والذين كذبوا بآياتنا مقابل الذين آمنوا برسله. نلاحظ ذكر الشهداء بعد الصدّيقين (أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) كما في آية أخرى (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) ثم ذكر أجرهم ونورهم والأجر والنور واضحان في السورة يترددان في أكثر من موضع في هذه السورة. قال في أكثر من موضع (فيضاعفه له وله أجر كريم) هذا أجر، (يسعى نورهم) ذكر الأجر والنور (يضاعف لهم ولهم أجر كريم) (والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم) وآخر السورة (ويجعل لكم نوراً) هذان الأمران يطبعان السورة.
* لماذا لم يقل كفروا بنا؟ او كفروا بالله؟
ذكرها مطلقة لأن الكفر عام والكفر هو الستر والتغطية. الكفر بالآيات هذا أحد أركان الكفر، فلو آمن بالله وكفر بالرسالات ولم يصدّق سيكون كافراً لذا لم يخصصها وإنما أطلقها عامة (كفروا) على العموم والإطلاق.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٢٨ |
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20))
*نظرة عامة على الآية ودلالة الترتيب واللمسة البيانية فيه :
حقيقة ما يعيشه الناس أجملَه تعالى في هذه الآية ورتّبها بحسب ترتيبها في حياة الناس. بدأ باللعب واللعب عادة يقع في دور الطفولة والصبا مبكراً هذا هو الأصل وإن كان أحياناً يُطلق على نقيض الجَدّ (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ (65) التوبة) (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) الزخرف) (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) الأنبياء) نقيض الجد أي غير جادّين. اللهو عادة يكون في دور الفتوّة والشباب بعد دور الطفولة. ثم اللهو أعمّ من اللعب لأن الكبير قد يلهو في أمور يضيق صدره في أمور فينتقل إلى أمر يلهو به بعض الشيء. ثم ذكر الزينة والزينة مقصد من مقاصد الشباب والنساء في دور بداية اكتمال أنوثتهن - خاصة النساء - وحتى الشباب يتزيّن لا يرضى كما كان طفلاً يلبس ما تعطيه أمه. ثم ذكر بعدها التفاخر وهذا أكثر ما يكون في شأن الرجال يتفاخرون بأعمالهم وبأنسابهم ومآثر ما يفعل هو وما فعل آباؤه وأحسابه لذلك الشعراء يفتخرون بآبائهم وأحسابهم وأنسابهم (أولئك آبائي فجئني بمثلهم). هذه المفاخرة هي أن ينسب الخير إلى أهله ونفسه كالشجاعة والكرم. ثم ذكر التكاثر في الأموال والأولاد وهذه مرحلة جادة يبدأ يشتغل بجمع المال والإنجاب لأن الحياة تقوم على هذين الأساسين المال والولد ولا تستديم الحياة بلا مال وولد وقدّم المال لأنه جمعه أكثر يشتغل به أكثر. حتى الوقت، الأولاد يهتم بهم وهم أعلى شيء والمال يتركه لهم لكن جمع المال يحتاج إلى وقت وإلى الذهاب إلى المحلات التجارية والأسواق فيبقى مع المال أكثر بكثير مما يبقى مع ولده. غالباً الأموال مقدمة على الأولاد في القرآن الكريم وفي مواطن تتأخر. في مواطن الحُب تتأخر الأموال (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) التوبة) هذه في المحبة ولا يمكن أن يرقى المال إلى محبة الأولاد. المال في خدمة الأولاد ويتركه لهم. فحينما يقدّم يكون حسب الموضع. في الانشغال يقدّم المال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (9) المنافقون) لأنه يشتغل بها كثيراً أما الأولاد أقل وإن كانوا في ميزان الآباء أثقل لكنه سيرحل ويترك الأموال لهم. وختم بالأولاد وهذه هي مراحل الحياة وأطوارها أجملها ربّنا تعالى وهي أطوار الناس في الحياة ثم صوّرها بقوله تعالى (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
* هل هناك ترتيب مقصود لذاته في هذه الآية؟
هي هكذا حسب الأطوار في الحياة رتبها وذكرنا التقديم والتأخير وقلنا أنه ليس هنالك نمط واحد للتقديم والتأخير إنما هو السياق ومدار الاهتمام. العرب يقدّمون ما هم ببيانه أعنى وما هو أهمّ، الأهمية التي بحسب السياق فمرة نقدّم المتقدم ومرة نقدّم المتأخر، مرة نقدّم من القلّة إلى الكثرة ومرة من الكثرة إلى القلة ومرة نبدأ بالأفضل ثم ننتهي إلى المفضول ومرات أخرى تبدأ بالأدنى ثم الأعلى، المفضول ثم الفاضل. الذي يحدد التقديم والتأخير هو المقام ففي قوله تعالى مثلاً (والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين) البلد الأمين هو مكة وهي أفضل من طور سنين لكنه أخّرها وبدأ بطور سنين. هناك دواعي للتقديم والتأخير تُنظر في سياقها والمقام الذي قيلت فيه (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ (2) التغابن) بدأ بالمفضول (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) هود) تأتي بحسب كيف وضعها في السياق هو الذي يحدد التقديم والتأخير وتقدر كل حالة بقدرها. (فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) لما ذكر الذين أنعم الله عليهم بدأ بأعلى النِعم (النبيين). إذن هو حسب المقام الذي تقال فيه.
