عرض وقفة أسرار بلاغية
- ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾ ﴾ [الناس آية:١]
- ﴿مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾ ﴾ [الناس آية:٢]
- ﴿إِلَهِ النَّاسِ ﴿٣﴾ ﴾ [الناس آية:٣]
- ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿٤﴾ ﴾ [الناس آية:٤]
- ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿٥﴾ ﴾ [الناس آية:٥]
- ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴿٦﴾ ﴾ [الناس آية:٦]
[قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (١) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (٢) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ (٣) مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ (٤) ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ (٥) مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ (٦) [الناس: 1 - 6]]
## مُناسبةُ السّورةِ لما قبلَها :
لَمّا ذَكَرَ النظم الكريم الاستعاذةَ بالرَّبِّ الفالِقِ لكلِّ شيءٍ من شرِّ المخلوقاتِ جميعِها، الّتي فلَقَها الله تعالى، وأوجدَها؛ ناسَبَ أنْ يذكُرَ على وجهِ التَّخْصيصِ الاستعاذةَ بربِّ الإنسِ من شرِّ الموسوسِ جِنيًّا كان أَوْ إنسيًّا(1)، فالمناسبةُ بين السّورتينِ الانتقالُ من عُمومِ متَعَلَّق المُستعاذِ به (ربُّ الفلَق) إلى خصوصِه (ربُّ الناس)، ومن عُمومِ المستعاذِ منه، وهو كلُّ ما خلَق، وأفرادٌ ممّا خلقَ، إلى خصوصِ المُستعاذِ منه، وهو فردٌ خطير ممّا خلقَ تعالى، وهو الوَسواس الخنّاس، الذي أُفرِدَ بالذِّكر هنا لاختصاصِهِ بإضلالِ النّاس(2).
~ الاستعاذةُ مِنَ الشَّيطانِ الوسواس الغائب، بعدَ الاستعاذةِ من عُمومِ شَرِّ ما خلَقَ الحاضر والغائب ~
فكانت الاستعاذةُ بالله تعالى في سورةِ الفَلَق من شرورٍ أربعةٍ خارجيّة، وفي سورةِ النّاس من شرٍّ داخِليٍّ يتعلّق بإبليسَ وأعوانِه وخَطَرِهم الدّاهِمِ في الوَسوَسَة والإغواء، فهذه السّورةُ مُتَّصِلَةٌ بتلك اتّصالَ سورةِ التّوبةِ بالأنفال.
## شَرْحُ المُفْرَداتِ :
1) (ٱلۡوَسۡوَاسِ)، (يُوَسۡوِسُ): (وسوس) أَصْلٌ يَدُلُّ على صوتٍ غيرِ رَفيع، يقالُ لصَوْتِ الحُليِّ: وسواس، ولهَمْسِ الصّائد وسواس، ولإغواءِ الشَّيطانِ ابنَ آدمَ وسواسٌ(3)، والوَسواس بالفتح: اسمٌ مِن وسْوَسَتْ إليه نفسُهُ؛ إذا حدّثَتْهُ، وبالكسرِ مَصدرٌ، ووَسْوَسَ متعدٍّ بـ(إلى)، والوَسواس: مرضٌ، ويقالُ لما يخطُرُ بالقلب من شرٍّ، ولما خُيِّرَ فيه: وسواس(4)، فالوسوسةُ: الخَطْرَةُ الرَّديئة(5)، فهو جَرَيانُ صَوتٍ خَفيٍّ يَحدُثُ في النّفس من دونِ أن يكونَ على حقيقةٍ، سواءٌ كانَ مِن شَيطانِ إنسٍ أَوْ جنٍّ أَوْ من خَطْرَةٍ باطنيَّةٍ، ويُقابلُهُ الوحيُ والإلهامُ، وما يُلقى في النفس رَحمانيًّا(6)، والمرادُ بِهِ في الآية: الصّوتُ الخفيُّ القادمُ من شَياطينِ الإنسِ والجنِّ بُغيَةَ الإغواءِ والإضلال.
2) (ٱلۡخَنَّاسِ): (خنس) أصلٌ واحدٌ يدلُّ على استخفاءٍ وتستُّرٍ، قالوا: الخَنْسُ الذَّهابُ في خِفيَة، والخَنّاسُ في صِفةِ الشَّيطان؛ لأنّه يَخنِسُ؛ إذا ذُكِرَ الله تعالى(7)، فالخُنوس: الانقباضُ والاستخفاءُ، وخَنَسَ في كلام العرب يكونُ لازمًا ومُتعدّيًا(8)، وخَنِسَ الأنفُ خَنَسًا: انخفضَتْ قَصبَتُهُ، فالرّجلُ أخنَسُ، والمرأةُ خَنْساء، وخَنَسْتُ الرّجُلَ خَنْسًا: أخَّرْتُهُ، أَوْ قَبَضْتُهُ، وزَوَيْتُهُ، فانخنَسَ، ومنهُ الخنّاس في صفةِ الشَّيطان، اسمُ فاعلٍ للمُبالغة؛ لأنّه يَخنِسُ؛ إذا سَمِعَ ذِكْرَ الله تعالى، أي: يَنقبِضُ(9)، ووصفُ الوَسواس بصفةِ الخَنْس إشارةٌ إلى أنّ الموسوِسَ ليسَ مُتظاهِرًا بعمَلِه، بل هو مُستَتِرٌ ومُختَفٍ في عمَلِه، ومُتَنَحٍّ ومُتأخِّرٌ عمَّنْ يوسوِسُ إليه، فهو مُتقرّبٌ في مَقامِ الوَسوَسةِ، ومتنحٍّ في مَقامِ النُّصْرَةِ والإعانة(10)، والمرادُ به في الآية: المُنزوي عن الموسوَسِ له، المُتخفّي بوَسوَسَتِه.
3) (ٱلۡجِنَّةِ): (جنن) أصلٌ واحدٌ، وهو السَّترُ والتَّستُّرُ، والتَّغطيَةُ والمواراة، فالجَنّةُ فَعْلَةٌ مصدرٌ للمَرّة، يُطلَقُ على حديقةٍ مُغطّاةٍ بالأشجارِ المُلتفّة، فكأنّها قد غُطّيَتْ مرتبةً واحدةً، ودامتْ تغطيتُها، وهو ثوابٌ مَستورٌ عن أهلِه اليوم، والجِنّة: الجُنون، وذلك أنّهُ يُغطّي العقلَ، والجنينُ وصفٌ له ما دامَ في بَطنِ أمِّه؛ والجِنُّ سُمّوا بذلك؛ لأنَّهم مُتَستِّرونَ عن أعيُنِ النّاس، فالجِنُّ والجِنّةُ خلافُ الإنس، والجانُّ الواحدُ منَ الجِنّ(11)، وهو المرادُ بِهِ في الآيةِ.
## المَعْنى الإجْماليُّ :
أمرَ الله سُبحانَهُ رسولَهُ ﷺ وكُلَّ مُؤمِنٍ أنْ يستعينوا بربِّ الناسِ ومالكِ أُمورِهِم ومُربّيهم وإلههِم بإفاضة ما يُصلِحُهم، ودفعِهِ ما يَضرُّهُم، بأن يَقولوا: ألجأُ إليكَ ربَّ الناسِ ومَلِكَهم وإلهَهُم ومَعبودَهم أنْ تُنجيَنا، وتَحفَظَنا من شرِّ الشَّيطانِ الموسوسِ للناس، الكثيرِ الخُنوس والاختفاء، الذي يأتي من ناحيةِ الباطلِ، فلا يَستطيعُ مُقاومةَ الحقِّ؛ إذا صدَمَهُ، فيُلقي خُفيةً في صُدورِ الناس ما يَصرِفُهُم عن سبيلِ الحقِّ والخيرِ والرَّشاد، سواء كان هذا الموسوِسُ إنسيًّا أم جِنّيًّا(12).
~ التَّعَوُّذ بربِّ النّاس من شياطينِ الجِنِّ والنّاس ~
## الإيضاحُ اللُّغَويُّ والبَلاغيُّ :
* نكتةُ الاستفتاحِ بالفِعل (قُلۡ) :
استَفتَحَ النَّظمُ الكريمُ السّورةَ بفعلِ القولِ أمْرًا في قولِ الله تعالى: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)؛ للدِّلالة على الوجوبِ؛ إذ فيها تكليفٌ بإنشاءِ معنًى في النّفس، يؤدَّى بهذه الألفاظِ المخصوصةِ، المُنبِئَةِ عن وُجوبِ الالتجاءِ إلى ربِّ النّاس ومليكِهم وإلَهِهِم، وفي هذه الصّيغة دلالةٌ على الاهتمام بالمَقول، وأنَّه أمرٌ عظيمٌ ينبغي الاستماعُ والإصغاءُ له؛ إذِ الابتداءُ بالأمرِ وما فيهِ مِن قوّةٍ وتنبيهٍ يَقودُ إلى إصاخة السّمْعِ لَه، واستعمالُ مادّةِ القول للدَّلالة على أنَّ ذلك المعنى المُنشَأ في النفس مُعبَّرٌ عنهُ بمادّةٍ سهْلةٍ على اللِّسان، لَيِّنةٍ عندَ التعبير.
~ الاعتناءُ بالمَقول، والحِرصُ على اللَّفظ المُبَلَّغِ المَنقول ~
والأمر بالقول يُفيد المُحافظةَ على أداءِ تلك الكلماتِ بأعيانِها، حتَّى يُبلِّغَها ﷺ بألفاظِها، وأنَّ تلك الألفاظَ تحملُ معنًى، يَنبغي العنايةُ بأدائِه وقولِه بلفظِهِ المَخصوص؛ لما فيهِ من نفعٍ وخيرٍ وفائدةٍ، قال ابنُ عاشور: "الأَمْرُ بالقَولِ يَقتَضي المُحافَظَةَ عَلَى هَذِهِ الأَلْفاظِ؛ لأنَّها الَّتي عَيَّنَها الله لِلنَّبي ﷺ؛ لِيَتَعَوَّذ بها، فإجابتها مَرْجوَّةٌ؛ إذْ لَيْسَ هَذا المَقولُ مُشْتَمِلًا عَلَى شَيْءٍ يُكَلَّفُ بِه، أَوْ يُعْمَلُ حَتَّى يَكونَ المُرادُ: (قُلْ لَهُمْ كَذا)، كَما في قَوْلِه: (قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ (١)) [الإخلاص: 1]، وإنَّما هوَ إنْشاءُ مَعْنًى في النَّفْسِ، تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الأَقْوالُ الخاصَّةُ"(13).
* دلالةُ الخِطابِ بالأمرِ :
عبّر النظمُ الكريمُ بضَميرِ الخِطاب (أنتَ)، المُقَدَّرِ وُجوبًا في قولِ الله تعالى: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)؛ للدِّلالة به على الذّاتِ النَّبَويَّة الشَّريفة المُخاطبةِ بالقرآن مُباشَرةً، والذَّواتِ الّتي تَسمَعُ هذهِ الكلماتِ عَبرَ العُصورِ والدُّهور، فهو من الخِطابِ بالضَّمير الدالِّ على مُعيَّنٍ، والمرادُ به كلُّ مَن يَصلُحُ أنْ يكونَ مُخاطَبًا؛ لأنَّ التعوُّذَ بالله ليس مَخصوصًا به ﷺ، ولذلك أمرَ بعضَ أصحابه بأن يتَعَوَّذوا بها(14).
