عرض وقفة تذكر واعتبار
- ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٧٤﴾ ﴾ [البقرة آية:٧٤]
" كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً "
كنتُ طالبة في المرحلة الثانوية , وكنت أذاكر لأخي وابن أختي , ومع ضغط الدراسة علي ؛ كنت دائما وبمجرد أن أكرر شرح مسألة لهما أكثر من مرة أمل وأصرخ فيهما , فإن تكرر عدم التركيز أرمي الكتاب في وجهيهما .
كنت أبكي وأتحسر علي عصبيتي معهما بمجرد مغادرتي المكان , وأحاسب نفسي وأسألها : هؤلاء أطفال ! فلماذا أعاملهم بهذه العصبية ؟
وبالرغم من ذلك , كنت بمجرد أن أعاود المذاكرة لهما , أو حتي بمجرد علمي بنزول درجاتهم أعود إلي الصراخ والعصبية معهما .
وفي يومٍ قلت لأخي الصغير وأنا غاضبة : ابتعد , فلن أدرسك , وكان وقتها في الصف الثاني الابتدائي , فوجئت به يبكي ثم لحقني إلي الغرفة الأخري وهو يقول
بصوت متقطع : آخر مرة سامحيني , فكانت معاناتي بعد ذلك الموقف تزيد يوما بعد يوم .
وفي إحدي الليالي قمت في السحر , وسألت الله أن يهديني ويصلحني ويوفقني لسبيل استطيع ضبط نفسي به , وفتحت المصحف لأتخير من آياته للصلاة , وتوفيقا من الله ؛ إذ بي أفتح علي قوله عزوجل من سورة البقرة : " ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ " .
كنت أقرأ من بداية الصفحة ؛ وحين وصلت إلي هذه الآية لم أتمالك نفسي , وبدأت أكرر الآية : " وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ " , ومع التكرار بدأت أفكر : صلابة الحجر تلين وتفجر أنهارا , وأنت أين قلبك ؟!!
عدت من جديد للآية وقراءتها , كان الخطاب فيها لليهود , ووجدتني أحاسب نفسي علي فظاظتي وشدتي في المعاملة , حتي استيقظت في اليوم التالي وكأني قد ولدت من جديد .
لقد تخرجت بعد ذلك واشتغلتُ بالتدريس , وكانت المرحلة الابتدائية أول عملي في التدريس لمدة أربع سنوات , وها أنا اليوم أعمل في التوجيه , واستقبل المكالمات من المعلمات لأعلمهن الطريقة الصحيحة في التعامل مع هذه المرحلة , وأتذكر دائما حلم الله علي العاصي والكافر , فكيف بالمؤمن الموحد !
وأخيرا " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ " .