عرض وقفة أسرار بلاغية
-
وقفات سورة الناس
وقفات السورة: ٢١٦ وقفات اسم السورة: ٥٠ وقفات الآيات: ١٦٦
## التّعريف العامّ بالسّورة :
* المكّي والمدنيُّ وعدّ الآي :
اختُلِفَ في هذه السّورة بين القول بأنَّها مدنيَّة والقول بأنَّها مكّيَّة(1)، وممّا استدلَّ به القائلون بمَدَنيَّةِ المُعَوِّذَتَيْن حديثُ سِحرِ النبيِّ ﷺ(2)، والحقيقةُ أنّ الرِّواياتِ الصّحيحةَ في سِحرِ النبيِّ ﷺ لم تَذكُرْ أنّه كان سببًا في نُزول المُعَوِّذَتَيْن، فقد أخرج البخاريُّ عَن عائِشَةَ رضي الله عنها أنّها قالَتْ: «سُحر النَّبيُّ ﷺ؛ حَتَّى إنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما فعَلَهُ، حَتَّى إذا كانَ ذاتَ يَوْم، وهوَ عِنْدي؛ دَعا الله، ودَعاهُ، ثُمَّ قالَ: أشَعَرْتِ يا عائِشَةُ أنَّ الله قَدْ أفْتاني فيما استَفْتَيْتُهُ فيهِ؟ قُلْتُ: وما ذاكَ يا رَسولَ الله؟ قالَ: جاءَني رَجُلانِ، فجَلَسَ أحَدُهُما عِنْدَ رأسي، والآخَرُ عِنْدَ رجليَّ، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِه: ما وجَعُ الرَّجُلِ؟ قالَ: مَطْبوبٌ، قالَ: ومَنْ طبَّه؟ قالَ: لَبيدُ بْنُ الأعْصَم اليَهوديُّ من بني زُرَيق، قالَ: في ماذا؟ قالَ: في مُشط ومُشاطة وجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَر، قالَ: فأيْنَ هوَ؟ قالَ: في بئْرِ ذي أرْوانَ، قالَ: فذَهَبَ النَّبيُّ ﷺ في أُناسٍ مِنْ أصْحابِهِ إلَى البِئْرِ، فنَظَرَ إلَيْها، وعَلَيْها نَخْلٌ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى عائِشَةَ، فقالَ: والله لَكَأنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنّاء، ولَكَأنَّ نَخْلَها رُؤوسُ الشَّياطينِ، قُلْتُ: يا رَسولَ الله أفَأخْرَجْتَهُ؟ قالَ: لا، أمّا أنا؛ فقَدْ عافانيَ الله، وشَفاني، وخَشيتُ أنْ أثوِّر عَلَى النّاسِ مِنْهُ شَرًّا، وأمر بها، فدُفِنت»(3)، فالأصحّ أنّها مَكّيَّة(4).
~ سورةُ النّاسِ مَكّيَّة ~
وأمّا عدد آياتها؛ فهي سبعُ آياتٍ في المُصحَفِ المَكّيّ والشّاميّ، وستٌّ في عدد الباقينَ، اختلافُها آيَة (ٱلۡوَسۡوَاسِ)، عدَّها المَكّيّ والشّاميّ، ولم يَعُدَّها الباقونَ(5).
* ترتيب النُّزول وترتيب المُصحَفِ :
هذه السّورة جاءتْ بعد سورة الفلَق، وهي الأخيرة في ترتيبِ المصحف الشّريف، الرّابعةَ عشْرةَ بعد المئة، وهو التّرتيب الثّابت، المُعوَّلُ عليه عند أهل النّظر والتّحقيق، وأمّا ترتيبها النّزوليّ؛ فقد عُدَّتِ الحادية والعشرين من السّور، نَزَلَت عَقِب سورة الفلق، وقبل سورة الإخلاص(6).
~ سورةُ النّاسِ خاتِمَةُ سوَرِ المُصحَفِ الشَّريف ~
* فضائِلُ السّورَة :
هذه السّورةُ من قِصارِ سوَرِ المُفَصَّل الذي قال فيه النَّبيُّ ﷺ فيما رواه عنه واثِلَةُ بنُ الأسقَع رضي الله عنه: «أُعطيتُ مكانَ التَّوراةِ السَّبعَ الطِّوالَ، وأُعطيتُ مكانَ الزَّبورِ المئين، وأُعطيتُ مكانَ الإنجيلِ المَثانيَ، وفُضِّلتُ بالمُفصَّلِ»(7).
~ هذه السّورةُ مِن قِصارِ سوَرِ المُفَصَّل، وقد ورَدَ في فضلِها أحاديثُ كَثيرة ~
وأخرج الإمام مُسلِمٌ عَن عُقْبَةَ بن عامرٍ قالَ: «قالَ رَسولُ الله ﷺ: أُنْزِلَ - أوْ أُنْزِلَتْ - عَلَيَّ آياتٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ، المُعَوِّذَتَيْنِ»(8).
* اسم السورة ومناسبة تسميتها :
ورَدَتْ تسميتُها بسورة: (قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ) في صحيح البخاري(9)، وهي تُسمّى مع سورة الفلق بالمُعَوِّذتَين، والمُشَقْشِقَتَين، أوِ المُقَشْقِشَتَين، وتُسمَّى في كثيرٍ من المصاحفِ سورةَ النّاس، وسمّاها بعضُهم المُعَوِّذَةَ الثّانية(10).
~ سورةُ النّاسِ إحدَى المُعَوِّذَتَين ~
وتسميَتُها بسورةِ النّاس؛ لتكرُّرِ ذكر الكلمةِ فيها خمس مرّات، رغمَ وجازَةِ السّورة، وهو اسمٌ يوافق مَقصودَ السّورةِ من الاعتصام بالله من شرِّ الباطن المَأنوسِ به، المَشروحِ إليه، فإنّ الوَسوَسَةَ لا تكون إلّا بما يُشتَهى(11).