*قال تعالى (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) عدد أشياء كثيرة وفي غير موطن في القرآن قال (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ (32) الأنعام) فقط ولم يذكر بقية الأطوار كما في آية الحديد، لماذا؟
أحياناً يقتصر على اللعب واللهو لأن ما ذكره بعدها يندرج (الزينة وما بعدها) يندرج في اللهو فإذا أراد أن يفصّل فصّل وإذا أراد أن يُجمِل وقف عندها. الزينة قد تُلهي والتفاخر يلهي والتكاثر يلهي. الله تعالى سمّى المال والبنون زينة (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (46) الكهف) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (9) المنافقون) دخلت في الزينة والزينة دخلت في اللهو. ما ذُكِر في الزينة دخل هنا في اللهو. قال تعالى (ألهاكم التكاثر) دخل التكاثر في اللهو، أطلق التكاثر. لما فصّل في آية الحديد (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) فصّل وعندما أراد أن يُجمِل يقف عند الأصل والباقي يدخل فيه (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ (32) الأنعام) وقف عندها وما مثّل (إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) محمد). يقولون البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال أراد التفصيل يفصّل، أراد الإجمال يُجمِل.
*ما معنى الإجمال والتفصيل في القرآن الكريم ؟ من المستشرقين من يقول لِمَ يُجمِل هنا ويفصّل هنا مع أن الدلالة وصلت؟
أحياناً يريد أن يوضح المسألة ويعطيها أبعادها، أحياناً يكتفي بكلمة أو كلمتين وأحياناً يشرح أدق الأمور ويتعرض لها. هذا ليس تكراراً وإنما هو تفصيل يريد أن يوصل المعلومة كاملة في كل أبعادها وفي كل أحوالها. ثم إن الناس ليسوا سواء في الفهم والاستيعاب. إذا قلت (لعب ولهو) كم واحد يُدخِل فيها ما ذكر؟ كم شخص سيذكر الأموال والزينة والأولاد؟ قليل. يفصّل للجميع وكل آية تضيف ملمحاً في إطار السورة حتى تتضح جميع جوانبها.
*قدّم الله تعالى اللعب على اللهو في هذه السورة وفي آية سورة العنكبوت قدّم اللهو على اللعب (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)) فما دلالة تقديم اللهو؟
قلنا ليس هنالك أمر يقضي بتقديم كلمة على كلمة وإنما هو السياق. لو لاحظنا سياق العنكبوت تقدّم هذه الآية قوله تعالى (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62)) الرزق مدعاة إلى الالتهاء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ (9) المنافقون) ربنا تعالى ذكر أمرين: البسط والتضييق، الذي بسط له رزقه يلتهي بجمعه والذي قُدِر عليه رزقه يلتهي للحصول عليه حتى يعيش فإذن سيكون مدعاة للهو فقدّم اللهو. ما دام قدّم البسط في الرزق والتضييق سيكون مدعاة للهو (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) الفجر) (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) العاديات) الخير فسروه بالمال. (قُدِر عليه رزقه) أي ضيّقه. (نقدر عليه) أي نضيّق عليه، حتى في قصة ذي النون (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) الأنبياء) هو هنا في هذا المكان لم يجد أذناً صاغية ولم يجد من يستجب له قال أذهب إلى مكان آخر والله تعالى يوسّع عليّ في مكان آخر (لن نقدر عليه) أي لن نضيّق عليه، هناك متسع وهذا اجتهاد من ذي النون قال أذهب إلى مكان آخر فيه متسع والله تعالى لن يضيّق عليّ لكنه لم يخرج بإذن ربه ولكنه اجتهاد من تلقاء نفسه لذا قال تعالى (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) الصافات) مليم أي أتى ما يُلام عليه، ملوم يُلام لكن مليم أتى فعلاً يُلام عليه، لماذا خرجت من دون إذن؟ لذا قال (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ولذا قيل للرسول (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) القلم). إذن نقدر يعني نضيّق.
* (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ (20) الحديد) لماذا ذكر في الأموال ولم يقل بالأموال؟
(في) ظرفية والباء للإلصاق وقد تكون ظرفية أحياناً. التكاثر بالأموال يعني بما عنده، تكاثر في الأموال ينفق وقته في الحصول عليها، يتكاثر في الحصول عليها. أما الباء فبما عنده. ربنا يقول (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (274) البقرة) يعني في هذين الوقتين فقط. نحن نقول ينفق المال في الليالي الحمراء يعني يُذهب المال فيها، يصرفها فيها، تكون ظرفاً لصرف الأموال.
و(ينفق بـ) أى بهذين الوقتين.
* عجيب! ينفق بالليل والنهار جعل الليل والنهار زمناً لإنفاق الأموال في مصادر أخرى وينفق في جعل الليل ظرفاً تذهب فيه الأموال. وهنا (وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)؟
ينفق وقته في الحصول عليها، التكاثر ينفق الوقت في الحصول على المال.
*ما المقصود بالكفار في الآية (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)؟
المفسرون ذهبوا إلى أمرين في تفسير الكفار قسم يقول الكافرون بالله الجاحدون لأن هؤلاء هم الذين يغترّون بالدنيا وقسم قال هم الزُرّاع لأنها من كَفَر البذرة أي سترها في الأرض وأصل كفر في اللغة ستر ومنه الكفر أي ستر الفطرة المؤمنة لأن رب العالمين سبحانه وتعالى خلق الناس فطرتهم مؤمنة. فإذن المفسرون قسم من قال الكفار هم الزُرّاع وقسم يقول هم الجاحدون وأنا يترجّح عندي أنهم الكفار الذين يكفرون بالله وآياته لأنهم يغترّون بالدنيا وقد يكون المعنيان مقصودان وليس هناك مانع أن يعجب هؤلاء ويعجب هؤلاء.
