التدبر

١ " وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ " سيماء الدعوات النقية ، إبداء استغناء مطلق عن الخلق، وإظهار أعظم حالة من الرفض لأي ثمن لدعواتهم. ونفور فطري من أي معني يوحي بانتظار ردود أفعالهم. الوقفة كاملة
٢ الدين في القرآن يأتي بمعنيين : 1-الحساب والجزاء نحو:(مالك يوم الدين)2- الملة والشريعة نحو:(إن الدين عندالله الإسلام) (ذلك دين القيمة) وقوله تعالى:(فما يكذبك بعد بالدين) يحتمل الوجهين، اي ما يكذبك بالملة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم او ما يكذبك بالجزاء يوم القيامة الوقفة كاملة
٣ ﴿وظنّ أن لن نقدر عليه﴾؛ لها معنيان؛ أولهما: أي لن نُضيّق عليه في معيشته وحاله، والمعنى الآخر: من القضاء والقدر، أي: لم يُقدّر له ما حصل. الوقفة كاملة
٤ قل : الله ينجيكم منها ومن كـــــل كـــــــــــــــرب" كل كرب، هل تسمعني يا صديقي الوقفة كاملة
٥ "اهدنا الصراط المستقيم" يهدي" يتعدى ب "إلى" أو "في"؛ فحذفهما ليشمل المعنيين؛ فأنت تدعو أن يهديك إلى الصراط وفيه الوقفة كاملة
٦ (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) في الآية معنيان لطيفان: ١- التكنية عما لا يحسن التصريح به. ٢- عدي الرفث بـ(إلى) مع أنه لا يقال: رفثت إلى النساء، ولكنه جيء به محمولًا على الإفضاء الذي يراد به الملابسة. الوقفة كاملة
٧ (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) (وَلَّى مُدْبِرًا) و (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) التولية والإدبار بمعنيين مختلفين: فالتولية أن يولي الشيء ظهره، والإدبار أن يهرب منه، فما كل مولٍّ مدبر، وكل مدبر مولٍّ. الوقفة كاملة
٨ في تدبري للقرآن وجدتُ أنّ تضمين شيءٍ معنى شيءٍ آخر يجمع له المعنيَين.. فـ (رَّاضِيَةٍ) بمعنى مرضيَّة تجمع للعِيشة رضاها هي، ورضا عايشِها بها. الوقفة كاملة
٩ قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ)، وقال: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا) (الجن: ١)، حين تقرأ كلام أولئك الجن عن القرآن يتملكك العجب! أفي جلسة واحدة صنع بهم القرآن كل هذا؟ مع أنهم يقينًا لم يسمعوا إلا شيئًا يسيرًا من القرآن! إنك -لو تأملت- لانكشف لك سر هذا: إنه استماعهم الواعي وتدبرهم لما سمعوه، وشعورهم أنهم معنيون بتلك الآيات، فمتى قال أحدنا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا؟ الوقفة كاملة
١٠ قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ)، وقال: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا) (الجن: ١)، حين تقرأ كلام أولئك الجن عن القرآن يتملكك العجب! أفي جلسة واحدة صنع بهم القرآن كل هذا؟ مع أنهم يقينًا لم يسمعوا إلا شيئًا يسيرًا من القرآن! إنك -لو تأملت- لانكشف لك سر هذا: إنه استماعهم الواعي وتدبرهم لما سمعوه، وشعورهم أنهم معنيون بتلك الآيات، فمتى قال أحدنا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا؟ الوقفة كاملة

تذكر واعتبار

١ قصص واقعية لعشاق الدعوة أحمد خالد العتيبي بسم الله الرحمن الرحيم من القصص التي تزيد الإيمان وتوقظ قلبك أيها الإنسان، وتستفيد منها لترضي الرحمن، قصص التابعين أو العلماء والصالحين , وهذه بعض القصص التي عاصرتها , اسأل ربي أن تكون نافعة لي ولكم . القصة الأولى : حدثني صديقي بهذه القصة يقول: كنت في سيارتي فشاهدت شاب معه سيارة جديدة يعاكس فتاة في الشارع، فاتجهت إليه بسيارتي فوقفت بجانبه وقلت له: لو تكرمت ممكن دقيقة يا الغالي. قال: أبشر. فنزل هذا الشاب وسلمت عليه وابتسمت له وقلت له: أنت فيك خير أسعدك الله في الدنيا والآخرة. قلت له: تخيل لو أن هذه أختك أو أمك هل ترضى أن شخص يعاكسها ؟ قال: لا والله وأنا أعترف أنني مخطئ وأوعدك لن يتكرر هذا الموقف مرة أخرى بإذن الله. فقلت له: لدينا هذا المساء كلمة لأحد المشايخ في المسجد ويسعدني حضورك. فقال: أين المسجد؟ فأخبرته بمكانه وسلمت عليه وتوادعنا وحضرت كلمة الشيخ وبعد انتهاء الكلمة إذا بهذا الشاب الذي نصحته كان موجود وذهب إلى الشيخ وسلم عليه وقبل رأسه وبدأ يتحدث معه. وفي أثناء خروجه من المسجد لحقت به وسلمت عليه وشكرته وهو يعلنها توبة إلى الله عز وجل . القصة الثانية : يقول صاحبي: أحد جيراني كان حريص على الصلوات في المسجد وفقه الله، وفي يوم من الأيام قال لي: يا أخي أنا أحب الملتزمين وأفكر في الالتزام منذو أيام. والذي شدني أن الدعاة والمشايخ الابتسامة لاتفارقهم، أرجوك أريد أن أتوب وأعفي لحيتي ووالله كم هي سعادتي حينما أصبح مثلهم وأسير على نهجهم. فقلت له كلمات ونصائح هي تنفعني وتنفعه بإذن الله وأسال ربي لها القبول فو الله الذي لا إله غيره أصبح من الدعاة إلى الله ولا يزال متواصل معي أسأل الله لي وله ولأخواني المسلمين الثبات. القصة الثالثة: أحد الأصدقاء يقول: كنت مسئول عن محل مبيعات وكان بجانبي رجل يدخن، فدعوت الله له وهو يسمعني وقلت له: أسأل الله أن يعصمك من الدخان ويكرهك فيه قل: آمين. فقال: آمين. وبعد مدة دخل رجل المحل وقال لي هل عرفتني؟ فقلت: لا والله لم أعرفك يا الغالي. قال : قبل ثلاث شهور أتيت إليك وكنت أدخن عندك في المحل ونصحتني ودعوت الله لي و والله من بعد ما ذهبت عنك دعوت الله أن لا أعود إلى الدخان وعزمت على تركه والحمد لله . القصة الرابعة : كنت مع صديقي في جلسة دعوية نوزع أشرطة على شباب المخططات وفي أحد الجلسات طلبونا شباب بالجلوس معهم وكان في هذه الجلسة بعض المنكرات هداهم الله. تحدث صديقي عن بر الوالدين ومكانة الوالدين وذكر بعض الادلة والأحاديث وتأثر الشباب من الكلمة. وكان أحد الشباب يدخن في الجلسة فرمى الدخان وجلس يبكي وكان الموقف مؤثر فاختصر صديقي الكلام ودعا لهم بالهداية والتوفيق . القصة الخامسة : اتصل بي أحد الشباب وقال لي: أريد أن أقابلك ضروري. فقلت له: أبشر يا فلان حياك الله. فقابلني وسلم علي وقال: أقسم بالله يا أحمد إنني أفكر في الانتحار وإن لم أجد عندك حل سوف أنتحر إذا خرجت من عندك فذكرته بالله ولا زال مصر على الانتحار. فاتصلت على أحد الدعاة وأخبرته با الأمر، فحضر جزاه الله عني كل خير وذكره بالله وبسوء الخاتمة والقبر والجنة والنار وفرح الله بتوبة العبد. فهدأ هذا الشاب بعد سماع كلام الداعية وبكى وقال: أرجوكم لا تتركوني , وأخبرنا أحد الزملاء معلم حلقات قرآن أن يسجله وسجله بفضل الله في التحفيظ وتعرف على الشباب وأصبح أخاً حبيباً معهم وبدا بحفظ القرآن الكريم. القصة السادسة : في أحد الجولات الدعوية مع صديقي في المخططات الشبابية وجدنا شاب يعزف العود ومعه بعض أصدقائه فاستأذناهم بالجلوس معهم فوافق الجميع. فقلنا لهم : نستأذنكم بأخذ خمس دقائق من وقتكم بإذن الله ولن نطيل. فتحدث صديقي عن هذا الوقت الثلث الأخير من الليل وقت استجابة الدعاء ووقت نزول الله عز وجل من السماء الدنيا إلى الأرض ليعطي السائل مسألته ويغفر لتائب زلته وذكر لهم مراقبة الله للعبد. فاستأذناهم للذهاب فلحق بنا الشاب الذي كان يعزف العود عند السيارة وقال: خذوا هذا العود وأحضر من سيارته عود آخر وقال اكسروها وأخذ أرقام الجوال للتواصل وتواصل معنا، ووالله إنه صار يوقظنا لصلاة الفجر ويخبرنا أنه يقوم الليل وينفق على المحسنين وقطع تلك الصحبة السيئة والتحق بصحبة صالحة بفضل الله . القصة السابعة : ذهبنا في أحد الأيام لأكبر تجمع شبابي على البحر بالكونيش الشمالي بجدة وقمنا بتوزيع أشرطة دعوية ووضع صاحبي ملصوق ابيض وكتب عليه رقم جواله لتواصل على كل شريط سي دي. وسبحان الله أحد الشباب اتصل على صديقي وقال: يا شيخ والله أريد الصحبة الطيبة أريد الجلوس معكم أريد أن غير من حياتي إلى الأفضل أنا مقصر في الصلوات. فقال صاحبي: أبشر بفرح الله لك يا تائب، ونحن إخوانك في أي وقت وتقابلنا في أحد الأماكن، وكان الرجل مقبل إلى الله ويخبرنا أنه كان يصلي في البيت وبعد سماع الشريط الدعوي تغير حاله بفضل الله وصار محافظ على الصلوات في المساجد ولله الحمد . الفوائد من هذه القصص : 1- الناس في قلبها خير كبير وحب الله ورسوله مهما كانوا في خلل وتقصير . 2- لا بد من استحضار النية الصادقة (الإخلاص) في كل عمل لكي يوفقك الله عز وجل. 3- الابتسامة مفتاح القلوب وانشراح الصدور بين الناس وقبول نصيحتك . أسأل الله أن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر وأن يجعلنا مصلحين نافعين أينما كنا ، اللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم يا رب العالمين، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك . الوقفة كاملة
٢ ثانياً- وسائل الإعلام: من أكبر الجرائم في حق الأوطان هي المواد التي تبثها وسائل الإعلام بدون توجيه أو توعية، إلا السعي للإفساد والفساد على المستوى العقلي والسلوكي، ومعلوم ما تبثه الكثير من الفضائيات من فنون نشر الرذيلة، بل هناك أقمار كاملة معنية بهذه الأمور، وتعلن الحرب على الشباب طوال الليل والنهار؛ ليصبح مسخاً بلا هوية أو أخلاق، وذلك لأن المضمون والمحتوى الفكري والثقافي الذي يقدم للشباب -بخاصة البنات- منذ نعومة أظفارهم يؤثر حتماً على بنائهم النفسي، وتكوينهم العاطفي والوجداني، ويمثل لهم أنماطاً سلوكية، ونماذج عملية يقتدون بها، ويحبون التشبه بها في حياتهم العملية. وفي مجتمعاتنا العربية، نجد كثيراً من البرامج التي تهتم بالأطفال دوماً ما تسأل الأطفال عن سؤال محدد، سواء في إطار البرامج والحلقات، أو في الحياة عموماً، والسؤال هو: "من هو مثلك الأعلى؟"، وغالباً تكون الإجابة: فنان أو لاعب كرة، والفتيات كذلك، تكون القدوة ممثلة أو مغنية، إلا من رحم ربي، وهم الصفوة التربوية الناجية من براثن الإعلام بفضل خبرة الآباء وإخلاصهم لله عزوجل. وعليه فإن دور كل صاحب رسالة مصلح -سواء إعلامي أو مربٍ خطير- هو ترجيح الكفة نحو صلاح الشباب والفتيات، خصوصاً مع ضخامة تمويل الفساد وبريق الفاسدين وآرائهم التي ينبهر بها الشباب. الوقفة كاملة
٣ لقد اعتنى الإسلام بأمر السجون وأحوال المسجونين عناية عظيمة قلَّ أن يوجد لها نظير في أي مكان أو زمان ، وذلك بما قرره الفقهاء في كتبهم من الأحكام المتعلقة بالسجناء وأحوالهم وكيفية التعامل معهم ، وهذا الاهتمام نابع من اهتمام الإسلام بكرامة الإنسان وحفظه لآدميته . ولتسهيل الأمر وتوضيح الأحكام في هذا الشأن فقد قسم أهل العلم الكلام في هذه المسألة إلى قسمين : أحكام متعلقة بصحة السجين الشخصية ، وأحكام متعلقة بالعناية الصحية بالمكان المتخذ للسجن . أولاً : الأحكام المتعلقة بصحة السجين الشخصية : 1 - سجن المريض : بحث الفقهاء مسألة سجن المريض ابتداء ، هل يحق للوالي أن يسجن الشخص المريض ؟ والجواب أن هذه المسألة مسألة اجتهادية يرجع فيها البَتّ إلى القاضي ، من خلال تقديره لموجب السجن وخطورة المرض وإمكان رعاية السجين في سجنه . فمتى توفرت الرعاية الصحية الكافية للمريض في سجنه ولم يكن ذا مرض خطير قد يفضي به إلى الهلاك لو سجن ، جاز سجنه ، وإذا لم يتوفر ذلك يوكل به القاضي من يعالجه ويحفظه دون تركه كُليّة حتى يعود بالإمكان سجنه . 2 - إذا مرض السجين داخل السجن : إذا مرض المسجون في سجنه وأمكن علاجه داخله فإنه يجب علاجه دون إخراجه ، ولا يمنع الطبيب والخادم من الدخول عليه لمعالجته وخدمته ، ولو تسبب عدم علاجه في هلاكه يترتب على ذلك مسؤولية جزائية وعقوبة على المتسبب في ذلك . وقد مَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بأسير في وثاقه ، فناداه : يا محمد يا محمد ، فأتاه فقال : ما شأنك ؟ قال : إني جائع فأطمعني وظمآن فاسقني . فأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء حاجته . رواه مسلم 3/1263 . ولا شكّ أن العلاج من حاجة المريض . أما إذا لم يمكن علاجه داخل السجن ، فيجب إخراجه إلى حيث يمكن معالجته تحت إشراف السجن وأن يوكل به من يراقبه ويحرسه . هذا ولم يفرّق الفقهاء بين الأمراض العضوية أو النفسية ( النفسية الحقيقية وليست النفسية الكاذبة أو العاديّة التي يتّخّذها كثير من المحامين وسيلة لتبرئة المجرمين ) ، لذا ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه لا يجوز قفل باب السجن على المسجون - إذا أمن عدم هربه - ولا جعله في بيت مظلم ولا إيذاؤه بحال أو أي شيء من شأنه إثارة الذعر في نفسه . كما لا ينبغي منع أقاربه من زيارته لما في ذلك من أثر صحي ونفسي عليه . 3 - يشرع للوالي أو من ينوبه تخصيص قسم طبي في السجن يهتم بشؤون المسجونين الصحية وأحوالهم ، وهذا يغني عن إخراجهم إلى المستشفيات العامة وتعريضهم للإهانة أو التحقير . 4 - ينبغي تمكين السجين من رؤية زوجته ، ومعاشرتها إذا توفر المكان المناسب لذلك في السجن ، حفاظا عليه وعلى أهله . 5 - نص الفقهاء على وجوب تمكين السجين من الوضوء والطهارة ، ولا شك أن هذا من العوامل الوقائية المهمة من المرض . ثانياً : الأحكام المتعلقة بالعناية الصحية بالمكان المتخذ للسجن : ينبغي أن يكون المكان المتخذ للسجن مكانا واسعا نظيفا ذا تهوية جيدة تصله أشعة الشمس تتوفر فيه كل المرافق الصحية التي تستلزمها طبيعة الحياة . ولا يجوز جمع عدد كبير من المسجونين في مكان واحد بحيث لا يستطيعون الوضوء والصلاة . ثالثاً : هذه بعض الأمور التي نص الفقهاء على تحريم استخدامها في تأديب المسجون أو التعامل معه : 1- التمثيل بالجسم : فلا تجوز معاقبة السجين بقطع شيء من جسمه أو كسر شيء من عظمه وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التمثيل بالأسرى فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تمثلوا ) رواه مسلم 3/1357 . 2- ضرب الوجه ونحوه ، لما فيه من الإهانة ، كما لا يجوز وضع الأغلال في أعناق المسجونين أو مدّهم على الأرض لجلدهم ولو حدا ، لما فيه من الإهانة والضرر الصحي والجسدي على المسجون . 3- التعذيب بالنار ونحوها أو خنقه أو غطّه في الماء ، إلا إذا كان هذا على وجه المماثلة والقصاص ، كأن يكون السجين قد اعتدى على غيره بأن حرقه بالنار ونحوه فيجوز استيفاء الحق منه على نفس الوجه . 4- التجويع والتعريض للبرد ، أو إطعامه ما يضرّه ويؤذيه ، أو منعه من اللباس ، فإن مات المحبوس بسبب هذه الحال ، فحابسه معرّض للقتل قصاصا أو دفع الدية . 5- التجريد من الملابس لما فيه من كشف العورة وتعريض السجين للمرض البدني والنفسي . 6- منعه من قضاء حاجته ومن الوضوء والصلاة : ولا يخفى ما في ذلك من ضرر صحي على السجين . صور من اهتمام المسلمين بالسجناء : - الحديث السابق الذكر الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بالاهتمام بالأسير وتلبية حاجته من الطعام والشراب ، وكثيرا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدفع بالأسرى ونحوهم على أصحابه ويوصيهم بهم خيرا . - كان الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتفقد السجون ويشاهد من فيها من المسجونين ويفحص عن أحوالهم . - كتب عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس إلى عماله يقول : انظروا من في السجون وتعهدوا المرضى . - جعل الخليفة المعتضد العباسي من الميزانية 1500 دينار شهريا لنفقة المسجونين وحاجاتهم وعلاجهم ونحوه . - لما سجن الخليفة العباسي المقتدر أحد وزرائه وهو ابن مقلة ، ساءت أحوال الوزير فأرسل له الطبيب المشهور ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة ليعالجه في سجنه وأوصاه به خيرا . وكان الطبيب يطعم السجين بيده ويرفق به وبحاله . - وكتب الوزير علي بن عيسى الجراح في زمن الخليفة المقتدر إلى رئيس مستشفيات العراق حينذاك يقول له : ( فكرت مد الله في عمرك في أمر من بالحبوس - أي السجون - وأنه لا يخلو مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض ، وهم معوّقون عن التصرف في منافعهم ولقاء من يشاورونه من الأطباء فيما يعرض لهم ، فينبغي أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم في كل يوم ، وتحمل لهم الأدوية والأشربة ، ويطوفون على سائر الحبوس ويعالجون فيها المرضى ويزيحون عللهم فيما يصفونه لهم ) واستمر هذا الحال خلافة المقتدر والقاهر والراضي والمتقي . للمزيد يُراجع : أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام ص367-379 ، الوقفة كاملة
