التدبر

١٦١ سورة الحج من أعاجيب السور، ففيها المكي والمدني، والسفري والحضري، والليلي والنهاري، والتوحيد، والمواعظ والآداب. الوقفة كاملة
١٦٢ (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ ) التمسك بالتقليد الأعمى يمنع من الوصول للحق الوقفة كاملة
١٦٣ ﴿ وإنه لكتاب "عزيز" ﴾ فأعطه أعز أوقاتك! يقول الشيخ د. عبدالكريم الخضير: وأعرف بعض مشايخي يقف في طريق سفره ليقرأ ورده القرآني.. الوقفة كاملة
١٦٤ ﴿ وإنه لكتاب "عزيز" ﴾فأعطه أعز أوقاتك! يقول الشيخ د. عبدالكريم بعض مشايخي يقف في طريق سفره ليقرأ ورده القرآني. الوقفة كاملة
١٦٥ { والصبح إذا أسفر } لاسَرمديّة للألم، ظلمةٌ فضياء.. إذا اشتدت ظلمة همومك، فثق بربك وتيقن ان هناك صبحٌ سيبددها .. صباح الظن الحسن بالله . الوقفة كاملة
١٦٦ الخوف من الفقر لا يمنعان المؤمن من امتثال أمر ربّه؛ فإن الله تعالى بشر من امتثل أمره بالغنى. ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ ﴾ الوقفة كاملة
١٦٧ اي خوف وقلق يبقي في قلبك ؟! اذا كتب الله لك الخير فلن يمنعه احد الوقفة كاملة
١٦٨ يشرع اظهار التوبة عند سؤال الله الحاجات فربما كان للانسان ذنب يمنع الاجابة الوقفة كاملة
١٦٩ "قوله تعالى : "واسجد واقترب" لست بحاجة للسفر لتقترب إليه ولا يشترط أن يكون صوتك عذباً فقط اسجد تكُن بين يديه ثم اسأله ما تشاء." الوقفة كاملة
١٧٠ (قاصرات الطرف!) من أجمل ما يميز المرأة العفيفة (الحياء) الذي من شدته يمنعها من تقليب طرفها الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

١٦١ قوله تعالى: (وَإِنْ كنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجدُوا كاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَة. .) . فإن قلتَ: كيف شرط السفر في الارتهان مع أنه ليس بشرطٍ فيه؟ قلتُ: لم يذكره لتخصيص الحكم به، بل لكونه مظنة عوز الكاتب، والشاهد، الموثوق بهما. الوقفة كاملة
١٦٢ قوله تعالى: (وَمَا كانَ عَطَاءُ رَبِّك مَحْظُوراً) أي ممنوعاً. إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنَّا نشاهد الواحدَ، لا يقدر على دانقٍ، وآخرُ معه الألوف؟! قلتُ: المراد بالعطاء هنا الرِّزقُ، واللهُ سوَّى في ضمانه بين المطيع والعاصي من العباد، فلا تفاوت بينهم في أصل الرزق، وإنما التفاوتُ بينهم في مقادير الأملاكِ، وإنما لم يمنع الكفَّارَ الرّزقَ، كما منعهم الهدايةَ، لأنَّ في منعهِ له هلاكَهم، وقيامَ الحجة لهم، بأن يقولوا: لو أمهلتنا ورزقتنا، لبقينا أحياءَ فآمنَّا. ولأنم لو منعهم الرزق لكان قد عاجَلهم بالعقوبة، ولكان ذلك من صفاتِ البخلاء، واللَّهُ منزَّه عن ذلك، لأنه حليمٌ كريمٌ. ولأن إعطاء الرزق لجميع العبادِ عدلٌ، وعدلُ اللهِ عامٌّ، وهِبةُ الهدايةِ فضلٌ، والفضلُ بيدِ اللَّهِ يؤتيه من يشاء. الوقفة كاملة
١٦٣ قوله تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّموَاتُ السَّبْعُ وَالأَرضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) الآية. ضمير " فيهنَّ " عائد إلى السمواتِ والأرض، والتسبيحُ - وهو التنزيهُ - شاملٌ التسبيح بلسان المقال، كما في المؤمنين، وبلسان الحال كما في سائر الموجودات، إذْ كلّ موجود يدلُّ على قدرته تعالى، وفي ذلك جمعٌ بين الحقيقة والمجاز، وهو جائزٌ عند الشافعي رضي الله عنه. فإن قلتَ: يمنع من شموله للثاني قوله (ولكنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) لأنه مفقوهٌ لنا؟ قلتُ: الخطاب فيه للكفَّار، وهم لمِ يفقهوا تسبيحَ الموجودات، لأنهم أثبتوا للُّه شركاً، وزوجاَ، وولداً، بل هم غافلون عن أكثر دلائل التوحيد، والنبوّة، والمعاد. الوقفة كاملة
١٦٤ قوله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذَّب بها الأولون. .) ، أي وما منعنا أن نرسل رسولًا، بالآيات التي اقترحها أهل مكة على النبيء - صلى الله عليه وسلم -، كجعل الصفا ذهباً، وإزالةِ جبالِ مكة ليزرعوا، إلا تكذيب الأولين بها أي بآياتٍ اقترحوها على رسلهم لمَّا أرسلناها فأهلكناهم، ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذَّبوا بها واستحقوا الِإهلاك، وقد حكمنا بإمهالهم ليتم أمرُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّا لا نعجل بالعقوبة. فإن قلتَ: كيف قال " وَمَا مَنَعَنَا " الخ مع أنه تعالى لا يمنعه عن إرادته مانعٌ؟ قلتُ: المنعُ هنا مجازٌ عن الترك، كأنه قال: وما كان سببُ تركِ الإِرسال بالآيات، إلَّا تكذيب الأولين. الوقفة كاملة
١٦٥ قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكرِ إِنْ كنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) . أمرَ مشركي مكة بأن يسألوا " أهل الذِّكر " أي أهل الكتاب، عمَّن مضى من الرسل، هل كانوا بشراً أم ملائكة. فإن قلتَ: كيف أمرهم بذلك، مع أنهم قالوا " لن نُؤْمِنَ بهذَا القرآنِ ولا بالذي بينَ يديْهِ "؟ قلتُ: لا مانع من ذلك، إذِ الِإخبار بعدم الِإتيان بشيءٍ، لا يمنع أمره بالِإتيان به، ولو سُلِّم فهم وإن لم يؤمنوا بكتاب أهل الكتاب، لكنِ النَّقلُ المتواترُ من أهل الكتابِ في أمرٍ، يُفيد العلم لمن يؤمن بكتابهم، ولمن لا يؤمنُ به. الوقفة كاملة