*في موضع آخر في القرآن قال تعالى (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ (29) الفتح) وهنا قال (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) فما الفرق بين الآيتين واللمسة البيانية في كليهما؟
اختيار كل كلمة في مكانها أنسب اختيار. الزُرّاع في آية الفتح أنسب ولا يقال يعجب الكفار ليغيظ بهم الكفار، الزُرّاع أفضل. ليس هذ فقط هذا تشبيه بصورة محمودة وإنما هناك فرق بين الزُرّاع. هذه الآية في سورة الفتح في أصحاب محمد (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) اختار كلمة الزُرّاع لأن الزارع يزرع ما ينتفع به هو وينفع الآخرين وهؤلاء ليسوا كالذين ذكرهم (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) غيث نزل في الأرض وخرج النبات وقد يكون فيه أدغال وحشائش لا تنفع الناس. هناك تصريح بالزُرّاع وقّيدت الآية بـ (نبات) وهو أي نبات نبت في الأرض وقال تعالى (كمثل غيث) ولم يقل مثل زارع والغيث عندما يمطر يُخرِج حشائش الأرض التي لو خرجت في حديقتك ستقلعها. في آية الفتح ذكر الزُرّاع لأن الزارع لا يزرع الحشائش وإنما يزرع ما ينتفع به هو وينفع الآخرين. ذاك كمثل غيث، الغيث أنت لا تسيطر على ما يُخرِجه فقد يُخرِج مما تريد وما لا تريد. آية الفتح وقعت في صورة محمودة في تشبيه أصحاب الرسول (محمد رسول الله والذين معه). ثم إن الزُرّاع كأنما هناك من زرعه فخرج أي خرج بأمر مقصود. مثال ذلك قوله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (110) آل عمران) ما قال خرجت لأن ربنا أخرجها إخراجاً، هذه الأمة الإسلامية ربنا أخرجها بالصورة التي أرادها أُخرجت للناس ولم يقل خرجت من تلقاء نفسها. (خرجت) يعني خرجت من نفسها وليست برسالة، أخرج فعل متعدي (أخرجته)، خرج فعل لازم (خرجت من البيت). (أُخرجت للناس) أي أن الله سبحانه وتعالى أخرجها على نمط معيّن كما يريد ولم تخرج من تلقاء نفسها كما تخرج الحشائش والأدغال في النبات. الزارع ينتقي ويعلم ما يزرع وهذه الأمة أُخرِجت إخراجاً إلى الناس ولم تخرج من تلقاء نفسها وفق منهج معين معدّ واختيار دقيق. هذه الأمة أُخرجت بهذا المنهج لهذا الغرض للناس كافة. تلك الآية خرج كما تخرج الحشائش بالغيث يُعجِب من يُعجِب وأما في سورة الفتح إختار الزُرّاع يزرعون وينتقون ماذا يريدون. كنتم خير أمة أخرجت للناس أخرجها ربنا بصورة معينة ولغرض معين منهج معيّن واختيار معين وباصطفاء معين (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ (75) الحج). هذا هو الفرق بين كمثل غيث أعجب الكفار نباته هذا تشبيه حالة مذمومة بينما آية الفتح في الثناء والمدح في وصف سيدنا محمد والذين معه.
*هل كلمة الزراع جمع زارع؟
الزُرّاع جمع زارع مثل كُتّاب وكاتب وواعظ وعّاظ. وعندنا زارعون جمع وأحياناً الكلمة يكون لها أكثر من جمع مثل كلمة ساجد تُجمع على سُجّد (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا (29) الفتح) وسجود (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة) وساجدين (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) الشعراء) يكون هناك أكثر من جمع للكلمة. وعندنا ميّت تُجمع على ميّتون (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) الصافات) وموتى (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى (39) فصلت) وأموات (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء (154) البقرة) كلها جمع ثم تختلف بين القِلّة والكثرة ودلالات أخرى.
*في سورة الواقعة قال تعالى (أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)) ولم يستعمل الزُرّاع لماذا؟
لما يذكر ضمير التعظيم يذكر جمع المذكر السالم.