٤ الإضرار عن طريق الإغفال والتضليل ذكرنا فيما سبق: ان الغرب خطط للاضرار بالمسلمين في كل مجالات الحياة، في العلم والصنعة، وفي العدد والعدة، وفي الدين والعقيدة، ولأجل مواصلة الإضرار بهم، زرع في قلب بلادهم، ووسط منطقتهم، اسرائيل الغاصبة لتخلق لهم البلابل والمشاكل باستمرار، وتسبب تضررهم دائماً وأبداً. ولكنه لم يكتف الغرب بذلك كله حتى خطط لاغفال المسلمين والنوم عن مصالحهم، فان من مصلحة كل شعب وأمة ان توفر لنفسها وبيدها ضرورياتها وأوليات حياتها، حتى لا تحتاج فيها إلى غيرها، فإن الاحتياج إلى الغير يولد التبعية، ويفقد الاستقلالية وذلك كما قال الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): «احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره» بعد ان قال (عليه السلام): «افضل على من شئت تكون أميره»(1). بينما أشاع الغرب في المسلمين ثقافة الكسل والضجر والتقاعس عن العمل، وروج بينهم هذا المنطق الكاذب، الذي يقول: (انا نحن المسلمين والعرب سادة وأشراف، والغرب عبيد واماء، فهم يعملون ويكدحون ويخترعون وينتجون، ونحن نستورد ونستهلك وبفضل أموالنا وثرواتنا فهم عمال ونحن تجار، وهم مستعطون ونحن متفضلون). وبهذا المنطق الخادع أضروا بالمسلمين ضرراً بالغاً، مما أدى إلى تبعيتهم للغرب في كل شيء، بحيث لو اغلق الغرب عليهم أبواب منتجاتهم الزراعية يوماً اختلت حياتهم، وماتوا جوعاً، وهل هناك ضرر يمكن للغرب ان يضر العرب والمسلمين به أكبر من هذا؟ نعم، ان المسلمين على أثر هذه التبعية وعدم استقلاليتهم الناتجة عن اشاعة الغرب في أوساط المسلمين ثقافة الترهل والتقاعس، وترويج المنطق الكاذب: (انهم الغربيون عمال ونحن تجار، وهم عبيد ونحن سادة وأرباب) تراجعوا في كل شيء، وتقهقروا من كل الجهات، واليك مثلاً على ذلك: تضرر البلاد العربية ذكرت المنظمات العالمية تقريراً عن العلماء المعنيين بالبيئة يقول: ان البلاد العربية صالحة من حيث المناخ والمساحة والتربة والماء لأن تستوعب خمسة مليارات انسان، على ان يعيش كل واحد منهم برغد ورخاء، وعائد سنوي كبير، ودخل يومي رفيع، يوفر عليه السكن المريح، والوسيلة الفارهة، والعيش الهنيئ، والرزق الوافر. بينما اليوم على أثر التضليل الغربي، والدعايات المضللة التي أشاعها الغرب في الأوساط العربية، لم يتجاوز نفوس العرب في البلاد العربية عن الثلاثمائة مليون نسمة، وكلهم سوى الطبقة الحاكمة وعشرة بالمائة من الناس، يعيشون عيشة مزرية، ويعانون من سوء التغذية، وعدم السكن، وقلة الرزق، ووعورة الحياة، وانخفاض مستوى الدخل، وغير ذلك من ضنك العيش وصعوباته. خسارة دائمة ومستمرة هذا مع ان هناك تقريرات رسمية أخرى تقول: بان في مصر أياد عاملة كثيرة لكنها عاطلة عن العمل، وفي السودان أراض واسعة وتربة خصبة ومياه كثيرة، حيث النيل الفضفاض يسقي تلك الربوع المستعدة للزرع والضرع، ولكنها متروكة ومهجورة فإذا شغلنا تلك الأيادي العاملة العاطلة في مصر، على زراعة الأرض الخصبة والمستعدة التي بقيت متروكة ومهجورة في السودان، استطعنا ان نوفر من القمح فقط ما يكفي طعاماً لكل البلاد العربية على رمتها. لكن تغافل العرب بل المسلمين كلهم ونومهم عن مصالحهم المخطط لهم هذا التنويم من الغربيين، وترك الأيادي العاملة عاطلة عن العمل، والأراضي الخصبة مهجورة عن الزراعة، وكانت النتيجة: ان أصبحت الشعوب العربية فقراء معدمين، تعساء محرومين، لا رزق لهم ولا طعام، ولا سكن ولا مقام، ولا سعادة ولا هناء. كان هذا بعض ما وصلنا من التقارير الرسمية في خصوص البلاد العربية، وفي مجال طاقاته البشرية المعطلة، وأراضيها الخصبة المهجورة، ومياهها الكثيرة المهدورة، وفي مجال اعتدال مناخها، وسعة مساحتها، وقدرتها على استيعاب خمسة مليارات من البشر، المقصورة بدل ذلك على ثلاثمائة مليون نسمة فقط. وما لم يصلنا من التقارير الرسمية في بقية المجالات الحيوية والهامة، بالنسبة إلى خصوص البلاد العربية، وكذلك بالنسبة إلى عموم البلاد الإسلامية، فهي أكثر بكثير مما وصلنا واطلعنا عليه، وان كان في الذي وصلنا لكفاية في قيام الحجة علينا، وانقطاع العذر منا أمام الله والناس، والتاريخ والأجيال، وذلك كما قال تعالى: (قل فلله الحجة البالغة) (2) فإنه يقال للعاصي يوم القيامة لم عصيت؟ فإذا قال: ما كنت أعلم، يقال له: لم لم تتعلم؟ من وسائل إضرار الغرب بالمسلمين لم يقنع الغرب بالأضرار التي ألحقها بالمسلمين عرباً وغير عرب في مختلف مجالات الحياة، كما لم يكتف بزرع اسرائيل في قلب منطقتهم، ووسط بلادهم، لتشغلهم بالمشاكل التي تخلقها لهم دائماً وباستمرار، حتى أشاع في الأوساط الإسلامية وبتخطيط مدروس وماكر، ثقافة الانحلال والابتذال، والميوعة والفساد، يعني: على عكس ما يدعو الإسلام المسلمين إليه من ثقافة العفة والسداد والصلاح والرشاد، فان الإسلام يدعو باصرار إلى هذه الثقافة الانسانية والتقدمية، ويحذّر وبتأكيد من الثقافة الحيوانية والارتجاعية التي يروجها الغرب، ويسد كل الأبواب والمنافذ المؤدية اليها. ان الإسلام بتعاليمه الحكيمة، وقوانينه الراقية، يفرض الحجاب على النساء ويوجب غض البصر على الرجال، كخطوة أولى في الحفاظ على شخصية المرأة وعفتها، وصيانة اصلاح المجتمع وسداده، ثم يحرم المخالطة والمراودة، والمفاكهة والمصادقة، والنظر بخيانة على كل من المرأة والرجل الأجنبيين، كخطوة ثانية في حراسة حقوق المرأة وتقوية شخصيتها، ورعاية سلامة نظام الأسرة وتحكيم روابطها، فان نظام الأسرة الذي رسمه الإسلام وأطّره بإطار النزاهة والقداسة، لهو خير نظام عرفه التاريخ، وتوصل إليه البشر، واكتشفه العلم الحديث فان العلم الحديث أثبت بالأرقام: بأن أفضل طريقة، وأجمل نظام، استطاع ان يسعد كلاً من المرأة والرجل من حيث الروابط الجنسية والاستمتاعات الجسدية، والعلائق الودية والعاطفية، ومن حيث اشباع الرغبات النفسية والغرائز الجسمية وإرواء الروح والقلب بالحب والمودة، ومن حيث سلامة النسل وطيب الولادة، وإنجاب أولاد سالمين وموفقين، وناجحين وفائزين هو النظام الذي رسمه الإسلام للأسرة والاطار الذي أطرها به، حيث ان هذا النظام يجمع سلامة المجتمع وصلاحه وعفته وسداده، إلى جانب ارضاء كل فرد من أفراد المجتمع رجلاً وامرأة في عواطفه وأحاسيسه، واشباع غرائزه ورغباته، وارواء عطشه الجنسي والنفسي، والروحي والمعنوي إرضاءاً واملاءاً وكذلك إشباعاً وإرواءاً لا يتحقق مثله في أي نظام آخر. إضرارالغرب بنظام الأسرة لكن الغرب رغم اعترافه بهذه الحقيقة الانسانية، وتأييده لهذه التجربة العلمية التي أثبتت صلاحية نظام الأسرة في الإسلام لهذا العصر وأفضليته لكل العصور والأمصار المتحضـــرة، والبشرية المتقدمة، فإنه رغم كل ذلك، أشاع في أوساط المسلمين، وروج بينهم ـ للإضرار بهم ـ ثقافة الميوعة والانحلال، والفساد والابتذال، وذلك بشتى الوسائل، ولطائف الحيل، فحاربوا الحجاب، وشجعوا المرأة على التبرج، وحرضوا الرجل على محاربة الغيرة وتخليه عنها كخطوة أولى لإشاعة ثقافة الانحلال والابتذال. ثم شجعوا كلاً من المرأة والرجل على المصادقة والمفاكهة، وروّجوا بينهم التراود والاختلاط، وحملوهم على تبادل النظرات المريبة والاستمتاعات المحرمة، كخطوة ثانية لتحطيم كيان الأسرة، وتضييع حق المرأة وإفساد النسل، وإهلاك الحرث، وقد تمكنوا من تحقيق أهدافهم الشريرة وتنفيذ مخططاتهم الشيطانية في المسلمين. نعم لقد نجح الغرب من تنفيذ مخططه هذا، والحق أضراراً فادحة بالمسلمين، حيث ضعف أساس الأسرة، ووهن أركانها، عند المسلمين، فارتفع فيهم نسبة الطلاق(3)، وتقلص بينهم نسبة الزواج، وفشى بينهم الروابط غير المشروعة، وانتشر في أوساطهم الأمراض التناسلية والإيدز وما أشبه ذلك، وشقوا في حياتهم، وخسروا دنياهم حيث تقهقروا في كل شيء وتقدم الغرب عليهم، وفاتتهم آخرتهم، لأن (من لا معاش له لا معاد له). الوقفة كاملة
٥ هو وعلى اختي يحسبوني غبية متجالتهم واناملاحظة تصرف اختي اول باول لين اجا يوم انهيت علاقتي معها رجعت لاختي صلة لله مو علشان وجهها وشكلها لو عليه ماابغى اشوفها حجزت نفسي عني ماابغى اشوف احد حتى اهلي ماابغى اشوفهم لان حجم الالم اللي في قلبي كبير واكتئاب حاد والحمدلله من عليه بالشفاء مهما اكتئبت الله موجود يخفف عني يسمعني ويراني ويعنيني على ماانا فيه الوقفة كاملة
٦ ⇨ المقالات السفر للسياحة والنزهة والطاعة من مصنفات العلامة ابن عثيمين فهد بن عبدالعزيز الشويرخ 19K 9 دقائق التصنيف: وسائل ترفيه المصدر: مجموعة مواقع مداد 14 ذو القعدة 1439 ( 27-07-2018 ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: السفر للسياحة والنزهة والطاعة من مصنفات العلامة ابن عثيمين - فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ من نعم الله عز وجل التي لا تعد ولا تحصى على عباده المسلمين، توفر الأموال الكثيرة عند أعداد ليست قليلة منهم، كان من طرق إنفاقها عند بعضهم إنفاقها في السفر للسياحة والنزهة والطاعة، مع اختلافهم في البلاد التي يقصدونها لذلك، فمنهم من يذهب إلى الحرمين الشرفيين, ومنهم من يسافر داخل بلاده، ومنهم من يسافر إلى بلاد إسلامية، ومنهم من يسافر إلى بلاد الكفار، والعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، له توجيهات ونصائح حول تلك الأسفار، وما يوجد فيها من أماكن وآثار يذهبُ إليها الناس ويزرونها، يسّر الله الكريم جمع تلك النصائح والتوجيهات من كتب الشيخ، أسأل الله الكريم أن ينفع بها الجميع. السفر إلى بلاد الكفار أو المتحللة للنزهة والسياحة قال الشيخ رحمه الله: أرى أن من أنعَمَ الله عليه بالمال ألا يسافر إلى البلاد الخارجية لأن في ذلك مفاسد: إن أهله سيتغيرون بما يشاهدونه، سواء تغيروا فجأة أو على المدى الطويل. وقال رحمه الله: عامة الذين يذهبون إلى بلاد الكفر إذا ذهبوا ضعف دينهم، لاسيما أولئك الذين يذهبون على سبيل النزهة والترف، فإنهم يرجعون بأفكار وعقائد وأخلاق وأعمال غير التي ذهبوا بها ويلحقهم من خسارة الدنيا والآخرة فيخسرون أموالاً طائلة مع ما يلحقهم من خُسران الآخرة نسأل الله تعالى العافية. وقال رحمه الله: أرى أن الذين يُسافرون إلى بلد الكفر من أجل السياحة فقط أرى أنهم آثمون, وأن كل قريش يصرفونه لهذا السفر فإنه حرام عليهم وإضاعة لمالهم وسيُحاسبون عنه يوم القيامة حين لا يجدون مكاناً يتفسَّحون فيه أو يتنزهون فيه، حين لا يجدون إلا أعمالهم لأن هؤلاء يُضيعون أوقاتهم ويتلفون أموالهم ويفسدون أخلاقهم وكذلك ربما يكون معهم عوائلهم ومن عجب أن هؤلاء يذهبون إلى بلاد الكفر التي لا يسمع فيها صوت مؤذن ولا ذكر ذاكر وإنما يسمع فيها أبواق اليهود ونواقيس النصارى ثم يبقون فيها مدة هم وأهلوهم وبنوهم وبناتهم فيحصل في هذا شر كثير نسأل الله العافية والسلامة وهذا من البلاء الذي يُحلُّ الله به النكبات. وقال رحمه الله: السفر للسياحة في بلاد الكفار فهذا ليس بحاجة، وبإمكانه أن يذهب إلى بلاد إسلامية يحافظ أهلها على شعائر الإسلام، وبلادنا الآن والحمد لله أصبحت بلاداً سياحية في بعض المناطق فبإمكانه أن يذهب إليها ويقضي زمن إجازته فيها. وقال رحمه الله: السفر إلى الكفر أو بلاد متحللة خطر على العقيدة، وخطر على الأخلاق، وخطر على العائلة، لأن الإنسان إذا رأى الكفر هناك فلن ينفر منه مثل نفوره لو لم يكن رآه، ومن الأمثال العامية: "كثرة الإمساس يُقلل الإحساس" فإذا رأى الكفر، وسمع أصوات النواقيس، وأبواق اليهود، خفّ الكفر في نفسه، وهذا إخلال بالعقيدة، كذلك يرى هناك بيوت الدعارة والزنا واللواط, ويري شرب الخمر، وهذا يؤثر في أخلاقه،كذلك العائلة الصغار، فالصغير لن ينسي الصورة التي رآها في صغره، سوف تتمثل هذه الصورة في رأسه ولو كبر وتباعد الزمان، فيكون هذا الرجل أساء إلى نفسه، وأساء إلى عائلته، ثم في هذا تنمية لأموال الكفار، وتقوية لاقتصادهم، وفيه أيضاً إخلال باقتصاد البلاد، لأن الدراهم التي تخرجُ منَّا إلى هناك نقصت هنا ووفرت الدراهم للبلاد الأخرى، ثم أن هؤلاء الكفرة يفرحون إذا رأوا الناس اتخذوا بلادهم موئلاً، يفرحون ويخسرون الخسائر الكبيرة لكون الناس يقصدونهم في بلادهم، فكل هذه المفاسد العاقل فضلاً عن المؤمن لا يفعلها، فأسأل سبحانه وتعالى أن يهدي شعبنا لما فيه خيرنا في ديننا ودُنيانا. وقال رحمه الله: الذين يخرجون إلى خارج البلاد للتمتع فهؤلاء على خطر عظيم، وهم واقعون في المحظور، لأنه لو لم يكن من هذا الخروج إلا مفسدة واحدة وهي: إضاعة المال، وهذا شيء محقق، ولا يمكن أن يختلف فيه اثنان، لأن نفقات التذاكر باهظة، ونفقات الفنادق هناك باهظة، هذا مع ما يحصل للقلب من البلاء، وما يحصل للنفس من الشرور، ولهذا نحذر إخواننا من السفر إلى الخارج، فإنه علة وبلاء، وإضاعة وقت، وإضاعة مال، وإفساد أخلاق، وربما إفساد عقيدة. أقول لكم: مما يُخلُّ بالعقيدة ونحن لا نشعر به، مسألة المودة والمحبة، فكراهة الناس اليوم لغير المسلم ليست ككراهتهم له بالأمس، كانوا بالأمس إذا ذَكر النصراني أو اليهودي اقشعر الجلد، أما اليوم فلا! بل إن من الناس والعياذ بالله من يتولى غير المسلمين أكثر من تولى المسلمين, وقد قال الله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) (المائدة:51) والسفر إلى بلادهم سبب للمودة، وإثراء لأموالهم، وإعزاز لأوطانهم, مع ما فيه من الخطر على عقيدة الإنسان، وعلى خلقه. وقال رحمه الله: السفر إلى بلاد كافرة، أو بلاد منهمكة في المعاصي لا يجوز لأُمور عدة: أنه يخشي على عقيدة المرء...يُخشي على عقيدته أن يقول: كيف أنعم الله على هؤلاء بهذا الترف، وهذا النعيم، وهم كفار، وهو مؤمن؟ وقد قُدر عليه رزقه، فيشُكُّ: هل الإيمان خير أم الكفر خير؟ ولم يعلم المسكين أن هؤلاء عُجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، وهذا الترف بالنسبة لهم جنة، لأنهم ينتقلون بعده إلى عذاب وجحيم والعياذ بالله والفقر بالنسبة إليه إذا كان من المؤمنين يُعتبرُ ابتلاء من الله عز وجل يُؤجر عليه ويُثابُ عليه إذا صبر، قال تعالى: (إنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر:10) وقال رحمه الله: أصل السفر إلى البلاد الأُوربية أو البلاد غير الأوربية، لكنها كلها خلاعة، وفساد الخمر في الأسواق يُباع علنا والنساء يتبرجن ويعرضن أنفسهن ليس بالقول ولكن بالفعل، وما أشبه ذلك، أرى ألا يُسافر أحد لهذا، لأنه سيخسر وقتاً، وسيخسر مالاً، وسيخسر ديناً، وسيخسر خُلُقاً، فهذا لا يحلُّ له أن يسافر على هذا الوضع. السفر إلى بلاد إسلامية للسياحة والنزهة سئل: فضيلة الشيخ، أنا شاب أُريدُ أن أذهب إلى دولة إسلامية لغرض السياحة، وأُريدُ أن أخذ زوجتي معي، ومن المعلوم أن الجوازات تطلب صورة للزوجة، فهل يجوز لي ذلك، أرجو نصيحتك، بارك الله فيك؟ فأجاب رحمه الله: جزاه الله خيراً، ويجبُ علي أن أبدي له النصيحة وأُبدي له المشورة التي أدين الله بها، أقول: لا يذهب إلى بلاد أخرى لا إلى بلاد إسلامية ولا إلى بلاد غربية ولا شرقية، يبقى في بلده هذا أسلم لدينه وأحفظ لأهله، ومسألة النفقة زادت أو نقصت لا تهم، المُهمُّ أن يبقي في بلادنا والحمد لله محافظة، يحفظ دينه ويحفظُ أهله. هو إذا ذهب إلى هذه البلاد، يجد أشياء منكرة ظاهرة علناً في السوق: نساء متبرجات أشياء كثيرة لا أُحبُّ ذكرها الآن. فنصيحتي لهذا السائل، وأقول: جزاه الله خيراً، أنا قلتُ له ما يجبُ عليه، فأرجو أن يقبل منِّي المشورة، ألا يذهب إلى بلد غير بلادنا نفقات، وضياع وقتٍ، واتجاهات الله أعلمُ بها. وقال رحمه الله: لا نرى أن الإنسان يُسافر إلى بلاد خارج بلاده إلا لحاجة، أو مصلحة راجحة فالبلاد التي يسافرون إليها قد تكون بلاداً أثّر فيها الاستعمار من جهة الأخلاق والأفكار، فيحصل بذلك ضرر على الإنسان في أخلاقه وأفكاره، وهذا هو أشد الأمور التي يُخشي منها في السفر إلى الخارج، ولهذا أقول لهذا السائل وغيره: عندنا ولله الحمد من المصايف في بلادنا ما يُغني عن الخارج، مع قلة النفقات، ونفع المواطنين. وسئل الشيخ: السفر إلى البلاد الإسلامية هل يجوز السفر إليها بدون حاجة، يعني للنزهة؟ فأجاب رحمه الله: لا أرى هذا.. أولاً: إن النفقات ستكون باهظة. ثانياً: إن تلك المجتمعات فيما يُسمعُ عنها ليس بينها وبين المجتمعات الكافرة فرق، إلا بأنه يؤذن في المنائر، ويُصلي من يُصلي ويترك الصلاةُ من لا يريد الصلاة. ثم المظهر العام بالنسبة للنساء وتبرجهن لا فرق بينه وبين الدول الكافرة، هكذا نسمع، وإذا كان كذلك فثق أن أهلك الذين يذهبون إلى هناك سوف يتأثرون بهذا، والصغير تنطبع في ذاكرته الصورة فلا ينساها، وإذا كان لا بُدَّ من النزهة فعليك ببيت الله (الكعبة) ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تحصل على خيرٍ وعلى أجرٍ، ولا تتكلف لا مالاً ولا تعباً بدنياً، ولا غير ذلك. السفر للمتعة المباحة قال رحمه الله: هناك صنف يسافر لمجرد المتعة لكنها متعة حلال، وهذا جائز، فله أن يسافر وإن كان سينفق أمواله، لكنه سيُنفقها في مباح, والنفوس تكلُّ وتسأمُ وتتعب من الدروس، فإذا انطلقت وذهبت لينفس الإنسان عن نفسه، فلا حرج, فالدين والحمد لله يُسر، لكن بشرط ألا يذهب إلى محرم، فمثلاً: لا يذهب إلى أماكن الأغاني والمطربين والملحنين، لأن شهود أهل الباطل باطل، وقد قال الله تبارك وتعالى: (وقد نزَّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفرُ بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره إنكم إذاً مثلهم) (النساء:140) فلا تشهد باطلاً، لا أغاني ولا رقصاً، ولا شيئاً محرماً، لأنك إذا فعلت ذلك فقد استعنت بنعم الله على معصية الله، وهذا لا يليقُ بالعاقل، فضلاً عن المؤمن. الذهاب لمدائن صالح (ديار ثمود) قال الشيخ رحمه الله: ما يفعله كثير من الناس الآن من الذهاب إلى ديار ثمود والاطلاع على ما كانوا عليه من القوة بدون اتعاظ القلب، وأنهم على ما كانوا عليه من القوة هذه أُخذوا بصيحة واحدة فإنه منهي عنه وقوله صلى الله عليه وسلم: (أن يصيبكم ما أصابهم) يحتملُ معنيين: الأول أن يصيبكم ما أصابهم من العذاب لأنكم في مكان عذاب والمعنى الثاني: أن يصيبكم ما أصابهم من التكذيب فإن تكذيب الرسل من أعظم المصائب فيخشى أن يقسو القلب إذا ذهب للتفرُّج فقط على أماكن المعذَّبين. وقال رحمه الله: ديارهم معروفة الآن موجودة في مكان يسمي الحجر، وقد مرَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى تبوك لكنه علية الصلاة والسلام أسرع حين مرَّ بهذه الديار وقنع رأسه ونهى أمته أن يدخلوا إلى هذه الأماكن أماكن المعذبين إلا أن يكونوا باكين قال: (فإن لم تكونا باكين فلا تدخلوها أن يصيبكم ما أصابهم) وقوله (أن يصيبكم ما أصابهم) لا يلزم منه أن يراد به ما أصابهم من العذاب الجسمي قد يكون المراد ما أصابهم من العذاب الحسي، وما أصابهم من الإعراض والكفر. وقال رحمه الله: من ذهب إليها للتنزه والفرجة، فإن ذلك لا يجوز, كما يصنع كثير من الناس اليوم يذهبون إليها لا على سبيل العظة والاعتبار، ولا يدخلونها وهم باكون، بل على سبيل الاطلاع فقط على آثار السابقين، وعلى سبيل النزهة، وهذا حرام ولا يحلُّ، وقال في [تصب:2/394]: الذين يذهبون إلى مدائن صالح، من أجل الاطلاع عليها والتفرج هذا مخالف لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم, وقد مرّ هو صلى الله وعلى آله وسلم بديار ثمود، فقنع رأسه، ثم أسرع المشي، فإذا مرّ الإنسان بديار ثمود فالسنة أن يفعل كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. وقال رحمه الله: إنني أحذر هؤلاء الذين يذهبون إلى ديار ثمود للفرجة من أن ينالهم ما نال هؤلاء، وليس المراد أن ينالهم رجفة أو صيحة تدمرهم لا، المراد هذا ومراد آخر وهو أن يبتلوا بتكذيب الرسول علية الصلاة والسلام أو الاستكبار عن طاعته، أو ما أشبه ذلك كما فعل قوم صالح. وقال رحمه الله: الأفضل ألا يدخل مدائن صالح، فإن دخل فلا يدخل إلا باكياً، وإنما قلنا: الأفضل ألا يدخل، لأن الإنسان قد يدخل على أنه واثق من نفسه أنه سوف يبكي ولكن لا يبكي. الأماكن التي تُزار في مكة والمدينة النبوية قال الشيخ رحمه الله: ليس هناك شيء يُزار في مكة إلا المسجد الحرام، والمقبرة، فالمقابر تُسنُّ زيارتها في كل بلد، ليتعظ الإنسان أما الآثار القديمة فلا يُتعبدُ بها ولا تُزارُ، ولا غار حراء، ولا غار ثور، ولا غيره. أما الأماكن التي تُزارُ في المدينة النبوية فهي: المسجد النبوي، وقبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبر صاحبيه، والبقيع، وقباءً، وشهداء أُحد. الذهاب لجبل الرماة قال الشيخ رحمه الله: من أعجب ما رأينا أن الجبل الذي يُدعى أنه جبل الرماة في أُحُدٍ, يذهب أناس إليه ويصعدون، وربما يدعون هناك وما أشبه ذلك، وهذا من الغرائب، فمكان وقعت فيه المعصية من الصحابة رضوان الله عنه جدير بأن يُتخذ مكان قربة؟! أبداً بالعكس، فالإنسان ربما يكره أن يراه خوفاً من أن يقع في قلبه شيء بالنسبة للصحابة رضي الله عنهم الذين وقعت منهم المعصية في ذلك المكان، لكن الجهل داء قاتل نسألُ الله العافية. سفر الزوجين بعد الزواج للنزهة والسياحة سئل فضيلة الشيخ: ما حكم ما يفعله بعض المتزوجين من السفر للنزهة والسياحة إثر عقد الزواج سواء إلى بلد مسلم أو غير مسلم؟ فأجاب الشيخ رحمه الله: الذي نرى أن هذا ليس فيه إلا التعب والعناء والمشقة وإضاعة المال والبعد عن الأهل، وهذا شيء حادث عند الناس وليس معروفاً فيما سبق، ولا معروفاً في عهد الصحابة رضي الله عنهم ولا عهد التابعين، ولا أظنه إلا أتى من بلاد الكفر أو من يقلد أهل الكفر، هذا بغض النظر عما يترتب على ذلك من أضرار في الخُلُق وفي الدين وتفويت المصالح فيما إذا كان السفر إلى بلاد كافرة أو بلاد مسلمة لكنها من حيث التمسك والالتزام تشبه البلاد الكافرة، وأرى إذا كان الإنسان لا بد أن يسافر فعليه أن يسافر إلى مكة والمدينة، فيحصل له بذلك عمرة وزيارة للمسجد النبوي، ثم إلى ما شاء من منتزهات المملكة, لأن هذا أقل مؤونة، وأريح للقلب وأشرح للصدر، وأبعد عن مواضع الفتنة، هذا إذا كان الأمر لا بد منه وإلا فالأولى والأحسن أن تبقى المسائل على طبيعتها، وأن يبقى في بلده ولا حاجة إلى السفر. المراجع: كتب الشيخ رحمه الله التي تم الرجوع إليها تفسير سورة غافر تفسير سورة الحجرات التعليق على صحيح البخاري التعليق على المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم شرح رياض الصالحين شرح اقتضاء الصراط المستقيم شرح ثلاثة الأصول شرح حلية طالب العلم اللقاءات الشهرية لقاءات الباب المفتوح فتاوى في العقيدة الزواج ومجموعة أسئلة في أحكامه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين #السفر #السياحة والترفيه #العلامة ابن عثيمين #مقال #فهد بن عبد العزيز الشويرخ التعليقات مقالات ذات صلة فوائد مختصرة من تفسير سورة الحجرات للعثيمين فهد بن عبدالعزيز الشويرخ فوائد مختصرة من تفسير سورة الحجرات للعثيمين 5 دقائق 558 التضرع إلى الله عند نزول الشدة والبأساء فهد بن عبدالعزيز الشويرخ التضرع إلى الله عند نزول الشدة والبأساء 3 دقائق 1.1K من أقوال السلف في الدنيا فهد بن عبدالعزيز الشويرخ من أقوال السلف في الدنيا 11 دقيقة 1.2K فوائد مختصرة من تفسير سورة آل عمران للعثيمين فهد بن عبدالعزيز الشويرخ فوائد مختصرة من تفسير سورة آل عمران للعثيمين 20 دقيقة 1.6K التلاوات 159,483 المحاضرات 157,007 المقالات 26,166 المرئيات 16,556 الكتب المسموعة 1,270 التصنيفات 1,304 الصور 2,923 المصاحف الكاملة 1,047 السلاسل العلمية 4,420 سلاسل المقالات 713 سلاسل المرئيات 220 الكتب 6,916 العلماء والدعاة 10,064 اليوتيوب 3,716 التلاوات 159,483 المحاضرات 157,007 المقالات 26,166 المرئيات 16,556 الكتب المسموعة 1,270 التصنيفات 1,304 الصور 2,923 المصاحف الكاملة 1,047 السلاسل العلمية 4,420 سلاسل المقالات 713 سلاسل المرئيات 220 الكتب 6,916 العلماء والدعاة 10,064 اليوتيوب 3,716 شعار مجموعة مواقع مداد المؤسس والمشرف سعد بن زيد آل محمود موقع مداد كلمة المشرف من نحن اتصل بنا شارك معنا ألبومات الصور القرآن الكريم المصاحف السور القرّاء الروايات أنواع المصاحف السلاسل العلمية سلاسل العلمية سلاسل للمتخصصين المحاضرات العلماء والدعاة المقالات جديد المقالات سلاسل المقالات قائمة الكتّاب الكتب الكتب المقروءة سلاسل الكتب المقروءة الكتب المسموعة سلاسل الكتب المسموعة قائمة الكتّاب المرئيات يوتيوب مداد المقاطع المرئية سلاسل المرئيات العلماء والدعاة blogger tumblr instagram twitter facebook youtube midad موقع مـداد علمي شرعي ثقافي غير متابع للأخبار و المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر. الوقفة كاملة
٧ الحمد لله. لقد اعتنى الإسلام بأمر السجون وأحوال المسجونين عناية عظيمة قلَّ أن يوجد لها نظير في أي مكان أو زمان ، وذلك بما قرره الفقهاء في كتبهم من الأحكام المتعلقة بالسجناء وأحوالهم وكيفية التعامل معهم ، وهذا الاهتمام نابع من اهتمام الإسلام بكرامة الإنسان وحفظه لآدميته . ولتسهيل الأمر وتوضيح الأحكام في هذا الشأن فقد قسم أهل العلم الكلام في هذه المسألة إلى قسمين : أحكام متعلقة بصحة السجين الشخصية ، وأحكام متعلقة بالعناية الصحية بالمكان المتخذ للسجن . أولاً : الأحكام المتعلقة بصحة السجين الشخصية : 1 - سجن المريض : بحث الفقهاء مسألة سجن المريض ابتداء ، هل يحق للوالي أن يسجن الشخص المريض ؟ والجواب أن هذه المسألة مسألة اجتهادية يرجع فيها البَتّ إلى القاضي ، من خلال تقديره لموجب السجن وخطورة المرض وإمكان رعاية السجين في سجنه . فمتى توفرت الرعاية الصحية الكافية للمريض في سجنه ولم يكن ذا مرض خطير قد يفضي به إلى الهلاك لو سجن ، جاز سجنه ، وإذا لم يتوفر ذلك يوكل به القاضي من يعالجه ويحفظه دون تركه كُليّة حتى يعود بالإمكان سجنه . 2 - إذا مرض السجين داخل السجن : إذا مرض المسجون في سجنه وأمكن علاجه داخله فإنه يجب علاجه دون إخراجه ، ولا يمنع الطبيب والخادم من الدخول عليه لمعالجته وخدمته ، ولو تسبب عدم علاجه في هلاكه يترتب على ذلك مسؤولية جزائية وعقوبة على المتسبب في ذلك . وقد مَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بأسير في وثاقه ، فناداه : يا محمد يا محمد ، فأتاه فقال : ما شأنك ؟ قال : إني جائع فأطمعني وظمآن فاسقني . فأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء حاجته . رواه مسلم 3/1263 . ولا شكّ أن العلاج من حاجة المريض . أما إذا لم يمكن علاجه داخل السجن ، فيجب إخراجه إلى حيث يمكن معالجته تحت إشراف السجن وأن يوكل به من يراقبه ويحرسه . هذا ولم يفرّق الفقهاء بين الأمراض العضوية أو النفسية ( النفسية الحقيقية وليست النفسية الكاذبة أو العاديّة التي يتّخّذها كثير من المحامين وسيلة لتبرئة المجرمين ) ، لذا ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه لا يجوز قفل باب السجن على المسجون - إذا أمن عدم هربه - ولا جعله في بيت مظلم ولا إيذاؤه بحال أو أي شيء من شأنه إثارة الذعر في نفسه . كما لا ينبغي منع أقاربه من زيارته لما في ذلك من أثر صحي ونفسي عليه . 3 - يشرع للوالي أو من ينوبه تخصيص قسم طبي في السجن يهتم بشؤون المسجونين الصحية وأحوالهم ، وهذا يغني عن إخراجهم إلى المستشفيات العامة وتعريضهم للإهانة أو التحقير . 4 - ينبغي تمكين السجين من رؤية زوجته ، ومعاشرتها إذا توفر المكان المناسب لذلك في السجن ، حفاظا عليه وعلى أهله . 5 - نص الفقهاء على وجوب تمكين السجين من الوضوء والطهارة ، ولا شك أن هذا من العوامل الوقائية المهمة من المرض . ثانياً : الأحكام المتعلقة بالعناية الصحية بالمكان المتخذ للسجن : ينبغي أن يكون المكان المتخذ للسجن مكانا واسعا نظيفا ذا تهوية جيدة تصله أشعة الشمس تتوفر فيه كل المرافق الصحية التي تستلزمها طبيعة الحياة . ولا يجوز جمع عدد كبير من المسجونين في مكان واحد بحيث لا يستطيعون الوضوء والصلاة . ثالثاً : هذه بعض الأمور التي نص الفقهاء على تحريم استخدامها في تأديب المسجون أو التعامل معه : 1- التمثيل بالجسم : فلا تجوز معاقبة السجين بقطع شيء من جسمه أو كسر شيء من عظمه وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التمثيل بالأسرى فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تمثلوا ) رواه مسلم 3/1357 . 2- ضرب الوجه ونحوه ، لما فيه من الإهانة ، كما لا يجوز وضع الأغلال في أعناق المسجونين أو مدّهم على الأرض لجلدهم ولو حدا ، لما فيه من الإهانة والضرر الصحي والجسدي على المسجون . 3- التعذيب بالنار ونحوها أو خنقه أو غطّه في الماء ، إلا إذا كان هذا على وجه المماثلة والقصاص ، كأن يكون السجين قد اعتدى على غيره بأن حرقه بالنار ونحوه فيجوز استيفاء الحق منه على نفس الوجه . 4- التجويع والتعريض للبرد ، أو إطعامه ما يضرّه ويؤذيه ، أو منعه من اللباس ، فإن مات المحبوس بسبب هذه الحال ، فحابسه معرّض للقتل قصاصا أو دفع الدية . 5- التجريد من الملابس لما فيه من كشف العورة وتعريض السجين للمرض البدني والنفسي . 6- منعه من قضاء حاجته ومن الوضوء والصلاة : ولا يخفى ما في ذلك من ضرر صحي على السجين . صور من اهتمام المسلمين بالسجناء : - الحديث السابق الذكر الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بالاهتمام بالأسير وتلبية حاجته من الطعام والشراب ، وكثيرا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدفع بالأسرى ونحوهم على أصحابه ويوصيهم بهم خيرا . - كان الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتفقد السجون ويشاهد من فيها من المسجونين ويفحص عن أحوالهم . - كتب عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس إلى عماله يقول : انظروا من في السجون وتعهدوا المرضى . - جعل الخليفة المعتضد العباسي من الميزانية 1500 دينار شهريا لنفقة المسجونين وحاجاتهم وعلاجهم ونحوه . - لما سجن الخليفة العباسي المقتدر أحد وزرائه وهو ابن مقلة ، ساءت أحوال الوزير فأرسل له الطبيب المشهور ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة ليعالجه في سجنه وأوصاه به خيرا . وكان الطبيب يطعم السجين بيده ويرفق به وبحاله . - وكتب الوزير علي بن عيسى الجراح في زمن الخليفة المقتدر إلى رئيس مستشفيات العراق حينذاك يقول له : ( فكرت مد الله في عمرك في أمر من بالحبوس - أي السجون - وأنه لا يخلو مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض ، وهم معوّقون عن التصرف في منافعهم ولقاء من يشاورونه من الأطباء فيما يعرض لهم ، فينبغي أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم في كل يوم ، وتحمل لهم الأدوية والأشربة ، ويطوفون على سائر الحبوس ويعالجون فيها المرضى ويزيحون عللهم فيما يصفونه لهم ) واستمر هذا الحال خلافة المقتدر والقاهر والراضي والمتقي . للمزيد يُراجع : أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام ص367-379 ، والموسوعة الفقهية ج16 ص320-327 . الوقفة كاملة