* المِحوَر العام للسورة :
المحور الذي قامت عليه السّورةُ هو تعليمُ النَّبيِّ ﷺ، والفئةِ المؤمنةِ معه، ضرورةَ الالتجاء والاعتصام بالله تعالى وحدَه من كلّ الشّرور الدّاخليّةِ، التي يتولّاها إبليسُ الوَسواسُ الخنّاس، فعلّمتهم الاستعاذةَ من شرور إبليسَ المَوصوفِ بأقبحِ النّعوت، وبيّنت أنّه ليس حَكْرًا على الجنّ، بل إنّ بعضَ الإنس من الشّياطين.
~ مَلاذُ المؤمنِ لا يكون إلّا بالله وحدَه لا شَريكَ له ~
* موضوعات السورة وخصائصها :
إرشاد النبي ﷺ لأن يتعوذ بالله ربَّه من شرّ الوسواس الذي يحاول إفساد ما أتى به، وإفساد إرشاده الناس ويلقي في نفوس الناس الإعراض عن دعوته. وفي تعليم الله لنبيه التعوذ إيماء إلى أن الله تعالى مُعيذه من ذلك، فعاصمه في نفسه من تسلط وسوسة الوسواس عليه، ومتمم دعوته حتى تعم في الناس.
ويتبع ذلك تعليم المسلمين التعوذ بهذه السورة الكريمة، فيكون لهم من هذا التعوذ ما هو حظهم من قابلية التعرض إلى الوسواس، ومع السلامة منه بمقدار مراتبهم في الزلفى.
* الخصائصُ الموضوعيّة والأسلوبية للسورةِ :
أوّلًا: تميَّزتْ سورة الإخلاص ببراعة الاستهلال؛ إذ لم يُشارِكْها في مَطلَعِها بالأمرِ (قُلۡ) سوى سوَرِ الجنّ والكافرون والإخلاص والنّاس، وقد اشتركتْ جميعُها بدعوتها إلى التّوحيد، وبتحقيق المفاصلة بين دعوة الحقّ ودعوة الباطل، وبضرورة الالتجاء إلى الله دون ما سواه، والاستعاذة به من شرور خلقه، ولكنّها هنا تميّزت عنها جميعًا بتعليم المؤمنين الاستعاذةَ بالله تعالى من الشَّرِّ الدّاخليِّ الذي مَصدَرُه إبليسُ وأعوانُه.
~ تميَّزَتْ سورةُ النّاس بخصائصَ مَوضوعيَّةٍ وأُسلوبيَّةٍ أفردَتْها عن سائرِ السّوَر ~
ثانيًا: تميّزت السّورة أيضًا بأنّ جميعَ آياتِها تناوَلَتْ موضوعًا واحدًا فقط، فقدِ اقتَصَرَتْ على ذِكرِ الاستعاذة من شرِّ الشّياطين، مُبَيِّنَةً صفاتِهم وأنواعَهم.
ثالثًا: تميّزت السّورة الكريمة عن سورة الفلَقِ المشابِهَةِ لها مَضمونًا ومَطلَعًا وأُسلوبًا بأنّ الاستِعاذَةَ هناك بربِّ الفلق من شرورٍ خارجيّة أربعة، بينما سورةُ النّاسِ وصَفَتِ الله تعالى بثلاثةِ أوصاف - الرّبُّ والملِكُ والإله - لتستعيذ به من شرٍّ واحدٍ، وهو شرُّ إبليسَ وحدَه؛ فدلّ ذلك على خطورة المستعاذِ منه في هذه السّورة.
رابعًا: تميّزت السّورة بأنّها كانت آخِرَ سوَرِ القرآن الكريم في التّرتيب المُصحَفيِّ التّوقيفيّ.
خامسًا: تميّزت كذلك بأنّها على وجازَةِ ألفاظها كرّرتْ كَلِمَةَ (ٱلنَّاسِ) فيها خمسَ مرّات، والوسوسةَ مرَّتَيْن، وحَوَتْ لَفظَيْنِ فريدَيْنِ في بنيَتِهما، يتعلّقانِ بوَصفِ الشّيطان: (ٱلۡوَسۡوَاسِ) و(ٱلۡخَنَّاسِ).
______
موسوعة التفسير البلاغي، المجلد 68،
من ص 718 إلى ص 721
مجمع القرآن الكريم بالشارقة.
______
* الهوامش /
(1) ابن عطيّة، المحرّر الوجيز: 5/ 538، والقرطبيّ، الجامع لأحكام القرآن: 20/ 251.
(2) السيوطي، الإتقان في علوم القرآن: 1/ 55.
(3) البخاريّ، صحيح البخاري، باب: السحر، حديث رقم: (5433).
(4) ابن عاشور، التّحرير والتّنوير: 30/ 624.
(5) الداني، البيان في عدّ آي القرآن، ص: 298.
(6) دروزة، التّفسير الحديث: 2/ 59، وابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 631، وعبد القادر ابن ملا حويش، بيان المعاني: 1/ 183.
(7) أخرجه أحمد في المسند: (16982)، والطبراني في المعجم: (22/ 76) (187)، والبيهقي في شعب الإيمان: (2415)352.
(8) صحيح مسلم، حديث رقم: (814).
(9) البخاري، صحيح البخاري، باب: تفسير سورة (قل أعوذ برب الناس): 4/ 1904.
(10) ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 631.
(11) البقاعي، مصاعد النّظر للإشراف على مقاصد السّور: 3/ 309.
روابط ذات صلة: