عرض وقفة التدبر
- ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾ ﴾ [يونس آية:٢٤]
- ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾ ﴾ [الكهف آية:٤٥]
- ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴿٤٦﴾ ﴾ [الكهف آية:٤٦]
لماذا شبَّه الله
الدنيا بالماء؟
من أروع الأمثال التي ضربها القرآن للدنيا قول الله تعالى:
﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾.
تأملت هذه الآية،
فوجدت أن تشبيه الدنيا بالماء ليس تشبيهًا عابرًا،
بل ورائه معانٍ تهز القلب
وتدعو الإنسان إلى
مراجعة نفسه.
أول ما يلفت النظر
أن الماء لا تستطيع
أن تمسكه بين يديك طويلًا، فمهما أطبقت عليه أصابعك تسلل منها.
وكذلك الدنيا،
قد تجمع منها ما تشاء،
لكنك في النهاية ستترك
كل شيء خلفك،
ولن تأخذ معك إلا عملك.
ثم انظر إلى الماء...
لا يبقى على حال؛
مرةً سائلًا،
ومرةً بخارًا،
ومرةً جليدًا.
وكذلك الدنيا،
يومٌ تفرح فيه،
ويومٌ تحزن،
يومُ صحة يعقبه مرض،
وغنى قد يتبعه فقر.
فلا تغتر بحالٍ تعيشه،
فإن دوام الحال من المحال.
ومن أجمل المعاني
أن الماء سبب للحياة
إذا استُعمل باعتدال،
لكنه قد يكون سببًا للهلاك
إذا غرق الإنسان فيه.
وكذلك الدنيا؛
من جعلها وسيلةً تعينه على طاعة الله سعد بها،
ومن جعلها أكبر همه،
أغرقته في الهموم والشهوات.
ولهذا قال بعض السلف
كلامًا بليغًا:
السفينة لا يضرها أن تكون
في الماء، وإنما تغرق إذا دخل الماء إليها.
وكذلك المؤمن،
لا يضره أن يعيش في الدنيا، وإنما الخطر أن تسكن الدنيا قلبه وتصبح أكبر همه.
وتأمل أيضًا صفحة
الماء الصافية،
ترى فيها صورتك منعكسة، لكنها ليست الحقيقة
التي تستطيع الإمساك بها.
وكذلك الدنيا،
قد تزين للإنسان ما يشتهي، حتى يظن أن السعادة كلها فيها، ثم يكتشف بعد حين
أن كل ذلك كان سريع الزوال.
ثم ختم الله المثل بمشهد
يهز القلوب؛ ماء ينزل،
ونبات يزدهر،
وأرض تكتسي بالخضرة،
ثم لا يلبث كل ذلك أن يذبل ويصبح هشيمًا تذروه الرياح.
هكذا هي الدنيا...
تزهر قليلًا، ثم ترحل سريعًا.
فلا تجعل قلبك متعلقًا
بما سيرحل،
واجعل تعلقك بمن لا يزول، واعمل لدارٍ لا موت فيها
ولا فراق.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.