~ استعمالُ المُشتَرَكِ في مَعنَيَيهِ لتعميمِ الخِطابِ لهُ، ولِمَنْ يَسمَعُ بينَ يدَيهِ ~
* دلالةُ الفِعلِ (أَعُوذُ) :
عبّرَ النّظمُ الكريمُ بفعلِ الإعاذة في قولِ الله تعالى: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)؛ لدلالةِ مادَّته على طلبِ الالتجاءِ والتحصُّنِ بالمَولى الجليل وحدَهُ من شرِّ المخلوقاتِ؛ للوِقايةِ بِهِ تعالى ممّا يُخافُ، ويُحذَر.
~ التعوُّذُ المُستمِرُّ احتماءٌ بمَن لهُ الخَلقُ والأمر ~
وجاء الفِعلُ مُضارِعًا (أَعُوذُ)؛ للدّلالَة على طلبِ الالتجاءِ والتحصُّنِ بالله تعالى، فهي جملةٌ خبريَّةٌ لفظًا، إنشائيَّةٌ مَعنًى، والغرضُ من العدولِ عنِ الطّلب إلى الإخبار الحَثُّ على تَعَوُّذِ المُخاطَب باستمرارٍ تجدُّديٍّ، ولذا لم يأتِ النظمُ بالإنشاء: (عُذْ بربِّ النّاس)؛ لأنّ الأمرَ لا يَدُلُّ على التكرارِ إلّا بقَرينة، فكانَ العُدولُ عن صيغةِ الأمرِ إلى الصّيغةِ المُضارِعَة؛ لإفادةِ استمرارِ الالتجاء إلى الله وتكرارِه، وفي التّعبيرِ عن الطّلب بالإخبار تقويَةٌ للمأمول، وتقريبٌ للمَوعود، وبيانٌ لعظيمِ رحمةِ ربِ العبادِ؛ فكأنّه يُجيبُه بمجرَّد أن يَدْعو، فيسبِغ عليه من وافر حمايتِه وصيانَتِه ما يشمَلُ حاجَتَه، ويَقيه من الشُّرورِ المُحيطَة به، ويدفع هَمَّه وخَوفَه.
* مُناسَبةُ الاستعاذةِ لخَتْمِ القرآن :
عبَّرَ النَّظم الكريمُ في سورتَي الفلَقِ والنّاس بفعلِ الإعاذةِ بالربِّ سبحانه وتعالى، فقال في سورة الفلق: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ (١)) [الفلق: 1]، وقال هنا: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)، وكلٌّ من الفِعلَينِ يُناسِبانِ في دلالتَيهما الاختتامَ والانتهاء للنَّظم الكريم؛ لأنَّ العَوْذَ واللَّوذَ رجوعٌ إلى الله تعالى وأوبَةٌ إليه، فيكونُ خِتامًا لكلِّ تلك الآياتِ والعِبَر بالرُّجوعِ والتحصُّنِ والالتجاءِ إلى الله تعالى وحدَهُ(15).
~ العَوْذُ بربِّ الفلَقِ والنّاس رُجوعٌ بعدَ رِحلةِ صَعبةِ المِراس ~
* دلالةُ الإسنادِ إلى المتُكلِّم :
أسندَ النظمُ الكريمُ فعلَ الإعاذة إلى ضَميرِ المتكلِّم، في قولِ الله تعالى (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)؛ للدِّلالة بِهِ على كلِّ مَن يصلُحُ أنْ يكونَ متكلِّمًا به، فالضّمير وإن أُريد به الذاتُ النبويَّة الكريمة إلّا أنّه عامٌّ في كلِّ مَن يصلُحُ أنْ يكونَ مُستعيذًا بتلك الألفاظ، لعموم الخطابِ بالأمر (قُلۡ)، وإنَّما عُدِلَ عن الجَمع: (قولوا نعوذُ) إلى صيغةِ المُخاطَب المفرَدِ والمتكلِّمِ المُفرد؛ للدِّلالة على تشريفِ المُخاطَب ﷺ، وأنَّ الواجبَ اتّباعُهُ فيما يقولُهُ، ويُبلِّغُه عن ربِّه؛ لأنَّه حاملُ الرِّسالة، والمكلَّفُ بأدائِها(16).
~ عُمومُ المتكلِّم لعُمومِ مَن صدَرَ عنهُ النّظمُ المُفهِم ~
* دلالةُ الباءِ :
عدَّى النظمُ الكريم فعلَ الإعاذة بالباءِ الدالّة على الإلصاق والاستعانة في قولِ الله تعالى: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)؛ لتحديدِ المتعوَّذِ به؛ لأنَّ فِعلَ الإعاذة يستَلزِمُ مُتعوَّذًا بِهِ ومُتعوَّذًا منه؛ إذِ الاحتماءُ يكونُ باللُّجوء إلى ذاتٍ قادِرةٍ تَقيهِ من المَخاوفِ والشرِّ.
~ تحديدُ المُتعوَّذ بِهِ؛ ليكونَ اللُّجوءُ إليهِ ~
* نكتةُ الوَصفِ بالرُّبوبيَّة :
عبَّرَ النظمُ الكريم بصِفَة الرُّبوبيَّة في قولِ الله تعالى: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)؛ للدّلالة على التعليلِ للاستعاذةِ بِهِ تعالى؛ لأنّ تعليقَ الحُكم بالمُشتَقِّ دالٌّ على عِلّيَّةِ مَبدَئِهِ له، فهو ربُّ كلِّ إنسان، ومَن كانَ ربًّا ومُرَبّيًا ومُحسِنًا وسَيِّدًا؛ فإنَّ الاستعاذةَ تكونُ به وحدَه، فأفادَ التعليلُ الانحصار، ولذا لم يأتِ النظمُ بالتّقديم: (قُلْ بربِّ النّاسِ أعوذُ)؛ لأنَّ التعليلَ أغنى عنه.
~ التربيةُ والإحسان تَقتضي اللُّجوءَ إلى الكريمِ المَنّان ~
وكما أنّ التَّعبيرَ بالرُّبوبيَّة فيه إشارةٌ إلى تَعليل الاستعاذَة بالرَّبّ، فإنّ فيه إشارةً إلى وصفِ الاستعاذة نفسِها، وأنّها مِن جنسِ تَرْبيَةِ الله للمُستَعيذ(17)، فكأنَّ المُستَعيذَ بهذه الكلِماتِ جَعلَ تربيةَ الله فيما سَبَقَ وسيلةً إلى تَربيَتِه في الحاضِرِ والمُستَقبَلِ بالحِماية والعِناية، وكأنّه يقول: (إنَّ التربيَةَ والإحسان صِفَتُك، فلا تُهمِلْني، ولا تُخَيِّبْ رَجائي، فأنتَ المُؤَمَّلُ في المَخاوِف، المُستعاذُ به مِنَ المَضارّ)(18).
* نكتةُ المُشابهةِ بينَ المُعَوِّذَتَين :
عبَّرَ النظمُ الكريمُ في افتتاحِ سورة الناس بما عبَّرَ به في افتتاحِ سورة الفلق، فقالَ تعالى هنا: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)، وقالَ هناك: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ (١)) [الفلق: 1]، فتشابهَتِ السّورتانِ في الافتتاح، إلّا أنَّهما اختلَفَتا في التعبيرِ عنِ المُتعوَّذِ به، والسِّرُّ في ذلك أنَّ سورةَ الفلَقِ تُعالِجُ شُرورًا بَدَنيَّة، لمخلوقاتٍ حيوانيَّة وإنسانيَّة، فذكر رَبَّ عُمومِ (ٱلۡفَلَقِ (١)) [الفلق: 1]، وسورةُ النّاس تُعالِجُ شُرورًا شَيطانيَّةً خفيّة، تُؤثِّرُ في نَفْسِ الإنسانِ خاصَّة، فذكرَ خُصوصَ رَبِّ (ٱلنَّاسِ)(19).
~ التعوُّذ من الشُّرورِ الظّاهِرَة والخَفيّة ~
* دلالةُ إضافةِ (ربِّ النّاس) :
أضافَ النظمُ الكريم الربَّ إلى (ٱلنَّاسِ)، في قولِ الله تعالى: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)؛ للدِّلالة على العهدِ الصّادق بربوبيّتِهِ لجميعِ أفرادِ الناس فردًا فردًا، والغَرَضُ من الإضافةِ العهديَّة إفادةُ الانحصارِ في الله تعالى؛ للإشارةِ إلى أنَّ الالتجاءَ إلى ربِّ الناسِ ومَليكِهِم وسَيِّدِهم وحدَه، يمنعُ عنهم شَرَّ الوَسواس وأعوانِه، وإضافةُ الربِّ مصدرًا إلى (ٱلنَّاسِ) منَ الإضافةِ إلى المفعولِ؛ لإظهارِ حاجتِهِم إلى المُرَبّي الَّذي يوصِلُهم إلى الكمالِ والخَير، ويَدفَع عنهُمُ النَّقصَ والشَّرَّ.
~ الدّلالةُ الاستغراقيَّة تفنيدٌ لما يدَّعيهِ أصحابُ العقائدِ الشركيّة ~
* نكتة اختيارِ (ٱلنَّاسِ) :
أضافَ النظمُ الكريم لفظَ الربّ إلى (ٱلنَّاسِ) وحدَهُ، في قولِ الله تعالى: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)، دونَ غيرِه من أوصافِ المَربوبين؛ لأنّ "الاستِعاذَةَ من شَرٍّ يُلقيهِ الشَّيْطانُ في قُلوبِ النّاسِ، فيَضِلّونَ، ويُضِلّونَ، فالشَّرُّ المُستَعاذُ مِنهُ مَصَبُّهُ إلَى النّاسِ، فناسَبَ أن يُستَحضَرَ المُستَعاذُ إلَيهِ بعنوان أنَّهُ رَبُّ مَن يُلقونَ الشَّرَّ، ومَن يُلْقَى إلَيهِم؛ ليَصْرِفَ هَؤُلاءِ، ويَدْفَعَ عَنِ الآخَرينَ"(20).
~ اختصاصُ الوَسواس سرُّ الاقتصارِ على وصفِ ربِّ النّاس ~
* دلالةُ تَعريفِ (ٱلنَّاسِ) :
عرَّفَ النظمُ الكريمُ لفظَ (ٱلنَّاسِ) بـ(الـ)، في قولِ الله تعالى: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)؛ للدِّلالة به على الاستغراقِ الكلّيِّ(21)، والغَرَضُ منَ الاستغراقِ العامِّ بيانُ احتياجِ الناس جميعِهم إلى التحصُّنِ بربِّهم من شرِّ المَوسوِسِ؛ تعريضًا بالمُشركينَ الَّذين يَحتمونَ بالمعبوداتِ الباطِلة معَ اعترافِهِم بأنَّ الله ربُّ الناس كلِّهم.
