عرض وقفة تذكر واعتبار
- ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴿٩٧﴾ ﴾ [الكهف آية:٩٧]
- ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴿١٩﴾ ﴾ [الملك آية:١٩]
شوقهم تدبر القرآن إلى علم النحو والبلاغة!
كلفت بتدريس مادة النحو لبعض طلاب كلية أصول الدين في جامعة الإمام
محمد بن سعود الإسلامية، ووجدت في بداية التعليم نفورا غريبا من علم النحو،
بل لاحظت ريبة وشكا في نفوس الطلاب تجاه معلمهم، فيسألون عن رأيي في
القول بالمجاز، وإعراب بعض الحروف الزائدة في القرآن ونحو ذلك، وقد بلغ
الأمرغايته حينما دخلت إحدى القاعات ُ فوجدت طالبا قد كتب على السبورة
بيت الشعر المشهور الذي لا يعرف قائله:
وَلَستُ بنحوي يلوك لسانه ولكن سليقي يقول فيعرب
فأدركت أنني -هكذا- أنفخ في قربة ً مشقوقة، ففكرت تفكيرا عميقا،وأيقنت أنه لا سبيل إلى إقناع هؤلاء الطلاب بأهمية علم النحو إلا بربطه بالقرآنالكريم، فقلت لهم يوما: لدي سؤال، من أجاب عليه فله جائزة: لماذا قال
الله تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} {اسْطَاعُوا}و{اسْتَطَاعُوا}؟ فلم يعرف أحد منهم الجواب، فأعطيتهم مهلة إلى المحاضرة التالية، ونقلت السؤال إلى القاعات الأخرى.وفي المحاضرة التي بعدها سألتهم عن قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِير} ، لماذا عدى الفعل{ يَرَوْا} بـ { إِلَى } ولم يقل: أو لم يروا الطير؟ ولماذا قال:{ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} ؟.
وهكذا؛ كنا في بداية كل محاضرة نجيب عن سؤال المحاضرة السابقة، وفي
نهايتها ألقي عليهم سؤالا جديدا!وقد رأيت ثمرة هذا التدبر عليهم وعلي، أما الطلاب فقد أدركوا حاجتهم إلىعلم النحو، حتى إن بعضهم صار يأتي إلى بيتي ليدرس علي علم النحو والصرف،وأما أثره علي ُ فقد اجتهدت ِ في التنقيب عما أشار إليه العلماء والمفسرون من صورالإعجاز البياني، فاجتمعت لدي حصيلة طيبة منها قدمتها في برنامج إذاعي فيإذاعة القرآن الكريم، ثم نشرتها في كتاب بعنوان: نظرات لغوية في القرآن الكريم/صالح بن حسين العايد.