١٦٦ • ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾ [الرعد :٢٦] مع ﴿ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ﴾ [القصص :٨٢] و ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾ [العنكبوت :٦٢] و ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾ [سبأ :٣٩] و ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾ [الشورى :١٢] • ما وجه زيادة قوله : ﴿ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ بموضع القصص في قوله : ﴿ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ﴾، وقوله : ﴿ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾ بموضع العنكبوت وسبأ، وحذفه من قوله : ﴿ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾ بمواضع أخرى ؟ • قال الغرناطي : " قبل موضع العنكبوت، أخبر سبحانه أنه المنفرد برزق الكل كما انفرد بخلقهم : ﴿ وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [العنكبوت :٦٠]؛ فناسب هذا قوله تعالى : ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾، فخص بعد أن عم، بقوله : ﴿ اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ﴾ تشريفاً للمؤمنين؛ ليستأنسوا بما يجري لهم من الضربين، ويذكروه في حال القبض والبسط بالإضافة إضافة تشريف، ولما لم يتقدم في السور الأخرى مثل ما تقدم هنا، بل فيها ما يفهم منه أن المؤمنين لم يقصد تخصيصهم بذلك الخطاب بوجه، ألا ترى قوله في آية الرعد : ﴿ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾، وليس هذا من شأن المؤمن، فإن الدنيا سجنه، وإنما فرحه بربه، وبما يرجوه منه في آخرته. وأما آية القصص : فمنصوص فيها أن الذين تمنوا حال قارون ومكانه هم القائلون : ﴿ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ﴾، فإنما قالوه عالمين بأن الله سبحانه بسط لقارون ما بسط، فعلموا أنه القابض والباسط، وأنه لا يمنع عن أحد ما بسط له. وأما آية الشورى : فقد تقدمها ما هو أبين ﴿ شَيْءٍ ﴾ في تعميم المؤمن والكافر، وذلك قوله تعالى : ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، فإذا كانت له مقاليد السماوات والأرض؛ فمن أين يُرزق المؤمن والكافر ؟ ليس إلا من عنده، فلم يقصد في هذه الآية تخصيص المؤمن وتشريفه، كما قصد في تلك، فلما اختلف القصد، اختلف الوارد؛ فجاءت كل آية على ما يجب، ولا يمكن خلافه، والله أعلم ". الوقفة كاملة
١٦٧ • ﴿ قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٨٥﴾ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٨٦﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٨٧﴾ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٨﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ [المؤمنون : ٨٤ - ٨٩] • ما وجه تعقيب الموضع الأول، بقوله :( أَفَلَا تَذَكَّرُونَ )، والثاني، بقوله : ( أَفَلَا تَتَّقُونَ )، والثالث، بقوله : ( فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) ؟ • قال الإسكافي : " إنّ هذه الآي : جاءت بعدما أخبر الله تعالى عن الكفار من إنكار البعث، فأمر نبيّه (ﷺ) بأن يسألهم لمِن الأرض ومن فيها ؟ أي : مَن يملكها، ويملك الناس الذين فيها ؟ فإنهم يقرّون أن جميع ذلك لخالقها، وهو الله تعالى، فإذا أقرّوا بذلك؛ فقل لهم :( أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ). وأما قوله : ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ فإنّما معناه : من الذي به قوام السموات السبع، والعرش العظيم، ولا يستغنى عنه، وهذه الأشياء من أكبر ما يرى من خلق الله تعالى، وما ثبت بالصدق من الخبر عندنا، فمن يملك هذه الأشياء من السموات السبع، والأرض، والعرش العظيم، وأقررتم له بذلك، فلِم لا تجتنبون معصيته، ولا تتقون عقوبته؛ إذ كانت هذه الأجرام العظيمة لا تستغني عنه ساعة، فأنتم أحوج إلى أن يرُبَّكم، وأن تقوموا بحقّ ربانيته لكم، فتمتنعوا بطاعته من موجب عقابه، فهذه لائقة بمكانها، حالّة في موضعها. وأما الثالثة، وهي : ( فَأَنَّى تُسْحَرُونَ )؛ فإنها جاءت بعد تقرير ثالث، وهو : ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ أي : مَن الذي مُلكه على الأشياء أتمّ ملك، فهو يَمنع ولا يُمنع منه، أي : يمنع من المكروه مَن شاء، ولا يملك أحد منع من أراده بسوءٍ، وهذا أعظم ملك وأبلغه، فإذا أقرّوا بذلك؛ فقل لهم : كيف تخدعون عن عقولكم حتى تتخذوا الأوثان والأصنام آلهة، وهي لا تسمع ولا تبصر مع القادر العليم الذي قد أقررتم له بأتمّ الملك، وبكلّ الخلق الذي يشهدكم، والذي يغيب عنكم ". الوقفة كاملة
١٦٨ ما دلالة التعبير بالبيت العتيق كناية عن المسجد الحرام؟ * البيت هو: المسجد الحرام ؛ وذكره مجرد إشعاربشرفه، ولأنه معرف من غير تعريف، وفي وصف البيت عدة وجوه : 1. وصف بالعتيق من العتق ومعناه : القديم، فهو أول بيت وضع للناس؛ كما قال تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي يبكة مباركا وهدى للعالمين (سورة آل عمران) ٢. العتيق : أي المحررغير المملوك للناس، شبه بالعبد العتيق في أنه لا ملك لأحد عليه، وفيه تعريض المشركين إذ كـانـوا يمنعون مـنـه من يشاءون حتى جعلوا بـابه مرتفعا بدون درج لئلا يدخله إلا من شاءوا . 3. لأن الله تعالى يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب ؛ إذ بزيارته والطواف به يحصل الإعتاق. الجامع لأحكام القرآن ، التحرير والتنوير الوقفة كاملة