~ المُوَحِّد في استِعاذَتِه بربِّ الناس يَمتَنِعُ عليهِ الخُضوع للوَسواس ~
* نكتةُ اختيارِ (مَلِكِ) :
عبَّرَ النظمُ الكريمُ بلفظِ (مَلِكِ) صِفَةً مُشَبَّهَةً، في قولِ الله تعالى: (مَلِكِ ٱلنَّاسِ)؛ للدّلالة على تعليلِ الإعاذة به تعالى؛ إذْ مِن شأنِ المَلِكِ القاهِرِ على رَعيَّتِهِ، المُتصرِّفِ في شُؤونِهم أنْ يُلجَأَ إليه للحِمايةِ والنُّصرة والإعانَة، وأفادتِ الصِّفةُ المُشبَّهةُ الثبوتَ والدّوامَ لِمُلكيّته تعالى.
~ المُتصرِّفُ في الشُّؤون يُلجَأُ إليه عندَ رَيبِ المَنون ~
* دلالةُ إضافةِ (مَلِكِ ٱلنَّاسِ) :
أضافَ النظمُ الكريم صِفَةَ المَلِك إلى (ٱلنَّاسِ)، في قولِ الله تعالى: (مَلِكِ ٱلنَّاسِ)؛ للدّلالة على التعيينِ والتعريفِ؛ إذْ يكتسبُ المُضافُ من المضافِ إليه تشخُّصًا، وعلى التصرُّفِ التامِّ والكامل في كلِّ الناس، إيجادًا وإعدامًا وإحياءً وإماتةً ورزقًا، فهي إضافةٌ لاميَّة، تدلُّ بَنفسِها على المُلك، كما دلّ عليه المُضافُ أيضًا.
~ المُتصرِّفُ على الإطلاق يُلجَأُ إليهِ بلا شِقاق ~
والإضافةُ عهديّةٌ، يُستفادُ منها انحصارُ مَلكيّة الناس في ذاتِ الله تعالى، ومِن شأنِ المُربّي والمَلِك للنّاس المُتصرِّف في أمورِهِم أنْ يكونَ إلهًا ومعبودًا لهُم دونَ ما سواه، ففي الإضافةِ تعريضٌ بالمُشركينَ المُعترِفينَ بالربوبيَّة والمَلكيَّة، المشرِكينَ معه الأصنامَ في الألوهيَّة والمعبوديَّة.
* نكتة اختيارِ (ٱلنَّاسِ) :
أضافَ النظمُ الكريم لفظَ المَلِك إلى (ٱلنَّاسِ)، في قولِ الله تعالى: (مَلِكِ ٱلنَّاسِ)؛ لأنّ "المَلِك هو المُتصرِّفُ بالأمرِ والنّهيِ في الجُمهورِ، وذلك مختصٌّ بسياسةِ الناطقين؛ ولذلك يقالُ: مَلِكُ الناس، ولا يقال: مَلِكُ الأشياء"(22).
* دلالةُ تَعريفِ (ٱلنَّاسِ) :
عرّفَ النظمُ الكريمُ لفظَ (ٱلنَّاسِ) بـ(الـ)، في قولِ الله تعالى: (مَلِكِ ٱلنَّاسِ)؛ للدِّلالة على على الاستغراقِ والعُموم؛ إذِ الناسُ كلُّهم تَحتَ مُلكِه وسُلطانِه، لا يخرجُ واحدٌ منهم عن قبضةِ حُكمه، فهو الملكُ المتصرِّفُ في جميعِ شُؤونهم وأحوالِهِم.
~ مِلْكيَّةُ النّاس تَعودُ إلى خالِقِهم في الأساس ~
* دلالةُ المَوقِعِ الإعرابيّ :
يحتَمِل كُلٌّ مِن (مَلِكِ) و(إِلَٰهِ)، في قولِ الله تعالى: (مَلِكِ ٱلنَّاسِ (٢) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ) أن يكونَ عَطْفَ بيان، والمقصود منهُ إيضاحُ مَتبوعِهِ، إمّا بتعيينِهِ أَوْ بتقليلِ الشُّركاءِ فيه، "فإنَّ الربَّ قد لا يكونُ مَلِكًا، والمَلِكُ قد لا يكونُ إلهًا"(23)، ويُفيدُ عطفُ المَلِك على الرَّبِّ كذلك "بيانَ أنَّ رَبّيَّتَه سُبحانه ليستَ كرَبّيَّةِ سائرِ المُلّاك لما تحتَ أيديهم من مَماليكِهِم، بل بطريقِ المُلك الكامل، والتصرُّفِ الشّامل"(24)، ويُفيدُ - أيضًا - عَطفُ الإلهِ عليهما بيانَ "أنَّ ربوبيّتَهُ ومُلكَهُ قد انضمَّ إليهما المعبوديَّةُ المؤسَّسَةُ على الألوهيَّة، المُقتضيةُ للقُدرةِ التامَّة على التصرُّفِ الكُلّيِّ بالإيجادِ والإعدامِ والإحياءِ والإماتةِ"(25).
~ تعريفُ النّاسِ برَبِّهم ومَلِكِهم وإلَهِهم؛ ليوَحِّدوه بالعِبادة والاستِعاذة ~
ويحتمل أن يكون بدلَ كُلٍّ من كلٍّ، والغرَضُ حينئذٍ تقريرُ معنى ما قبلَه وتأكيدُه، بجَعلِ كلِّ مُبدَلٍ منهُ بمنزلة التوطئةِ والتمهيدِ لذكرِ ما بعدَه، فيلزم أن يكونَ (إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ) هو المقصودَ بالنِّسبة، وما قبلَهُ مجرَّدُ مِهادٍ للوصولِ إليه، ويُقوّيهِ إفادتُه التعريضَ بالمشركينَ الّذين اعترفوا بربوبيَّتِه وملكيّتِه التامَّة، لكنّهم عَبَدوا آلهةً غيرَهُ.
ويحتمل أن يكون نعتًا موَضِّحًا أو كاشِفًا(26)، والغَرَضُ من التوضيحِ ذِكرُ وصفٍ أوضحَ للمَوصوف وأشهرَ منه، ومن الكَشفِ ذكرُ وصفٍ يُزيلُ الإجمالَ والإبهامَ عن الموصوف.
* نكتةُ الإضافةِ في (إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ) :
أضافَ النظمُ الكريمُ لفظ (إِلَٰهِ) إلى (ٱلنَّاسِ)، في قولِهِ تعالى: (إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ)؛ للدِّلالةِ على العهد الصّادقِ بالذاتِ الإلهيَّة، والإضافةُ لاميّةٌ لتعيينِ المضافِ وتحديدِهِ، والغرضُ من الإضافةِ التعريضُ بمَنْ توجَّهَ بالعبادة والقصدِ لغيره، معَ أنَّه الإلهُ الحقيقيُّ للناس المستحقُّ للعِبادة.
~ التعريضُ بالمُشركين في جُحودِهم إلهَ العالَمين ~
* نكتة اختيارِ (ٱلنَّاسِ) :
أضافَ النظمُ الكريم صِفَةَ الإلهِ إلى (ٱلنَّاسِ)، في قولِ الله تعالى: (إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ)؛ لأنَّ الناسَ هم الَّذين أخطؤوا في صفاتِهِ، وضَلّوا فيها عن الطَّريقِ السَّويِّ، فجَعَلوا لهم أربابًا يَنسِبونَ إليها بعضَ النِّعَم، ويلجؤون إليها في دفعِ النِّقَم(27).
* نكتةُ العُدولِ إلى الإظهار :
كرّرَ النظمُ الكريمُ لفظَ (ٱلنَّاسِ) المُضافَ إليه ثلاثَ مرّاتٍ، في قولِ الله تعالى: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (١) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (٢) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ)، وعدَلَ عن إضمارِهم إلى الإظهار - مَعَ اتِّحادِ اللَّفظَينِ في اللَّفظِ والمعنى؛ لِمَزيدِ الكشفِ والتقريرِ بالإضافة، فالإظهار هو الذي يقتضيه عطفُ البيان؛ لِما فيه مِنَ الإيضاحِ والبيان؛ ليكون الاسمُ المُبَيِّنُ مُستَقِلًّا بنفسه، فعَطْفُ البيان بمنزلة عَلَمٍ للاسمِ المُبَيَّن(28)، وفي هذا العدول أيضًا إظهارٌ لشرَفِ الناسِ وتعظيم خَلقهم والاعتناءِ بشأنِهم، فإنَّ ما لا شرفَ فيه لا يُعبأُ بِهِ، ولا يُعادُ ذِكرُهُ، بل يُترَكُ، ويُهمَلُ، فلولا أنَّ الناسَ أكرَمُ مَخلوقاتِهِ؛ لما ختمَ كتابَهُ الكريم بذكرِهِم(29).
~ الإظهارُ في عَطفِ البيان أقوى في التَّوضيحِ والبَيان ~
* نُكَتُ تَرتيبِ الأوصافِ :
رتَّب النظمُ الكريم المُركَّباتِ الإضافيَّةَ المُسفِرةَ عن المُستعاذِ به، في قولِ الله تعالى: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (١) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (٢) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ)، فبدأ بالربوبيّة، ثمَّ انتقل إلى المَلكيَّة، واختتمَ بالألوهيَّة، وقد علّلَ المفسِّرون ذلك بعدّةِ تعليلاتٍ، تتناوَلُ أسرارَ هذا التقديم، فمنها الانتقالُ من العامِّ إلى الخاصِّ؛ للتَّوضيح ورَفعِ الإبهام، والتّوحيدِ ودَفعِ الإيهام، فالمُربّي قد يكونُ مَلِكًا، وقد لا يكونُ، والمَلِكُ قد يكونُ إلهًا، وقد لا يكونُ، وهذه المناسبةُ تتّسقُ مع أجواءِ السّورة وعَلاقتِها بالسّورةِ الّتي قبلَها، فإنَّ سورة الفلَق عامّةٌ في المُستعاذِ به - رَبُّ الفَلَق - والمُستعاذِ منه - شَرُّ الخَلْق - وهذه السورةُ خاصّةٌ باعتبارِهما؛ إذ استعاذ بالربِّ المَلِك الإلهِ مِنَ الوَسواس الخناس، فيكونُ الانتقالُ من العامِّ إلى الخاصّ مناسِبًا للانتقالِ في المُستعاذِ به من عمومِ أوصافِهِ إلى خصوصِها(30).
