عرض وقفة التساؤلات
- ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٦٧﴾ ﴾ [التوبة آية:٦٧]
- ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴿٦٤﴾ ﴾ [مريم آية:٦٤]
- ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ ﴿٣٤﴾ ﴾ [الجاثية آية:٣٤]
#تفسير_آية
س/ كيف نجمع بين قول الله تعالى: (نسوا الله فنسيهم)، و (وما كان ربك نسيا)؟
ج/ صفات الله تعالى الواردة في القرآن كلها صفات كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه.
وأما الصفات التي تكون كمالاً في حال ونقصاً في حال، فلا يوصف الله تعالى بها على سبيل الإطلاق،
ولا تنفى عنه على سبيل الإطلاق،
بل يفصل،
ففي الحال التي تكون كمالاً يوصف الله تعالى بها،
وفي الحال التي تكون نقصاً لايوصف بها،
ومنها في القرآن صفات:
الاستهزاء والسّخرية والنسيان
والخداع والكيد والمكر،
فالمكر بالعدو مثلا صفة كمال ، لأن ذلك يدل على كمال العلم والقدرة والسلطان، فلا يوصف الله تعالى بالمكر إلا مقيداً.
-وأهلُ السّنّة يثبتونها لله حقيقة بالمعنى الذي تقتضيه سياقاتها،
وهي لم ترد إلّا في مقابلة أفعال مِن الكفار والمنافقين جزاء عليها على سبيل "الجزاءُ مِن جنس العمل".
والصّواب عند إضافة هذه الأفعال إلى الله التّقييد بالمقابلة لا بالمشاكلة اللفظيّة.
ومعنى المشاكلة أنّ الله سمَّى عقوبته لهم بهذه الأسماء على وجه المجاز المرسل، وهذا يقتضي أنّ الله لا يفعل شيئًا مِن ذلك حقيقة، وهذا خطأ؛ لأنّه تأويل، ولهذا اختار هذه الطريقة نفاةُ الصّفاة والأفعال.
ولا يرد هذا الإشكال على قول مَن يضيف هذه الأفعال إلى الله، ويقول: إنّ ذلك على وجه المقابلة؛ لأنّ معنى ذلك أنّ الله يستهزئ أو يمكر حقيقةً جزاءً للمستهزئين والماكرين من قبيل:الجزاء من جنس العمل.
وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز أن يشتق له منها اسم، فلا يقال: من أسمائه سبحانه الماكر.
وأما سؤالكم عن إثبات صفة النسيان في موضع ونفيها في موضع آخر فقد أجاب أغلب المفسرين عن توهم هذا التعارض، بأن قالوا: إن النسيان يطلق على معنيين:
أحدهما:
النسيان الذي هو ضد الذكر ومقابل له، وهو الحالة الذهنية التي تطرأ على الإنسان، فتغيب عن ذاكرته بعض الأمور التي كان يعلمها وهو المنفي.
مثل قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)
وهذا لا يجوز وصف الله به بكل حال.
والمعنى الثاني للنسيان: الترك عن علم وعمد؛ وهذا المعنى من النسيان ثابت لله تعالى وعز وجل؛ في القرآن والسنة
ومن ذلك قوله تعالى: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا )[الأعراف: 51] .
وقوله سبحانه: (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم) [السجدة: 14] .
وقوله عز وجل: (نسوا الله فنسيهم) [التوبة: 67] .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ في رؤية الله يوم القيامة، وفيه: "فيلقى العبد .. فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني ..." رواه مسلم.
فمعنى النسيان في هذه النصوص الترك.
وحمل (النسيان) فيها على معنى (الترك) متعين؛ إذ لا يستقيم في حقه سبحانه أن يوصف بالنسيان؛ لأن النسيان من صفات النقص في البشر، والله سبحانه موصوف بصفات الكمال والجلال، وهو منـزه عن صفات النقص.
قال أحمد: أما قوله:
(اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا) يقول: نترككم في النار؛ كما نسيتم، كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا .
قال ابن فارس: (النسيان: الترك؛ قال الله جل وعز: نسوا الله فنسيهم) .
قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: نسوا الله فنسيهم: (معناه: تركوا الله أن يطيعوه ويتبعوا أمره؛ فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته، وقد دللنا فيما مضى على أن معنى النسيان: الترك، بشواهدهـ) .
وقال ابن عرفة: (النسيان يأتي بمعنى الترك، قال الآمدي: منع المعتزلة إطلاق صفة الترك على الله تعالى، وأجازها أهل السنة بقوله تعالى: وتركهم في ظلمات لا يبصرون).