١٦٩ ما دلالة التعبير بالبيت العتيق كناية عن المسجد الحرام؟ * البيت هو: المسجد الحرام ؛ وذكره مجرد إشعاربشرفه، ولأنه معرف من غيرتعريف، وفي وصف البيت عدة وجوه : 1. وصف بالعتيق من العتق ومعناه : القديم، فهو أول بيت وضع للناس؛ كما قال تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي يبكة مباركا وهدى للعالمين * * (سورة آل عمران) ٢. العتيق : أي المحررغير المملوك للناس، شبه بالعبد العتيق في أنه لا ملك لأحد عليه، وفيه تعريض المشركين إذ كـانـوا يمنعون مـنـه من يشاءون حتى جعلوا بـابه مرتفعا بدون درج لئلا يدخله إلا من شاءوا . 3. لأن الله تعالى يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب ؛ إذ بزيارته والطواف به يحصل الإعتاق. (الجامع لأحكام القرآن ( ۳۸۳/۱٤ )، التحرير والتنوير ٢٥٠/١٧) الوقفة كاملة
١٧٠ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} أعوذ: ألوذ وألتجئ وأعتصم. أمر ربنا سيدنا محمدًا أن يقول ذلك فقال له: قل أعوذ. وقد تقول: ولماذا أمره بقول ذلك ولم يقل: (أعوذ) من دون (قل)؟ إن الله يريد من الإنسان أن يعلن صراحة عن ضعفه وحاجته إلى ربه ليعينه ويخلصه مما يحذر، وألًا يكتفي بشعوره بالحاجة إلى ذلك، مطلوب منه أن يعلن التجاءه إلى ربه واعتصامه به، وأنه يلوذ به لأنه أضعف من أن يرد ما يحذره ويخشاه؛ لأن ما يخشاه كثير وقوي، ظاهر وخفي، وقد ينال منه متى يشاء إن لم يلتجئ إلى ربه الذي يعينه ويأخذ بيده ويدفع عنه الشر. وهذا الإعلان عن حاجته إلى ربه ضروري من نواح عدة، منها: أن فيه قتلًا للكبر والعجب والغرور الكاذب والشعور بالاستغناء، وهذا سبب الطغيان، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] فإن قسمًا من الناس يمنعهم الكبر والغرور من طلب الإعانة وهو أحوج شيء إليها. ثم إن هذا الإعلان من أسباب الطاعة وعدم المعصية، فإن الذي يلتجئ إلى شخص ما يطيعه في العادة ولا يعصيه، فإن الإنسان مطيع لمن يستنجد به ويستنصر به ولا يخرج عليه. ثم إن هذه الاستعاذة مما يلين القلوب ويجعلها خاشعة لله رب العالمين، خصوصًا إذا صحب هذه الاستعاذة شعور بشدة الحاجة إلى غياث المستغيثين يأوي إلى ركنه الشديد. وقد علمنا ربنا أن نستعيذ به من عموم الشرور وخفيها وظاهرها فقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200- فصلت: 36]. وعلمنا نبينا أن نستعيذ بربنا من عموم ما نخاف ونحذر، ومن شر ما نعلم ما لا نعلم، فقد كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ويعلمنا أن نقول إذا خشينا أمرًا: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وكان سيتعيذ بالله منه، وبرضاه من غضبه، وبمعافاته من عقوبته، وكان يعوذ الأطفال بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامّة. فالاستعاذة بالله مسنونة تفصح عن الالتجاء إلى الله والاعتصام به. والإفصاح عن الاستعاذة بالقول في اللسان نظير الإفصاح بالذكر والتسبيح والتحميد، كلاهما مطلوب مأمور به لا نكتفي من ذلك بما نشعر به في القلوب ونحس به في الوجدان، بل لا بد من مواطأة اللسان للقلب، وذلك أعلى الذكر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 - 42]، وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} [الأعراف: 205]. وقال  مخبرًا عن ربه أنه قال: (أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه) فذكر ربنا والالتجاء إليه والاعتصام به مطلوب على كل حال. وقد تقول: ولم قال ههنا: (أعوذ) ولم يقل: (إني أعوذ) كما قال في مواطن أخرى؟ فقد قال في سورة (غافر) غلى لسان سيدنا موسى: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]، وقال في سورة الدخان على لسنا سيدنا موسى أيضًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20]، وقال على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 47]، وقال على لسان مريم: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] وقال على لسان امرأة عمران: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. كل ذلك على التأكيد بـ (إن). في حين قال: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، وقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وكذلك ما ورد في المعوذتين فإنه لم يؤكد ذلك بـ (إن). وعلة ذلك - والله أعلم – أن الاستعاذة تكون على قدر ما يحذره المستعيذ ويخافه، فإذا كان المحذور شديدًا والمخوف متمكنًا متسلطاً، وكان يتهدده هو على الخصوص، أكد الاستعاذة فقال: (إني أعوذ) وإلا قال: (أعوذ). ففي آية غافر مثلًا أكد الاستعاذة بـ (إن)؛ لأن فرعون هدد سيدنا موسى بالقتل، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]. وكذلك في سورة الدخان، فإنه هددوه بالرجم فاستعاذ من ذلك قائلًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [الدخان: 20 - 21]، أي إن لم تصدقوا بي فاتركوني، فكان الأمر يتهدده هو على الخصوص، وكان المخوف متمكنًا متسلطاً عاتيًا، فلجأ إلى ربه لجوء المستضعفين فقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} مؤكدًا ذلك بـ (إن). وكذلك ما ورد على لسان مريم عليها السلام، فقد احتجت عن قومها لتغتسل وإذا ببشر سوي أمامها، وقد ظنت ما يظن النساء في