* ما اللمسة البيانية في الالتفات في الضمير في الآية (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)؟
ذكر مآل الزرع الذي خرج بالغيث حتى يخرج منه إلى تشبيه الحياة الدنيا كيف هي بعد أن ذكر أنه يُعجِب الكفار نباته ذكر ما سيؤول وذكر النتيجة حتى ينتقل منه إلى الآخرة. قال (ثم يهيج) يتحرك أول مرة ثم ييبس، هاج تأتي بمعنى يبس وتأتي بمعنى تحرك في النمو ثم يبس، هاج الزرع تأتي في اللغة بمعنى يبس الزرع وفي القرآن. يبس فتراه مصفراً. لكن بالنسبة للسؤال (فتراه مصفراً) الإسناد يختلف عن يهيج ويكون حطاماً ما قال ثم يكون مصفراً هذا يدلنا على زوال الزينة لأن الزينة تتعلق بالناظر لأنه قال قبلها (وزينة) لما قال فتراه مصفرّاً أي زالت الزينة بالنسبة للناظر لأن الزينة تتعلق بالناظر وإلا لماذا يتزين؟ لذا قال (فتراه مصفراً). الخطاب موجّه لكل سامع ولكل ناظر (فتراه مصفراً) كما قال تعالى (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) الحجر) لأن الزينة تتعلق بالنظر لذلك الأعمى لا يرى الزينة فالزنية ليست للعُمي وإنما للمبصرين. (فتراه مصفراً) أي الزينة زالت لأنه علّقها بالرؤية لأن الزينة تتعلق بالرؤية. ولم يقل وتراه حطاماً أنت تراه حطاماً لكن أحياناً الذي تراه أنت حطاماً له قيمة كبيرة والقيمة لا تتعلق بالرؤية لكن الزينة تتعلق بالرؤية. أنت قد ترى حطاماً لكنه قد يكون ثميناً جداً وقيمته عالية لا تقدر الأمور بما ترى. الحجر الصناعي أجمل من الطبيعي لكنه ليس أغلى منه هذا الأمر لا يتعلق بالرؤية. هذا يكون حطاماً وليس تراه حطاماً إذا رأيته حطاماً هذا لا يتعلق بقيمته لأن الرؤية لا تقدّر القيمة وإنما تقدّر الزينة، قد يراه حطاماً وفيه فائدة كبيرة أنت تراه هكذا ولكنك لا تحسن تقديره. (ثم يكون حطاماً) أي أصبح حطاماً لا فائدة فيه ولا يتعلق برؤيتك له وتقديرك، رؤيتك تتعلق بالزينة. هذا الأمر في تقييم حقيقة الأمر وقيمته الحقيقية وهذا لا يتعلق بالزينة وإنما يتعلق بالمعرفة الحقيقية والقيمة الحقيقية فقال (ثم يكون حطاماً) أصبح حطاماً لا فائدة فيه. إذن فرق بين تراه مصفراً وثم يكون حطاماً. (فتراه مصفراً) يعود على الزينة وعلى رؤيتك للشيء أما يكون حطاماً فهو حقيقة الأمر ذهبت الحياة الدنيا وتحطمت ولم يبق فيها شيء (إعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو) تحطمت وذهبت زينتها وأصبحت حطاماً فلِم تغترّ بهذا؟ لو قال في خارج القرآن فتراه مصفراً ثم تراه حطاماً لا يُفهم هذا المعنى أنت تراه ولكن لا تقدّر قدر الشيء لكن ما يعرفه أصحاب الشأن قد ترى أشياء حطاماً تراها حطاماً ولا تقدّر قيمتها لكن هناك صاحب شأن من يعرف قيمتها وفرق بين تراه وبين يكون. الإسناد في (فتراه) لكل ناظر.
*ما دلالة اتسعمال (ثم) والفاء في الآية (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)؟
لما قال يهيج إنتهى. هي كلها (ثم والفاء) عاطفة لكن الفاء للترتيب والتعقيب و(ثم) للترتيب والتراخي أي مدة. (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ (22) عبس) الميت يُقبر فوراً (فأقبره) (ثم) للتراخي (ثم إذا شاء أنشره) النشور بعد الموت بآلآف السنين وليس مباشرة. (ثم يهيج) يبس (فتراه مصفراً) فوراً تراه مصفراً فاستعمل الفاء. (ثم) تحتاج لوقت.
*في هذه الآية قال تعالى (ثم يكون حطاماً) وفي آية أخرى قال (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا (21) الزمر) فما الفرق؟
لو عدنا إلى السياق وقراءة كل آية يتضح الفرق. هذه الآية عرفناها، كل الكلام عن الغيث وما يخرج منه. في آية الزمر قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ) هو الذي أنزل ما قال في آية الحديد أنزل غيثاً وإنما قال (كمثل غيث) لم ينسبه إلى نفسه سبحانه، (فسلكه ينابيع في الأرض) الله سبحانه وتعالى هو الذي سلكه، (ثم يخرج به زرعاً) الله سبحانه وتعالى يُخرِج، (ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً) الذي أنزل من السماء ماء وسلكه ينابيع في الأرض وأخرج به الزرع هو الذي جعله حطاماً. ولو قال يجعله حطاماً في آية الحديد ليس هناك إسناد لله سبحانه وتعالى أما في سورة الزمر فالاسناد لله تعالى ابتداء من أول الآية إلى آخرها هو الذي جعله حطاماً. في آية الحديد ليس هناك إسناد لله تعالى أما في الزمر فالاسناد لله تعالى ابتداء.
* هل الماء والغيث كلاهما مطر؟
ذكر الغيث في آية الحديد وماء في آية الزمر وهناك فرق بين الماء والغيث لكن الماء والغيث في الآيتين هو ما ينزل من السماء لكن هذا الماء الذي ينزل من السماء قد يكون غيثاً وقد يكون مطراً بحسب التعبير القرآني. المطر يستعمله الله سبحانه وتعالى في العقوبات (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) الأعراف) لم يستعمل القرآن المطر إلا في العقوبة (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ (40) الفرقان) (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ (74) الحجر) (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ (173) الشعراء) أما الغيث فيستعمله في الخير. هذا في الاستعمال القرآني أما في الحديث فاستعمل المطر للخير ولكن للقرآن خصوصية في الاستعمال اللغوي نخصص لها إن شاء الله تعالى حلقات لنتحدث عنها لأنه موضوع كبير. والعرب فهمت هذا الفرق من الاستعمال. (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) الشورى). إذن في القرآن الكريم يذكر المطر للعذاب.
*ما دلالة تقديم العذاب على المغفرة في الآية (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)؟
العذاب يسبق المغفرة والرضوان في الآخرة: عذاب الموقف قبل الحساب وقبل القضاء والدخول في الجنة أو النار والناس ينتظرون خمسين ألف سنة قبل القضاء، هذا العذاب الأول. ورود النار لجميع الخلق (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) مريم) هذا عذاب قبل دخول الجنة، قسم من الناس يعذّبون ثم ينتهي عذابهم ثم يخرجون إلى الجنة وليس العكس لا يمكن أن يكون أحد في الجنة ثم يدخل النار، إذن العذاب يسبق المغفرة. وتقديم المغفرة على الرضوان لأنها تسبق الرضوان لأن الرضوان في الجنة والمغفرة قبلها حتى يدخل الجنة يجب أن يكون هناك مغفرة إذن العذاب قبل المغفرة والمغفرة قبل الرضوان.