ومن نُكَتِ هذا التّرتيب كذلك علاقةُ الله تعالى بالإنسانِ، فقَدْ "رُتِّبَتْ أَوْصافُ الله بالنِّسْبَةِ إلَى النّاسِ تَرْتيبًا مُدَرَّجًا، فإنَّ الله خالِقُهُم، ثُمَّ هُم غَيْرُ خارِجينَ عَنْ حُكْمِه؛ إذا شاءَ أنْ يتَصَرَّف في شؤونهم، ثُمَّ زيدَ بَيانًا بوَصْفِ إلَهيَّتِه لَهُمْ؛ لِيَتَبَيَّنَ أنَّ رُبوبيَّتَهُ لَهُمْ وحاكِميَّتَهُ فيهم لَيسَتْ كَرُبوبيَّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وحاكِميَّةِ بَعْضِهم في بَعْض، وفي هَذا التَّرْتيبِ إشْعارٌ أيْضًا بمَراتِبِ النَّظَرِ في مَعْرِفَةِ الله تَعالَى، فإنَّ النّاظر يعلم بادِئَ ذي بَدْءٍ بأنَّ لَهُ رَبًّا يُسَبِّب ما يَشْعُرُ بِهِ مِن وُجودِ نَفْسِهِ، ونِعْمَةِ تَرْكيبِهِ، ثُمَّ يَتَغَلْغَلُ في النَّظَرِ، فيَشْعُرُ بأنَّ رَبَّهُ هوَ المَلِكُ الحَقُّ الغَنيُّ عَنِ الخَلْقِ، ثُمَّ يَعْلَمُ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلعِبادَةِ، فهوَ إلَهُ النّاسِ كُلِّهِم"(31).
~ مَراتبُ النظَر والتفكُّر تقودُ إلى الإيمانِ والتدبُّر ~
ومنها أيضًا مُراعاةُ الترقّي في الإغاثةِ، "فإنَّ الدّفعَ من جهةِ التوليةِ أقوى من جهةِ الخدمةِ، ثمَّ مِن جهة السّيادة أضعفُ من جهةِ الخِدمة، كذلك معنى القَهّاريَّةِ في الألوهيَّةِ أعلى منه مِن مَعنى المالكيَّة، ثمَّ مِن جهة الرُّبّيَّة"(32)، فإنَّ مَن أصابَتْهُ آفةٌ، أَوْ خافَ إصابتَه، عادَتُهُ التدرُّجُ، فإنَّه رفَعَ أوَّلًا إلَى قريبِهِ كالوالدينِ والإخوةِ والأعمام، فإنْ لم يقدرْ عَلَى رفعِهِ ودفعِهِ؛ رفعَهُ إلَى سُلطانه، وإذا لم يُحصِّلْ مرامَه؛ يتضرّع إلى مَعبودِه، ويسألُ منهُ العنايةَ والفوزَ إلَى البُغية، فلمّا كانَ المُضافُ الثلاثة متحقّقةً في شأنِهِ تَعالَى؛ كان الله تَعالَى كافيًا في دفعِ المَصائب وجَلْبِ المنافِع، فيَنْبَغي للعبدِ أنْ يتوجَّهَ إليه بشَراشِرِه مُعرِضًا عَمّا سِواه(33).
ومنها كذلك مُراعاةُ الترقّي في تحقيقِ الإعاذة؛ إذِ الحِمايةُ من الشُّرور تَربيَةٌ، ولِكَي تتحقّقَ الحمايةُ لا بدَّ من أنْ يكونَ قادرًا ومتحكِّمًا، ولِكَي يكونَ قادرًا؛ فلا بدّ مِن ألّا يكونَ ممنوعًا من الفعلِ والحِماية، فالدالُّ على الحِماية والإعاذةِ هو الرَّبُّ، والدالُّ على القُدرة هو المَلِك، والدالُّ على عدمِ المَنعِ من تأثيرِ القُدرة في المَقدورِ هو الإله، وهو من قَبيلِ التّكميل والاحتراس لدَفعِ الوَهم(34).
ومنها كذلك التَّعريضُ بالمُشركين، فإنَّ الله تعالى - باعترافِهِم - هو ربُّ الناس وخالِقُهم ومُربّيهم، فلِمَ يُنكِرونَ حاكِميَّتَه؟ ولِمَ يُشرِكونَ معَهُ في الألوهيّة غيرَه؟ فإنَّ مِن شأنِ المُربّي الخالقِ أنْ يكونَ حاكِمًا ومَلِكًا، ومن شأن من هذا وصفُه أنْ يكونَ إلهًا للنّاس، ففي الترتيبِ تعريضٌ بمَن يَستعيذونَ بغيرِ الله سبحانه وتعالى.
* بلاغةُ الكِنايةِ في الأوصافِ :
كنَّى النظمُ في ذِكرِ هذه الأوصافِ للذّاتِ الإلَهيَّة: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (١) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (٢) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ)، عن "أنَّه تَعالَى حقيقٌ بالإعاذة، قادِرٌ عليها، غيرُ مَمنوعٍ منها"، وكونُه حقيقيًّا بالإعاذةِ "مُستَفادٌ من الربِّ؛ لأنَّ الإعاذةَ من المَضارِّ تربيةٌ؛ وكونُهُ قادِرًا مُنفَهِمٌ من (مَلِكِ ٱلنَّاسِ)، وغيرَ ممنوعٍ عنها مُستَفادٌ من الأُلوهيَّة؛ لأنَّ القُدرةَ إنَّما تفيدُ إذا لم يَمنَعْ مانعٌ"(35).
~ استحقاقُ الإعاذةِ للمُتَّصِفِ بالألوهيَّة ~
* سِرُّ الإطنابِ في السّورة :
غايرَ النظمُ الكريم بين التعبيرِ عنِ المُستعاذِ به في سورةِ الناس والتعبيرِ عنهُ في سورةِ الفلَق؛ إذْ أضافَ المستعاذَ به إلى (ٱلنَّاسِ)، وعدَّد أوصافَه، فقالَ: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (١) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (٢) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ)، في حينِ أضافَ المُستعاذَ به إلى (ٱلۡفَلَقِ)، ولم يُكرِّرْ أوصافَهُ، فقالَ: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ (١)) [الفلق: 1]؛ لأنَّ المنظورَ إليه في سورةِ الفلَق المَضارُّ الخارِجَةُ عن النفسِ الإنسانيَّة، أي: الشُّرورُ الخارجيَّة، ولذا أُضيفَ الربُّ إلى الفلَقِ، وهو غيرُ عاقلٍ، فلا مساغَ لذكرِ كونِهِ مَلِكًا وإلهًا؛ إذ ذلك مُختَصٌّ بالعُقَلاء، وأيضًا فإنَّ "المضارَّ النفسانيَّة أعظمُ من المفاسدِ البدنيَّة، لسِرايَتِها منها إلَى البدَن دونَ العَكس، ولهذا لم يتكرَّرِ المُستعاذُ به هناك، وكرَّرَه هنا؛ اهتمامًا بِهِ"(36).
~ تكرارُ الأوصافِ الإلهيَّة مُناسِبٌ للتعوُّذِ من الشُّرورِ النفسيَّة ~
* دلالةُ (مِن) :
عبَّر النظم الكريمُ بحرفِ الجرِّ (مِن) الدّالِّ على الابتداء، في قولِ الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ)؛ لبيانِ المُستعاذِ منهُ(37)؛ إذْ بعدَ أنْ عدَّد أوصافَ المُستعاذِ به؛ حصلَ التشوُّقُ والإصغاءُ لبيانِ المُستعاذِ منه، ولولا أنَّه أمرٌ خطيرٌ، وضررُهُ كَبيرٌ؛ لما عدَّدَ النظمُ أوصافَ المستعاذِ به للتخلُّص من ذلك الشرِّ المُحَدَّدِ بـ(مِن).
~ الإصغاءُ والتشويق مِن خصائصِ البَلاغة عندَ التَّحقيق ~
* دلالةُ (شَرِّ) :
عبَّرَ النظمُ الكريمُ بالصِّفة المشبَّهة (شَرِّ)، في قولِ الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ)؛ للدّلالة على ثبوتِ هذا الوَصفِ ومُلازَمَتِهِ للوَسواس؛ إذِ الشرُّ صارَ طَبعًا للشَّيطان، ووصفًا لازمًا لِما يَخطُرُ في القلبِ من الوَساوِسِ والخَطَراتِ الشَّيطانيَّةِ المَريضة.
~ لُزومُ الشّرِّ والضّرَر لكلِّ وسواسٍ مُتصوَّر ~
* نكتةُ الإضافةِ :
أضافَ النظمُ الكريمُ الشّرَّ إلى الوَسواسِ في قولِ الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ) للتعيينِ والتّعريف؛ إذ يَكتسِبُ المضافُ النّكرةُ مِنَ المُضاف إليهِ المعرفةِ تَعيينًا وتَشخُّصًا، والإضافةُ عهديّةٌ، أي: الشرُّ المعهودُ الصّادقُ بوَسوسةِ الشَّيطان، أَوْ ما يخطُرُ في القلبِ مِن وسوَسَةٍ تدفعُ الإنسانَ لمُخالفةِ القيَمِ والمبادئِ الحَقَّة، وأيضًا فإنَّ الإضافةَ فيها من إضافةِ المسبَّب إلى السَّبب؛ لأنَّ الشرَّ والضّرَّ يَظهَرانِ، ويتحقّقانِ بسببِ الوَسواس.
~ صُدورُ الشرِّ المُحقَّق عَن مُتابعةِ الشَّيطانِ الأحمَق ~
* دلالةُ صيغَةِ (ٱلۡوَسۡوَاسِ) :
عبَّرَ النظمُ الكريمُ عن المُستعاذِ مِن شَرِّه بالوَسواسِ، في قولِ الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ)، وهو اسمُ فاعلٍ، أي: "(المُتَكَلِّم بالوَسوَسَةِ)، وهيَ الكَلامُ الخَفيُّ"(38)، ويُؤيِّدُه قرينةُ تفسيرِهِ بالصِّلة (ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ)، وبيانِه بكَونِه (مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ)، واسمُ الفاعلِ بصيغتِهِ التَّكراريَّة يَدُلُّ على اتّصافِ الذاتِ به اتِّصافًا ثابتًا، مع كثرةِ تكرُّرٍ ومُلابَسةٍ للوَسوَسة، ويحتمِلُ لَفظُ (ٱلۡوَسۡوَاسِ) أن يكون مَصدَرًا مِن (فَعلَلَ) الثُّنائيِّ المُكَرَّر، على وزنِ (فَعلال)(39)، وهذا الوَزنُ للمبالغةِ؛ للدّلالَةِ على كَثرةِ الوَسوسةِ والمُداومةِ عليها، حتَّى صارَتْ خُلُقًا، ودلَّتْ على المُبالَغَةِ أيضًا وصفُ الشَّيطانِ بالمَصدَرِ.