٨ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذِي الفضل والإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له الملِك العلاّم، وأشهد أنّ نبيّنا محمّدًا عبده ورسوله سيّد الأنام، اللهمَّ صلِّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ما تعاقبتِ الدهور والأعوام. وبعــد: لقد كتب الله على نفسه الرحمة، ونشر رحمته بين العباد، وجعلها واسعة بفضله حتى وسعت كل شيء، يقول سبحانه: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]، ومن رحمته جل وعلا بنا أن جعل لنا مواسم ونفحات تُضاعف فيها الحسنات، وتزداد فيها الدرجات، ويستدرك العبد بها ما فات، فالسعيد من تنبه لها، واستفاد منها. والشقي من غفل عنها، وضيّع نفسه. ومن هذه المواسم المباركة أيام عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا، فأيامها أفضل من أيام رمضان وليالي رمضان أفضل من ليالي ذي الحجة على الصحيح من أقوال أهل العلم. إنها أيامٌ: أقسم الله بها ولا يقسم ربنا إلا بعظيم من المخلوقات أو الأوقات، قال تعالى: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 2]، وهي عشر ذي الحجة كما قال أهل التفسير. إنها أيامٌ: فيها الأيام المعلومات التي أمرنا الله أن نذكره فيها، قال عز وجل: ) وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ( ]الحج: من الآية 28[. قال ابن عباس رضي الله عنه: "أيام العشر". إنها أيامٌ: تجتمع فيها العبادات ولا تجتمع في غيرها، فهي أيام الكمال، ففيها الصلوات كما في غيرها، وفيها الصدقة لمن حال عليه الحول فيها، وفيها الصوم لمن أراد التطوع، أو لم يجد الهدي، وفيها الحج إلى البيت الحرام ولا يكون في غيرها، وفيها الذكر والتلبية والدعاء الذي تدل على التوحيد، واجتماع العبادات فيها شرف لها لا يضاهيها فيه غيرها ولا يساويها سواها. إنها أيامٌ: فيها يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة. وهو يوم مغفرة الذنوب، والتجاوز عنها، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة». إنها أيامٌ: فيها يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو أفضل الأيام كما في الحديث: «أفضل الأيام يوم النحر» [رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح]. ، وفي يوم النحر معظم أعمال النسك للحجاج من رمي الجمرة، وحلق الرأس، وذبح الهدي، والطواف والسعي، وصلاة العيد، وذبح الأضحية. إنها أيامٌ: يهتف فيها الناس من كل أجزاء الأرض "لبيك اللهم لبيك"، إنها أيام تلبية لله، أيام يقول كل العباد بسان حالهم : "أتينا يارب، مقبلين يارب، تائبين يارب، معظّمين لك يارب. إنها أيامٌ: العمل الصالح فيها أحب الى الله، فقد صح فيها حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْء». [أخرجه البخاري ومسلم]. إنها أيامٌ: للعامل فيها ثواب المجاهدين يقول صلى الله عليه وسلم : «ما من عمل أزكي عند الله ولا أعظم أجرًا من خيرٍ يعمله في عشر الأضحى، قيل يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْء» [صحيح الترغيب والترهيب «1148»]. إنها أيامٌ: لمن يشعر أن الله غاضب عليه، فلو أن واحدًا منا كان مدير العمل عنده غضبان منه سيقول لنفسه: ما هو أكثر يوم مناسب لكي أُصالحه فيه؟!،وما هي أحبّ هدية هو يريدها؟ هذه هي عشر ذي الحجة. . . . أحب الأيام الي الله، فبادر إلى مصالحة ربك بأحب الأعمال إليه. في هذه الأيام فرصة عظيمة من أجل أن يبادر كل واحد منا لكي يصالح ربه ويسترضيه . يامن فاته اغتنام رمضان: الباب لم يُقفل !! فلا تيأس فإن أبواب رحمة الله لن تُغلق، الكنوز والحسنات لن تُغلق، أبواب خزائن الله لن تُغلق، أبواب السماء أمام دعائي ودعائك لن تُغلق، أتى موسم عظيم للعبادة مرة أخرى. إنها أيامٌ: كان سلفنا الصالح يعظمونها ويقدرونها حق قدرها، قال أبو عثمان النهدي كما في لطائف المعارف: «كان السلف ـ يعظّمون ثلاثَ عشرات: العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأول من المحرم». وقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة بعشرة آلاف يوم»، يعني في الفضل، وروي عن الأوزاعي أنه قال: «بلغني أن العمل في يوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله، يصام نهارها ويحرس ليلها، إلا أن يختص امرؤ بالشهادة». يا له من موسم يُفتح للمتنافسين و يا له من غبنٍ يحق بالقاعدين والمعرضين، فاستبقوا الخيرات وسارعوا إلى مغفرة من الله وجنةٍ عرضها السماوات والأرض، وإياكم والتواني،وحذار من الدعة والكسل. إنها أفضل أيام الدنيا: أفضل أيام الدنيا، يعني أفضل صلاة فجر سوف تصليها طوال السنة، يعني أفضل جلسات ضُحى ستقعدها طوال السنة، يعني أفضل تلاوة قرآن وذكر لله ستذكره طوال السنة، أفضل أيام الدنيا يعني أفضل صيام نافلة ستصومه طوال السنة. هذه أحب الأيام إلى الله في العبادة يعني لن يأذن الله لأحد يعبده فيها إلا أحب العباد إليه سبحانه؛ بمعني لو أردت أن تعرف. . . هل ربنا يحبك أم لا؟ انظر. . . . هل سيفتح الله عليك في العبادة فيها أم لا؟ تريد أن تعرف كم يحبك الله؟ ؟ انظر لربك كم سيُفتح عليك في العبادة في هذه الأيام؟! أخي الحبيب أختي الحبيبة: لكي تفوزوا بهذه الأيام عليكم بعشر: 1- الحـج: من أجلِّ الأعمال الصالحة التي تشرع في هذه العشر أداء مناسك الحج الذي أوجبه الله تعالى على كل مسلم قادر تحققت فيه شروط وجوبه، قال صلى الله عليه وسلم : «من حجَّ هذا البيتَ فلم يرفث ولم يفسُق رجع من ذنوبه كيوم ولدَته أمُّه» [متفق عليه]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «تابِعوا بين الحجِّ والعمرة؛ فإنّهما ينفيان الفقر والذنوبَ كما ينفي الكير خَبثَ الحديدِ والذّهب والفضَّة، وليس للحجّة المبرورةِ ثوابٌ إلاّ الجنّة» [رواه الترمذيّ والنسائي وسنده صحيح ]. أخي الحبيب: يا من حُرمت الحج هذا العام وكلنا شوق. . . . وشوقاه إلى البيت العتيق، وشوقاه إلى الطواف، وشوقاه إلى عرفات، وشوقاه إلى زمزم. إلى من يرغب في الحج ولم يقدر ليكون من وفد الحجاج هذا العام بين يديك ثلاث فُرص للحج: الفرصة الأولى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من صلى الغداة في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة »[أخرجه الترمذي وهو في صحيح الترغيب والترهيب (461)]. الفرصة الثانية: قال صلى الله عليه وسلم: « من مشى إلى صلاة مكتوبة في الجماعة فهي كحجة »[حسنه الألباني في صحيح الجامع، حديث رقم(6556)]. الفرصة الثالثة: قال صلى الله عليه وسلم: « من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلّمه كان له كأجر حاج تاما حجته»[ رواه البخاري رقم ( 662 ) ، ومسلم رقم ( 669 )] 2-الصيـــــام: يستحب الإكثار من الصيام في أيام العشر، ولو صام التسعة الأيام لكان ذلك مشروعًا، لأن الصيام من العمل الصالح، قال: «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا» [أخرجه البخاري ومسلم]. ويزداد أجر الصيام إذا وقع في هذه الأيام المباركة، قال النوويّ رحمه الله: «فليس في صومِ هذه التسعة ـ يعني تسع ذي الحجّة ـ كراهةٌ شديدة، بل هي مستحبّة استحبابًا شديدًا»[ شرح صحيح مسلم (8/71)]. ويكفيك من ثواب الصيام أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :«من خُتِم له بصيام يوم يريد به وجه الله عز وجل أدخله الله الجنة» [رواه الأصبهاني، وصححه الالباني في صحيح الجامع ،حديث رقم(6224)]. وفي هذه الأيام يوم عرفة، الذي صيامه يكفر ذنوب عامين ، لحديث أبي قتادةَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ عن صيامه: « إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله»[ أخرجه مسلم في الصيام (1162)]. يا الله ما اكرم الله صيام (12) ساعة يساوي مغفرة (24) شهر يعني الساعة بشهرين والدقيقة في عرفة بيوم مما سواه فأين المشمرون. 3-القــرآن: القرآن التجارة التي لن تبور، حاول أن تختمه في هذه العشر، قال صلى الله عليه وسلم: «لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آية أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل»[ صحيح مسلم (1336) ]. القرآن رسالة ربانية بعثها الله لك فأحسن استقبالها والـتأمل فيها، وصُحبتها. القرآن دواءٌ لما في قلبك من أمراض؛ فانهل من هذا الدواء لتنال الشفاء والهدى والنور. القران كلام الله لن تتقرب إلى الله بمثله تلاوةً وتدبرًا وتحكيمًا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » عليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء، وذكرك في الأرض »[السلسلة الصحيحة ،حديث رقم(555)]. يامن بخل عن المصحف بدقائق يبذل أضعافها في مشاهدة مباراة، أو تصفح وسائل التواصل. أخي الحبيب: احرص ان استطعت على ختم القران في هذه العشر، يعني كل يوم ثلاثة أجزاء، يعني نصف مليون حسنة، ولا تنس بناء قصر في الجنة كل يوم بقراءة سورة الإخلاص عشر مرات كما جاء في الحديث الحسن قوله صلى الله عليه وسلم « من قرأ (قل هو الله أحد ) حتى يختمها عشر مرات بنى الله قصراً في الجنة »[السلسلة الصحيحة ،رقم الحديث(589)]. 4-الصــلاة: قال صلى الله عليه وسلم : «الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر» [صحيح الجامع (3870)]، وصح عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «ما عمل ابن آدم شيئاً أفضل من الصلاة وصلاح ذات البين وخلق حسن». [ صحيح الجامع (3518)]. ولا تنس أخي بناء بيت في الجنة بصلاة اثنتي عشرة ركعةً تطوع من غير الفريضة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى لله اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتًا في الجنة » [صحيح مسلم (1164)]. وصلاة الضحى ركعتان أو أكثر، و قيام الليل ففي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم ذكر منهم الذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن يقوم من الليل فيقول الله: يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد» [الطبراني بإسناد حسن]. المحافظة على النوافل سبب من أسباب محبة الله، ومن نال محبة الله حفظه وأجاب دعاءه، وأعاذه ورفع مقامه، لأنها تكمل النقص وتجبر الكسر وتسد الخلل؛ فحافظ أخي على تكبيرة الإحرام والصف الأول فإن الله وملائكته يصلون على الصف الأول. 5- الذكـر: الذكر هو أحب الكلام إلى الله تعالى، وهو سبب النجاة في الدنيا والآخرة، وهو سبب الفلاح، به يُذكر العبد عند الله، ويصلي الله وملائكته على الذاكر، قال يحيي بن معاذ: "يا غفول يا جهول لو سمعت صرير الأقلام وهي تكتب أسمك عند ذكرك لمولاك، لمت شوقًا إلا مولاك"، وقال أبو بكر رضي الله عنه: "ذهب الذاكرون لله بالخير كله "، وقال ابن القيم: " الذكر باب المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم". وهو أقوى سلاح، وهو خير الأعمال وأزكاها وأرفعها في الدرجات، وخير من النفقة، به يُضاعف الله الأجر، ويُغفر الوزر، ويُثقل الميزان، يقول تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 28]، روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد»، وكان أبو هريرة وابن عمر رضي الله عنهما إذا دخلت عشر ذي الحجة يخرجان إلى السوق يكبران فيكبِّر الناسُ بتكبيرهما. [ رواه البخاري]. والتكبيرُ عند أهلِ العلم مطلقٌ ومقيّد، فالمطلق يكونُ في جميع الأوقات في الليل والنهار من مدّة العشر، والمقيّد هو الذي يكون في أدبارِ الصّلواتِ فرضِها ونفلِها على الصّحيح، مِن صُبح يومِ عرفة إلى العصرِ من آخر أيّام التشريق (الثالث عشر )وأمّا للحاجّ فيبدأ التكبيرُ المقيّد عقِب صلاةِ الظهر من يوم النحر. وصحّ عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما صيغة: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. ومن الذكر الاستغفار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من أحب أن تسره صحيفته، فليكثر من الاستغفار»[ أخرجه البيهقي بإسناد حسن عن الزبير، وهو في السلسلة الصحيحة برقم (2299)] ، وقال رسول الله: صلى الله عليه وسلم»: من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة «[حسنه الالباني في صحيح الجامع]. 6-الصدقـة: الصدقة، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وتفريج المؤمن وإدخال السرور على نفسه وطرد الهم عنه مما يحبه الله تعالى، فبالصدقة ينال الإنسان البر ويضاعف له الأجر ويظله الله في ظله يوم القيامة، ويُفتح بها أبواب الخير ويغلق بها أبواب الشر، ويفتح فيها باب من أبواب الجنة، ويحبه الله ويحبه الخلق، ويكون بها رحيمًا رفيقًا، ويزكي ماله ونفسه، ويغفر ذنبه، ويتحرر من عبودية الدرهم والدينار، ويحفظه الله في نفسه وماله وولده ودنياه وآخرته. فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أحب إلى الله أي الأعمال أحب إلى الله فقال : «أحب الناس إلى الله أنفعهم وأحب العمل إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عن كربه أو تقضى عنه دينًا أو أتطرد عنه جوعًا» [رواه الطبراني وصححه الألباني]. تصدّق ثم أبشر بالمضاعفة اللامحدودة لثوابك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« ما تصدّق أحد بصدقة من طيب – ولا يقبل الله إلا الطيب – إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل »[ رواه البخاري ومسلم]. أيها الحبيب: القصص متواترة عن اقوام ابتلاهم بأمراض فطافوا المستشفيات فما استطاع الأطباء علاجهم فتصدقوا فشفاهم الشافي، القائل: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾[الشعراء: 80-78] 7-الأضحيـة: شُرعت الأضاحِيَّ تقرُّبًا إلَى اللهِ بدمائِهَا، وتصدقًًا علَى الفقراءِ بلحمِهَا، والأضحيةُ مِنْ شعائرِ الإسلامِ، وهِيَ رمزٌ للتضحيةِ والفداءِ، وسنةُ أبِي الأنبياءِ إبراهيمَ عليه السلام ، وهِيَ أحبُّ الأعمالِ إلَى اللهِ فِي يومِ العيدِ، فعَنِ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا عَمِلَ آدَمِىٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ إلى أَحَبَّ اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهَا لَتَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» [رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه ]، و الأضحية سنة مؤكدة يُكره للقادر تركها. وتجنب في اختيار الأضحية العوراء والعرجاء والمريضة والهزيلة والعضباء والهتماء، وأفضلها أكرمها وأسمنها وأغلاها ثمناً وقم بذبحها بنفسك، وإذا وكلت أحداً غيرك فلا بأس بذلك، وأرفق بالأضحية عند ذبحها، فلا تحد السكين أمامها، ومكنها من الأكل والشرب قبل ذلك، وحدّ شفرتك قبل ذبحها، ولا تذبح واحدة بحضرة الأخرى. أخي الكريم :انوي بالأضحية البر والصلة، وتحقيق التكافل، واطعام الطعام، وادخال السرور على الفقراء، ومواساة الجائع. 8-الدعـاء: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» [أخرجه الترمذي في الدعوات] قال ابن عبد البر: "وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره، وفي الحديث أيضًا دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب" [التمهيد (6/41)]. أيها المسلم: إذا جُمع مع الدعاء: حضور القلب وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تُقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم. وصادف: خشوعًا في القلب وانكسارًا بين يدي الرب واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنّى بالصلاة على محمد عبده ورسوله، ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار،وألحّ على الله في المسألة، وتوسّل إليه بأسمائه وصفاته وقدّم بين يدي دعائه صدقة، فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدًا. أخي المسلم : يوم عرفة يوم العتق من النار ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار»[ أخرجه مسلم]. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ليس في الأرض يوم إلا لله فيه عتقاء من النار، وليس يوم أكثر فيه عتقاً للرقاب من يوم عرفة، فأكثر فيه أن تقول: اللهم أعتق رقبتي من النار". خير الدعاء يوم عرفة فاجمع امورك أخي الحبيب، واكتب ما تريد ه من الله، وادع لدينك، ولنفسك، ولأهلك ولبلدك ولأمتك. 9- التوبة والبعد عن المعاصي: ومما يجب في هذه العشر وفي كل زمان التوبة النصوح والرجوع إلى الله والإقلاع عن المعاصي والذنوب، فالقرب من الله ليس بالطاعات فقط بل بترك المعاصي والمحرمات ففي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم : «اتق المحارم تكن أعبد الناس»[ أخرجه أحمد (2/310)، والترمذي في الزهد (2305)، وأبو يعلى (6240)، والطبراني في الأوسط (7054)] ، وإياك أن تنتهك محارم الله حين يُغلق عليك الباب؛ فتطلق بصرك ولسانك في ما لا يحل، فالمعاصي في الأيام المفضلة والأمكنة المفضلة تُغلَّظ، وعقابها بقدر فضيلة الزمان والمكان كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن أهم المحارم والنواهي التي تُجتنب: النظر الى ما حرم الله، وآفات اللسان من كذب وغيبة ونميمة وشهادة زور وسباب ولعن، وآفات السمع وهي الاصغاء والاستماع إلى ما حرم الله، وآفات القلب من خيانة وعجب وكبر وغرور، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: 8]، فسارع إلى التوبة الصادقة بالكف عن المحرمات والتحلل من المظالم ورد الحقوق والبعد عن الفواحش. أخي الحبيب: سابق في هذه العشر بكل عمل صالح، وأكثر من الدعاء والاستغفار، وتقرب إلى الله بكل قُربة، عسى أن تفوز فوزًا عظيمًا. جعلنا الله وإياك من المسارعين في الخيرات والذين هم لها سابقون. 10- يوم النحر( يوم العيد): إنه يوم الثج والعج، يوم يؤدي الحجاج معظم المناسك يطوفون يرجمون يحلقون ينحرون .يوم الفرح بطاعة الله تعالى، يوم صلة الارحام، يوم الإخاء والمحبة، يوم ننسى فيه الشحناء . احرص أخي على شهود صلاة العيد مع المسلمين، والتكبير من فجر يوم التاسع إلى آخر أيام التشريق، ولتأتي من طريق وترجع من آخر وتتجمل بأفضل ما عندك وليس بأحسن ما في السوق . ولا تأكل شيئاً قبل الصلاة حتى ترجع بعد الصلاة والخطبة، فتذبح الأضحية وتأكل منها كما هي السنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والسنة في تقسيمها ثلاثاً، ثلث يؤكل، وآخر يهدى، وآخر يتصدق به على الفقراء، ووقت الذبح بعد صلاة العيد إلى آخر يوم الثالث عشر من ذي الحجة. أخي الكريم :لا تجعل العيد موسم معاصي، وتذكر أن الحكمة من العيد أنه يوم شكر وذكر وعمل بر ، واحذر الوقوع في المحرمات مما قد يكون سبباً لحبوط الأعمال الصالحة التي عملتها في أيام العشر.. احرص على صلة الرحم ولو قطعوه، ووسع على أهلك ,ارحامك، وأدخل عليهم السرور، واحرص على سنن العيد. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياك الى فعل كل خير واجتناب كل شر، وأن يكتب لنا وإياك في هذه الأيام المبارك خير ما كتبه لعباده الصالحين . وصلّ الله اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.???? الوقفة كاملة