ونلاحظ أنه في العذاب قال تعالى (عذاب شديد ومغفرة من الله) ولم يقل عذاب من الله لكن في المغفرة قال ومغفرة من الله للدلالة على سعة رحمة الله تعالى ما ذكر الجهة المعذِّبة وإنما قال (عذاب شديد) بينما في المغفرة نسبها له سبحانه وتعالى فقال (ومغفرة من الله) لا ينسب تعالى السوء إلى نفسه أبداً (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) الجن) مع أنها إرادة الله تعالى في الحالين. وكذلك قوله تعالى (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) الشعراء) (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ (51) فصلت).
* في آية الحديد قال تعالى (ومغفرة من الله ورضوان) وفي مواضع أخرى في القرآن استعمل مرضاة وغفران فما الفرق؟
عندنا المغفرة وغفران ورضوان ومرضاة. كلمة غفران لم ترد إلا في موطن واحد في قوله تعالى (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة) في طلب المغفرة من الله تعالى. إذن كلمة غفران مخصصة بطلب المغفرة من الله تعالى، هذه دعاء أي نسألك المغفرة (غفرانك ربنا). إذن غفران تستعمل في طلب المغفرة ومن الله تعالى تحديداً. المغفرة لم تأت في طلب المغفرة أبداً وإنما جاءت في الإخبار وفي غير الطلب (وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً (268) البقرة) (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ (6) الرعد). في طلب المغفرة فقط يستعمل كلمة غفران ومن جهة واحدة وهي المغفرة من الله عز وجل. لم تأت المغفرة في الطلب وقد تأتي من غير الله سبحانه وتعالى كما في قوله (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) البقرة) قد تأتي من العباد. إذن المغفرة ليست خاصة بالله سبحانه وتعالى ولها أكثر من جهة ولم يستعملها القرآن في طلب المغفرة. الغفران مختصة بطلب المغفرة ومن الله تعالى تحديداً.
مرضاة ورضوان: الرضوان من الله سبحانه وتعالى فقط ولم ترد في القرآن من غيره (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21) التوبة) (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ (109) التوبة). المرضاة من الله تعالى ومن غيره ولم تستعمل في القرآن إلا في ابتغاء وطلب الرضا من الله تعالى ومن غيره (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ (1) التحريم) (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ (207) البقرة) في الابتغاء وفي طلب الرضا فقط أما الرضوان فهو في الابتغاء وغير الابتغاء. الرضوان عام وخاص بالله سبحانه وتعالى والمرضاة أخصّ من الرضوان وهو من الله تعالى وغير الله وهذه أيضاً من خصوصيات القرآن الكريم في الاستعمال اللغوي.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٢٩ |
(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21))
*نظرة عامة على الآية :
قال الله تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) بعد أن ذكر الدنيا ومآلها في الآية السابقة (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) وجهنا ربنا سبحانه وتعالى إلى المسابقة في الخير. لأن كانت هناك مسابقة دنيوية اللعب فيه نوع من المسابقة وهناك مسابقة في التفاخر واللهو والزينة والتكاثر هو تباري ومسابقة فبدل هذه المسابقة في أمور الدنيا التي ستكون حطاماً ألا أدلكم على ما هو خير من ذلك؟ وهو المسابقة إلى طلب المغفرة وإلى الجنة فقالوا (سابقوا) بدل تلك المسابقة في الدنيا من اللعب والتفاخر والتكاثر فقال ألا أدلكم على أفضل من هذه المسابقات التي ستكون حطاماً نسابق إلى مغفرة من ربنا والمسابقة إلى الجنة (أعدت للذين آمنوا) ثم قال (ذلك فضل الله) إذن أمرنا ووجهنا إلى المسابقة في الخير إلى مغفرة من الله سبحانه وتعالى. هكذا تكون المسابقة وليست المسابقة في اللعب واللهو والتفاخر.
*هذه الآية تتعلق بما قبلها ففي هذه الآية قال (مغفرة من ربكم) وفي الآية قبل قال (مغفرة من الله) ؟
هنا أمر عباده المؤمنين ووجههم إلى المسابقة وهو ربهم والرب هو الموجه والمرشد إلى ما هو خير فقال (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) والمعلم والقيم أما الله فهو لفظ الجلالة تأتي من العبادة، المعبود. الله إسم العلم الذي يُعرف به سبحانه وتعالى والباقي صفات (الرحمن الرحيم) هذه صفاته، المقصود بالاسماء الحسنى صفاته. الله تعالى له صفات كالرحمن صفة من صفاته واسم له لكن اسمه العَلَم الله.