مثل هذا الموقف، وخشيت على نفسها من أن يعتدي عليها، فلاذت بربها، وعاذت أشد ما تكون الاستعاذة فقالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} فأكدت ذلك بـ (إن). ثم انظر كيف أنها استعاذت بالرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى، ذلك أنها طلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها من مثل هذا الاعتداء عليها الذي يحمل الفضيحة. وفيها أيضًا استثارة لعاطفة الرحمة في قلب هذا الشخص الواقف أمامها ليرحمها ويتركها وشأنها، فكان أنسب شيء أن تستعيذ بالرحمن. هذا إضافة إلى أن جو السورة تشيع فيه الرحمة من أولها إلى آخرها (1)، فقد بدأت بقوله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: 2]، وكان في أواخرها قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]. وأما قوله على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} فإنه قاله تعقيبًا على قوله تعالى له: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] فلما وعظه بـ {إِنِّي أَعِظُكَ} استعاذ به قوله: {إِنِّي أَعُوذُ بِكَ} فهي استعاذة مؤكدة بمقابل الوعظ المؤكد. هذا علاوة على أن الأمر كان يعني سيدنا نوحًا على وجه الخصوص، فإن الابن الذي غرق ابنه وهو أبوه. وأما ما ورد على لسان امرأة عمران وهو قوله: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فالأمر يحتاج إلى توكيد الاستعاذة، فإنها نذرت أن يكون ما في بطنها خالصًا لله خادمًا للكنيسة (2). راجية أن يكون ما في بطنها ذكرًا فوضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، فإنه من الصعوبة ومن غير المألوف أن تقوم أنثى بما يقوم به الرجال من الخدمة في دور العبادة والقيام بأمرها، فقد تكون فيها وحيدة والرجال يغشونها، فخشيت عليها أمها ما تخشاه الأمهات على بناتهن من وساوس الشيطان، وبقائها وحدها في مكان يغشاه الرجال، وقد يكوم خاليًا أحيانًا، فاستعاذت لها استعاذة مؤكدة فقالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ثم انظر إلى إلحاقها الذرية بالاستعاذة في هذا المقام، فإنها إلماح إلى ما يخشى عليها منه، وهذا من أخطر مواطن الخشية على النساء، وقد قال : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن التوكيد بـ (إن) يشيع في هذا السياق، قال تعالى على لسانها: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ... إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ... وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أما ما لكم يكن على هذا النحو من مواطن الخوف والحذر وليس بهذه الدرجة من التهديد فلا يؤكد بإن، وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، فليس ذلك موطن تهديد ولا تخويف فلم يؤكد بإن. وأنت تحس الفرق بين هذا الموطن وقوله: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أو المواطن الأخرى. ومثل ذلك قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} . وكذلك ما ورد في المعوذتين فلا يحتاج ذلك إلى توكيد. ثم إن ذلك لا يتهدده هو على وجه الخصوص. ونظير هذا في التوكيد وعدمه قوله تعالى: {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بالتوكيد بـ (إن)، وقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} من دون توكيد. فقد ورد على لسان آدم قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] من دون توكيد بـ (إن)، وورد على لسان موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]، وورد مثل ذلك على لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] بالتأكيد بـ (إن) وذلك على مقدار ظلم النفس. فإن موسى قال ذلك بعد قتل القبطي حين وكزة فقضى عليه، والقتل معصية كبيرة، وهي أكبر من معصية آدم، وهي متعلقة بحق العباد فأكد الظلم بإن فقال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} وأما ظلم ملكة سبأ لنفسها فهو أكبر من ذلك كله، فإنها كانت تعبد الشمس، قال تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24] فأكدت الظلم بإن وتابت عن ذلك بالدخول في الإسلام قائلة: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ ولم تقل (فاغفر لي) كما قال موسى؛ لأنه ليس مع الشرك مغفرة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، ولا سبيل لها إلا الدخول في الإسلام، والإسلام يجب ما قبله. أما موسى فإنه طلب المغفرة؛ لأن هذه معصية تمحى بالتوبة والاستغفار، لأنه ليس من القتل العمد، فإنه لم يكن قاصدًا لقتله، وهذا ما يتدارك بالتوبة والاستغفار. فاتضح أت التأكيد بإن على قدر المعصية، كما كان التأكد بها على قدر ما تقتضيه الاستعاذة. (الفلق): هو الفجر، وقيل: هو الصبح، وقيل: هو الخلق كله. وحقيقة الفلق: الشق. وهو أصل معاني هذه اللفظة، وكل معانيها الأخرى تعود إلية. جاء في (لسان العرب): "الفلق: الشق ... والفلق: الخلق. وفي التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}، وقال بعضهم: وفالق في معنى (خالق). وكذلك فلق الأرض بالنبات والسحاب بالمطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انفلاق، فالفلق جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. وانفلق المكان به: انشق ... وفلق الله الفجر: أبداه