احكام وآداب

١ بسم الله الرحمن الرحيم وقفات مع قوله تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ الشيخ/ خالد بن عثمان السبت الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فهذه وقفات مع آية الإسراء، وهي قوله تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [(36) سورة الإسراء]. الوقفة الأولى: في تعلق الآية واتصالها بما قبلها من الآيات: لما ذكر الله تعالى أوامر ثلاثة قبل هذه الآية ذكر نواهي، فنهى عن ثلاثة أشياء. الوقفة الثانية: في قوله: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ: دعوة إلى التحري والتثبت، والمعنى: لا تتبع ما ليس لك به علم، بل الواجب أن تتثبت في كل ما تقوله أو تعمله أو تتلقاه. ومعلوم أن التثبت في كل الأمور دليلٌ على حسن الرأي وجودة العقل والنظر، وبذلك تنكشف الأمور وتتبين الأحوال، وبالتالي يقرر العبد ماذا يعمل أو يعتقد ويقبلُ وماذا يترك. والمتثبت يُعمِل فكره وعقله ويشاور غيره، وهذا من أعظم الأسباب المعينة على الوصول للحق والصواب. وبهذا يجتاز العبدُ أسباب الندم والحسرة، وغير ذلك من الأمور الجالبة للشقاء بإذن الله تعالى. الوقفة الثالثة: في قوله: وَلاَ تَقْفُ: جاء بعد أداة النهي "لاَ" الفعلُ المضارع تَقْفُ، والقاعدة أن الفعل إذا ورد بعد النهي فإنه يدل على العموم. والمحصلة من هذا هنا هي أن الله تعالى نهى الإنسان أن يتبع ما ليس له به علم مطلقاً، وهذا يشمل جميع الأحوال والأزمان والأمكنة؛ لأن العموم ينصب على هذه الأمور جميعاً، فالعبد منهي عن اتباع ما ليس له به علم في كل وقت وفي كل قضية، سواءً كانت تتعلق بحقوق الله أو حقوق الآدميين أو غير ذلك من الأمور، ويبين هذا أيضاً ما يأتي في: الوقفة الرابعة: وهي أن قوله: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ: عام لكل شيء؛ وذلك أن لفظة "مَا" تفيد العموم فهذا يشمل الكلام في الأعراض من الغيبة والنميمة؛ لأنها تقال من وراء الإنسان (القفا) والقذفَ والبهتَ والكذبَ وسائر أنواع الاعتقادات الباطلة هذا فيما يفعله الإنسانُ ويبتدئه، وهكذا الشأن فيما يتلقفه عن غيره من تصديق الأقوال والإشاعات الكاذبة، واتهام الصالحين والوقيعة في أعراضهم، وأن يقول: سمعتُ ولم يسمع وتقبل الأفكار الفاسدة، والمذاهب المنحرفة، والتقاليد المستوردة، وهذا يكثر وقوعه في جانب النساء من تتبع الموضات والتشبه بالكافرات والفاسقات، والتزيي بزيهن من الملابس الفاضحة، والموديلات العارية وغير ذلك من الشر المستطير الذي وصل إلى الأمة من أعدائها، فالواجب على العبد أن يضبط جميع تصرفاته فلا يحكم إلا بعلم، ولا يعتقد إلا بعلم، ولا يفعل شيئاً إلا بعلم. "والله يحب الكلام بعلم وعدل، ويكره الكلام بجهل وظلم، وقد حرم سبحانه الكلام بلا علم مطلقاً، وخص القول عليه بلا علم بالنهي، فقال تعالى: وَلاَ تَقْفُ، وقال: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ... [(33) سورة الأعراف]. وأمر بالعدل على أعداء المسلمين، فقال: كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [(8) سورة المائدة]"([1]). الوقفة الخامسة: في قوله تعالى: وَلاَ تَقْفُ: نهي، ومعلوم أن النهي يدل على التحريم إلا لقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه إلى غير ذلك مما يدل على أن اقتفاء العبد ما لا علم له به يعد من الأمور المحرمة. الوقفة السادسة: أصل (القفو) الاتباع، تقول: قفوت أثر فلان إذا تتبعت أثره. ومعلوم أن الإنسان يكون أسيراً لما يتلقفه من أفكار ومعتقدات فيتبعها ويعمل بمقتضاها، وبهذا تعرف خطورة هذا الجانب. الوقفة السابعة: في قوله: إِنَّ السَّمْعَ الخ: الجملة هنا تعليلية؛ لأن "إنَّ" تأتي للتعليل، والمعنى على هذا: انته عما لا يحل لك؛ لأن الله أنعم عليك بالسمع والبصر والعقل لتشكره، وهو مختبرك بذلك، وسائلك عنه فلا تستعمل نعمة الله في معصيته، قال الله تعالى: وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [(78) سورة النحل]([2]). الوقفة الثامنة: في قوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ: قُدِّم السمع على البصر وأُخِّر ذكرُ الفؤاد؛ لأنه منتهى الحواس ومستقر المعتقدات ومبعث الإرادات، والسمع والبصر طريقان له ونافذتان عليه، وبهما يصل إليه كثيرٌ من الأمور النافعة أو الضارة، فما تبصره العين يؤثر في القلب ولا شك، كالنظرة المحرمة.. الخ، وهكذا ما تسمع الأذنُ من خيرٍ وشر كالغناء. وقدَّم السمع على البصر؛ لأن أكثرَ ما ينسب الناس أقوالهم إلى السمع، ولأن إدراك السمع أعظم وأشمل من إدراك البصر؛ ذلك أن البصر إنما يدرك به ما كان في مواجهته خاصة، أما السمع فيدرك به جميع المسموعات التي تطرقه من جميع الجهات، وأيضاً فإن البصر لا يدرك به إلا الأجسام والأجرام، بخلاف السمع، فإن العبد يدرك به الأمور الحاضرة والغائبة مما أُخبر عنه، وهكذا فالترتيب الواقع بين هذه الأمور في الآية متدرج به من الأدنى إلى الأعلى، والله أعلم. الوقفة التاسعة: الفؤاد هو القلب، إلا أن فيه معنى زائداً على (القلب) وهو أنه يعتبر في هذه اللفظة (الفؤاد) معنى التفؤد أي التوقد؛ إذ إنه مبعث الإرادات، وآلة الإدراك، ومستقر العلم والعقل كما لا يخفى، ولهذا فإن التعبير بـ (الفؤاد) هنا أبلغ من التعبير بـ(القلب) والله أعلم. الوقفة العاشرة: في ذكر الفؤاد هنا مع السمع والبصر دليلٌ على المؤاخذة على الأمور القلبية، كما أن الإنسان يؤاخذ على ما يسمع ويبصر. ففيما يتعلق بالقلب فإن الإنسان يؤاخذ على المعتقدات التي يعتقدها فيثاب على التوحيد، ويعاقب على الشرك كما يؤاخذ على الأعمال القلبية الأخرى، فيثاب على اليقين والرضا والتوكل، ويعاقب على الأدواء التي تصيبه كالحسد والغل ونحو ذلك من سوء الظن... الخ، وهكذا العزم المصمم على المعصية([3]). الوقفة الحادية عشرة: قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله-: "ثم إن الله -سبحانه وتعالى- خلق القلب للإنسان يعلمُ به الأشياء، كما خلق له العين يرى بها الأشياء، والأذن يسمع بها الأشياء، كما خلق له سبحانه كل عضوٍ من أعضائه لأمر من الأمور، وعمل من الأعمال، فاليد للبطش، والرجل للسعي، واللسان للنطق، والفم للذوق، والأنف للشم، والجِلد للمس، وكذلك سائر الأعضاء الباطنة والظاهرة. فإذا استعمل الإنسان العضو فيما خُلق له وأُعد لأجله فذلك هو الحق القائم، والعدل الذي قامت به السماوات والأرض، وكان ذلك خيراً وصلاحاً لذلك العضو ولربه وللشيء الذي استُعمل فيه، وذلك الإنسان الصالح هو الذي استقام حاله، و أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [(5) سورة البقرة]. وإذا لم يُستعمل العضو في حقه بل ترك بطالاً فذلك خسران، وصاحبه مغبون، وإن استعمل في خلاف ما خُلق له فهو الضلال والهلاك، وصاحبه من الذين بدلوا نعمة الله كفراً. ثم إن سيد الأعضاء ورأسها هو القلب: كما سُمي قلباً، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)). وإذ قد خُلق القلب لأن يُعلم به فتوجهه نحو الأشياء ابتغاء العلم بها هو الفِكر والنظر، كما أن إقبال الأذن عن الكلام ابتغاء سمعه هو الإصغاء والاستماع، وانصراف الطَّرف إلى الأشياء طلباً لرؤيتها هو النظر. فالفِكر للقلب كالإصغاء للأذن، ومثله نظر العينين فيما سبق، وإذا عَلم ما نظر فيه فذاك مطلوبه، كما أن الأذن كذلك إذا سمعت ما أصغت إليه، أو العين إذا أبصرت ما نظرت إليه، وكم من ناظر مفكر لم يحصِّل العلم ولم ينله، كما أنه كم من ناظرٍ إلى الهلال لا يبصره، ومستمع إلى صوت لا يسمعه. وعكسه من يؤتى علماً بشيء لم ينظر فيه ولم تسبق منه إليه سابقةُ تفكير فيه، كمن فاجأته رؤية الهلال من غير قصد إليه أو سمع قولاً من غير أن يُصغي إليه؛ وذلك كله لا لأن القلب بنفسه يقبل العلم، وإنما الأمر موقوف على شرائط واستعداد قد يكون فعلاً من الإنسان فيكون مطلوباً، وقد يأتي فضلاً من الله فيكون موهوباً. فصلاح القلب وحقه والذي خلق من أجله هو أن يعقل الأشياء، لا أقول أن يعلمها فقط، فقد يعلمُ الشيء من لا يكون عاقلاً له، بل غافلاً عنه ملغياً له، والذي يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه، فيكون وقت الحاجة إليه غنياً فيطابق عمله قوله، وباطنه ظاهره، وذلك هو الذي أوتي الحكمة، وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [(269) سورة البقرة]. وقال أبو الدرداء: "إن من الناس من يؤتى علماً ولا يؤتى حكماً، وإن شداد بن أوس ممن أوتي علماً وحكماً". وهذا مع أن الناس متباينون في نفس عقلهم الأشياء من بين كامل وناقص، وفيما يعقلونه من بين قليل وكثير، وجليل ودقيق، وغير ذلك([4]). الوقفة الثانية عشرة: في قوله تعالى: كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً: الإشارة في قوله: أُولئِكَ عائدةٌ إلى ما سبق من السع والبصر والفؤاد، ومعلوم أن الإشارة بـأُولئِكَ مما يختص به العقلاء، وقد ورد استعمالها هنا مع هذه الآلات ولا إشكال في هذا؛ لأنه نزلها منزلة من يعقل ذلك أنها تُسأل عما تلقته كما تُسأل عن صاحبها كما سيأتي. ومعلوم أن غير العقلاء إذا نُزِّلوا منزلة العقلاء فإنهم يُعاملون معاملتهم من حيث الصيغ والعبارات في الضمائر وصيغ الجموع، كما في قوله تعالى عن الشمس والقمر: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [(4) سورة يوسف]، والأصل "رأيتها لي ساجدةً" لكن لمَّا كان السجود من أفعال العقلاء ووقع من هذه الجمادات نزِّلوا منزلة العقلاء. الوقفة الثالثة عشرة: يُلحظ في هذا القدر من الآية ما يلي: 1- أنه قَدَّم "كل" الدالة على الإحاطة، وكان بالإمكان الاستغناء عن هذه اللفظة فيكون الكلام: "إن السمع والبصر والفؤاد سُتسأل عما وقع منها كما ستُسأل عن صاحبها"، إلا أنه جاء بـ "كل" زيادة في التوكيد وتقرير المعنى، والله أعلم. 2- جاء باسم الإشارة "أولئك" دون الضمير، فلم يقل: "كلها كان عنه مسؤولاً" لما في الإشارة من زيادة التوكيد والتمييز. 3- جاء بفعل "كان" لدلالته على رسوخ الخبر؛ إذ إن هذا أمر واقع لا محالة، والله المستعان. الوقفة الرابعة عشرة: في قوله: كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً: قُدِّم المعمول "عنه" على عامله "مسؤولاً"، والقاعدة المعروفة في هذا الباب هي أن تقديم المعمولات على عواملها يفيد الاهتمام، والمعنى: كل السمع والبصر والفؤاد كان مسؤولاً عن نفسه، ومطالباً بأن يبين مستند صاحبه من حسه. الوقفة الخامسة عشرة: في قوله: مَسْؤُولاً السؤال هنا كناية عن المؤاخذة بالتقصير وتجاوز الحق، كما يقال: "أنت مسؤول عن تصرفاتك"، أو سُتسأل عن فعلك هذا، كما في قوله تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [(24) سورة النور]. الوقفة السادسة عشرة: في معنى قوله: كَانَ عَنْهُ أي كان -أي كل أولئك- عن الإنسان مسؤولاً، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ.. [(65) سورة يس]، وقوله: شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ [(20) سورة فصلت]، الآية. ويمكن أن يكون المعنى: أن الإنسان يُسأل عن سمعه وبصره وقلبه، ويدل على هذا قوله تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [(92- 93) سورة الحجر]، وقوله: وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [(93) سورة النحل]، وكلا المعنيين صحيح؛ لأن القاعدة أن الآية إذا احتملت معاني متعددة وأمكن حملها على جميع تلك المعاني من غير فساد للمعنى، فإنها تُحمل عليها جميعاً، لا سيما إذا دلَّ القرآن على هذه المعاني جميعاً في مواضع أخرى كما في هذه الآية، وهذا لا شك فيه إن شاء الله، والله أعلم. فالمحصِّلة أن السمع والبصر والفؤاد هذه كلها تُسأل عما تلقته، كما تسأل عن صاحبها، وأيضاً فإن صاحبها يحاسب عنها. الوقفة السابعة عشرة: في قوله: كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً: التفات؛ ذلك أن أول الآية ورد بأسلوب الخطاب: وَلاَ تَقْفُ، وجاء هذا الموضع بأسلوب الغيبة كَانَ عَنْهُ، وفي هذا من التفنن بالخطاب وتنشيط السامع ما فيه، والله أعلم. الوقفة الثامنة عشرة: إذا كان السمع والبصر والفؤاد منقسماً إلى ما يؤمر به وينهى عنه، والعبد مسؤول عن ذلك، فإن هذا يدعو إلى المراقبة والمحاسبة، والوقوف مع النفس ومساءلتها، والعبد مسؤول عن حركات هذه الجوارح، وهل هي حركات نافعة، بأن وضعت فيما يقرِّب إلى الله تعالى أم ضارة بأن وجهت لمعصية الله. فعلى العبد أن يتعاهدها بحفظها عن الأمور الضارة؛ ليعد لهذا السؤال جواباً، فمن استعملها في طاعة الله فقد زكاها ونماها، وأثمرت له النعيم المقيم، ومن استعملها في ضد ذلك فقد دساها، وأسقطها وأوصلته إلى العذاب الأليم، نسأل الله العافية. الوقفة التاسعة عشرة: في الآية أدب خُلقي رفيع، يعلم الأمة التفرقة بين مراتب الخواطر العقلية بحيث لا يختلط المعلوم والموهوم. الوقفة العشرون: في الآية إصلاح اجتماعي جليل يجنب الأمة الوقوع في المهالك؛ ذلك أن إهمال تلك الجوارح الثلاث من المراقبة يجعلها تنطلق بلا زمام فتتلقف ما فيه بوارها، فتدمّر الأمة بفساد عقائدها وأخلاقه، وتتفكك الأواصرُ بسبب فشو قالة السوء بين الناس.. الخ. قال شيخ الإٍسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله-: "ثم هذه الأعضاء الثلاثة هي أمهات ما ينال به العلم ويُدرك، أعني العلم الذي يمتاز به البشرُ عن سائر الحيوانات دون ما يشاركها فيه من الشم والذوق واللمس، وهنا يدرك به ما يحب ويكره وما يميز به بين من يحسن إليه ومن يسيء إليه إلى غير ذلك، قال الله تعالى: وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [(78) سورة النحل]. وقال: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ [(9) سورة السجدة]. وقال: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [(36) سورة الإسراء]. وقال: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً [(26) سورة الأحقاف]. وقال: خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [(7) سورة البقرة]. وقال فيما لكل عضو من هذه الأعضاء من العمل والقوة: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا [(179) سورة الأعراف]. ثم إن العين تقصر عن القلب والأذن، وتفارقهما في شيء وهو أنها إنما يرى صاحبها بها الأشياء الحاضرة والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص، فأما القلب والأذن فيعلم الإنسان بهما ما غاب عنه وما لا مجال للبصر فيه من الأشياء الروحانية، والمعلومات المعنوية، ثم بعد ذلك يفترقان: فالقلب يعقل الأشياء بنفسه إذا كان العلم هو غذاؤه وخاصيته، أما الأذن فإنها تحمل الكلام المشتمل على العلم إلى القلب، فهي بنفسها إنما تحمل القول والكلام، فإذا وصل ذلك إلى القلب أخذ منه ما فيه من العلم، فصاحبُ العلم في حقيقة الأمر هو القلب، وإنما سائر الأعضاء حُجَبَةٌ له توصل إليه من الأخبار ما لم يكن ليأخذه بنفسه، حتى إن من فقد شيئاً من هذه الأعضاء فإنه يفقد بفقده من العلم ما كان هو الواسطة فيه. فالأصم لا يعلمُ ما في الكلام من العلم، والضريرُ لا يدري ما تحتوي عليه الأشخاص من الحكمة البالغة، وكذلك من نظر إلى الأشياء بغير قلب أو استمع إلى كلمات أهل العلم بغير قلب فإنه لا يعقل شيئاً. فمدار الأمر على القلب، وعند هذا تستبين الحكمة في قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا [(46) سورة الحج]. حتى لم يذكر هنا العين كما في الآيات السوابق، فإن سياق الكلام هنا في أمور غائبة، وحكمة معقولة من عواقب الأمور لا مجال لنظر العين فيها، ومثله قوله: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ [(44) سورة الفرقان]. وتتبين حقيقة الأمر في قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [(37) سورة ق]. فإن من يؤتى الحكمة وينتفع بالعلم على منزلتين: إما رجل رأى الحق بنفسه فقبله فاتبعه ولم يحتج إلى من يدعوه إليه، فذلك صاحبُ القلب، أو رجلٌ لم يعقله بنفسه، بل هو محتاج إلى من يعلمه ويبينه له ويعظه ويؤدبه، فهذا أصغى فـأَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [(37) سورة ق]، أي حاضر القلب ليس بغائبه، كما قال مجاهد: "أوتي العلم وكان له ذكرى". ويتبين قوله: وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ* وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ [(42- 43) سورة يونس]. وقوله: وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [(25) سورة الأنعام]. ثم إذا كان حق القلب أن يعلم الحق فإن الله هو الحق