~ التَّنبيهُ على خُطورَةِ الوَسواسِ وعِظَمِ شَرِّه ~
* نكتةُ العُدولِ إلى (ٱلۡوَسۡوَاسِ) :
عَدَلَ النظمُ الكريمُ عن العلَم (إبليسَ) أوِ اسمِ الجنسِ (الشَّيطان) إلى اسمِ الفاعِل (ٱلۡوَسۡوَاسِ)، في قولِ الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ)؛ لإرادةِ العُموم الصّادقِ بكلِّ ذاتٍ توسوِسُ للنّاس، سواءٌ كانَ من الجِنَّةِ أم منَ النّاس، ويكونُ إبليسُ أوِ الشّيطان فردًا من تلك الماصدَقات الَّتي يتحقّقُ فيها هذا المفهومُ بشكلٍ ظاهرٍ(40)، وفيه تقبيحٌ لكلِّ موَسوِسٍ أنَّه بعَمَلِهِ هذا يُشبِهُ الفردَ الَّذي يتحقّقُ فيه هذا المفهومُ بشكلٍ ظاهرٍ وواضِح، ومن أسبابِ العُدول أيضًا التعبيرُ بلفظٍ متعدِّدِ المَدلول، مُتكثِّرِ الأفراد، عامِّ المَعنى، ممّا يُفيدُ التَّعميمَ المُناسِبَ لمَقامِ الاستعاذَة والدّعاء.
~ تحقيقُ العُموم يُناسِبُ مقامَ الدُّعاءِ المَفهوم ~
~ مِن أسبابِ العُدول التعبيرُ بلفظٍ مُتَعَدِّدِ المَدلول ~
وعلى جَعلِ (ٱلۡوَسۡوَاسِ) مَصدَرًا؛ فإنَّ العدولَ إليهِ عَلَى سبيلِ المُبالغة، بتسميةِ الذّاتِ بمَصدَرِ ما يَفعلُهُ، ويُنجِزُهُ؛ لكَثرَةِ ملازَمَةِ الشَّيطانِ للوَسْوَسَة، أو المُرادُ بالوَسواس الخواطِرُ القَلبيَّة الدّاعيَةِ إلى الشَّرِّ، بتَقديرِ مُضافٍ مَحذوف، أي: (مِن شرِّ ذي الوَسواسِ)(41)، والحَذْفُ أيضًا للمُبالغة.
* بلاغةُ المَجازِ في (ٱلۡوَسۡوَاسِ) :
عبَّر النظمُ الكريمُ بلفظِ (ٱلۡوَسۡوَاسِ)، في قولِ الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ)؛ للدّلالةِ به إمّا على المعنى الحقيقيِّ لصيغةِ اسمِ الفاعل، الدالِّ على الذَّواتِ التي تَصدُرُ عنها الوَسْوَسَةُ على سبيلِ الحقيقةِ، الصّادق بكلِّ موَسوِسٍ؛ لوضعِهِ لموضوعٍ له عامٍّ، أَوْ للدّلالة به على المَعنى المجازيِّ، وهي الخواطِرُ والأحاديثُ التي تكونُ في القلب، مِن إطلاقِ اسمِ الفاعل وإرادةِ ما يصدُرُ عنهُ من أحاديثَ، أَوْ من استعمالِ اسمِ الفاعل بمعنى اسمِ الجنس، الصّادقِ بتلك الأحاديثِ النفسيَّة السَّيئة، ويفيدُ الصِّدقَ بكلِّ خاطِرةٍ وحديثٍ قلبيٍّ أيضًا.
* دلالة تَعريفِ (ٱلۡوَسۡوَاسِ) :
عرَّفَ النظمُ الكريمُ لفظَ (ٱلۡوَسۡوَاسِ) بـ(الـ) في قولِ الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ)؛ للدّلالة على الجنسِ الصّادقِ بالاستغراق، بقرينةِ تفسيره بـ(ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ)، وبيانِهِ بقوله: (مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ)، فيَدخلُ في المعنى الحقيقيِّ، وهو دلالةُ اسمِ الفاعلِ على كلِّ مَن يصدُرُ منه الوسوسةُ، سواءٌ كان جِنِّيًّا أم إنسيًّا، وفي المعنى المجازيِّ، وهي الخواطِرُ القلبيَّةُ التي توسوِسُ، أي: من شرِّ جميعِ أفرادِ الوَساوسِ والأحاديثِ الموسوسة الّتي يوسوِسُ بها الجنُّ والإنس، فإطلاقُ (ٱلۡوَسۡوَاسِ) "يَشْمَلُ الشَّياطينَ الَّتي تُلْقي في أنْفُسِ النّاسِ الخَواطِرَ الشِّرّيرَةَ، ويَشْمَلُ الوَسْواسُ كُلَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ كَلامًا خَفيًّا مِنَ النّاسِ، وهُم أصحابُ المَكائِدِ والمُؤامَراتِ، المَقْصودِ منها إلحاقُ الأذَى مِن اغتيالِ نُفوسٍ أو سَرِقَةِ أمْوالٍ أَوْ إغْراءٍ بالضَّلالِ والإعْراضِ عَنِ الهُدَى؛ لأنَّ شَأْنَ مُذاكَرَةِ هَؤُلاءِ بَعْضِهِم مَعَ بَعْضٍ أنْ تَكونَ سِرًّا؛ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلَيْها مَنْ يُريدونَ الإيقاعَ بِه، وهُمُ الَّذينَ يَتَرَبَّصونَ برَسولِ الله ﷺ الدَّوائِرَ، ويُغْرونَ النّاسَ بأذيَّتِهِ"(42).
~ الدّلالةُ المَوصوليَّةُ تفيدُ العِلّيَّة، والدّلالةُ الجِنسيَّةُ تُفيدُ الشُّموليَّة ~
* دلالةُ (ٱلۡخَنَّاسِ) :
عبَّرَ النظمُ الكريمُ بلفظِ (ٱلۡخَنَّاسِ)، في قولِ الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ)؛ ليدل بصيغتِهِ على الثبوتِ والاتِّصافِ الدائميّ، والمُبالغةِ في حدَثِ الخَنْس، فالخنّاسُ هو الشَّديدُ الخَنْسِ والكَثيرُهُ، الذي صارَ الخَنسُ عادَةً لَهُ(43)، وتدلُّ مادَّةُ الخَنْسِ على الاختِفاء؛ لأنَّ الشَّيطانَ يَتَّصِلُ بعَقْلِ الإنسانِ وعَزْمِهِ مِن غَيْرِ شُعورٍ مِنهُ، كَأنَّهُ خَنَسَ فيهِ، وأهل المَكْر والكَيْد والتَّخَتُّلِ خَنّاسونَ كذلك؛ لأَنَّهُمْ يَتَحَيَّنونَ غَفَلاتِ النّاسِ، ويَتَسَتَّرونَ بأَنْواعِ الحيَلِ؛ لِكَيلا يَشْعُرَ النّاسُ بهِم(44).
~ مِن شأنِ المُوَسوِس الشِّرِّير التَّستُّرُ والتَّخَنُّسُ الكَثير ~
وتوحي لفظةُ (ٱلۡخَنَّاسِ) بعلْمِ الموسوِس أنَّه يمارِسُ أمرًا شِرّيرًا، ولذا فإنّه يَخنِسُ متى ما تصدَّى لهُ الموسوَس في أذنِه، فإنَّه يَخنِسُ، ويسكُتُ، ويضعُفُ، فشيطانُ الجنِّ أوِ الإنسِ يُلقي الأباطيل، ويُري نَفْسَهُ في صورةِ النّاصِحِ المُشفِق، فإنْ زجَرَهُ السّامِعُ؛ خَنَسَ، وتَرَكَ الوَسوَسَة، وإنْ قَبِلَ السّامعُ كلامَهُ؛ بالَغَ فيه(45)، وفي ذلك تنبيهٌ للمُستعيذِ بأنْ يكونَ قويًّا، لأنَّ الموسِوسَ ضعيفٌ، لا يؤثِّرُ إلّا إذا استجابَ له المهموسُ في أُذُنِه.
* دلالةُ النَّعتُ بـ(ٱلۡخَنَّاسِ) :
أوقعَ النظمُ الكريم لفظ (ٱلۡخَنَّاسِ)، في قولِ الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ) نَعْتًا(46) موضِّحًا أَوْ كاشِفًا لِلَفظِ (ٱلۡوَسۡوَاسِ)، وفائدةُ النّعتِ: التوضيحُ؛ إن كانَ المُرادُ بالمُستعاذِ منه الشيطانَ، والكشفُ؛ إنْ كان صادِقًا بكلِّ موسوِس، حتَّى يتميّزَ، ويُعرَفَ، والفرقُ بينَ (ٱلۡوَسۡوَاسِ) و(ٱلۡخَنَّاسِ) أنَّ الوسواسَ صِفةٌ تكشِفُ عن أمرٍ يتعلَّقُ بلفظِ الموسوِس وكلامِهِ الخافِت، والخنّاسَ يكشِفُ عن أمرٍ يتعلَّقُ بطَبعِهِ وحركةِ جسدِهِ الخافِتَينِ أيضًا، فهو لا يفارِقُ الموسوَسَ له، بل يُصابُ بالخُنوس والتَّواري والاختفاء، وإنَّما عُبِّر بالخناس - مع أنَّ المُناسِبَ للوَسواس هوَ التَّعبير بمِثلِ المَكرِ والكَيد - تحقيرًا لشأنه، وتبيينًا لِضَعفِه؛ ترغيبًا للمُستعيذِ عَلَى مواظبةِ الأذكارِ والتَّعَوُّذِ منه(47).
~ بيانُ لَفظِ الشّيطانِ وحَرَكاتِه، حتَّى يُؤمَنَ من شرِّه ~
* دلالةُ تعريفِ (ٱلۡخَنَّاسِ) :
عرَّفَ النظمُ الكريمُ لفظَ المُبالغةِ من الخَنْسِ بـ(الـ)، في قولِ الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ)؛ للدّلالة به على الجِنسِ المفيدِ للاستغراق؛ لأنَّ مِن شأنِ كلِّ موَسوِس أنَّه يَخنِسُ، ويتحيَّلُ، ويَمكُرُ، وإذا ما ذُكِّرَ بالحقِّ، وتمَّت مواجَهَتُهُ؛ فإنّه يَختفي طَوْرًا، ويعودُ طَوْرًا آخرَ؛ ليُمارِسَ الوَسوَسَةَ مُجَدَّدًا، "فَكَأَنَّ الشَّيْطانَ يَبْدو لَهُ، ثُمَّ يَخْتَفي، ثُمَّ يَبْدو، ثُمَّ يَخْتَفي، حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِن تَدْليَتِهِ بغُرورٍ"(48).
~ مِن شَأْنِ المُوَسوِسين التدليَةُ للضّالّين بتَحَيُّلٍ مُبين ~
* نكتةُ تقديم (ٱلۡوَسۡوَاسِ) :
قدَّمَ النظمُ الكريم وصفَ (ٱلۡوَسۡوَاسِ) على (ٱلۡخَنَّاسِ)، في قولِ الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ)؛ لأنَّ الوَسوَسَةَ تتقدَّمُ على الخُنوس في الواقِع؛ إذ يَعمِدُ المَوسوِسُ إلى الهَمْسِ بخَفاء، والتحريضِ بدَهاء، فإذا ما واجهَهُ الموسوَسُ له بأنَّ ذلك عملٌ شَنيعٌ وغُرورٌ مُبين؛ فإنَّه يُصابُ بالخَنْس والاختفاء، فإذا ما وجدَ سبيلًا آخَرَ؛ شرَعَ في الوَسوسةِ مُجدَّدًا، وهكذا يوسوِسُ، ويَخنِسُ حتَّى يتمكَّنَ منَ الإضلال، وفي ذلك إرشادٌ للمُتحصِّنِ المُلتَجِئِ إلى الله تعالى بالحذَرِ الدّائم من العَدوِّ المتربِّص، الذي يتأخَّرُ عن الإنسان؛ إذا ذَكَرَ ربَّه، ثُمَّ إذا غَفَلَ عن ذِكرِهِ؛ أخذَ بمَجامِعِ قلبِه(49).