وأوضحه، وقوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} قال الزجاج: جائز أن يكون معناه: خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: شاق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق. والفلق، بالتحريك: ما انفلق من عمود الصبح، وقيل: هو الصبح بعينه، وقيل: هو الفجر، وكل راجع إلى معنى الشق ... ويقال: الفلق: الخلق كله، والفلق: بيان الحق بعد إشكال ... وفي الحديث: أنه كان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح، هو بالتحريك: ضوؤه وإنارته" (3). وجاء في (الكشاف) :"الفلق والفرق: الصبح؛ لأن الليل يفلق عنه ويفرق، فعل بمعنى مفعول، يقال في المثل: (هو أبين من فلق الصبح) ... وقيل هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك" (4). وجاء في (التفسير القيم): "واعلم أن الخلق كله فلق ... والله عز وجل فالق الإصباح، وفالق الحب والنوى، وفالق الأرض عن النبات ... ويسمى الصبح المنصدع عن الظلمة: فلقًا وفرقًا ... ومنه فلقه البحر لموسى، وسماه فلقًا" (5). ومن ذلك يتبين أن أشهر معاني الفلق: 1- الصبح، وهو أشهر معنى له، وخص به عرفًا (6). 2- جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. 3- بيان الحق بعد إشكال. 4- الفلق: هو كل ما فُلِق، أي شق، فهو اسم مفعول كالقصص والهمل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام:95]، و{فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]، وهو أصل المعاني الأخرى. وتخصيص الفلق بالذكر له أسباب ودواع منها: إن الفلق - وهو الصبح - مشعر بتبدد ظلمة الليل وزوال همومه ومخاوفه، ومشعر بمجيء الفرج. ولذا نسمع الشكوى من الليل وترقب المهموم للصبح، فإن المريض والمهموم والخائف يستطيل الليل ويتمنى ذهابه ومجيء الصبح، قال الشاعر: وصدر أرح الليل عازب همه تداعى عليه الهم من كل جانب وقال الآخر: وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه دف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل وقال الآخر: أزيد في الليل ليل أم سال بالصبح سيل فذكر الفلق ههنا أنسب شيء، خصوصًا وأنه ذكر الغاسق إذا وقب بعده. وقيل: إنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور، والنوم أخو الموت، والصبح كالبعث والنشور، وقيل غير ذلك. جاء في (تفسير البيضاوي): "وتحصيصه (يعني الفلق) لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه" (7). وجاء في (التفسير القيم): "الفلق: هو الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل، فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها" (8). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي أن تخصيص الفلق في التعوذ لوجوه منها: "الأول أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضًا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه. الثاني: أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج. فكما أن الإنسان في الليل يكون منظر لطلوع الصبح، كذلك الخائف يكون مترقبًا لطلوع صباح النجاة. الثالث: أن الصبح كالبشرى، فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر ... السادس: يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور" (9). واختار لفظ (الفلق) على الصبح لأكثر من سبب، ذلك أن لفظ الفلق مشعر بالتغير والحركة؛ لأن معناه انشقاق ضوء الصبح عن ظلمة الليل، وأن الانفلاق والفلق يدل على التغير والحركة، ومنه {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} بخلاف كلمة (الصبح) فإنها لا تفيد ذاك، وإنما تفيد تعيين الوقت، فتشعر كلمة الفلق بتغير الأحوال، وتبدل نور الصبح بظلمة الليل، وزوال الهموم، والسعة بعد الضيق، ولا تفيد كلمة الصبح هذا التغير والتبدل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن لفظة (الفلق) أعم من لفظ الصبح، وأن لها أكثر من معنى، ويمكن أن تكون معانيه مرادة كلها، فلفظ (الفلق) يفيد توسعًا في المعنى، بخلاف كلمة الصبح، فاختيار لفظ (الفلق) أولى. واختيار لفظ (رب) وإضافته إلى الفلق أنسب شيء ههنا، فالرب معناه المالك والمربي والسيد والقيم والمعلم والمرشد، فالاستعاذة برب المخلوقات ومالكها والقائم على أمرها من شرور ما يصدر عنها أنسب شيء في إعاذة المستعيذ به، فهو وحده القادر على كفها وكف شرورها، فإنه يأمرها فتطيع أمره. ثم إن المربي يحفظ من هو في رعايته ويرعاه ويدفع عنه السوء ويحميه من الشرور، والمربي من معاني (الرب). فاختيار لفظ (الرب) مناسب من جهتين: من جهة المستعاذ به، فإنه مربيه والقائم على حفظه ورعايته، ولذا كثر لفظ (الرب) مع الاستعاذة لما فيه من معنى التربية والحفظ والقيام بالأمر. قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنين: 97 - 98]، وقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] وقال: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]. جاء في (تفسير البيضاوي) "ولفظ (الرب) ههنا أوقع من سائر أسمائه؛ لأن الإعادة من المضار تربية" (10). وذكر غير لفظ (الرب) مع الاستعاذة له أسبابه ودواعيه، فإن ذلك بحسب ما يقتضيه المقام والسياق، كما ذكرنا في استعاذة مريم عليها السلام، فالاستعاذة برب المخلوقات من شرورها أنسب من اختيار أي لفظ أو اسم آخر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 29 إلى ص 40. (1) انظر التعبير القرآني 294 – 296. (2) انظر فتح القدير 1/303. (3) لسان العرب (فلق) 12/184. (4) الكشاف 3/368. (5) التفسير القيم 562. (6) انظر روح المعاني 30/279. (7) تفسير البيضاوي 814. (8) التفسير القيم 561. (9) التفسير الكبير 32/191 – 192، وانظر روح المعاني 30/279 – 280. (10) أنوار التنزيل 814. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} أعوذ: ألوذ وألتجئ وأعتصم. أمر ربنا سيدنا محمدًا أن يقول ذلك فقال له: قل أعوذ. وقد تقول: ولماذا أمره بقول ذلك ولم يقل: (أعوذ) من دون (قل)؟ إن الله يريد من الإنسان أن يعلن صراحة عن ضعفه وحاجته إلى ربه ليعينه ويخلصه مما يحذر، وألًا يكتفي بشعوره بالحاجة إلى ذلك، مطلوب منه أن يعلن التجاءه إلى ربه واعتصامه به، وأنه يلوذ به لأنه أضعف من أن يرد ما يحذره ويخشاه؛ لأن ما يخشاه كثير وقوي، ظاهر وخفي، وقد ينال منه متى يشاء إن لم يلتجئ إلى ربه الذي يعينه ويأخذ بيده ويدفع عنه الشر. وهذا الإعلان عن حاجته إلى ربه ضروري من نواح عدة، منها: أن فيه قتلًا للكبر والعجب والغرور الكاذب والشعور بالاستغناء، وهذا سبب الطغيان، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] فإن قسمًا من الناس يمنعهم الكبر والغرور من طلب الإعانة وهو أحوج شيء إليها. ثم إن هذا الإعلان من أسباب الطاعة وعدم المعصية، فإن الذي يلتجئ إلى شخص ما يطيعه في العادة ولا يعصيه، فإن الإنسان مطيع لمن يستنجد به ويستنصر به ولا يخرج عليه. ثم إن هذه الاستعاذة مما يلين القلوب ويجعلها خاشعة لله رب العالمين، خصوصًا إذا صحب هذه الاستعاذة شعور بشدة الحاجة إلى غياث المستغيثين يأوي إلى ركنه الشديد. وقد علمنا ربنا أن نستعيذ به من عموم الشرور وخفيها وظاهرها فقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200- فصلت: 36]. وعلمنا نبينا أن نستعيذ بربنا من عموم ما نخاف ونحذر، ومن شر ما نعلم ما لا نعلم، فقد كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ويعلمنا أن نقول إذا خشينا أمرًا: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) وكان سيتعيذ بالله منه، وبرضاه من غضبه، وبمعافاته من عقوبته، وكان يعوذ الأطفال بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامّة. فالاستعاذة بالله مسنونة تفصح عن الالتجاء إلى الله والاعتصام به. والإفصاح عن الاستعاذة بالقول في اللسان نظير الإفصاح بالذكر والتسبيح والتحميد، كلاهما مطلوب مأمور به لا نكتفي من ذلك بما نشعر به في القلوب ونحس به في الوجدان، بل لا بد من مواطأة اللسان للقلب، وذلك أعلى الذكر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 - 42]، وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} [الأعراف: 205]. وقال  مخبرًا عن ربه أنه قال: (أنا مع عبدي حيثما ذكرني وتحركت بي شفتاه) فذكر ربنا والالتجاء إليه والاعتصام به مطلوب على كل حال. وقد تقول: ولم قال ههنا: (أعوذ) ولم يقل: (إني أعوذ) كما قال في مواطن أخرى؟ فقد قال في سورة (غافر) غلى لسان سيدنا موسى: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]، وقال في سورة الدخان على لسنا سيدنا موسى أيضًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20]، وقال على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 47]، وقال على لسان مريم: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] وقال على لسان امرأة عمران: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. كل ذلك على التأكيد بـ (إن). في حين قال: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، وقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. وكذلك ما ورد في المعوذتين فإنه لم يؤكد ذلك بـ (إن). وعلة ذلك - والله أعلم – أن الاستعاذة تكون على قدر ما يحذره المستعيذ ويخافه، فإذا كان المحذور شديدًا والمخوف متمكنًا متسلطاً، وكان يتهدده هو على الخصوص، أكد الاستعاذة فقال: (إني أعوذ) وإلا قال: (أعوذ). ففي آية غافر مثلًا أكد الاستعاذة بـ (إن)؛ لأن فرعون هدد سيدنا موسى بالقتل، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]. وكذلك في سورة الدخان، فإنه هددوه بالرجم فاستعاذ من ذلك قائلًا: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [الدخان: 20 - 21]، أي إن لم تصدقوا بي فاتركوني، فكان الأمر يتهدده هو على الخصوص، وكان المخوف متمكنًا متسلطاً عاتيًا، فلجأ إلى ربه لجوء المستضعفين فقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} مؤكدًا ذلك بـ (إن). وكذلك ما ورد على لسان مريم عليها السلام، فقد احتجت عن قومها لتغتسل وإذا ببشر سوي أمامها، وقد ظنت ما يظن النساء في مثل هذا الموقف، وخشيت على نفسها من أن يعتدي عليها، فلاذت بربها، وعاذت أشد ما تكون الاستعاذة فقالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} فأكدت ذلك بـ (إن). ثم انظر كيف أنها استعاذت بالرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى، ذلك أنها طلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها من مثل هذا الاعتداء عليها الذي يحمل الفضيحة. وفيها أيضًا استثارة لعاطفة الرحمة في قلب هذا الشخص الواقف