المبين، فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ [(32) سورة يونس]، إذا كان كل ما يقع عليه لمحة ناظر أو يجول في لفتة خاطر، فالله ربه ومنشئه وفاطره ومبدئه، لا يحيط علماً إلا بما هو من آياته البينة في أرضه وسمائه، وأصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: "ألا كل شيء ما خلا الله باطل". أي: ما من شيء من الأشياء إذا نظرت إليه من جهة نفسه إلا وجدته إلى العدم، وما هو فقير إلى الحي القيوم، فإذا نظرت إليه وقد تولته يد العناية بتقدير من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، رأيته حينئذٍ موجوداً مكسواً حلل الفضل والإحسان، فقد استبان أن القلب إنما خُلق لذكر الله سبحانه، ولذلك قال بعض الحكماء المتقدمين من أهل الشام -أظنه سليمان الخواص -رحمه الله- قال: "الذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسد، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم، فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا"، أو كما قال. فإذا كان القلب مشغولاً بالله، عاقلاً للحق، متفكراً في العلم، فقد وضع في موضعه، كما أن العين إذا صُرفت إلى النظر في الأشياء فقد وضعت في موضعها، أما إذا لم يُصرف إلى العلم ولم يوع فيه الحق فقد نسي ربه، فلم يوضع في موضع بل هو ضائع، ولا يحتاج أن نقول: قد وضع في موضع غير موضعه، بل لم يوضع أصلاً، فإن موضعه هو الحق، وما سوى الحق باطل، فإذا لم يوضع في الحق لم يبق إلا الباطل، والباطل ليس بشيء أصلاً، وما ليس بشيء أحرى أن لا يكون موضعاً. والقلبُ هو نفسه لا يقبل إلا الحق، فإذا لم يوضع فيه فإنه لا يقبل غير ما خُلق له، سنة الله، وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [(62) سورة الأحزاب]، وهو مع ذلك ليس بمتروك مخلَّى فإنه لا يزال في أودية الأفكار وأقطار الأماني لا يكون على الحال التي تكون عليها العين والأذن من الفراغ والتخلي، فقد وضع في غير موضع لا مطلق ولا معلق، موضوع لا موضوع له، وهذا من العجب، فسبحان ربنا العزيز الحكيم، وإنما تنكشف للإنسان هذه الحال عند رجوعه إلى الحق، إما في الدنيا عند الإنابة، أو عند المنقلب إلى الآخرة، فيرى سوء الحال التي كان عليها، وكيف كان قلبه ضالاً عن الحق، هذا إذا صرف في الباطل. فأما لو تُرك وحالُه التي فُطر عليها فارغاً عن كل ذكر خالياً عن كل فكر فقد كان يقبل العلم الذي لا جهل فيه، ويرى الحق الذي لا ريب فيه، فيؤمن بربه وينيب إليه، فإن كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء لا يحس فيها من جدع، فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [(30) سورة الروم]، وإنما يحول بينه وبين الحق في غالب الحال شغله بغيره من فتن الدنيا، ومطالب الجسد، وشهوات النفس، فهو في هذه الحال كالعين الناظرة إلى وجه الأرض لا يمكنها أن ترى مع ذلك الهلال، أو هو يميل إليه فيصده عن اتباع الحق، فيكون كالعين التي فيها قذى لا يمكنها رؤية الأشياء. ثم الهوى قد يعترض له قبل معرفة الحق فيصده عن النظر فيه، فلا يتبين له الحق كما قيل: حبك الشيء يعمي ويصم، فيبقى في ظلمة الأفكار، وكثيراً ما يكون ذلك عن كبر يمنعه عن أن يطلب الحق، فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ [(22) سورة النحل]. وقد يعرض له الهوى بعد أن عرف الحق فيجحده ويعرض عنه، كما قال ربنا سبحانه فيهم: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً [(146) سورة الأعراف]. ثم القلب للعلم كالإناء للماء، والوعاء للعسل، والوادي للسيل، كما قال تعالى: أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا [(17) سورة الرعد]، الآية. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فسقى الناس وزرعوا، وأصاب منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما أرسلت به، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)). وفي حديث كميل بن زياد بن علي -رضي الله عنه- قال: ((القلوب أوعية، فخيرها أوعاها)). وبلغنا عن بعض السلف قال: "القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إلى الله تعالى أرقها وأصفاها"، وهذا مثل حسن؛ فإن القلب إذا كان رقيقاً ليناً كان قبوله للعلم سهلاً يسيراً، ورسخ العلم فيه وثبت وأثر، وإن كان قاسياً غليظاً كان قبوله للعلم صعباً عسيراً. ولا بد مع ذلك أن يكون زكياً صافياً سليماً، حتى يزكو فيه العلم ويثمر ثمراً طيباً، وإلا فلو قبل العلم، وكان فيه كدر وخبث أفسد ذلك العلم، وكان كالدغل في الزرع إن لم يمنع الحب من أن ينبت منعه من أن يزكو ويطيب، وهذا بين لأولي الأبصار"([5]) الوقفة الحادية والعشرون: تخصيص الأمور الثلاثة بالذكر لا يدل على حصر المؤاخذة فيها؛ لأن الإنسان مؤاخذ على جميع تصرفاته، وإنما خصصها بالذكر لما سيأتي في: الوقفة الثانية والعشرون: تخصيص هذه الثلاث بالذكر؛ نظراً لعظم خطرها، ولأنها الآلات التي بها يحصل العلم النافع للعبد، وهو ما يميز الإنسان عن غيره من الحيوان؛ إذ إن العلم تدور رحاه على هذه الأقطاب الثلاثة: السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ([6])، والله تعالى أعلم. هذه وقفات سريعة ومختصرة تتصل بهذه الآية العظيمة، ولعل الفرصة تسنح لإعادة كتابتها بشكل موسع، أسأل الله أن ينفع بها... وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،؛ [1] - الفتاوى 16/96-97. [2] - من المفيد مراجعة كلام ابن القيم في بيان عظم نعمة الله بالسمع والبصر على العبد. انظر: مفتاح دار السعادة 1/264-266، 189-190، طبع دار الكتب العلمية. وكتاب: أقسام القرآن (طبع دار المعرفة) 305، 306، 316، 407. [3] - في مسألة المؤاخذة على العزم المصمم على المعصية يراجع كلام شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في الفتاوى 10/720-761. [4] - الفتاوى 9/307-309. [5] - مجموع الفتاوى 9/309-315. [6] - الفتاوى 16/96-97. الوقفة كاملة

الدعاء والمناجاة

١ الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطمعني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحين والذي أطمع أن يغفرلي خطيئتي يوم الدين ربي هب لي حكما وألحقني بالصالصالحين واجعلني لسان صدق في الاخرين وأجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لابي انه كان من الضالين ولاتخزني يوم يبعثون يوم لاينفع مال ولابنون الانن اتى بقلب سليم وأزلفت الجنه للنة للمتقين الوقفة كاملة

التساؤلات

١ س: حدثت مناظرة بيني وبين شخص مسيحي ، وقد فاجأني بقوله لي : هناك آية في القرآن تتضمن قول الله سبحانه وتعالى : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ إلى آخر الآية ، والآية الأخرى تتضمن قوله تعالى : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ و يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ وهناك آية أخرى ، وهي قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ إلى آخر الآية ، وأن هناك - على حد زعمه - تناقضا ، فكيف يقول الله سبحانه وتعالى : وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ إلى آخر الآية ، بينما زوجات أنبياء الله نوح ولوط خبيثات ، وفرعون كما جاء فيه في القرآن وزوجته طيبة ، وحيث ليس لدي جواب مقنع ، آمل التكرم بإفتائي عن ذلك جزاكم الله خيرا ؟ جـ : أولا : قال الله تعالى : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ هذه الآية ذكرت بعد الآيات التي نزلت في قصة الإفك تأكيدا لبراءة عائشة - رضي الله عنها - مما رماها به عبد الله بن أبي ابن سلول ، رأس المنافقين ، زورا وبهتانا ، وبيانا لنزاهتها وعفتها في نفسها ، ومن جهة صلتها برسول الله صلى الله عليه وسلم . وللآية معنيان : الأول : أن الكلمات الخبيثات والأعمال السيئات أولى بها الناس الخبيثون ، والناس الخبثاء أولى وأحق بالكلمات الخبيثات والأعمال الفاحشة ، والكلمات الطيبات والأعمال الطاهرة أولى وأحق بها الناس الطيبون ذوو النفوس الأبية والأخلاق الكريمة السامية ، والطيبون أولى بالكلمات والأعمال الصالحات . والمعنى الثاني : أن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين ، والرجال الخبيثون أولى بالنساء الخبيثات ، والنساء الطيبات الطاهرات العفيفات أولى بالرجال الطاهرين الأعفاء ، والرجال الطيبون الأعفاء أولى بالنساء الطاهرات العفيفات ، والآية على كلا المعنيين دالة على المقصود منها ، وهو نزاهة عائشة - رضي الله عنها - عما رماها به عبد الله بن أبي ابن سلول من الفاحشة ، ومن تبعه ممن انخدع ببهتانه ، واغتر بزخرف قوله . ثانيا : قال الله تعالى : وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ سورة هود ، ومعنى الآيتين أن الله تعالى أخبر عن رسوله نوح - عليه السلام - أنه سأله تعالى أن ينجز له وعده إياه بنجاة ولده من الغرق والهلاك بناء على فهمه من ذلك من قوله تعالى له : احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الذي لا يخلف وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الذين وعدتك بإنجائهم لأني إنما وعدتك بإنجاء من آمن من أهلك بدليل الاستثناء في قوله تعالى : إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ولذلك عاتبه الله تعالى على تلك المساءلة وذلك الفهم بقوله : يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ وبين ذلك بقوله إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ لكفره بأبيه نوح - عليه السلام - ومخالفته إياه فليس من أهله دينا ، وإن كان ابنا له من النسب ، قال ابن عباس وغير واحد من السلف - رضي الله عنهم - ( ما زنت امرأة نبي قط ) وهذا هو الحق ، فإن الله سبحانه أغير من أن يمكن امرأة من الفاحشة ، ولذلك غضب سبحانه على الذين رموا عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفاحشة ، وأنكر عليهم ذلك ، وبرأها مما قالوا فيها ، وأنزل في ذلك قرآنا يتلى إلى يوم القيامة . ثالثا : قال الله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا الآيتين من سورة التحريم . بعد أن عاتب الله تعالى أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخاصة عائشة وحفصة - رضي الله عنهن جميعا - على ما بدر منهن مما لا يليق بحسن معاشرة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى حلف أن يعتزلهن شهرا ، وأنكر تعالى عليهن بعض ما وقع منهن من أخطاء في حقه - عليه الصلاة والسلام - وأنذرهن بالطلاق ، وأن يبدله أزواجا خيرا منهن - ختم سورة التحريم بمثلين مثل ضربه للذين كفروا بامرأتين كافرتين : امرأة نوح وامرأة لوط ، ومثل ضربه للذين آمنوا بامرأتين صالحتين : بآسية امرأة فرعون ، ومريم بنت عمران إيذانا بأن الله حكم عدل لا محاباة عنده ، بل كل نفس عنده بما كسبت رهينة ، حث العباد على التقوى ، وأن يخشوا يوما يرجعون فيه إلى الله ، يوما لا يجزي فيه والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ، يوم لا تزر فيه وازرة وزر أخرى ، وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ، ولو كان ذا قربى ، يوم لا تنفع فيه الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا . فبين سبحانه أن امرأة نوح وامرأة لوط كانتا كافرتين ، وكانتا تحت رسولين كريمين من رسل الله ، وكانت امرأة نوح تخونه بدلالة الكفار على من آمن بزوجها ، وكانت امرأة لوط تدل الكفار على ضيوفه ؛ إيذاء وخيانة لهما وصدا للناس عن اتباعهما ، فلم ينفعهما صلاح زوجيهما نوح ولوط ، ولم يدفعا عنهما من بأس الله شيئا ، وقيل لهاتين المرأتين : ادخلا النار مع الداخلين جزاء وفاقا بكفرهما وخيانتهما ، بدلالة امرأة نوح على من آمن به ، ودلالة امرأة لوط على ضيوفه ، لا بالزنى ، فإن الله سبحانه لا يرضى لنبي من أنبيائه زوجة زانية ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير قوله تعالى : فَخَانَتَاهُمَا قال : ( ما زنتا ) . وقال : ( ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين ) وهكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير ، والضحاك وغيرهم . وبين الله سبحانه بالمثل الذي ضربه للذين آمنوا بآسية زوجة فرعون وكان أعتى الجبابرة في زمانه ، أن مخالطة المؤمنين للكافرين لا تضرهم إذا دعت الضرورة إلى ذلك ما داموا معتصمين بحبل الله تعالى ، متمسكين بدينه ، كما لم ينفع صلاح الرسولين نوح ولوط زوجتيهما الكافرتين ، قال الله تعالى : لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ولذلك لم يضر زوجة فرعون كفر زوجها وجبروته ، فإن الله حكم عدل ، لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ، بل حماها وأحاطها بعنايته ، وحسن رعايته ، واستجاب دعاءها ، وبنى لها بيتا في الجنة ، ونجاها من فرعون وكيده ، وسائر القوم الظالمين . مما تقدم في تفسير الآيات من أن ابن نوح ليس ابن زنى ، وأن عائشة - رضي الله عنها - برأها الله في القرآن مما رماها به رأس النفاق ، ومن انخدع بقوله من المؤمنين والمؤمنات ، وأن كلا من امرأة نوح وامرأة لوط لم تزن ، وإنما كانتا كافرتين ، ودلت كل منهما الكفار على ما يسوءهما ، ويصد الناس عن اتباعهما ، وأن زواج المؤمن بالكافرة كان مباحا في الشرائع السابقة ، وكذا زواج الكافر بالمؤمنة ، وأن الله حمى امرأة فرعون من كيده ، وحفظ عليها دينها ونجاها من الظالمين ، يتبين أن الآيات المذكورة متوافقة لا متناقضة ، وأن بعضها يؤيد بعضا . وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم . الوقفة كاملة
٢ س: حدثت مناظرة بيني وبين شخص مسيحي ، وقد فاجأني بقوله لي : هناك آية في القرآن تتضمن قول الله سبحانه وتعالى : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ إلى آخر الآية ، والآية الأخرى تتضمن قوله تعالى : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ و يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ وهناك آية أخرى ، وهي قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ إلى آخر الآية ، وأن هناك - على حد زعمه - تناقضا ، فكيف يقول الله سبحانه وتعالى : وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ إلى آخر الآية ، بينما زوجات أنبياء الله نوح ولوط خبيثات ، وفرعون كما جاء فيه في القرآن وزوجته طيبة ، وحيث ليس لدي جواب مقنع ، آمل التكرم بإفتائي عن ذلك جزاكم الله خيرا ؟ جـ : أولا : قال الله تعالى : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ هذه الآية ذكرت بعد الآيات التي نزلت في قصة الإفك تأكيدا لبراءة عائشة - رضي الله عنها - مما رماها به عبد الله بن أبي ابن سلول ، رأس المنافقين ، زورا وبهتانا ، وبيانا لنزاهتها وعفتها في نفسها ، ومن جهة صلتها برسول الله صلى الله عليه وسلم . وللآية معنيان : الأول : أن الكلمات الخبيثات والأعمال السيئات أولى بها الناس الخبيثون ، والناس الخبثاء أولى وأحق بالكلمات الخبيثات والأعمال الفاحشة ، والكلمات الطيبات والأعمال الطاهرة أولى وأحق بها الناس الطيبون ذوو النفوس الأبية والأخلاق الكريمة السامية ، والطيبون أولى بالكلمات والأعمال الصالحات . والمعنى الثاني : أن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين ، والرجال الخبيثون أولى بالنساء الخبيثات ، والنساء الطيبات الطاهرات العفيفات أولى بالرجال الطاهرين الأعفاء ، والرجال الطيبون الأعفاء أولى بالنساء الطاهرات العفيفات ، والآية على كلا المعنيين دالة على المقصود منها ، وهو نزاهة عائشة - رضي الله عنها - عما رماها به عبد الله بن أبي ابن سلول من الفاحشة ، ومن تبعه ممن انخدع ببهتانه ، واغتر بزخرف قوله . ثانيا : قال الله تعالى : وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ سورة هود ، ومعنى الآيتين أن الله تعالى أخبر عن رسوله نوح - عليه السلام - أنه سأله تعالى أن ينجز له وعده إياه بنجاة ولده من الغرق والهلاك بناء على فهمه من ذلك من قوله تعالى له : احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الذي لا يخلف وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الذين وعدتك بإنجائهم لأني إنما وعدتك بإنجاء من آمن من أهلك بدليل الاستثناء في قوله تعالى : إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ولذلك عاتبه الله تعالى على تلك المساءلة وذلك الفهم بقوله : يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ وبين ذلك بقوله إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ لكفره بأبيه نوح - عليه السلام - ومخالفته إياه فليس من أهله دينا ، وإن كان ابنا له من النسب ، قال ابن عباس وغير واحد من السلف - رضي الله عنهم - ( ما زنت امرأة نبي قط ) وهذا هو الحق ، فإن الله سبحانه أغير من أن يمكن امرأة من الفاحشة ، ولذلك غضب سبحانه على الذين رموا عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفاحشة ، وأنكر عليهم ذلك ، وبرأها مما قالوا فيها ، وأنزل في ذلك قرآنا يتلى إلى يوم القيامة . ثالثا : قال الله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا الآيتين من سورة التحريم . بعد أن عاتب الله تعالى أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخاصة عائشة وحفصة - رضي الله عنهن جميعا - على ما بدر منهن مما لا يليق بحسن معاشرة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى حلف أن يعتزلهن شهرا ، وأنكر تعالى عليهن بعض ما وقع منهن من أخطاء في حقه - عليه الصلاة والسلام - وأنذرهن بالطلاق ، وأن يبدله أزواجا خيرا منهن - ختم سورة التحريم بمثلين مثل ضربه للذين كفروا بامرأتين كافرتين : امرأة نوح وامرأة لوط ، ومثل ضربه للذين آمنوا بامرأتين صالحتين : بآسية امرأة فرعون ، ومريم بنت عمران إيذانا بأن الله حكم عدل لا محاباة عنده ، بل كل نفس عنده بما كسبت رهينة ، حث العباد على التقوى ، وأن يخشوا يوما يرجعون فيه إلى الله ، يوما لا يجزي فيه والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ، يوم لا تزر فيه وازرة وزر أخرى ، وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ، ولو كان ذا قربى ، يوم لا تنفع فيه الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا . فبين سبحانه أن امرأة نوح وامرأة لوط كانتا كافرتين ، وكانتا تحت رسولين كريمين من رسل الله ، وكانت امرأة نوح تخونه بدلالة الكفار على من آمن بزوجها ، وكانت امرأة لوط تدل الكفار على ضيوفه ؛ إيذاء وخيانة لهما وصدا للناس عن اتباعهما ، فلم ينفعهما صلاح زوجيهما نوح ولوط ، ولم يدفعا عنهما من بأس الله شيئا ، وقيل لهاتين المرأتين : ادخلا النار مع الداخلين جزاء وفاقا بكفرهما وخيانتهما ، بدلالة امرأة نوح على من آمن به ، ودلالة امرأة لوط على ضيوفه ، لا بالزنى ، فإن الله سبحانه لا يرضى لنبي من أنبيائه زوجة زانية ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير قوله تعالى : فَخَانَتَاهُمَا قال : ( ما زنتا ) . وقال : ( ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين ) وهكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير ، والضحاك وغيرهم . وبين الله سبحانه بالمثل الذي ضربه للذين آمنوا بآسية زوجة فرعون وكان أعتى الجبابرة في زمانه ، أن مخالطة المؤمنين للكافرين لا تضرهم إذا دعت الضرورة إلى ذلك ما داموا معتصمين بحبل الله تعالى ، متمسكين بدينه ، كما لم ينفع صلاح الرسولين نوح ولوط زوجتيهما الكافرتين ، قال الله تعالى : لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ولذلك لم يضر زوجة فرعون كفر زوجها وجبروته ، فإن الله حكم عدل ، لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ، بل حماها وأحاطها بعنايته ، وحسن رعايته ، واستجاب دعاءها ، وبنى لها بيتا في الجنة ، ونجاها من فرعون وكيده ، وسائر القوم الظالمين . مما تقدم في تفسير الآيات من أن ابن نوح ليس ابن زنى ، وأن عائشة - رضي الله عنها - برأها الله في القرآن مما رماها به رأس النفاق ، ومن انخدع بقوله من المؤمنين والمؤمنات ، وأن كلا من امرأة نوح وامرأة لوط لم تزن ، وإنما كانتا كافرتين ، ودلت كل منهما الكفار على ما يسوءهما ، ويصد الناس عن اتباعهما ، وأن زواج المؤمن بالكافرة كان مباحا في الشرائع السابقة ، وكذا زواج الكافر بالمؤمنة ، وأن الله حمى امرأة فرعون من كيده ، وحفظ عليها دينها ونجاها من الظالمين ، يتبين أن الآيات المذكورة متوافقة لا متناقضة ، وأن بعضها يؤيد بعضا . وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم .. الوقفة كاملة
٣ س: حدثت مناظرة بيني وبين شخص مسيحي ، وقد فاجأني بقوله لي : هناك آية في القرآن تتضمن قول الله سبحانه وتعالى : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ إلى آخر الآية ، والآية الأخرى تتضمن قوله تعالى : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ و يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ وهناك آية أخرى ، وهي قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ إلى آخر الآية ، وأن هناك - على حد زعمه - تناقضا ، فكيف يقول الله سبحانه وتعالى : وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ إلى آخر الآية ، بينما زوجات أنبياء الله نوح ولوط خبيثات ، وفرعون كما جاء فيه في القرآن وزوجته طيبة ، وحيث ليس لدي جواب مقنع ، آمل التكرم بإفتائي عن ذلك جزاكم الله خيرا ؟ جـ : أولا : قال الله تعالى : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ هذه الآية ذكرت بعد الآيات التي نزلت في قصة الإفك تأكيدا لبراءة عائشة - رضي الله عنها - مما رماها به عبد الله بن أبي ابن سلول ، رأس المنافقين ، زورا وبهتانا ، وبيانا لنزاهتها وعفتها في نفسها ، ومن جهة صلتها برسول الله صلى الله عليه وسلم . وللآية معنيان : الأول : أن الكلمات الخبيثات والأعمال السيئات أولى بها الناس الخبيثون ، والناس الخبثاء أولى وأحق بالكلمات الخبيثات والأعمال الفاحشة ، والكلمات الطيبات والأعمال الطاهرة أولى وأحق بها الناس الطيبون ذوو النفوس الأبية والأخلاق الكريمة السامية ، والطيبون أولى بالكلمات والأعمال الصالحات . والمعنى الثاني : أن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين ، والرجال الخبيثون أولى بالنساء الخبيثات ، والنساء الطيبات الطاهرات العفيفات أولى بالرجال الطاهرين الأعفاء ، والرجال الطيبون الأعفاء أولى بالنساء الطاهرات العفيفات ، والآية على كلا المعنيين دالة على المقصود منها ، وهو نزاهة عائشة - رضي الله عنها - عما رماها به عبد الله بن أبي ابن سلول من الفاحشة ، ومن تبعه ممن انخدع ببهتانه ، واغتر بزخرف قوله ثانيا : قال الله تعالى : وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ سورة هود ، ومعنى الآيتين أن الله تعالى أخبر عن رسوله نوح - عليه السلام - أنه سأله تعالى أن ينجز له وعده إياه بنجاة ولده من الغرق والهلاك بناء على فهمه من ذلك من قوله تعالى له : احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الذي لا يخلف وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الذين وعدتك بإنجائهم لأني إنما وعدتك بإنجاء من آمن من أهلك بدليل الاستثناء في قوله تعالى : إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ولذلك عاتبه الله تعالى على تلك المساءلة وذلك الفهم بقوله : يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ وبين ذلك بقوله إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ لكفره بأبيه نوح - عليه السلام - ومخالفته إياه فليس من أهله دينا ، وإن كان ابنا له من النسب ، قال ابن عباس وغير واحد من السلف - رضي الله عنهم - ( ما زنت امرأة نبي قط ) وهذا هو الحق ، فإن الله سبحانه أغير من أن يمكن امرأة من الفاحشة ، ولذلك غضب سبحانه على الذين رموا عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفاحشة ، وأنكر عليهم ذلك ، وبرأها مما قالوا فيها ، وأنزل في ذلك قرآنا يتلى إلى يوم القيامة . ثالثا : قال الله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا الآيتين من سورة التحريم . بعد أن عاتب الله تعالى أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخاصة عائشة وحفصة - رضي الله عنهن جميعا - على ما بدر منهن مما لا يليق بحسن معاشرة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى حلف أن يعتزلهن شهرا ، وأنكر تعالى عليهن بعض ما وقع منهن من أخطاء في حقه - عليه الصلاة والسلام - وأنذرهن بالطلاق ، وأن يبدله أزواجا خيرا منهن - ختم سورة التحريم بمثلين مثل ضربه للذين كفروا بامرأتين كافرتين : امرأة نوح وامرأة لوط ، ومثل ضربه للذين آمنوا بامرأتين صالحتين : بآسية امرأة فرعون ، ومريم بنت عمران إيذانا بأن الله حكم عدل لا محاباة عنده ، بل كل نفس عنده بما كسبت رهينة ، حث العباد على التقوى ، وأن يخشوا يوما يرجعون فيه إلى الله ، يوما لا يجزي فيه والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ، يوم لا تزر فيه وازرة وزر أخرى ، وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ، ولو كان ذا قربى ، يوم لا تنفع فيه الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا . فبين سبحانه أن امرأة نوح وامرأة لوط كانتا كافرتين ، وكانتا تحت رسولين كريمين من رسل الله ، وكانت امرأة نوح تخونه بدلالة الكفار على من آمن بزوجها ، وكانت امرأة لوط تدل الكفار على ضيوفه ؛ إيذاء وخيانة لهما وصدا للناس عن اتباعهما ، فلم ينفعهما صلاح زوجيهما نوح ولوط ، ولم يدفعا عنهما من بأس الله شيئا ، وقيل لهاتين المرأتين : ادخلا النار مع الداخلين جزاء وفاقا بكفرهما وخيانتهما ، بدلالة امرأة نوح على من آمن به ، ودلالة امرأة لوط على ضيوفه ، لا بالزنى ، فإن الله سبحانه لا يرضى لنبي من أنبيائه زوجة زانية ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير قوله تعالى : فَخَانَتَاهُمَا قال : ( ما زنتا ) . وقال : ( ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين ) وهكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير ، والضحاك وغيرهم . وبين الله سبحانه بالمثل الذي ضربه للذين آمنوا بآسية زوجة فرعون وكان أعتى الجبابرة في زمانه ، أن مخالطة المؤمنين للكافرين لا تضرهم إذا دعت الضرورة إلى ذلك ما داموا معتصمين بحبل الله تعالى ، متمسكين بدينه ، كما لم ينفع صلاح الرسولين نوح ولوط زوجتيهما الكافرتين ، قال الله تعالى : لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ولذلك لم يضر زوجة فرعون كفر زوجها وجبروته ، فإن الله حكم عدل ، لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ، بل حماها وأحاطها بعنايته ، وحسن رعايته ، واستجاب دعاءها ، وبنى لها بيتا في الجنة ، ونجاها من فرعون وكيده ، وسائر القوم الظالمين . مما تقدم في تفسير الآيات من أن ابن نوح ليس ابن زنى ، وأن عائشة - رضي الله عنها - برأها الله في القرآن مما رماها به رأس النفاق ، ومن انخدع بقوله من المؤمنين والمؤمنات ، وأن كلا من امرأة نوح وامرأة لوط لم تزن ، وإنما كانتا كافرتين ، ودلت كل منهما الكفار على ما يسوءهما ، ويصد الناس عن اتباعهما ، وأن زواج المؤمن بالكافرة كان مباحا في الشرائع السابقة ، وكذا زواج الكافر بالمؤمنة ، وأن الله حمى امرأة فرعون من كيده ، وحفظ عليها دينها ونجاها من الظالمين ، يتبين أن الآيات المذكورة متوافقة لا متناقضة ، وأن بعضها يؤيد بعضا . وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم . الوقفة كاملة
٤ س: حدثت مناظرة بيني وبين شخص مسيحي ، وقد فاجأني بقوله لي : هناك آية في القرآن تتضمن قول الله سبحانه وتعالى : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ إلى آخر الآية ، والآية الأخرى تتضمن قوله تعالى : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ و يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ وهناك آية أخرى ، وهي قوله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ إلى آخر الآية ، وأن هناك - على حد زعمه - تناقضا ، فكيف يقول الله سبحانه وتعالى : وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ إلى آخر الآية ، بينما زوجات أنبياء الله نوح ولوط خبيثات ، وفرعون كما جاء فيه في القرآن وزوجته طيبة ، وحيث ليس لدي جواب مقنع ، آمل التكرم بإفتائي عن ذلك جزاكم الله خيرا ؟ جـ : أولا : قال الله تعالى : الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ هذه الآية ذكرت بعد الآيات التي نزلت في قصة الإفك تأكيدا لبراءة عائشة - رضي الله عنها - مما رماها به عبد الله بن أبي ابن سلول ، رأس المنافقين ، زورا وبهتانا ، وبيانا لنزاهتها وعفتها في نفسها ، ومن جهة صلتها برسول الله صلى الله عليه وسلم . وللآية معنيان : الأول : أن الكلمات الخبيثات والأعمال السيئات أولى بها الناس الخبيثون ، والناس الخبثاء أولى وأحق بالكلمات الخبيثات والأعمال الفاحشة ، والكلمات الطيبات والأعمال الطاهرة أولى وأحق بها الناس الطيبون ذوو النفوس الأبية والأخلاق الكريمة السامية ، والطيبون أولى بالكلمات والأعمال الصالحات . والمعنى الثاني : أن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين ، والرجال الخبيثون أولى بالنساء الخبيثات ، والنساء الطيبات الطاهرات العفيفات أولى بالرجال الطاهرين الأعفاء ، والرجال الطيبون الأعفاء أولى بالنساء الطاهرات العفيفات ، والآية على كلا المعنيين دالة على المقصود منها ، وهو نزاهة عائشة - رضي الله عنها - عما رماها به عبد الله بن أبي ابن سلول من الفاحشة ، ومن تبعه ممن انخدع ببهتانه ، واغتر بزخرف قوله. ثانيا : قال الله تعالى : وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ سورة هود ، ومعنى الآيتين أن الله تعالى أخبر عن رسوله نوح - عليه السلام - أنه سأله تعالى أن ينجز له وعده إياه بنجاة ولده من الغرق والهلاك بناء على فهمه من ذلك من قوله تعالى له : احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الذي لا يخلف وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الذين وعدتك بإنجائهم لأني إنما وعدتك بإنجاء من آمن من أهلك بدليل الاستثناء في قوله تعالى : إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ولذلك عاتبه الله تعالى على تلك المساءلة وذلك الفهم بقوله : يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ وبين ذلك بقوله إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ لكفره بأبيه نوح - عليه السلام - ومخالفته إياه فليس من أهله دينا ، وإن كان ابنا له من النسب ، قال ابن عباس وغير واحد من السلف - رضي الله عنهم - ( ما زنت امرأة نبي قط ) وهذا هو الحق ، فإن الله سبحانه أغير من أن يمكن امرأة من الفاحشة ، ولذلك غضب سبحانه على الذين رموا عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفاحشة ، وأنكر عليهم ذلك ، وبرأها مما قالوا فيها ، وأنزل في ذلك قرآنا يتلى إلى يوم القيامة . ثالثا : قال الله تعالى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا الآيتين من سورة التحريم . بعد أن عاتب الله تعالى أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخاصة عائشة وحفصة - رضي الله عنهن جميعا - على ما بدر منهن مما لا يليق بحسن معاشرة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى حلف أن يعتزلهن شهرا ، وأنكر تعالى عليهن بعض ما وقع منهن من أخطاء في حقه - عليه الصلاة والسلام - وأنذرهن بالطلاق ، وأن يبدله أزواجا خيرا منهن - ختم سورة التحريم بمثلين مثل ضربه للذين كفروا بامرأتين كافرتين : امرأة نوح وامرأة لوط ، ومثل ضربه للذين آمنوا بامرأتين صالحتين : بآسية امرأة فرعون ، ومريم بنت عمران إيذانا بأن الله حكم عدل لا محاباة عنده ، بل كل نفس عنده بما كسبت رهينة ، حث العباد على التقوى ، وأن يخشوا يوما يرجعون فيه إلى الله ، يوما لا يجزي فيه والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ، يوم لا تزر فيه وازرة وزر أخرى ، وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ، ولو كان ذا قربى ، يوم لا تنفع فيه الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا . فبين سبحانه أن امرأة نوح وامرأة لوط كانتا كافرتين ، وكانتا تحت رسولين كريمين من رسل الله ، وكانت امرأة نوح تخونه بدلالة الكفار على من آمن بزوجها ، وكانت امرأة لوط تدل الكفار على ضيوفه ؛ إيذاء وخيانة لهما وصدا للناس عن اتباعهما ، فلم ينفعهما صلاح زوجيهما نوح ولوط ، ولم يدفعا عنهما من بأس الله شيئا ، وقيل لهاتين المرأتين : ادخلا النار مع الداخلين جزاء وفاقا بكفرهما وخيانتهما ، بدلالة امرأة نوح على من آمن به ، ودلالة امرأة لوط على ضيوفه ، لا بالزنى ، فإن الله سبحانه لا يرضى لنبي من أنبيائه زوجة زانية ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير قوله تعالى : فَخَانَتَاهُمَا قال : ( ما زنتا ) . وقال : ( ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين ) وهكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير ، والضحاك وغيرهم . وبين الله سبحانه بالمثل الذي ضربه للذين آمنوا بآسية زوجة فرعون وكان أعتى الجبابرة في زمانه ، أن مخالطة المؤمنين للكافرين لا تضرهم إذا دعت الضرورة إلى ذلك ما داموا معتصمين بحبل الله تعالى ، متمسكين بدينه ، كما لم ينفع صلاح الرسولين نوح ولوط زوجتيهما الكافرتين ، قال الله تعالى : لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ولذلك لم يضر زوجة فرعون كفر زوجها وجبروته ، فإن الله حكم عدل ، لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ، بل حماها وأحاطها بعنايته ، وحسن رعايته ، واستجاب دعاءها ، وبنى لها بيتا في الجنة ، ونجاها من فرعون وكيده ، وسائر القوم الظالمين . مما تقدم في تفسير الآيات من أن ابن نوح ليس ابن زنى ، وأن عائشة - رضي الله عنها - برأها الله في القرآن مما رماها به رأس النفاق ، ومن انخدع بقوله من المؤمنين والمؤمنات ، وأن كلا من امرأة نوح وامرأة لوط لم تزن ، وإنما كانتا كافرتين ، ودلت كل منهما الكفار على ما يسوءهما ، ويصد الناس عن اتباعهما ، وأن زواج المؤمن بالكافرة كان مباحا في الشرائع السابقة ، وكذا زواج الكافر بالمؤمنة ، وأن الله حمى امرأة فرعون من كيده ، وحفظ عليها دينها ونجاها من الظالمين ، يتبين أن الآيات المذكورة متوافقة لا متناقضة ، وأن بعضها يؤيد بعضا . وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم . الوقفة كاملة
٥ س: سائلة تسأل عن معنى الصمد؟ ج: الصمد فسر بمعنيين عند العلماء:أحدهما أنه سبحانه ليس من جنس المخلوقين، المخلوق له جوف يأكل ويشرب، ويطعم، والله لا جوف له، مصمد كما قال تعالى: الصَّمَدُ ، وفسر الصمد بمعنى آخر وهو أنه تصل إليه الخلائق بالحاجات، يعني لترجوه وتسأله، وترفع إليه الحاجات سبحانه كلها، هو الصمد الذي لا جوف له وهو الصمد الذي ترفع إليه الحاجات جل وعلا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ ، وقيل إن الرؤساء المقصودين صمد، يعني يقصدون في طلب الحاجات والله سبحانه هو الذي يقصد من جميع الخلائق، فطلب الحاجة منه سبحانه كما أنه لا يطعم، ولا يحتاج إلى طعام، ولا إلى شراب، وليس من جنس المخلوقين، الذين يجوعون أو يحتاجون إلى غذاء، بل هو غني عن كل شيء، يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ سبحانه وتعالى، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . الوقفة كاملة
٦ س: "قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " هل معني ذلك أن الملائكه كلهم خلقوا من نار أم إبليس فقط !؟ ج: ثبت في صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)وهذا النور الذي خلقت منه الملائكة لادليل على أي نور هو؟و هذا النور مخلوق، ليس هو نور ذات الله سبحانه وتعالى وتقدس الوقفة كاملة
٧ س: قال تعالى ( ..وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن و استكبرتم ..) من المقصود في الآية الكريمة جزاكم الله خيرا؟ ج: اختلف المفسرون في المعني بهذه الآية وبقوله تعالى (ومن عنده علم الكتاب ) على أقوال أشهرها أنها في عبد الله بن سلام وورد فيه حديث في البخاري ولكن اختلف في رفع تفسيرها به وعلى هذا لقول فالآيتان مستثنيتان من جملة سورتين مكيتين أو هما مما تقدم نزوله على حكمه. وعلى هذا لقول فالآيتان مستثنيتان من جملة سورتين مكيتين وهذا خلاف الأصل أو هما مما تقدم نزوله على حكمه لأن إسلام عبد الله كان بالمدينة والقول الآخر وهو الأظهر أنها عامة وعليه فالايتان مكيتان كسائر آي سورتيهما الوقفة كاملة
٨ أمي سمعها ضعيف ولا تسمعني إلا إذا رفعتُ صوتي، هل آثم برفع صوتي عليها؟ الأمور بمقاصدها، فمَن رفع صوته على أمه أو أبيه أو مَن له حق عليه لا شك أنه يأثم بذلك؛ لأنه خلاف الأدب وخلاف البر، وأما إذا كان رفع صوته لحاجة تقتضي ذلك وتستدعيه فإنه لا يأثم بذلك؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، وقد لا يَتحقق الغرض من الكلام إلا مع رفع الصوت، ولما نزل قول الله -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: ٢] كان ثَابِتُ بْنُ قَيْس بْنِ شَمَّاس خطيبًا للنبي -عليه الصلاة والسلام- من الخطباء، ومِن مقتضى الخطبة أن يَرفع الصوت، فلما نزلت هذه الآية قعد ثابتٌ في بيته، وقال: أنا رفعتُ صوتي بين يدي رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، فأخشى أن يكون حبط عملي، فلما علم النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد أن افتقده وسأل عنه، قالوا: هذا شأنه، فقال لأحد الصحابة: «اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة» [البخاري: 3613]. فمثل هذا يجوز عند الحاجة، والخطبة تقتضي رفع الصوت، فقد كان النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا خطب احمرَّتْ عيناه، وعلا صوتُه، واشتد غضبُه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صَبَّحَكُم ومَسَّاكُم [البخاري: 867]، فمن مقتضى الخطبة رفع الصوت، لكن يبقى أن رفع الصوت ينبغي أن يكون أيضًا بقدر الحاجة، وبقدر ما يحتاجه الحضور؛ لأن بعض الناس يكون عنده في المسجد نفر يسير ومسجده صغير والمكبرات مرفوعة على أعلى شيء، ويرفع صوته بحيث يُصدّع السامعين، مثل هذا لا يُطلَب، إنما يكون رفع الصوت بقدر الحاجة، والوضع يختلف عما كان قبل وجود هذه المكبرات وعما وُجد بعدها. فهذه البنت التي ترفع صوتها لإسماع أمها إذا كان هذا هو القصد وبقدر الحاجة لا إثم عليها ولا شيء عليها. وكما يوجد مثل هذه السائلة التي تتحسس مِن رفع الصوت مع حاجة أمها إلى رفعه، ويوجد مَن هو أشد منها في البر والتحسس لحاجة الوالدين ومعرفة النَّفَس بالنسبة للوالدين فيما يريدانه وما يحبانه وما يكرهانه، وهذا موجود في الأمة، والأمة فيها خير إلى قيام الساعة، يوجد بالمقابل أيضًا خلاف ذلك، فيوجد مَن يَعُق والديه، ويرفع صوته على والديه، بل وُجد من يَمُد يده على والديه، نسأل الله السلامة والعــــافية. فعلى كل حال كما قـــال الله –جــل وعلا-: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: ٤]، فكما يوجد مثل هذه السائلة التي تسأل عن شيء مع أن الحاجة داعية إليه؛ خشيةَ أن تقع في الإثم، يوجد من لا مُبرر لرفع صوته، وإنما يدعوه إلى ذلك إما رِقّةٌ في الدين أو حمقٌ أو ضعفٌ في الرأي، فبعض الناس ظاهره الصلاح، لكن إذا أُكثر عليه: هات لنا كذا، هات لنا كذا، من قِبَلِ الأب أو الأم في أمور لا تشق عليه، تجده يرفع صوته، ويقول: أنا تعبتُ، وأنا مللتُ، وأنا عطَّلتُ مصالحي، وأنا كذا وأنا كذا! هذا يُسمع -مع الأسف- من بعض المنتسبين إلى الإسلام. مع أن النص جاء بمنع "أف" أقل كلمة ممنوعة: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} [الإسراء: ٢٣]، هذه لا تقال، فكيف بما فوقها؟! لا شك أن هذا أشد منعًا وتحريمًا، نسأل الله -جل وعلا- أن يهدي ضالّ المسلمين، وأن يُصلح النيات والذريات. الوقفة كاملة
٩ س/ على ماذا يعود الضمير في اسم الإشارة (ذلكم) من قوله تعالى: (وإذ نجّيناكم... وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) [البقرة ٤٩] س/ هل يعود على نعمة التنجية فيكون معنى البلاء خيرًا، أم على تعذيب آل فرعون فيكون البلاء شرًا؟ وإذا ترجّح المعنى الأول، فكيف نقول بقاعدة عود الضمير إلى أقرب مذكور؟ ج/ كلا المعنيين صحيح، فالابتلاء بنجاتهم نعمة عظيمة وبه قال أكثر السلف، والابتلاء الثاني بتعذيبهم عظيم كذلك وقال به أكثر المفسرين. وليس ثمة مانع من عود الضمير على مجمل القصة خيراً وشراً. وليست قاعدة عود الضمير إلى أقرب مذكور مقدمةً مطلقاً. الوقفة كاملة
١٠ س/ الآية ١٠١ في المائدة: هل السؤال بمعنى الاستفسار عن الشيء ؟ أم طلب عمل أشياء قد يكون بها مشقة علينا؟ وهل تحتمل كلا المعنيين ؟ ج/ السؤال المنهي عنه هنا هو الذي لا يعنيكم في أمر دينكم فالسؤال عما لا يعني قد يكون الجواب عليه يحمل المشقة. الوقفة كاملة

تفسير و تدارس

١ شرح كتاب المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

١ قوله {بل أكثرهم لا يؤمنون} وفي غيرها {لا يعقلون} {لا يعلمون} لأنهم بين ناقض عهد وجاحد حق إلا القليل منهم عبد الله بن سلام وأصحابه ولم يأت هذان المعنيان معا في غير هذه السورة . الوقفة كاملة
٢ قوله {مشتبها وغير متشابه} وفي الآية الأخرى {متشابها وغير متشابه} لأن أكثر ما جاء في القرآن من هاتين الكلمتين جاء بلفظ التشابه نحو قوله {وأتوا به متشابها} {إن البقر تشابه علينا} {تشابهت قلوبهم} {وأخر متشابهات} فجاء قوله {مشتبها وغير متشابه} في الآية الأولى و {متشابها وغير متشابه} في الآية الأخرى على تلك القاعدة ثم كان لقوله تشابه معنيان أحدهما التبس والثاني تساوى وما في البقرة معناه التبس فحسب فبين بقوله {متشابها} ومعناه ملتبسا لأن ما بعده من باب التساوي والله أعلم . الوقفة كاملة
٣ قوله {مشتبها وغير متشابه} وفي الآية الأخرى {متشابها وغير متشابه} لأن أكثر ما جاء في القرآن من هاتين الكلمتين جاء بلفظ التشابه نحو قوله {وأتوا به متشابها} {إن البقر تشابه علينا} {تشابهت قلوبهم} {وأخر متشابهات} فجاء قوله {مشتبها وغير متشابه} في الآية الأولى و {متشابها وغير متشابه} في الآية الأخرى على تلك القاعدة ثم كان لقوله تشابه معنيان أحدهما التبس والثاني تساوى وما في البقرة معناه التبس فحسب فبين بقوله {متشابها} ومعناه ملتبسا لأن ما بعده من باب التساوي والله أعلم. الوقفة كاملة
٤ قوله {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين} وقال في الحج {والصابئين والنصارى} وقال في المائدة {والصابئون والنصارى} لأن النصارى مقدمون على الصابئين في الرتبة لأنهم أهل كتاب فقدمهم في البقرة والصابئون مقدمون على النصارى في الزمان لأنهم كانوا قبلهم فقدمهم في الحج وداعى في المائدة بين المعنين وقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير لأن تقديره والصابئون في كذلك . قال الشاعر : فإن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب أراد إني لغريب وقيار كذلك فتأمل فيها وفي أمثالها يظهر لك إعجاز القرآن الوقفة كاملة
٥ قوله {بل أكثرهم لا يؤمنون} وفي غيرها {لا يعقلون} {لا يعلمون} لأنهم بين ناقض عهد وجاحد حق إلا القليل منهم عبد الله بن سلام وأصحابه ولم يأت هذان المعنيان معا في غير هذه السورة . . الوقفة كاملة
٦ قوله {مشتبها وغير متشابه} وفي الآية الأخرى {متشابها وغير متشابه} لأن أكثر ما جاء في القرآن من هاتين الكلمتين جاء بلفظ التشابه نحو قوله {وأتوا به متشابها} {إن البقر تشابه علينا} {تشابهت قلوبهم} {وأخر متشابهات} فجاء قوله {مشتبها وغير متشابه} في الآية الأولى و {متشابها وغير متشابه} في الآية الأخرى على تلك القاعدة ثم كان لقوله تشابه معنيان أحدهما التبس والثاني تساوى وما في البقرة معناه التبس فحسب فبين بقوله {متشابها} ومعناه ملتبسا لأن ما بعده من باب التساوي والله أعلم .. الوقفة كاملة
٧ قوله {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين} وقال في الحج {والصابئين والنصارى} وقال في المائدة {والصابئون والنصارى} لأن النصارى مقدمون على الصابئين في الرتبة لأنهم أهل كتاب فقدمهم في البقرة والصابئون مقدمون على النصارى في الزمان لأنهم كانوا قبلهم فقدمهم في الحج وداعى في المائدة بين المعنين وقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير لأن تقديره والصابئون في كذلك قال الشاعر : فإن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب أراد إني لغريب وقيار كذلك فتأمل فيها وفي أمثالها يظهر لك إعجاز القرآن. الوقفة كاملة
٨ قوله {مشتبها وغير متشابه} وفي الآية الأخرى {متشابها وغير متشابه} لأن أكثر ما جاء في القرآن من هاتين الكلمتين جاء بلفظ التشابه نحو قوله {وأتوا به متشابها} {إن البقر تشابه علينا} {تشابهت قلوبهم} {وأخر متشابهات} فجاء قوله {مشتبها وغير متشابه} في الآية الأولى و {متشابها وغير متشابه} في الآية الأخرى على تلك القاعدة ثم كان لقوله تشابه معنيان أحدهما التبس والثاني تساوى وما في البقرة معناه التبس فحسب فبين بقوله {متشابها} ومعناه ملتبسا لأن ما بعده من باب التساوي والله أعلم الوقفة كاملة
٩ قوله {بل أكثرهم لا يؤمنون} وفي غيرها {لا يعقلون} {لا يعلمون} لأنهم بين ناقض عهد وجاحد حق إلا القليل منهم عبد الله بن سلام وأصحابه ولم يأت هذان المعنيان معا في غير هذه السورة. الوقفة كاملة
١٠ قوله {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين} وقال في الحج {والصابئين والنصارى} وقال في المائدة {والصابئون والنصارى} لأن النصارى مقدمون على الصابئين في الرتبة لأنهم أهل كتاب فقدمهم في البقرة والصابئون مقدمون على النصارى في الزمان لأنهم كانوا قبلهم فقدمهم في الحج وداعى في المائدة بين المعنين وقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير لأن تقديره والصابئون في كذلك قال الشاعر : فإن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب أراد إني لغريب وقيار كذلك فتأمل فيها وفي أمثالها يظهر لك إعجاز القرآن الوقفة كاملة

متشابه

١ {إِن تُبۡدُوا۟ "خَیۡرًا" أَوۡ تُخۡفُوهُ "أَوۡ تَعۡفُوا۟ عَن سُوۤءٍ" فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ "عَفُوًّا قَدِیرًا"} [النساء: ١٤٩] {إِن تُبۡدُوا۟ "شَیۡـًٔا" أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ "كَانَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمًا"} [الأحزاب: ٥٤] موضع التشابه الأول : ( خَیۡرًا - شَیۡـًٔا ) الضابط : في [سورة النّساء] ذكرت الآية كلمة (خَیۡرًا)، وفي سورة الأحزاب ذُكرت كلمة (شَیۡـًٔا): كلمة [(خَیۡرًا)] اختِريت [لسببين]: السّبب الأول [يخصّ السّورة] نفسها, فسورة النّساء تميل إلى جانب الصُّلح والودّ والإصلاح إلى الخير, فناسبها كلمة خير، والسّبب الآخر [يخصّ السّياق] فهذه الآية قبلها آية أخرى (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ) [١٤٨] فذكرت الآية الأولى [السوء] وجاءت هذه الآية مقابلةً لها فذكرت [الخير] (إِن تُبْدُواْ خَيْرًا)، فالآية هنا تدعو إلى الخير. [سورة الأحزاب] تتحدّث عن [مؤمنين وكفار]، وتبيّن أفعال وأقوال المنافقين في غزوة الأحزاب، وتبيّن كيف كانوا يدّعون (يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا) [١٣] (مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) [١٢], وتحدثت أيضًا عن المؤمنين؛ فالآية [بيّنت] للطّرفين أنّ [أيّ شيء تبدونه] سواء كان هذا الشّيء خيرًا أم شرًا [فالله يعلمه] فجاءت كلمة (شيء) والشّيء تشمل المعنيين. موضع التشابه الثاني : قال تعالى في سورة النساء (أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ) ولم تأت في سورة الأحزاب الضابط : لأنّ سورة [النّساء] تدعو إلى جانب [العفو] والإصلاح والسّلام والإنصاف والمودّة وحسن العشرة فتأتي سياقات تدعم هذا الإتجاه. موضع التشابه الثالث : اختلاف خواتيم الآيات الضابط : ختام آية النساء (أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)؛ الختام [يناسب العفو]، وكلمة [قديرًا] تدل على أنّ الله يعفو [عن مقدرةٍ] لا عن عجزٍ أو ضعفٍ أو احتياجٍ للنّاس، الله قدير على العفو وقدير على العقوبة لو أراد، فالآية تدعو المؤمنين إلى أن يتخلقوا بصفة من صفات الله عز وجل. ختام آية الأحزاب (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) هنا تنبيه للفريقين للمؤمنين والمنافقين وتنبيه لكل البشر حتى يرتدع الإنسان [فلا يُبدي] [إلا الخير]. فكل ختام يناسب ما جاء في صدر الآية. ( مختصر اللمسات البيانية ) * قاعدة : الضبط بالتأمل =====القواعد===== * قاعدة : الضبط بالتأمل للمعنى في الموضع المتشابه .. وهذه من أمهات القواعد ومهمات الضوابط ، ولذا اعتنى بها السابقون أيما عناية ، وألّف فيها كثير من المؤلفات النافعة ، بل هي لب المتشابه ، والكثير الحاصل من التشابه إنما جاء [ لمعنى عظيم وحكمة بالغة ] ، قد تخفى على من قرأ القرآن هَذّاً ، ويدركها اللبيب الفطن ، ولذا من [ تدبر ] كثيراً من الآيات المتشابهة وجد أن الزيادة والنقصان ، والتقديم والتأخير ، والإبدال ، إلى غير ذلك إنما هو لمعنى مراد ينبغى الوقوف عنده ، والتأمل له .. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 1 إلى 10 من إجمالي 396 نتيجة.