عرض وقفة أسرار بلاغية
-
وقفات سورة هود
وقفات السورة: ٣٦٤٩ وقفات اسم السورة: ٥٥ وقفات الآيات: ٣٥٩٤
*تناسب خواتيم يونس مع فواتح هود*
قال في آخر يونس (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)) وفي أول هود (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)) واتبع ما يوحى إليك - كتاب أحكمت آياته، وكأن ما يوحى إليه والمأمور باتّباعه الكتاب الذي أحكمت آياته، ومن أحكمهم؟ خير الحاكمين. وهو خير الحاكمين كتاب أحكمت آياته الذي أحكمه هو خير الحاكمين. خير الحاكمين في يونس (وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)) وفي هود (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) من الذي أحكم آياته؟ خير الحاكمين.
في آخر يونس (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108)) وفي أوائل هود (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3))، نذير وبشير مقابل من اهتدى ومن ضلّ، (يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا) هذا لمن اهتدى، ثم يقول (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)) هذا مقابل (وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) إذن فسر وشرح ما قاله في يونس (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) أنه من اهتدى يمتعه متاعاً حسناً ومن ضل فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير وكلها إنني لكم منه نذير وبشير.
**هدف السورة : الإستمرار في الإصلاح دون تهوّر أو ركون**
هذه السورة وأخواتها سورتي يونس السابقة وسورة يوسف هي أول ثلاث سور لأسماء أنبياء وكلما كان اسم السورة على اسم نبي كانت قصة هذا النبي هي محور السورة وفي ختام السورة تأتي أية تلخّص للقصة وكأنها قاعدة في كل السور المسماة بأسماء أنبياء. وهذه السور الثلاث نزلت في وقت واحد وبنفس الترتيب التي ورد في المصحف ونزلت السور الثلاث بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها ووفاة عم الرسول أبو طالب وما لاقاه من أذى في الطائف والرفض دعوته ونصرته من قبائل العرب وكانت تلك الفترة عصيبة جداً على الرسول وعلى المسلمين في مكة لما لاقوه من أذى المشركين فمنهم من أمره الرسول بالهجرة الى الحبشة ومنهم من بقي في مكة يتعرض للأذى والتضييق من قبل كفار قريش، فكأنما أنزل الله تعالى هذه الآيات تسلية للنبي وتسرية عنه لأنها تقصّ عليه ما حدث لإخوانه الرسل من أنواع الإبتلاء ليتأسّى بهم في الصبر والثبات. وجاءت السورة لتوضح لنا أن من يمر بهذه الأزمات والمحن قد يتصرف وفق احد هذه التصرفات:
1. يفقد الأمل والعمل
2. يتهور ويلجأ إلى العنف والتصرفات غير المحسوبة وتدمير الغير
3. يركن للقويّ ويعيش في ظله ويترك قضيته وينتهي أمره على هذا النحو.
لكننا نرى أن الرسل لم يأخذوا أي واحد من هذه التصرفات وكذلك جاءت الآيات تدعو الرسول لعدم التصرف بهذه التصرفات وإنما جاءت آية محورية التي هي أساس السورة والتي تدور الآيات حولها: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) آية 112 و(وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ) آية 113. وهذه الآيات تضمنت التوجيه للرسول والمسلمين كيف يتصرفون في هذه المحنة وفي أي محنة قد تصيبهم في أي زمن وفي أي مكان. إن هذه الآية تعالج حالة نفسية لأناس في وضع صعب للغاية فجاءت بالأمر الأول (فاستقم) أي اصبر واستمر بالدعوة، ثم جاء الأمر الثاني: (لا تطغوا) أي اياكم والتهور والطغيان وجاء الأمر الثالث: (ولا تركنوا) بمعنى إياك أن تعيش في ظل القوي وتستسلم له. وهذه الأوامر الثلاث هي على عكس التصرفات المتوقعة ممن أصابته المحن كما أوردنا سابقاً. وقد قال الحسن رضي الله عنه: سبحان الذي جعل اعتدال الدين بين لائين: لا تطغوا ولا تركنوا.
وجاءت آيات السورة تتحدث عن نماذج من الأنبياء الذين أصابتهم المحن ولاقوا من المصاعب ما لاقوا خلال دعوتهم لأقوامهم ومع هذا كله صبروا واتبعوا هذه الأوامر الثلاث. وهذه السورة هي في غاية الأهمية للمسلمين لذا قال الرسول : شيّبتني هود وأخواتها.
تبدأ السورة بتمجيد القرآن العظيم الذي أحكمت آياته (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) آية 1 وتدعو إلى توحيد الله تعالى (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) آية 2. وعرضت الظروف الصعبة التي كان يعيشها المسلمون (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) آية 5. ويدعو الله تعالى رسوله للثبات والاستمرار في الدعوة رغم كل الظروف (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) آية 12، وعرضت لعناصر الدعوة الإسلامية في ظل كل الظروف الصعبة عن طريق الحجج العقلية مع الموازنة بين فريقي الضلال والهدى وفرّقت بينهما كما تفرق الشمس بين الظلمات والنور ( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) آية 24 ويتحدث الربع الأول من السورة (أول 30 آية) عن هذا المعنى: التكذيب شديد وتأثيره شديد على المسلمين.
ثم تنتقل الآيات تتحدث عن سبع نماذج من الرسل الكرام وصبرهم على ما لاقوه من قومهم:
· قصة نوح أبو البشر الثاني وقد وردت قصة نوح في هذه السورة بتفصيل لم تذكره أية سورة أخرى من السور حتى سورة نوح نفسها. وتشرح كيف صبر نوح على قومه فقد لبث فيهم عمراً طويلاً أطول من أي نبي آخر 950 عاماً يدعوهم وهم على تعنتهم ويسخرون منه ولمّا طلب الله منه أن يصنع الفلك استمرت هذه العملية سنوات عديدة حتى زرع الشجر ثم أخذ منها الخشب وصنع السفينة وكان يمكن لله تعالى ان يهلك قوم نوح من غير انتظار هذه المدة الطويلة لكن حكمته أرادت أن يظهر طول معاناة نوح وصبره كل هذه السنوات على الأذى حتى نتعلم منه الصبر مهما طال الأذى وعدم اليأس والاستمرار بالدعوة. ولم يكن رد نوح على قومه انفعالياً ولا غاضباً إنما قال: (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) آية 33. فكأنه استقام كما أمره الله وصبر على الدعوة واستمر فيها ولم يتهور في ردة فعله وإنما كان ينصح لهم (الآيات28،29،30،31،32،33،34،35 ) ولم يركن حتى الى ابنه الذي كان من المغرقين ولم ترد قصة ابن نوح إلا في هذه السورة لمناسبة ورودها لهدف السورة وتحقيق معنى لا تركن ولو كان الكافر الظالم من أهله (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) آية 45 وآية 47 (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) وتأتي العبرة في نهاية قصة نوح (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) آية 49.
· ثم تأتي قصة هود مع قومه وقد سميت السورة باسمه تخليداً لجهوده الكريمة في الدعوة إلى الله فقد كان قومه من العتاة المتجبرين الذين اغتروا بقوتهم وقالوا من أشد منا قوة؟ فواجههم هود وكان رجلاً فرداً بين الجمّ الغفير من عتاة عاد الغلاظ الشداد وقد حقّرهم وانتقص آلهتهم وحثّهم على التصدي له وهي من أعظم الآيات أن يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمة عطاشاً إلى إراقة دمه وذلك لثقته بربه وقد قال لهم هود كلاماً جامعاً في أية واحدة ما قالها نبي ولا رسول لقومه أبداً اشتملت كل المعاني الثلاثة التي ذكرناها سابقاً (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) الآيات 54-55-56 - 57. فكأنما جمعت هذه الآيات (استقم واصبر واستمر بالدعوة ولا تطغى ولا تركن الى الذين ظلموا) فلم يتحدث أحد بقوة وعدم ركون واصرار على الرسالة إلا سيدنا هود ولذا سمى الله تعالى السورة باسمه.