أمامها ليرحمها ويتركها وشأنها، فكان أنسب شيء أن تستعيذ بالرحمن. هذا إضافة إلى أن جو السورة تشيع فيه الرحمة من أولها إلى آخرها (1)، فقد بدأت بقوله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: 2]، وكان في أواخرها قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]. وأما قوله على لسان سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} فإنه قاله تعقيبًا على قوله تعالى له: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] فلما وعظه بـ {إِنِّي أَعِظُكَ} استعاذ به قوله: {إِنِّي أَعُوذُ بِكَ} فهي استعاذة مؤكدة بمقابل الوعظ المؤكد. هذا علاوة على أن الأمر كان يعني سيدنا نوحًا على وجه الخصوص، فإن الابن الذي غرق ابنه وهو أبوه. وأما ما ورد على لسان امرأة عمران وهو قوله: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فالأمر يحتاج إلى توكيد الاستعاذة، فإنها نذرت أن يكون ما في بطنها خالصًا لله خادمًا للكنيسة (2). راجية أن يكون ما في بطنها ذكرًا فوضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، فإنه من الصعوبة ومن غير المألوف أن تقوم أنثى بما يقوم به الرجال من الخدمة في دور العبادة والقيام بأمرها، فقد تكون فيها وحيدة والرجال يغشونها، فخشيت عليها أمها ما تخشاه الأمهات على بناتهن من وساوس الشيطان، وبقائها وحدها في مكان يغشاه الرجال، وقد يكوم خاليًا أحيانًا، فاستعاذت لها استعاذة مؤكدة فقالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ثم انظر إلى إلحاقها الذرية بالاستعاذة في هذا المقام، فإنها إلماح إلى ما يخشى عليها منه، وهذا من أخطر مواطن الخشية على النساء، وقد قال : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن التوكيد بـ (إن) يشيع في هذا السياق، قال تعالى على لسانها: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ... إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ... وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أما ما لكم يكن على هذا النحو من مواطن الخوف والحذر وليس بهذه الدرجة من التهديد فلا يؤكد بإن، وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67]، فليس ذلك موطن تهديد ولا تخويف فلم يؤكد بإن. وأنت تحس الفرق بين هذا الموطن وقوله: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} أو المواطن الأخرى. ومثل ذلك قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} . وكذلك ما ورد في المعوذتين فلا يحتاج ذلك إلى توكيد. ثم إن ذلك لا يتهدده هو على وجه الخصوص. ونظير هذا في التوكيد وعدمه قوله تعالى: {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بالتوكيد بـ (إن)، وقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} من دون توكيد. فقد ورد على لسان آدم قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] من دون توكيد بـ (إن)، وورد على لسان موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]، وورد مثل ذلك على لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] بالتأكيد بـ (إن) وذلك على مقدار ظلم النفس. فإن موسى قال ذلك بعد قتل القبطي حين وكزة فقضى عليه، والقتل معصية كبيرة، وهي أكبر من معصية آدم، وهي متعلقة بحق العباد فأكد الظلم بإن فقال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} وأما ظلم ملكة سبأ لنفسها فهو أكبر من ذلك كله، فإنها كانت تعبد الشمس، قال تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24] فأكدت الظلم بإن وتابت عن ذلك بالدخول في الإسلام قائلة: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ ولم تقل (فاغفر لي) كما قال موسى؛ لأنه ليس مع الشرك مغفرة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، ولا سبيل لها إلا الدخول في الإسلام، والإسلام يجب ما قبله. أما موسى فإنه طلب المغفرة؛ لأن هذه معصية تمحى بالتوبة والاستغفار، لأنه ليس من القتل العمد، فإنه لم يكن قاصدًا لقتله، وهذا ما يتدارك بالتوبة والاستغفار. فاتضح أت التأكيد بإن على قدر المعصية، كما كان التأكد بها على قدر ما تقتضيه الاستعاذة. (الفلق): هو الفجر، وقيل: هو الصبح، وقيل: هو الخلق كله. وحقيقة الفلق: الشق. وهو أصل معاني هذه اللفظة، وكل معانيها الأخرى تعود إلية. جاء في (لسان العرب): "الفلق: الشق ... والفلق: الخلق. وفي التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}، وقال بعضهم: وفالق في معنى (خالق). وكذلك فلق الأرض بالنبات والسحاب بالمطر، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انفلاق، فالفلق جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. وانفلق المكان به: انشق ... وفلق الله الفجر: أبداه وأوضحه، وقوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} قال الزجاج: جائز أن يكون معناه: خالق الإصباح، وجائز أن يكون معناه: شاق الإصباح، وهو راجع إلى معنى خالق. والفلق، بالتحريك: ما انفلق من عمود الصبح، وقيل: هو الصبح بعينه، وقيل: هو الفجر، وكل راجع إلى معنى الشق ... ويقال: الفلق: الخلق كله، والفلق: بيان الحق بعد إشكال ... وفي الحديث: أنه كان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح، هو بالتحريك: ضوؤه وإنارته" (3). وجاء في (الكشاف) :"الفلق والفرق: الصبح؛ لأن الليل يفلق عنه ويفرق، فعل بمعنى مفعول، يقال في المثل: (هو أبين من فلق الصبح) ... وقيل هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك" (4). وجاء في (التفسير القيم): "واعلم أن الخلق كله فلق ... والله عز وجل فالق الإصباح، وفالق الحب والنوى، وفالق الأرض عن النبات ... ويسمى الصبح المنصدع عن الظلمة: فلقًا وفرقًا ... ومنه فلقه البحر لموسى، وسماه فلقًا" (5). ومن ذلك يتبين أن أشهر معاني الفلق: 1- الصبح، وهو أشهر معنى له، وخص به عرفًا (6). 2- جميع المخلوقات، وفلق الصبح من ذلك. 3- بيان الحق بعد إشكال. 4- الفلق: هو كل ما فُلِق، أي شق، فهو اسم مفعول كالقصص والهمل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام:95]، و{فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]، وهو أصل المعاني الأخرى. وتخصيص الفلق بالذكر له أسباب ودواع منها: إن الفلق - وهو الصبح - مشعر بتبدد ظلمة الليل وزوال همومه ومخاوفه، ومشعر بمجيء الفرج. ولذا نسمع الشكوى من الليل وترقب المهموم للصبح، فإن المريض والمهموم والخائف يستطيل الليل ويتمنى ذهابه ومجيء الصبح، قال الشاعر: وصدر أرح الليل عازب همه تداعى عليه الهم من كل جانب وقال الآخر: وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه دف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل وقال الآخر: أزيد في الليل ليل أم سال بالصبح سيل فذكر الفلق ههنا أنسب شيء، خصوصًا وأنه ذكر الغاسق إذا وقب بعده. وقيل: إنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور، والنوم أخو الموت، والصبح كالبعث والنشور، وقيل غير ذلك. جاء في (تفسير البيضاوي): "وتحصيصه (يعني الفلق) لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه" (7). وجاء في (التفسير القيم): "الفلق: هو الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل، فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها" (8). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي أن تخصيص الفلق في التعوذ لوجوه منها: "الأول أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضًا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه. الثاني: أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج. فكما أن الإنسان في الليل يكون منظر لطلوع الصبح، كذلك الخائف يكون مترقبًا لطلوع صباح النجاة. الثالث: أن الصبح كالبشرى، فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر ... السادس: يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة؛ لأن الخلق كالأموات، والدور كالقبور" (9). واختار لفظ (الفلق) على الصبح لأكثر من سبب، ذلك أن لفظ الفلق مشعر بالتغير والحركة؛ لأن معناه انشقاق ضوء الصبح عن ظلمة الليل، وأن الانفلاق والفلق يدل على التغير والحركة، ومنه {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} بخلاف كلمة (الصبح) فإنها لا تفيد ذاك، وإنما تفيد تعيين الوقت، فتشعر كلمة الفلق بتغير الأحوال، وتبدل نور الصبح بظلمة الليل، وزوال الهموم، والسعة بعد الضيق، ولا تفيد كلمة الصبح هذا التغير والتبدل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن لفظة (الفلق) أعم من لفظ الصبح، وأن لها أكثر من معنى، ويمكن أن تكون معانيه مرادة كلها، فلفظ (الفلق) يفيد توسعًا في المعنى، بخلاف كلمة الصبح، فاختيار لفظ (الفلق) أولى. واختيار لفظ (رب) وإضافته إلى الفلق أنسب شيء ههنا، فالرب معناه المالك والمربي والسيد والقيم والمعلم والمرشد، فالاستعاذة برب المخلوقات ومالكها والقائم على أمرها من شرور ما يصدر عنها أنسب شيء في إعاذة المستعيذ به، فهو وحده القادر على كفها وكف شرورها، فإنه يأمرها فتطيع أمره. ثم إن المربي يحفظ من هو في رعايته ويرعاه ويدفع عنه السوء ويحميه من الشرور، والمربي من معاني (الرب). فاختيار لفظ (الرب) مناسب من جهتين: من جهة المستعاذ به، فإنه مربيه والقائم على حفظه ورعايته، ولذا كثر لفظ (الرب) مع الاستعاذة لما فيه من معنى التربية والحفظ والقيام بالأمر. قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنين: 97 - 98]، وقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] وقال: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]. جاء في (تفسير البيضاوي) "ولفظ (الرب) ههنا أوقع من سائر أسمائه؛ لأن الإعادة من المضار تربية" (10). وذكر غير لفظ (الرب) مع الاستعاذة له أسبابه ودواعيه، فإن ذلك بحسب ما يقتضيه المقام والسياق، كما ذكرنا في استعاذة مريم عليها السلام، فالاستعاذة برب المخلوقات من شرورها أنسب من اختيار أي لفظ أو اسم آخر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 29 إلى ص 40. (1) انظر التعبير القرآني 294 – 296. (2) انظر فتح القدير 1/303. (3) لسان العرب (فلق) 12/184. (4) الكشاف 3/368. (5) التفسير القيم 562. (6) انظر روح المعاني 30/279. (7) تفسير البيضاوي 814. (8) التفسير القيم 561. (9) التفسير الكبير 32/191 – 192، وانظر روح المعاني 30/279 – 280. (10) أنوار التنزيل 814. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 161 إلى 170 من إجمالي 358 نتيجة.