~ التَّحذيرُ مِن شأنِ العدوِّ الخَطير ~
* دلالةُ التعبيرِ بالموصولِ :
عبّرَ النظمُ الكريمُ بالاسمِ المَوصول (ٱلَّذِى)، في قولِ الله تعالى: (ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ)؛ للدّلالة على العُمومِ المُستغرِق، الصّادقِ على كلِّ مَن يوسوِسُ، ويَهمِسُ بالوَسوَسَةِ والخواطِرِ السيّئةِ، وفي التعبيرِ بالموصولِ - بعدَ تقدُّمِ ذكرِ (ٱلۡوَسۡوَاسِ) - الإشارةُ إلى الفرقِ بين الدلالةِ الاتِّصافيَّة والدلالةِ الفعليَّة، فإنَّ الوَسواسَ وصفٌ لازمٌ للموسوِس، حتَّى صار خِلقةً وجِبِلّةً لا ينفكُّ عنها، والتعبير بالموصوليَّة بيانٌ لعملِهِ الدّائب وفعلِهِ الإنجازيِّ المُستمِرِّ، فهو مُنهَمِكٌ في الوَسوسة فِعلًا ووُقوعًا.
~ الاتِّصافُ الثابتُ الدّائميُّ يُصاحِبهُ فعلٌ إنجازيٌّ واقِعيٌّ ~
* دلالةُ مَوقِعِ (ٱلَّذِى) :
وقَعَ الموصولُ الاسميُّ في قولِ الله تعالى: (ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ)، في محلِّ الجرِّ نعتًا لما قبلَه، والغرَضُ من النَّعت تصويرُ المتّصِفِ بالوَسواس الخنّاس بأنَّه يُمارِسُ ذلك فعلًا، ولا ينفكُّ عنه، والغايةُ من النّعتِ التحذيرُ من شرِّ ذلك الخطَرِ الخَفيِّ الكبير(50)، ويَحتمِلُ الموصولُ القطعَ عمّا قبلَه(51)، فيكونُ خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ: (هو الذي يوَسوِس)، أَوْ منصوبًا على الذَّمِّ: (أذُمُّ الذي يوَسوِس)، والغرضُ من القطعِ جعْلُها جملةً مُستأنَفةً استِئنافًا بَيانيًّا؛ لتكونَ جوابًا عن سؤالٍ مقدَّر(52).
~ التحذيرُ من شرِّ ذلك الخَطَرِ الكَبير ~
* نكتةُ التعبيرِ بالصّلةِ :
عبّرَ النظم الكريمُ بجملةِ الصِّلة الفِعليَّة المُضارعيَّة، في قولِ الله تعالى: (ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ)؛ للدّلالة على بيانِ الإبهامِ الكامِنِ في المَوصول، وللإيماءِ إلى علّةِ الاستعاذةِ الدائمةِ منه على سبيلِ الاستمرارِ المتجدِّد في (أَعُوذُ)؛ إذْ تَقَعُ منه الوَسوَسَةُ على سبيلِ التجدُّدِ الاستمراريِّ، فهو دائبُ الحركةِ، لا ينقطِعُ عن الإغواءِ والإضلالِ المُستَمِرَّين، ولذا كانَ الأمرُ بالاستعاذةِ المستمرَّةِ المُتَجَدِّدَةِ مقابِلًا للوسوسةِ المستمِرَّة المُتجدِّدة.
~ الموسوِسُ بالإضلال لا يَنقطِعُ عنهُ في جميعِ الأحوال ~
* بلاغةُ المَجازِ في (يُوَسۡوِسُ) :
عبَّرَ النظمُ الكريم بفعلِ الوَسوسةِ - الَّتي هي كلامٌ يتّسِمُ بالخَفاء والهَمْس - في قولِ الله تعالى: (ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ)، فيَحتمِلُ الحقيقةَ إنْ كانَ الموسوِس هو الإنسانَ؛ لأنّه يتكلّمُ، ويَهمِسُ، فتكون وسوَسَتُه تَسويلَه لغيره عَمَلَ السّوء، وأمّا إنْ كان الموسوِسُ هو الشَّيطانَ؛ فإنَّه لا يَهمِس بالكلام(53)، بل يُثيرُ الشَّهَوات، ويُحرِّكُ الدَّواعيَ بخَفاء، فوَسوَسَتُهُ "هي الدُّعاء إلى طاعتِهِ بكلام خفيٍّ، يصِلُ إلى القلبِ من غيرِ سَماعِ صَوْتٍ"(54)، فيكون هنالك مَجازٌ استعاريٌّ؛ إذ شُبِّهَ تحريكُ الغرائز بمَن يَهمِسُ، ويوسوِسُ، ثمّ حُذِفَ المشبَّهُ، وأُبقيَ المشبَّهُ به على سبيل الاستعارةِ التصريحيَّة التبعيَّة، والغرَضُ من الاستعارةِ تشخيصُ المعنويّات، وبيانُ شِدَّةِ تلك النَّزَغات، حتَّى إنّها تبدو من قوَّةِ تأثيرِها كلامًا هَمْسًا.
~ إثارةُ الغَرائزِ وتهييجُ الشَّهَوات، حتَّى إنَّها لَتَبدو كلِماتٍ هامِسات ~
* دلالةُ تقابُلِ الأوصاف :
عبَّرَ النظمُ الكريم بثلاثِ صفاتٍ للمُستعاذِ منهُ، في قولِ الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ (٤) ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ)؛ للدّلالة على خطَرِ شَرِّه، وما يَجِبُ على المرءِ عملُهُ حتَّى يَجتنِبَه، ويتخلَّصَ من مَكره، ويُلاحَظُ تقابُلٌ بينَ صفاتِ المُستعاذِ به الثلاثةِ وصفاتِ المُستعاذِ منهُ الثَّلاثَة؛ إذِ الوَصفُ (بِرَبِّ ٱلنَّاسِ) يقابلُ وصفَ (ٱلۡوَسۡوَاسِ)، فالربُّ هو المبلِّغُ الكمالَ بالتّربية، والموسوِس هو موصِلُ النّقصانَ بالوسوسةِ، ووَصفُ (مَلِكِ ٱلنَّاسِ) يقابلُ وصفَ (ٱلۡخَنَّاسِ)؛ لأنَّ الملِك قويٌّ ومتحكِّمٌ ومتقدِّمٌ، والخنّاسُ خائفٌ رَعديدٌ مُتأخِّر، ووَصفُ (إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ) يقابل وصفَ (ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ)؛ لأنَّ الإلهَ لا يَمنَعُ مِن إيصالِ أثَرِ فِعلِهِ إلى عبدِهِ مانِعٌ، والّذي يوسوسُ يُريدَ المنعَ والحَجْز بينَ هذا الخيرِ وقُلوبِ العِباد.
~ التقابلُ المُحكَم بينَ الوَسواسِ والربِّ الأعظَم ~
* دلالة (فِى) :
عبَّرَ النظمُ الكريمُ بحرفِ الجرِّ، في قولِ الله تعالى: (ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ)؛ للدّلالة على الظرفيَّة الحقيقيَّة؛ إنْ كانَ الموسوِس هو الشيطان، والمجازيّةِ؛ إنْ كان المَوسوِسُ هو الإنسانَ، فوَسوَسَةُ النّاس بعضهم لِبَعض سببٌ لوقوعِ أثَرِها في الصُّدور، فهو منَ المَجاز العَقليّ(55).
~ الشّيطانُ يوسوِسُ في الصُّدور، والإنسانُ في آلاتِ الشُّعور ~
* سرُّ ذكرِ الصُّدورِ :
حدَّدَ النظمُ الكريمُ محلَّ الوَسوسةِ بالصُّدورِ في قول الله تعالى: (ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ)، مع أنَّ الوَسوَسَةَ الإنسانيّةَ تكونُ في الآذانِ، ومنه يصلُ إلى الصُّدورِ والجِنان؛ لبيانِ خفاءِ تلك الوَسوسةِ، ولِكَشفِ غايةِ الموسوِس من بثِّها في أُذُنِ السّامعِ هَمْسًا، وهي إثارةُ ما في صَدرِه، وتجييشُ نوازِعِ الشكِّ في قلبِه، ودفعُهُ للجنايةِ على نفسِهِ(56)، وأيضًا فإنَّ مَحَلَّ الإيمانِ والثباتِ والطُّمأنينة إنَّما يكونُ في الصَّدر وما حواه، فيَعمِدُ الموسوِسُ إليه؛ ليُثيرَ فيه الرَّيبَ والشَّكَّ بربِّ الناس وملِك الناس وإلهِ الناس، فيبدأ بسَلْبِ الربوبيَّة والحاكميّة انتهاءً بالألوهيَّة، ومن ثَمَّ أُمِرَ العِبادُ بالتعوُّذ بتلك الصِّفات على الترتيبِ؛ حفاظًا على المُعتقَدِ في الصُّدور.
~ الهَمسُ في الآذان لإثارةِ الشرِّ في الصُّدورِ معَ الأضغان ~
* نكتةُ المَجاز في (الصُّدور) :
عبَّرَ النظم الكريم بلفظِ الصُّدور مَحَلًّا للوَسوسة في قولِ الله تعالى: (ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ)، وذلك التّعبيرُ على طريقِ المَجاز المرسَل لعلاقةِ المَحَلّيَّة؛ إذِ الوسوسةُ تكون في القلبِ أصلًا، لكنْ عبَّر عن المَحلِّ بلفظِ الصُّدور؛ لكونِه مَحَلًّا للقلب، والغرضُ من التجوُّزِ بيانُ عِظَمِ تلك الوَسوسةِ الَّتي يَضيقُ القلبُ عنها، وأيضًا فإنَّ الوَسوسةَ إنْ حلَّتْ في القلب؛ ينتشِر ضرَرُها للمحلِّ الأوسَع، وهو الصَّدر، ومنهُ يمتدُّ لباقي أعضاءِ الإنسان.
~ ضيقُ محلِّ القلب عن سببِ الهَلاك والعَطَب ~
* دلالةُ إضافةِ (صُدُورِ ٱلنَّاسِ) :
أضافَ النظمُ الكريمُ لفظَ الصُّدور إلى الناس في قولِ الله تعالى: (ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ)؛ للدّلالة على الاستغراق، بقرينةِ الجمعِ المُضافِ إلى المعرَّف بـ(الـ) الاستغراقيَّة، وهي حِكمةُ الخَلقِ في الدنيا، الّتي يتعرّضُ فيها المرءُ إلى الوَسواس والاختبارِ والفِتن، من أجْلِ أنْ يَستعيذَ بالله تعالى وحدَهُ من شرِّها، فيَتَخلَّصَ من أوضارِها وشقائِها، فلا يخلو إنسانٌ من وساوِسَ في صَدرِهِ تدعوهُ إلى الوَبال، ولا نجاةَ له إلّا بالاستعاذة بذي الجَلال.
~ دارُ الابتلاءِ والفِتنة اختبارٌ ومِحنَة ~
* دلالةُ الاكتفاء بذِكرِ (ٱلنَّاسِ) :
جاء التّعبيرُ في قولِ الله تعالى: (فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ) بأسلوب الاكتفاء؛ لأنَّ التقدير: (في صُدورِ النّاسِ وصدورِ الجانِّ)، لكنَّه اكتُفيَ بذكرِ الناسِ لدلالةِ البيانِ عليه؛ إذْ قولُه تعالى: (مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ)، بَيَّنَ نوعَي الموسوِس في صُدور الناس، فيكونُ الموسوَسُ لهُ كلَّ مكلَّفٍ، إنسيًّا أَوْ جِنّيًّا.
~ عمومُ الموسوِس الشِّرّير دالٌّ على عمومٍ لكلِّ مُخاطَبٍ بالنَّذير ~
* دلالةُ (مِنَ) :
عبّرَ النظمُ الكريمُ بحرفِ الجرِّ (مِنَ)؛ في قولِ الله تعالى: (مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ) الدّالِّ على البيانِ؛ لِحَصْرِ الإبهامِ الكامِنِ في الموصولِ من قولِهِ: (ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ)، المَشوبِ بالتبعيض(57)، فالموسوِسُ جِنسٌ يَنْحَلُّ باعتبارِ إرادَةِ حَقيقَتِهِ ومَجازِهِ إلَى صِنْفٍ مِنَ الجِنَّةِ - وهوَ أصْلُهُ - وصِنْفٍ مِنَ النّاسِ - وهوَ تَبَعٌ لِلصِّنْفِ الأوَّلِ، والغرَضُ مِنَ البيانِ التَّحذيرُ من شَياطينِ الجنِّ والإنس، الَّذين يَهمِسونَ في قلوبِ النّاس بالباطِلِ؛ ليَصُدّوهم عن الحقِّ؛ مَعَ التّنبيهِ على خَفاءِ ما يَنْجَرُّ مِن وَسْوَسَةِ نَوْعِ الإنْسانِ، الَّتي لا تَقِلُّ خَطَرًا وشَرًّا عن وسوَسَةِ الجانِّ(58)، والجارُّ والمجرورُ (مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ) وقَعا مَوقِعَ البَدَلِ مِن المَوصولِ (ٱلَّذِى)، أَوْ موقِعَ الحالِ من ضميرِ الفعلِ (يُوَسۡوِسُ)(59)، والتقديرُ على الأَوَّل: (من شرِّ الّذي يوسوِسُ، الكائنِ مِن الجِنّة والناس)، وعلى الثاني: (الَّذي يوسوِسُ حال كونِهِ من الجنَّة والناس).
~ كَشفُ وُجودِ الموسوِسين في جِنسَيِ الإنسِ والجنِّ ~
* فائدةُ تعريفِ (ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ) :
عرَّفَ النظم الكريم لَفظَيِ (ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ)؛ للدَّلالة على الاستغراقِ الكُلّيّ، إذِ الموسوِسُ يكونُ بعضًا من هذينِ النَّوعينِ الكُلّيَّينِ اللَّذَينِ يوسوِسان في صُدورِ الناس، والغَرَضُ من التعميمِ هو التَّنبيهُ إلى أنَّ ذلك الموسوِسَ هو شيطانٌ إنسيٌّ أَوْ جِنّيٌّ يجبُ الحَذَرُ منهُ والانتباهُ لضرَرِه.
~ التنبيهُ إلى الحَذَرِ الشّديد من كلِّ شيطانٍ إنسيٍّ أَوْ جِنّيٍّ مَريد ~
* دلالةُ الواو :
عَطَفَ النظمُ الكريمُ لفظَ (الناس) على (ٱلۡجِنَّةِ)، في قولِهِ تعالى: (مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ) بالواو، والغرَضُ منه الجمعُ والاقترانُ بينَ النَّوعَينِ في كونِهِما بَيانًا للَّذي يوسوِسُ في صُدور الناس، فهما مُشتركانِ في الحُكم الذي هو الوَسوَسَة، مُتغايرانِ في النَّوع.
~ الجِنّة والناس يتَّصِفانِ بالوَسواسِ الخنّاس ~
* بلاغةُ الطِّباق :
عبّرَ النظمُ الكريمُ بأسلوبِ الطِّباق في قولِ الله تعالى: (مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ)(60)؛ إذْ قابلَ بينَ النوعينِ بلَفظَينِ يدلُّ أحدُهما على عدمِ الظُّهور، والآخَرُ على الظُّهور، فالجِنُّ سُمّوا جِنًّا؛ لاجتنانِهِم وعدمِ ظُهورِهم، والناسُ سُمّوا ناسًا لظهورِهِم، منَ الإيناس، وهو الإبصارُ، والغرضُ من الطِّباق والتقابُل: الإشارةُ إلى أنَّ النّوعَينِ لا يختلفانِ في وُجودِ الصّالِح فيهم والطّالِح.
~ كِلا القَبيلَين يَشتمِلُ على الصّالحِ والطّالح منَ الثّقَلين ~
* نكتةُ تقديمِ (ٱلۡجِنَّةِ) :
قدَّمَ النظمُ الكريمُ لَفظَ (ٱلۡجِنَّةِ) في قولِ الله تعالى: (مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ)؛ للدِّلالة على أنَّهم أصلُ الوَسواس(61)، وللإشارةِ إلى أنّ الوَسوسةَ أصلٌ فيهم لعدمِ اتّصالِهِم بالإنسان إلّا بها، بخلافِ الإنسان الَّذي يتّصِلُ بطريقِ الكلامِ الصَّريح والواضِح، فالناسُ الموسوِسون تَبَعٌ لهم وأولياءُ في هذه الخَصلة الشِّرّيرة، وفي التقديمِ تهكُّمٌ بالموسوِسِ الإنسيِّ الذي يتشبَّهُ بالشّياطين، ويَقتدي بهم.
~ اللّائقُ بالإنسان عدَمُ الاقتداءِ بأخلاقِ الشَّيطان ~
* دلالةُ الخَتمِ بذِكرِ (ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ) :
اختتمَ النظمُ الكريمُ السّورةَ الكريمة والقرآنَ بأكملِهِ بقولِ الله تعالى: (مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ)؛ للدِّلالة على أنَّهما مِحوَرُ الحَدَثِ والخَلْقِ، فهما المُكلَّفان بالأوامرِ الإلهيَّة، ومنهم المؤمنُ ومنهُم الوَسواس الخَنّاس، ولكنَّ جِنسَ الإنسانِ أكرَمُ من جِنسِ الجانِّ، وفي الاختتامِ بذِكرِهم إظهارٌ لِشَرَفِهم، وإبرازٌ لمَكانتِهم، وتَقبيحٌ لِوقوعِ بَعضِهم في الخُنوسِ والوَسواس؛ تَشَبُّهًا بإبليسَ وذُرّيَّته.
~ الجِنّة والنّاس مِحوَرُ الخيرِ والشرِّ في النّظم والقياس ~
* نكتةُ تكرارِ (الناس) :
ذكرَ النظمُ الكريمُ لفظَ (الناس) في السّورةِ الكريمة خمسَ مرّات، فيكونُ التكرارُ لها أربعَ مرّات، المَرّتانِ الأولَيانِ "بِاعتبارِ مَعْنًى واحِدٍ، إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِقَصْدِ تَأْكيدِ رُبوبيَّةِ الله تَعالَى ومِلْكِهِ وإلَهيَّتِهِ لِلنّاسِ كُلِّهِم، وأمّا تَكْريرُهُ المَرَّةَ الثّالِثَةَ بقوله: (فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ)؛ فهوَ إظْهارٌ لِأجْلِ بُعْدِ المَعادِ، وأمّا تَكْريرُهُ المَرَّةَ الرّابِعَةَ بقوله: (مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ)؛ فلِأنَّهُ بَيانٌ لِأحَدِ صِنْفَيِ الَّذي يوَسْوِسُ في صُدورِ النّاسِ، وذَلِكَ غيرُ ماصَدَقَ كَلِمَةِ النّاسِ في المَرّاتِ السّابِقَةِ"(62).
ولعلَّ السرَّ في تكرار الذِّكرِ في آخِرِ سورةٍ من سوَر القرآن: إظهارُ شرَفِ الناس؛ ليَعلموا أنَّ هذا الكتابَ خِطابٌ لهم من أوَّلِه إلى آخِرِه، فقد ذُكِروا في التحصُّنِ واللُّجوءِ إلى ربِّهم ومليكِهم وإلهِهِم، فلا ربَّ ولا مَلِك ولا إلهَ لهُم سِواه، يلجؤون إليه في دفعِ الأضرارِ النفسيَّة والبدنيَّة التي تُصيبهم من الموسوِسينَ - الجِنّةُ منهم والناس - ليُبعدوا قلوبَهم وصدورَهم عن الإيمانِ بربِّهم ومليكِهم وإلهِهِم.
~ هذا الخطابُ أُنزِلَ للنّاس أوّلًا وفي الأساس ~
* سرُّ التّغايُرِ بينَ المُعَوِّذتَين :
عبَّرَ النظمُ الكريمُ بثلاثِ أوصافٍ للمُستعاذِ به في سورةِ الناس: (بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (١) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (٢) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ)، وأفردَ المُستعاذَ منهُ: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ (٤) ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ)، في حينِ عكسَ الأمرَ في سورة الفلَق، فعدَّدَ المُستعاذَ منهُ: (مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِى ٱلۡعُقَدِ (٤) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)) [الفلق: 2 - 5]، وأفردَ المُستعاذَ به: (أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ (١)) [الفلق: 1]، وسِرُّ هذا التَّغايُرِ أنَّ المُستعاذَ منهُ في سورةِ الفَلَق أمورٌ تَضُرُّ في ظاهرِ البدَن، وهو في هذه السّورة أمْرٌ يَضرُّ بالروح، وما كانَ يضرُّ الروحَ - وإنْ كان أمرًا واحدًا - يُهتَمُّ بالاستعاذةِ منه أكثر؛ لشِدَّةِ خُطورَته(63).
~ الضَّرَرُ الاعتقاديُّ أعظمُ أثَرًا من الضَّرَرِ البدَنيّ ~
* نُكْتَةُ الخَتمِ بهذه السّورة :
اختتمَ النظمُ القرآنيُّ بسورةِ الناس؛ للدَّلالة على الاهتمامِ بأمورِهِم وأحوالهم، وأنَّ هذا القرآنَ من أوّله إلى آخِرِه خطابٌ لهم بالهدايةِ، فكانَ من المهمِّ الاختتامُ بالحديثِ عنهم وما يواجهونَه في الحياةِ مِن وساوِسَ تريدُ العَصْفَ بمُعتَقَدِهم الرّوحيِّ العظيم، وأنّ مِن ضَرورات الإيمانِ الاستعاذةَ بعدَ الاعتراف (بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (١) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (٢) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ)، فتلاقى التعريفُ بالمستعاذِ به مع تعريفِهِ بعباراتِ الثناءِ والحَمد في أوَّلِ سورةٍ من النّظم الكريم - الفاتحة - إذ بُدِئتْ بقوله تعالى: (ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (٢)) [الفاتحة: 2]، ثُمَّ اختَتَم النظمُ بقوله تعالى: (بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)، وقوله: (مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ).