· ثم جاءت قصة نبي الله صالح ثم قصة لوط وشعيب ثم قصة موسى وهارون صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً ثم التعقيب المباشر بما في هذه القصص من العبر والعظات التي تدور حول محور السورة وتخدم أهدافها وتعرض صبر كل نبي على أذى قومه وعدم ركونه وطغيانه.
· ثم ختمت السورة الكريمة ببيان الحكمة من ذكر قصص المرسلين لتثبيت قلب النبي أمام الشدائد والأهوال اتي تعرض لها (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) آية 120. ثم يعرض الله تعالى لنا كيفية تنفيذ الأوامر التي وصّانا بها ويدلنا أن العبادة هي التي تعين على الاستقامة (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) آية 114، والصبر الآية 115 (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، وكأنما الآيات كلها من الآية 113 إلى نهاية السورة تعين عى تنفيذ الهدف. وتختم السورة بالتوحيد كما بدأت به ليتناسق البدء مع الختام (وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) آية 123.
ومن لطائف سورة هود البلاغية أن الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبي وإن كانت عامة في المعنى (فاستقم كما أمرت، وأقم الصلاة، واصبر) وفي المنهيّات جمعت للأمة (ولا تطغوا، ولا تركنوا إلى الذين طلموا).
وفى سورة هود كلها حكيم قبل عليم وفي سورة يوسف كلها عليم قبل حكيم.
***من اللمسات البيانية فى سورة هود للدكتور فاضل السامرائي***
* أفتح حديثي عن هذه السورة بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم "شيبتني هود وأخواتها". ما معنى هذا الحديث؟ ولماذا شيبته هود؟ وما هي أخوات هود؟
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. هم يقولون أشد آية وأشق آية نزلت في سورة هود (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) هود) قالوا هي أشد آية وأشق آية ما نزلت على الرسول آية أشد من هذه الآية. وقيل لما نزلت هذه الآية قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه "شمِّروا، شمِّروا". قيل لأنه ذكر في هذه السورة قسم قال ذكر أهوال يوم القيامة، قسم قال شيبتني هود وأخواتها وما فُعل بالأمم قبلها لأنه في السورة ذكر الأمم وأحداثها، قصة نوح وما حصل فيها والعقوبات التي صبّها ربنا سبحانه وتعالى على قوم عاد وثمود وغيرهم ما فعل فيها في الأمم ما قبله وما ذكر من أهوال الساعة فقال "شيبتني هود وأخواتها". قسم قال "وأخواتها" وقسم لم يقل "وأخواتها" ما فيها من تهديد ووعيد
* موقع سورة هود مع السورة التي قبلها والسورة التي بعدها كيف تراها؟ واللمسة البيانية الموجودة في هذا الموقع للسورة تحديداً؟
سورة هود تبدأ بقوله تعالى (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)) السورة التي قبلها سورة يونس بدأت (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1)) ذكر الوصف بأنه حكيم وفي سورة هود ذكر من أحكمه فقال (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير)، هناك ذكر بأنه حكيم وهنا ذكر من أحكمه (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير) فالذي أحكمه هو الحكيم الخبير. في يونس قال (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) وهنا قال (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) فالذي أحكمه هو الحكيم الخبير، هذا بالنسبة للكتاب. بداية السورة التي بعدها سورة يوسف قال (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1)) ماذا قال في هود؟ أحكمت وفصلت (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) أيّ كتاب تحكم آياته وتفصل فهو مبين ظاهر ومُظهِر. أيّ كتاب تُحكمه وتفصله صار ظاهراً ومُظهراً إذن مبين. فلما قال أحكمت ثم فصلت صار مبيناً. إذن ارتبطت بداية السورة بما قبلها في بداية سورة يونس وبما بعدها بداية سورة يوسف، بالبدايتين، هذا أمر. إذن هذا من حيث البدايات.