الفرق بين الإسم والصفة؟ اسم العلم هو ما يسمى به الشخص وفي أسماء العلم في الدنيا هو ما أطلقه عليه أبويه في الدنيا أما الصفة فهو ما يتصف به كأن تقول الشارع أو الفقيه هذا ليس اسم علم. إسم العلم قد يكون مرتجل يعني يُطلق هذا وليس منقولاً من وصف وقد يكون منقولاً من وصف (كريم، فاضل، محمد) منقول من وصف أو من مصدر أو من وصف آخر أما المرتجل فسمي هكذا. الله هو إسم لله تعالى لما تقول منقول يجب أن يكون منقولاً عن شيء آخر منقول من صفة أو من إسم جنس مثل أسد وذئب. المرتجل أُطلق عليه ابتداء. حتى لو كان لكلمة الله اشتقاق (أكثر اللغويين على أنها مأخوذة من أله وقسم يقول بمعنى تحير، هو الإله والمعبود ثم سقطت الهمزة أصلها الإله المعبود معرّفة بـ أل سقطت الهمزة وأدغمت اللام باللام وصارت الله) ويدل على أنها في الأصل معرفة بأل أنها لا تنون مع أنها ليست ممنوعة من الصرف (الممنوع بالصرف يجر بالفتحة)، المنصرِف ينوّن وهذه ليست منونة فهي في الأصل معرّفة . الرب معناها المربي والمالك ونقول رب الدار (إنه ربي أحسن مثواي) لأن الرب قد يقال للشخص فهو المربي والسيد والمرشد والقيم والمالك.
قال من ربكم لأنه أمر عباده ووجههم وأرشدهم إلى ما فيه خير أما هناك فليس خطاباً لأحد (كمثل غيث) ليس خطاباً وإنما هو وصف للدنيا (ومغفرة من الله) هذا وصف وليس خطاباً. أما الأخرى فهو توجيه وخطاب ومسابقة (مغفرة من ربكم) هذا أمر وهناك وصف للدنيا الطبيعي أن يقول مغفرة من الله لأنه لا يخاطب أحدنا (كمثل غيث) ليس خطاباً أما (مغفرة من ربكم) فيها خطاب لأنه مضافة إلى ضمير المخاطبين (كم). الهدف واحد لكن في آية مخاطبين والثانية كلام عام وصف للدنيا.
*ألا يظن أحدهم أن هناك والعياذ بالله من يسمى الله ومن يسمى الرب؟
الله هو الرب (الحمد لله رب العالمين) هذه من أسمائه وصفاته التي تذكر، الرحمن الرحيم هل نقول أنه واحد آخر وإذا قلنا الرزاق أو الرحمن أو غيره هل يكون هناك 99 إلهاً.
*في هذه الآية قال تعالى (سابقوا) وقال( وسارعوا) في آل عمران؟
هذا ذكرناه قبل سنوات وأشرنا إلى هاتين الآيتين في سؤال ويعاد السؤال الآن مرة أخرى وهناك أكثر من اختلاف في الألفاظ. آية الحديد (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)) وآية آل عمران (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134))
المفارقة ليست بين سابقوا وسارعوا فقط وإنما في الآية كلها فهو قال (كعرض السماء) في آية الحديد جاء بكاف التشبيه والسماء مفردة وفي آل عمران لم يأت بكاف التشبيه وقال السموات جمع. في آل عمران قال أعدت للمتقين وفي الحديد قال للذين آمنوا بالله ورسله. ثم أضاف في آية الحديد (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء). إذن ليست مسألة سابقوا وسارعوا فقط.
الحديد آل عمران
سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ
أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
*سابقوا وسارعوا:
المسارعة أنت قد تسارع بنفسك إلى الأمر (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ (90) الأنبياء) أما المسابقة فتقتضي أكثر من واحد حتى تكون مسابقة. لا بد أن يكون أكثر من متسابق. المسارعة قد تكون لوحدك أنت تسارع إلى الامتحان لكن المسابقة تسابق غيرك للوصول إلى المركز الأول. المسارعة سرعة أما المسابقة هي سرعة وزيادة.
**(كعرض السماء) (عرضها السموات والأرض):
قدّم المغفرة على الجنة لأن المغفرة تسبق دخول الجنة.
ما الفرق بين السماء والسموات؟ إذا عرفنا الفرق نفهم التشبيه لِماذا حصل. السماء في القرآن وفي اللغة إما أن يكون :
o واحدة السموات السبع (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ (5) الملك) السموات السبع كل واحدة منها تسمى سماء السماء الأولى إلى السابعة.
o والسماء قد يقال لكل ما علاك فالسحاب يسمى سماء (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء (22) البقرة) الجو (أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء (79) النحل) السقف سماء بنصّ القرآن (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) الحج) إلى سقف بيته (السبب هو الحبل) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليخنق نفسه فالسقف سماء. (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء (125) الأنعام) فضاء، السحاب قال (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء (48) الروم). كل ما علا الإنسان فهو سماء لا يشترط أن يظلّك.
إذن السماء إما أن تكون واحدة السموات السبع وإما أن تكون لكل ما علاك. الأوسع هي السماء لأن السموات ستكون قسماً من السماء (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (75) النمل) (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) الأنبياء) لكن قال (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (6) الفرقان) لأن القول فيه سرٌ وعلن يعني قلت في نفسي يصير سراً فالقول أوسع من السرّ (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ (8) المجادلة) هذا سر وعلن فلما قال يعلم القول قال في السماء لأنها أوسع لما قال السر وهو جزء قال السموات.
***كعرض السماء وعرضها السموات:
السماء أوسع من السموات فجاء بكاف التشبيه (كعرض السماء) هي مشبّهة كعرض السماء لأن السماء أوسع بكثير من السموات فجاء بكاف التشبيه لأن المشبه دون المشبه به. المشبه هو الجنة والمشبه به السماء والأرض فلما اتسعت اتساعاً هائلاً جداً شبّه ولما حدّد لم يحتاج التشبيه. في آل عمران (عرضها السموات والأرض) فعلاً عرضها السموات والأرض هكذا أخبرنا تعالى أن الجنة عرضها عرض السموات والأرض. يعني جنة آية الحديد أوسع من جنة آل عمران.