~ صِراعُ الوَساوِسِ مُستمِرٌّ، فيواجَهُ باللُّجوء إلى القَويِّ القاهِر ~
## الفُروقُ المُعجَميَّةُ :
* الناسُ والبَشَر :
أصلُ كَلِمَةِ (الناس) إمّا (أُناس) حُذِفت الهمزة، أو (نَوَس) مأخوذٌ من الفِعلِ (ناسَ)؛ إذا تحرّكَ، وخُصَّ بالبَشَر؛ لأنَّه المُتحرِّك الحركةَ المتعبَّدَ بها، الناشئةَ عن رُؤيةٍ وتدبُّر(64)، وأمّا البَشَرُ؛ فيَقتَضي حُسْنَ الهَيْئَة، لأنّه مُشتَقٌّ من البشارَة، فسُمّي النّاس بشرًا؛ لأنّهم أحسنُ الحَيَوان هَيْئَةً، ويجوزُ أنْ يَقْتَضي الظُّهور، وسُمّوا بَشَرًا لظُهور شَأْنِهم، كالبَشَرَةِ ظاهِرِ الجِلْد(65)، فلفظُ البَشَرِ يُشيرُ إلى الجانبِ الحِسّيِّ في الإنسانِ والجانبِ البَدَنيِّ منه، وأمّا لَفظُ الناس؛ فيُشيرُ إلى الجانبِ المتعلِّقِ بالعقلِ والإدراك والحركةِ والسَّعْيِ والنَّظَر، ولذا ذكرَ النظمُ الكريمُ (الناس) في مواطِنِ الحركةِ والنظَر العقليّ والإدراكيّ، كالخِطاب المتكرِّر في القرآن (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ) [البقرة: 21]؛ بخلافِ (البشر) المُشيرِ إلى الناحيةِ البدنيّة، كحكايةِ اعتراضِ المُكذِّبين بالرّسالة: (أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا) [المؤمنون: 47].
~ كلُّ إنسانٍ بَشَر، وليسَ كلُّ بشرٍ إنسانًا ~
* الوَسوَسَةُ والشّكُّ :
"الوَسْوَسَةُ كالشَّك، إنّما يَحْصُلانِ؛ إذا فُقِد العلمُ واليقينُ؛ إلّا أنّ الشَّكَّ يُلاحَظُ فيه عدمُ حصولِ العلْم مِن أوّلِ الأمر، والوسوسةَ يلاحَظُ فيها زوالُهُ بعروضِ تصرُّفِ الواهمة، فإنّ قوّة (الوهْم) المُدرِكةَ للجزئيّات تتصرّفُ فيها المتخيّلة المُتصرّفة، فإذا ضَعُفَتِ القوّة العاقلةُ، وغلبتْ تحتَ نفوذِ (المتخيّلة)؛ يكونُ الوهمُ حاكِمًا على الإدراك العقليّ، ويتصرّفُ في المُدركات بأيِّ نحوٍ يشاء، فحدوثُ الوسوسةِ إنّما يتحقّقُ في أثرِ ضعفِ القوّةِ العاقلةِ الشّاعرة الّتي يقال لها: (المفكّرة)، فحينئذٍ يزولُ حكمُ العقلِ، ويتزلزَلُ العلمُ واليقين، ويكونُ الوهم نافذًا، ويَعرِضُ الشكّ والوسوسةُ، ولا فرقَ بينَ أنْ يكونَ مبدأُ الوسوسةِ من باطِنِ نفسِهِ أَوْ بوسائِطَ أخرى من الخارج، ومن شياطينِ الإنسِ والجنّ"(66)؛ ولذا عبّر النظمُ بالوَسواس دونَ الشكّ في قول الله تعالى: (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ)؛ لأنّه طارِئٌ من شياطينِ الجنِّ والإنس بعدَ حُصولِ العِلْم، فطُلِبَ من الناس أنْ يتحصَّنوا على سبيل الاستمرارِ التجدُّديِّ من طروءِ الوسوسةِ على صُدورهم، بخلافِ الشكِّ الدالِّ على عدمِ حصولِ اليقينِ أصلًا.
~ الشّكُّ غيرُ مَسبوقٍ بالعِلْم بخلافِ الوَسوَسة ~
* المتُشابِهُ اللَّفظيُّ :
عبّرَ النظمُ الكريمُ في سورةِ الفاتِحة باسمِ الفاعِل: (مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ (٤)) [الفاتحة: 4]، وقُرِئَ فيها (مَلِك)، وأمّا في سورةِ الناس؛ فلم يُقرَأْ فيها إلّا بلفظِ (مَلِكِ ٱلنَّاسِ)، والفَرْقُ بينهما أنَّ قَوْلَهُ تعالى: (بِرَبِّ ٱلنَّاسِ)، أفادَ كَوْنَهُ مالِكًا لَهُم، فحَسُنَ أنْ يُذكَرَ بَعدَه المَلِكَ، ولا حاجةَ لتكرارِ وصفِهِ بالمالِك بعدَ ما دلَّ على معناه، وأمّا في سورةِ الفاتِحَةِ؛ فلم يَحصُلْ هذا التَّكرار، وإن جاء وصفُه بـ(رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (٢)) [الفاتحة: 2] قبلَ (مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ (٤)) [الفاتحة: 4]؛ لأَنَّ العالَمينَ هيَ الأشياءُ المَوْجودَةُ في الحال، وأمّا وصفُ (مَٰلِكِ) [الفاتحة: 4]؛ فمُتَعَلِّقٌ بـ(يَوۡمِ ٱلدِّينِ (٤)) [الفاتحة: 4]، فكان (الرَّبُّ) مُضافًا إلَى شَيْءٍ، و(المالِكُ) إلَى شَيْءٍ آخَرَ، فلَمْ يَحصُلِ التَّكْرار، أمّا في سورة النّاس؛ فلَوْ ذَكَرَ (المالِكَ)؛ لَكانَ (الرَّبُّ) و(المالِكُ) مُضافَيْنِ إلَى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو (الناس)، فيَلْزَمُ مِنهُ التَّكْرار(67).
~ ليومِ الدّينِ مالِك، وللنّاسِ مَلِك ~
قدَّمَ النظمُ الكريمُ الموسوِسَ الجِنّيَّ على الإنسيِّ في قولِ الله تعالى: (ٱلَّذِى يُوَسۡوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ (٥) مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ)، في حينِ قَدَّمَ شياطينَ الإنسِ على الجنِّ في قولِهِ تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ) [الأنعام: 112]، وسِرُّ تقديمِ الجِنَّةِ عَلَى النّاسِ في سورة الناس أنَّهُم أصْلُ الوَسْواس، بخِلافِ تَقْديمِ الإنْسِ على الجنِّ في سورة (الأنعام)؛ لأنَّ خُبَثاءَ النّاسِ أشَدُّ مُخالَطَةً لِلأنْبياءِ مِنَ الشَّياطينِ، فإنَّ الله سبحانه وتعالى عَصَمَ أنْبياءَهُ من تَسَلُّطِ الشَّياطينِ عَلَى نُفوسِهِم، كما قالَ تَعالَى: (إِنَّ عِبَادِى لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ (٤٢)) [الحجر: 42]؛ لأَنَّهُ أرادَ إبْلاغَ وحْيِه لأنبيائِه، فزَكَّى نُفوسَهُم مِن خُبْثِ وَسْوَسَةِ الشَّياطينِ، ولَمْ يَعْصِمْهُمْ مِن لِحاقِ ضُرِّ النّاسِ بهِمْ والكَيْدِ لَهُمْ لِضَعْفِ خَطَرِه، كما قالَ تَعالَى: (وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ (٣٠)) [الأنفال: 30]، ولَكِنَّهُ ضَمِنَ لِرُسُلِه النَّجاةَ مِنْ كُلِّ ما يَقْطَعُ إبْلاغَ الرِّسالَةِ إلَى أنْ يَتِمَّ مُرادُ الله، كما قال تعالى: (۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ) [المائدة: 67](68).
~ تقديمُ الجِنّة على النّاسِ والعكس ~
______
موسوعة التفسير البلاغي، المجلد 68،
من ص 722 إلى ص 749
مجمع القرآن الكريم بالشارقة.
______
* الهوامش /
(1) الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 470، ومجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2059.
(2) البقاعي، نظم الدرر: 22/ 426.
(3) ابن فارس، مقاييس اللغة: (وسّ).
(4) الفيومي، المصباح المنير: (وسوس).
(5) الأصفهاني، المفردات: (وسوس).
(6) المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 13/ 110.
(7) ابن فارس، مقاييس اللغة: (خنس).
(8) الأزهري، تهذيب اللغة: (خنس).
(9) الفيومي، المصباح المنير: (خنس).
(10) المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 3/ 133.
(11) ابن فارس، مقاييس اللغة، والفيومي، المصباح المنير: (جنّ)، والمصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 2/ 166.
(12) مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2060 - 2062.
(13) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 626.
(14) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 626.
(15) الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 472.
(16) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 626.
(17) البيضاوي، أنوار التنزيل: 5/ 348.
(18) الفخر الرّازي، مفاتيح الغيب: 32/ 370.
(19) القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 515، وابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 632.
(20) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 632.
(21) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 633.
(22) الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 653.
(23) البيضاوي، أنوار التنزيل: 5/ 350.
(24) الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 472.
(25) الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 473.
(26) أبو حيان، البحر المحيط: 10/ 578.
(27) مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2061.
(28) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 633.
(29) الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 474.
(30) البقاعي، نظم الدرر: 22/ 426.
(31) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 633,
(32) الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 653.
(33) القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 518.
(34) القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 518.
(35) القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 518.
(36) القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 518.
(37) مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2061.
(38) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 633.
(39) القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 519.
(40) المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 13/ 110.
(41) الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 474.
(42) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 633.
(43) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 333.
(44) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 333.
(45) الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 479.
(46) الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 476.
(47) القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 519.
(48) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 333.
(49) القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 519.
(50) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 434.
(51) الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 655.
(52) القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 520.
(53) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 634.
(54) الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 478.
(55) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 634.
(56) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 434.
(57) المظهري، تفسيره: 10/ 381.
(58) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 635.
(59) الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 655.
(60) الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 482.
(61) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 635.
(62) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 636.
(63) الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 475.
(64) الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 471.
(65) العسكري، الفروق اللغوية، ص: 176.
(66) المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 13/ 110.
(67) الفخر الرّازي، مفاتيح الغيب: 32/ 377.
(68) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 635.
روابط ذات صلة: