عرض وقفة أسرار بلاغية
- ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴿٣٤﴾ ﴾ [الأنبياء آية:٣٤]
- ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿٣٥﴾ ﴾ [الأنبياء آية:٣٥]
{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)}
وذلك من حكمته سبحانه الذي جعل من الماء كل شيء حي، وجعل في الأرض رواسي أن تميد بهم، وخلق الليل والنهار والشمس والقمر.
والليل يمضي ولا يعود إلى يوم القيامة ويأتي بعده ليل آخر.
والنهار يمضي ولا يعود إلى يوم القيامة ويأتي بعده نهار آخر.
والبشر يموت ولا يعود إلى يوم القيامة فيبعثه الله ويحاسبه.
فلم يجعل لبشر من قبله الخلد.
ونفى الفعل بـ (ما) ولم ينفه بـ (لم) لأن (ما) أكد من (لم).
وإذا تربصوا بك ريب المنون فمت أفهم خالدون في الدنيا؟
وقال: {فَهُمُ الْخَالِدُونَ} ولم يقل: (فهم خالدون) وذلك للحصر، أي: أفهم الخالدون دون غيرهم من البشر الذين قضى الله أن لم يجعل لأحد منهم الخلد.
لقد قال ههنا: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} فقال: (الخلد) ولم يقل: (الخلود)، فإن القرآن الكريم يستعمل (الخلد) كثيرًا، واستعمل (الخلود) في موطن واحد وذلك قوله سبحانه: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} [ق: 33 – 34].
واستعمل (الخلد) فيما عدا ذلك وذلك نحو قوله سبحانه: {ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ} [يونس: 52].
وقوله: {ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ} [فصلت: 28].
وقوله: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [الفرقان: 15].
فاستعمل (الخلد) لمن هم أقل عددًا ممن ذكر في آية (ق).
فقد قال في (ق): {ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} ويوم الخلود ليس خاصًا بمؤمن أو كافر، بل كلهم يشملهم ذلك اليوم فهو يوم الخلود للجميع سواء كان من أهل الجنة أم من أهل النار.
قد تقول: ولكن الكلام على المتقين فقد قال سبحانه في سياق الآية: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31)... ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34)}.
فنقول: لم يقل: (تلك دار الخلود) أو (جنة الخلود) في إشارة إلى الجنة، وإنما قال: {ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ}، وهو وإن بشرهم بالخلود في خطابه لهم غير أن التعبير بيوم الخلود لا يخصهم وحدهم. فيوم الخلود ليس خاصًا بصنف دون صنف وإنما هو عام لكل المكلفين.
هذا إضافة إلى أنه ورد في السياق ذكر أهل النار وأهل الجنة. وأما (الخلد) فلم يستعملها إلا مخصصة بصنف دون آخرين. فقد قال: {ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ}، وقال: {ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ}، وهذا خاص بالكافرين.
{ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ}،
وقال: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ} وهذا خاص بالمؤمنين.
فاستعمل (الخلود) التي هي أكثر حروفًا من (الخلد) لمن هم أكثر عددًا. فـ (خلود) أربعة أحرف، و(خلد) ثلاثة أحرف.
فناسب بين القلة والكثرة في بناء المفردة والمكلفين.
وكذلك الأمر في آية الأنبياء هذه وهي قوله: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ}، فالبشر هنا يعني واحدًا من الناس، وحتى إذا قصد بها مجموعة من الناس فهم قلة بالنسبة إلى مجموع البشر. وهذا من لطائف التعبير.
لقد قال: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ} فأسند الجعل لنفسه سبحانه فهو الذي قضى بذلك وقدره.
ثم بين ذلك بقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}
فلا تنجو نفس من الموت بل لا بد أن تذوقه.
{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}
"أي نختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم...
و(فتنة) مصدر مؤكد لـ (نبلوكم) من غير لفظه" (1).
ويحتمل أيضًا أن تكون (فتنة) مفعولاً لأجله، أي (لنفتنكم) كما يحتمل أن تكون حالاً أي: فاتنين لكم، بمعنى: مختبرين لكم، كما يحتمل أن تكون مفعولاً مطلقًا مؤكدًا من غير لفظ الفعل كما ذكر صاحب الكشاف.
وجاء بالمصدر ليحتمل المعاني الثلاثة: المصدر المؤكد والمفعول له والحال وهو من التوسع في المعنى.
و"قدم الشر لأن الابتلاء به أكثر... وعن ابن عباس: الخير والشر هنا عام في الغني والفقر، والصحة والمرض، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال...
والظاهر أن المراد من الخير والشر هنا كل ما صح أن يكون فتنة وابتلاء...
وانتصب (فتنة) على أنه مفعول له، أو مصدر في موضع الحال، أو مصدر من معنى نبلوكم...
{وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} فنجازيكم على ما صدر منكم في حالة الابتلاء من الصبر والشكر وفي غير الابتلاء" (2).
"وأكد فعل البلاء بمصدر من معناه مقرون بالهاء تعظيمًا له فقال: (فتنة) أي كما يفتن الذهب إذا أريدت تصفيته بمخالطة النار له" (3).
{وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي لا إلى غيرنا فنحاسبكم ونجزيكم على ما قدمتم.
وهذا التعقيب مناسب لمفتتح السورة وهو قوله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ}
ولما ذكره في آخر السورة من عاقبة الكافرين والمؤمنين.
قد تقول: لقد قال ههنا: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.
وقال في سورة العنكبوت: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.
فلم يقل في آية العنكبوت: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) كما قال في آية الأنبياء.
وقال في آية الأنبياء: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} بالواو.
وقال في آية العنكبوت: {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} بثم.
فلم ذاك؟
أما إنه لم يقل في آية العنكبوت: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) فقد قيل: إنه "لما تقدم أول سورة العنكبوت {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [الآيتان: 2 – 3]. أغنى ذلك عن (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) في آية العنكبوت فحذف منها" (4).
وهو توجيه مقبول.
وأما قوله في آية الأنبياء: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}
وقوله في آية العنكبوت: { ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }
فلأن آية الأنبياء – والله أعلم – هي في الرجوع إلى الله عند الموت أو في القيامة.
وأما آية العنكبوت فهي فيما بعد ذلك وهو دخول الجنة أو النار.
يدلك على ذلك سياق آيات العنكبوت، فهو في ذكر من يدخل النار ومن يدخل الجنة. قال تعالى: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55) يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58}.
فجاء بـ (ثم) التي تفيد التراخي.
وليس السياق كذلك في آية الأنبياء.
وقد ذكرنا آنفًا أن هذه الآية مناسبة لما ورد في أول السورة من ذكر للحساب وهو قوله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} والحساب قبل القضاء بدخول الجنة أو النار.
جاء في (البرهان) للكرماني: "قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}. وفي العنكبوت: {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} لأن (ثم) للتراخي، والرجوع هو الرجوع إلى الجنة أو النار، وذلك في القيامة.
وخصت هذه السورة بالواو لما حيل بين الكلاميين بقوله: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} وإنما ذكرًا لما لم يتقدم ذكرهما. فقام مقام التراخي وناب الواو منابه" (5).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 84 إلى ص 90.
(1) الكشاف 2/328.
(2) البحر المحيط 6/311 وانظر روح المعاني 17/47.
(3) نظم الدرر 12/418.
(4) حاشية البرهان للكرماني ذات الرقم 11 ص 240.
(5) البرهان 240.