في آية الحديد أعدت الجنة للذين آمنوا بالله ورسله وهم أكثر من المتقين التي ذكرت في آل عمران. المتقين جزء من الذين آمنوا بالله ورسله فلما اتسع العدد استعمل الكثير (السماء). ليس كل الذين آمنوا بالله ورسله من المتقين. لم يقل وعملوا الصالحات وإنما قال (الذين آمنوا بالله ورسله) هذا فضل عظيم قال الذين آمنوا بالله ورسله أما في آل عمران فهي أخص لأنه لم يقل فقط المتقين وإنما المتقين الذين ينفقون (أعدت للمتقين) لما اتسع الخلق المكان يجب أن يتسع (السماء) لما خصص المتقين خصص (عرضها السموات).
أيها فيها تفضل أكثر؟ أن يدخل عموم الذين آمنوا بالله ورسله أم المتقين؟ الذين آمنوا فقال ذلك فضل الله لأن الفضل كبير جداً أدخل الجنة كل من آمن بالله ورسله فقال (ذلك فضل الله).
نلاحظ قال سابقوا وهي المسارعة وزيادة، وقال السماء وهي السماوات وزيادة وقال الذين آمنوا وهي المتقين وزيادة وزاد ذلك فضل الله.
في آل عمران خصص المتقين وقال الذين ينفقون فضيّق الدائرة وهذه لها علاقة بما قبلها لأنه في آل عمران طلب الأمر بالتقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)) فناسب (أعدت للمتقين)، قال قبلها اتقوا الله واتقوا النار فقال أعدت للمتقين. (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء) وقد نهى عن أكل الربا (لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً) ثم قال المتقين الذين ينفقون بعكس آكل الربا (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء) هذا يأخذ من الناس وهذا ينفق في السراء والضراء لما تقدم الأكل على الربا لأن الأكل هو الأخذ من الناس والذي ينفق هو يعطي الناس. المؤمنون ينفقون في الشدة حتى في السراء والضراء وآكل الربا يأخذ مال الذي وقع في الشدة، يأكل من مال من وقع في الشدة واضطر للإستدانة وهذا ينفق في شدته ورخائه.
*في القرآن نجد اتقوا الله واتقوا النار؟ فكيف نتقي الله؟
نحمي أنفسنا من الله (وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197) البقرة) يجب أن نحاذر من عقابه نبتعد عن محارمه وأصل التقوى الحذر شبهوها بالذي يمشي في أرض مشوكة يحذر يشمر ثيابه ويتحسس موقع أقدامه. والتقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك ولا يفتقدك حيث أمرك. أن نأتمر بالأوامر وننتهي عن النواهي.
الوقفة كاملة
|
| ١٨٣٠ |
(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22))
*هل هناك من رابط بين هذه الآية وما سبقها؟
قبلها تكلم عن الحياة الدنيا تكون حطاماً، هذه مصيبة وهنا وجهنا إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة في (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فهذه المصيبة التي وقعت في الأرض لما قال (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) كلها أصبحت حطاماً وقعت في النفس وفي الأرض إذن هذه مصائب وقعت في الأرض والأنفس وذكر الأموال وذكر الأنفس. فذكر أن كل مصيبة تقع في الأرض وفي الأنفس وتحل إلا هي مدونة مكتوبة قبل أن تقع وهي يسيرة على الله سبحانه وتعالى. كل ما أصابكم وما يصيبكم في المستقبل، ما أصاب من مصيبة في الأرض من كوارث وما إلى ذلك وفي الأنفس إلا مدونة مكتوبة كتبها ربنا عنده في كتاب (الكتاب هنا اللوح المحفوظ الذي كتب فيه ما كان وما سيكون إلى يوم الدين). كلها مدونة في كتاب قبل أن تقع لذا ينبغي أن نوجه أنفسنا إلى أمر آخر وهو المسابقة إلى الآخرة حيث لا مصيبة لا تقع فيها مصائب ولا يقع فيها شيء إذن هي مرتبطة بالآيتين التي قبلها. فقال لنا ما حلّت وما وقعت من مصيبة في الأرض ولا في الأنفس إلا وهي مدونة فلِمَ التأسف؟، قبل أن نخلقها، قبل أن نوجدها، من قبل أن نبرأها.
*قال (ما أصاب) هل أصاب بمعنى حل أو وقع؟
القرآن لا يستعمل مع المصيبة إلا أصاب ولم يستعمل فعلاً آخر لم يقل وقعت مصيبة أو حلّت مصيبة إنما يستعمل أصاب ومتصرفاتها ما تصرّف منها. أصاب أصلها من الإصابة والإصابة أصلها ضد الخطأ (أصاب فلان الهدف أي لم يخطئه، أصاب فلان في كلامه أي لم يخطئ) رب العالمين بين لنا أن المصائب هي مقدرة وقد أصابت موقعها المقدر لها لم تخطئه. لا تتصور أن هذه المصائب وقعت عشوائياً وإنما اصابت موقعها المقدر لها لم تخطئه فلم الأسى؟ إن يستعمل أصاب ولم تقع عشوائياً ولا تؤدي حلّت أو وقعت هذا المعنى. لكن أصابت أي أصابت موقعها المقدّر لها لم تخطئه.
*(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ) قدم المصيبة في الأرض على النفس؟
الأرض هي مقدمة من حيث الخِلقة، الأرض تسبق لأن الأرض مهيأة لمن عليها من الأشخاص والمصائب في الأرض قبل أن تقع في الأنفس، المصائب في الأرض هي تقع فيها كوارث من فيضانات وغيرها قبل أن يوجد البشر إذن المصيبة في الأرض أسبق من مصيبة الأنفس ولذلك قدمها (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ) قدم الأرض لأنها وقعت قبل الأنفس.
ما فائدة (من)؟ هذه تسمى في اللغة مِنْ الاستغراقية التي تستغرق كل ما دخلت عليه. (وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ (62) آل عمران) استغرقت جميع الآلهة. (أن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ (19) المائدة) تستغرق كل ما دخلت عليه. لما تقول ما جاءني رجل فيها احتمالين أنه ما جاءك رجل وإنما رجلين أو أكثر وما جاءني رجل أي واحد من هذا الجنس أما ما جاءني من رجل تستغرق الجنس بكامله لم يأتك لا واحد ولا أكثر من هذا الجنس. ما أصاب من مصيبة أي أي مصيبة كبيرة أو صغيرة لم يشذ عنها مصيبة واحدة فيما يحدث في كل الدنيا لا يمكن أن تقع مصيبة إلا وهي مدونة في كتاب وخارج الكتاب لا تقع وهذا على سعة علم الله وإحاطته بالأشياء صغيرة أو كبيرة حيثما وقعت هي مدونة مكتوبة في كتاب من قبل أن تقع.
*في الحديد قال (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ) وفي الشورى (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (30))؟
(أصاب) مطلق لم يقيدها بمصاب معين، (ما أصاب) لا قيّدها في مكان ولا في شخص، بينما (ما أصابكم) هناك مخاطبين لا تتعلق بالأرض فهي للمخاطبين تحديداً لأنه قال (فبما كسبت أيديكم) لما قال فبما كسبت أيديكم خصصها فذكر المصائب التي تصيبنا بما كسبت أيدينا, لما قال ما أصابكم عندما خصص قال بما كسبتم أيديكم لما خصص خصص وفي الثانية أطلق فقال أصاب لم يقل بما كسبت أيديكم (ما أصاب) وعندنا في آية أخرى في التغابن (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (11)). (ما أصابكم) خاصة و(ما أصاب) عامة مطلقة.
*في الحديد (مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) لماذا لم يقل من قبل أن تقع؟
في الآية يدل على العلم والقدرة لما قال (إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) دل عل علمه وقدرته . نبرأها يعني نوجدها وهي أحد معاني الخلق. الخلق له معاني وقد ينسب إلى الإنسان تقول خلقت هذا الشيء كما قال عيسى (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ (49) آل عمران) يأتي بمعنى التصوير. بمعنى من المعاني الخلق يعني الإيجاد. قال نبرأها بدل نوجدها. الله تعالى يستعمل إسم البارئ بمعنى الخالق. لم يقل من قبل أن تقع لأن هذه الآية تدل على العلم والقدرة: االعلم أنه في كتاب و (من قبل أن نبرأها) أي هو الذي أوجدها إذن دل على علمه وقدرته ولو قال من قبل أن تقع دل على علمه فقط ولا يدل على القدرة. نبرأها هو الذي أوجدها فيها علم وقدرة، علِم بها فدوّنها وأوجدها فيها قدرة. لو قال من قبل أن تقع لا تدل على القدرة وإنما على العلم فقط. لما قال من قبل أن نبرأها دل على العلم والقدرة وتدل على التوحيد إذا كان يبرأها كلها فأين الآلهة الأخرى التي يزعمون؟ يدل على القضاء والقدر لأنها مدونة في كتاب ويدل على التوحيد ونفي الشرك.
ضمير النصب في نبرأها على من يعود؟ المصيبة أو الأنفس أو الأرض؟ يعود على جميعها قبل خلق الأنفس والأرض والمصيبة وهذا علم عظيم، عندما قال من قبل أن نبرأها أطلقها. لا يمكن أن يقول نبرأهم لأنها للذكور للعقلاء ولا نبرأهنّ تعني ثلاثة، لكن نبرأها أكثر لأن ضمير غير العاقل لو عندنا ضمير غير عاقل في الجمع الجمع القليل نأتي بضمير الجمع وللقليل نأتي بالإفراد. مثال (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (36) التوبة) قال منها لم يقل منهن (فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) لما قال أربعة قال فيهن بضمير الجمع ولما قال اثنا عشر قال منها وجاء بالإفراد. إذا كان الضمير لغير العاقل إذا كان كثيراً نأتي بضمير الإفراد وإذا كان قليلاً أي أقل من عشرة نأتي بضمير الجمع. العرب لما يؤرّخون يقولون: لثلاث خلون، لأربع خلون، لإحدى عشرة ليلة خلت، لما يتجاوز العشرة يقولون خلت.
ضمير الفاعل للتعظيم (النون في نبرأها جمع التعظيم) جاء بعدها بالمفرد (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) ما قال علينا وهذا تعبير في القرآن حيث يذكر ضمير التعظيم في جميع القرآن يأتي بعده أو يسبقه ما يدل على الإفراد. ليس في القرآن موطن فيه ضمير التعظيم إلا أن يكون قبله أو بعده ما يدل على الإفراد. (إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر) هذا في جميع القرآن حيث ذكر ضمير التعظيم لا بد أن يسبقه أو أن يأتي بعده ما يدل على الإفراد.
*( إن ذلك على الله يسير )ما فائدة التقديم؟
هذه للحصر أي على الله يسير حصراً لو قال يسير على الله قد يكون يسيراً على غيره لما تقول هذا هيّن عليّ هذا ليس حصراً هين عليّ قد يكون هين على غيرك. (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ (9) مريم) أي حصراً وفائدة التقديم الحصر لا يكون يسيراً على غيره.
الوقفة كاملة
|