عرض وقفة تذكر واعتبار

  • ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٢٢﴾    [الأنعام   آية:١٢٢]
ميلاد جديد كان ميلادي في السادسة عشرة من عمري !! كان ذلك في ليلة من لياليالصيف وبعد العشاء في بيت أخي الأكبر , إذ جلسنا في فناء داره وعلي ضوء أنوار أعمدة الشارع في ليلة لا أنساها أبدا , وكان أخي يحدثنا عن الجنة ونعيمها , وأخذ الحديث بمجامع قلبي وكأني أسمعه لأول مرة , فقد كنت في غفلة مطبقة , وسألأت أخي : أين أجد مثل هذا الكلام الجميل ؟ فأشار إلي مكتبته الخاصة , ونظرت إلي الكتب في حيرة : أيَّهَا أختارُ ؟ ولا زِلْتُ أتعجبُ إلي اليوم كيف وقع اختياري علي كتاب ( إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان ) لابن القيم , مع كتابه الآخر ( الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ) , وكتاب ثالث هو أحد أجزاء ( الترغيب والترهيب ) للمنذري . أخذتها وذهبت إلي المنزل , وظَللْتُ أقرأ وأقرأ وتأثرت كثيرًا , وتولدت لدي الرغبة الشديدة في حفظ القرآن الكريم , حيث لم يكن معي منه وأنا في السادسة عشرة إلا بعضٌ من قصار السور مع ضعف في حفظها !! وبدأت الحفظ فعلا , إلا أنني شعرت بالحاجة المُلِحّةِ إلي فهم آياتٍ كنت أقف عندها متسائلة عن معناها ودلالتها , وهنا بدأت مسيرة حياتي الجديدة حينما أمسكت كتب التفسير وبدأت أقرأ بفهم وتأثر , كنت أقرأ كثيرًا في تفسير ( جزء عمَّ ) وأنا خالية وأبكي , كنت أعيش الآيات بتفاعل وأشعر أن الروح تسري في قلبي , وقبسَ النورِ يُشِعُ في نفسي ويزداد يومًا بعد يوم , إنه الحقُّ في قول الحق سبحانه وتعالي : " أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا " وعرفت طعم الحياة الحقيقية يوم عرفت ربي من خلال تدبر كلامه , فأحببته وآثرت محابَّه علي كل شهواتي , فأقبلت علي الصلاة والصيام والقرآن والقيام به والقراءة في الكتب النافعة , وتركت سماع اللهو ومتابعة الأفلام , وكل ما يمكن أن يمارسه من نشأ في أجواء الغفلة والبعد عن القرآن والعلم الشرعي , وكنت كلما مررت بآية تؤثر في قلبي فتحت كتب التفسير لأفهمها , ثم أكتبها في دفتر أو في ورقة أعلقها أمامي في مكان بارز .