ماذا قال في خاتمة السورة التي قبلها سورة يونس؟ قال (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)) ما يوحى إليه هو طبعاً الكتاب الذي أُحكمت آياته الذي ذكره في سورة هود. (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) فإذن أحكم الكتاب هو خير الحاكمين. خير الحاكمين هو الذي أحكم الكتاب سبحانه وتعالى. ثم ناسب قول (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) قول (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) الحكيم من الحكمة والحكم. الحكيم للحاكم وهو الذي يقضي بمعنى القضاء، ومن الحكمة أن يحسن القول والفعل. قد يكون الحاكم غير حكيم وقد يكون الحكيم غير حاكم. وهذا من باب التوسع في المعنى.
فإذن هنا ناسب قوله (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) قول (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) لأن الحكيم قد يكون بمعنى الحاكم والحاكم لا شك إذا كان ذا حكمة هو خير الحاكمين. إذن ناسب افتتاح السورة خاتمة السورة التي قبلها، إذن صار تناسب في البدايات وتناسب في الخاتمة.
نلاحظ أمراً آخراً، قال في افتتاح سورة هود في الآية الثانية (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2)) وقال في خاتمة سورة هود نفسها (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123))، (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) هذا خطاب للناس (فَاعْبُدْهُ) خطاب للرسول، إذن الخطاب للمبلَّغين والمبلِّغ يأمرهم بالعبادة كلاهما. لا يأمرهم بشيء هو لا يفعله كما يأمرهم بالعبادة هو نفسه مأمور بالعبادة. (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) - (فَاعْبُدْهُ) كما بلّغت أنت مأمور بالعبادة، كما أنت مأمور بالتبليغ أنت مأمور بالعبادة. إذن صار هناك تناسب بين خاتمة السورة وبدايتها.
الآية الأولى في السورة (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ (1)) خواتيم السورة قال (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)). (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ) يقص عليك من الكتاب الذي أُحكمت آياته. (ثُمَّ فُصِّلَتْ) - (وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) هذا تفصيل، حق وموعظة وذكرى، ذكر في البداية فصلت آياته ثم ذكر في الأخير آليات التفصيل الحق والموعظة والذكرى فإذن صار تناسب بين الأول والخاتمة في الأجواء العامة للسورة. ثم الذي يختار من القصص ما يثبت به الفؤاد هو حكيم خبير. والذي يأتي بالحق والموعظة والذكرى حكيم خبير. إذن الآيات اتصلت من كل ناحية.
آية (1):
* في الآية الأولى (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)) ماذا في تأليف هذه الآية من النواحي البيانية والبلاغية؟
الذي أحكمه هو الحكيم الخبير والذي فصّله هو الحكيم الخبير. طبعاً ليس هناك من يحكم أو يفصل أفضل من الحكيم الخبير. لكن أذكر أمراً هو ذكر (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) ذكر الإحكام والتفصيل في الكتاب لم يرد الإحكام والتفصيل في الكتاب في غير هذا الموضع، إما أن يذكر الإحكام أو التفصيل. إما يقول (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) يونس) أو أنه فصّل في مكان آخر قال (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا (3) قصلت) (وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً (114) الأنعام) لكن الإحكام والتفصيل لم يرد إلا في آية سورة هود (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ). لم يجمع هذين الوصفين الإحكام والتفصيل إلا في هذا الموضع.
* هل لهذا دلالة معينة؟
الحكيم ذو الحكمة البالغة، إحسان القول والعمل وضعهما في الموضع الذي ينبغي أن يوضعا فيه، هذا الحكيم. الخبير الذي يعلم بواطن الأمور، ما أعظم هذا الكتاب الذي أحكمه وفصله الحكيم الخبير!. لاحظ ذكرنا قبل قليل أن الحكيم قد يكون له الحكمة إذن سيكون أحكم آياته الذي بيده الحكم والأمر وهذا يدل على رفعته مكانته لأن أهمية الكتاب تكمن أهميته في أمرين: الجهة التي أصدرته، كتاب الموظف الصغير ليس مثل كتاب المدير ولا مثل كتاب الوالي ولا كتاب السلطان إذن الكتاب أهميته تكون من أهمية المرسِل، هذا أمر. والأمر الآخر إضافة إلى الجهة هو محتواه. الكتاب تأتي أهميته من أمرين إما من المرسِل ممن صدر؟ ثم ماذا فيه؟ الجهة ذكرها (حكيم خبير) هذا يدل على العلو، الحكمة محتواه إذن هو دل على رفعته بكل مقتضيات العلو والرفعة حاكم وحكيم وخبير والحكمة محتواه والأمر طلب عبادة الله وتوحيده. هذا شأن الكتاب المذكور في اول السورة إنه كتاب محكم أحكمه حاكم حكيم خبير، هذا يدل على رفعة الكتاب. نلاحظ في السورة ذكر في مواطن تعظيم هذا الكتاب في السورة نفسها، لما ذكر في السورة هذا شأن الكتاب الذي (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)) ولم يجتمع هذان الأمران في موطن آخر والذي فعل هذا هو الحاكم الحكيم الخبير. نلاحظ في السورة يذكر تحدي المعاندين والمعارضين (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ (13)) هذا الكتاب الذي أحكمه الحاكم والخبير (قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13)) يأتي بمنزلة هذا الكتاب (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (14)). ومرة أخرى يقول (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ (17)) في مرية من الكتاب (إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ).
يأتي في موطن آخر (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (35) هود). يأتي في موطن آخر، في البداية يعظم الكتاب في السورة وكلها تتناسب مع التعظيم في الأول، (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)) تعقيب على قصة نوح ، هو يخبر سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بسيدنا نوح والأنبياء من قبله ، بالقصة، وهو لم يكن يعلم عنها لا هو ولا قومه ، هذا أول إخبار وإعلام لك ولقومك.
* ولا في قصص بني إسرائيل ولا غيره؟
قومه لا يعرفون، من أخبره؟ لو كانوا يعلمون لقالوا نحن نعلم، لكن (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) بشره بالعاقبة. إذن نلاحظ حتى في الآخر يقول (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)) كلها تدل على تعظيم الكتاب وهذه كلها متناسبة مع الاية الأولى (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) بيّن علو ومنزلة هذا الكتاب في مدار السورة، كلما تأتي مناسبة يذكر هذا الأمر بشكل معين، ما أجلّ هذا الكتاب! ما أعظم هذا الكتاب الذي أُحكمت آياته ونُظمت نظماً محكماً ليس فيه نقص ولا نقض وما إلى ذلك. فصل ما يحتاج إليه العباد بحيث لم يترك شيئاً، تفصيل. ثم جاء بـ (ثم) (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ).
* (أُحكِمت) بمعنى ماذا؟
نظمت نظماً رصيناً ليس فيه نقض وخلل ولا أي شيء. الكتاب هنا هو القرآن الكريم، (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) خاصة بالقرآن الكريم وليس باللوح المحفوظ لأنه ذكر بعدها (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ (2)) هذا في الكتاب.
* ما دلالة بناء الفعل للمجهول؟
الأولى وصف الكتاب والثانية لله للمفصِّل. (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) هذا تعظيم لشأن الكتاب ثم ذكر المرسِل من الذي فعل هذا؟ الأولى الثناء على الكتاب ثم ذكر الجهة التي فعلت ذلك.
(ثم) هنا لترتيب الإخبار ليس لترتيب الوقوع في الزمن.
* الإحكام كان أولاً ثم التفصيل؟
لا، وإنما أخبره كما تقول فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل، تخبر إخباراً وليس ترتيباً زمانياً وإنما ترتيب إخباري كما ذكر أكثر من مرة في (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿١٣﴾ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴿١٤﴾ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿١٥﴾ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴿١٦﴾ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴿١٧﴾ البلد) لو لم يكن مؤمناً لا قيمة لما أنفق، هذا ترتيب يسمونه ترتيب الإخبار لا ترتيب الوقوع. وقسم يقول تراخي بين المنزلتين، هنالك منزلة أعلى من منزلة فتأتي بـ (ثم) لبعد ما بين المنزلتين.
*لماذا بدأ بالمجهول ثم ذكر الفاعل؟
السؤال المعروف في النحو واللغة أن المُسنَد إليه هو المتحدَّث عنه والمُسنَد هو المتحدث به عنه. من المسنَد إليه الفاعل ونائب الفاعل والمبتدأ والخبر وما أصله مبتدأ وخبر، من المسنَد إليه بالذات الفاعل ونائب الفاعل والمبتدأ. إذا أراد الحديث عن نائب الفاعل بنى الفعل للمجهول وإذا أراد الحديث عن الفاعل ذكره. عموم الكلام ماذا يريد المتكلم؟ هل الكلام عن الفاعل أو عن نائب الفاعل؟. نأتي للآية في سورة هود، الحديث عن الكتاب وتعظيمه لا على من أحكم وفصّل أي الله سبحانه وتعالى (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) الكلام على الكتاب وأنه أُحكمت آياته ثم فُصلت وليس الكلام عن الحكيم الخبير وإنما هذا فقط ذكره لتعظيم الكتاب، لما قال (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) من الذي أحكم وفصّل؟ فذكر (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) هذا من باب التعظيم للكتاب. مثلها ما ورد في الأعراف (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)) (مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) إذن الكلام عن الكتاب والكلام عن الكتاب يبدأ بالسورة (المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)) فإذا كان الكلام على الفاعل ذكر الفاعل وإذا كان الكلام عن نائب الفاعل ذكره. مثال (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (6) الفرقان) يتكلم عن الله، ذكر الكتاب في (أَنزَلَهُ) لكن الكلام عن الفاعل عن المنزِل لا عن المنزَل (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (6) الفرقان). (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ (285) البقرة) بماذا يؤمن؟ بالكتاب. (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2) الزمر) (إِنَّا أَنزَلْنَا) الكلام عن الله وليس عن الكتاب. فإذن هناك إذا كان الكلام عن نائب الفاعل يبنيه للمجهول. أليس هناك فرق بين (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟ (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) الكلام عن الكتاب لكن يذكر من المنزِل فيما بعد لتعظيم الكتاب ليس للكلام عن الفاعل وإنما لتعظيم الكتاب، (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) من أنزله؟ الله، إذن (أنزل إليك من ربك) هذا استكمال لتعظيم الكتاب.
إذن البناء للمجهول له أغراض؟.
طبعاً له أغراض، عن ماذا تريد أن تتحدث؟ هذا من البلاغة والبيان يركز على ما يريد التحدث عنه. حتى إذا ورد الفاعل فهو لغرض ما يتعلق بالكتاب يعني بنائب الفاعل أيضاً وليس بالفاعل لكن بما يأتي بالغرض في هذا السياق حسب الحاجة وحسب ما يريد المتحدث أن يتحدث عنه.
*ما الفارق اللغوي أو البياني بين الحكيم والخبير؟
الحكيم هو الذي يضع الأمور، يقولون الحكمة هي توثيق العلم بالعمل. وضع الشيء في محله قولاً وعملاً هذا الحكيم والذي إذا فعل وضع الفعل في مكانه وإذا قال قاله في مكانه إحسان القول والعمل، هذا الحكيم. والخبير هو الذي يعلم بواطن الأمور.