عرض وقفة تذكر واعتبار
- ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴿٦﴾ ﴾ [الطلاق آية:٦]
{فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)
إذا تعسرت الأسباب… لم يتعسر تدبير الله
قال الله تعالى:
(وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)
تأملت طويلًا هذا التعبير الرباني المطمئن:
(فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى).
لم يقل: فلعل أخرى ترضعه، ولم يقل: فابحثوا له عن أخرى، وإنما جاء التعبير بالجزم:
﴿فَسَتُرْضِعُ﴾.
وكأن في الآية رسالة للقلب:
إن تعسرت أسبابكم، فإن تدبير الله لا يتعسر.
وقد حدثني أحد كبار السن مشافهة، رحمه الله، بقصة عجيبة عاشها بنفسه.
قال:
ماتت أمي وأنا رضيع، فحملت جدتي همي: من سيرضع هذا الطفل؟
كان عندنا في البيت ماعز، فحاولت جدتي أن ترضعني منه، لعل الله يجعل فيه فرجًا وتنحل به المشكلة.
فكان العجب…
إذ أقبلت على الرضاعة منه، بل أصبحت أبحث عنه كلما جعت، وكأنها أصبحت مرضعتي التي ساقها الله إليّ في ذلك الوقت.
واستمر بي الحال على ذلك أشهرًا.
حتى دخلت يومًا امرأة من القرية، فرأتني أرضع من الماعز، فتعجبت وتكلمت دون أن تذكر الله أو تدعو بالبركة. فأصابني بالعين ، فلم أعد أقبل الرضاعة من الماعز.
فعاد الهم إلى جدتي.
أخذت تحملني إلى نساء القرية، وتقول:
هذا اليتيم، ماتت أمه، تصدقن عليه بالرضاعة.
فترضعني هذه قليلًا، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى شق الأمر عليهن؛ فلكل امرأة رضيعها الذي يحتاج إلى حليبها .
ولم يكن في ذلك الزمن حليب صناعي ولا وسائل تغذية كما هي اليوم.
وفي يوم خرجت بي جدتي وأنا شديد الجوع، فرأت نسوة جالسات في ظل جدار، فلما رأينها مقبلة بي تفرقن عنها؛ فقد عرفن ما تريد.
وقفت جدتي في الوادي مذهولة…
ثم
جثت على ركبتيها تبكي، وأنا بجوارها أبكي من الجوع.
ثم نظرت إليّ، ولم تجد ما تسكتني به، فألقمتني ثديها …..لتلهيني عن البكاء.
وهنا وقع العجب.
يقول الرجل:
فوالله، ما هي إلا لحظات، وإذا بالحليب يدر من ثدي جدتي!
وأخذت أرضع منها.
سبحان الله!
كانت جدتي تطوف بي تبحث لي عن مرضعة…
والمرضعة التي قدرها الله لي كانت تحملني بين ذراعيها!
لكن الله لم يكشف لها هذا الباب إلا بعد أن أُغلقت الأبواب التي كانت تعرفها.
وهنا يتجلى معنى قوله تعالى:
(وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى).
وأعجب من هذه القصة قصة أخرى أعظم، يتناقلها أهل قريتنا، حتى بقي مكانها شاهدًا عليها إلى اليوم.
ففي قريتنا غار معروف، اشتهر بين الناس باسم صاحبه بسبب قصة عجيبة وقعت له فيه، واسمه وقبيلته معروفان عند أهل المنطقة.
توفيت زوجته في ذلك الغار ليلاً ، أثناء الولادة، بعد أن وضعت طفلة صغيرة، فماتت الأم وبقيت الصغيرة حية.
وجن عليه الليل…
والرجل وحده في الغار، بين زوجة فارقت الحياة، وطفلة حديثة الولادة لا أم لها.
بقي ساهرًا مهمومًا، ينتظر طلوع الفجر ليذهب إلى القرية، فيأتي بمن يعينه على دفن زوجته، وليبحث لابنته الصغيرة عمن يكفلها ويرضعها.
وفي ظلمة الليل بدأت الطفلة تصرخ من الجوع، تطلب بفطرتها ما لا يملكه أبوها.
احتار الرجل…
ماذا يصنع لطفلة حديثة الولادة تريد الرضاع، وأمها ميتة بجوارها؟
ولما اشتد بكاؤها، ألقمها ثديه؛ لا لأنه يظن أن فيه لبنًا، وإنما محاولة منه لتهدئتها وإسكات بكائها.
وهنا وقع ما هو أعجب…
فبحسب القصة المشهورة التي تناقلها أهل القرية، درّ اللبن من ثدي أبيها، فأخذت الطفلة ترضع منه!
سبحان الله!
أم ماتت، وطفلة جائعة، وأب لا يملك لها شيئًا، وليل يحول بينه وبين الناس…
لكن الذي خلقها لم ينس رزقها
ونجد في القصة التي قبلها… تعسر الماعز… فأرضعته نساء القرية.
وتعسرت نساء القرية… فأرضعتنه جدته.
ولو تعسر هذا السبب أيضًا، فلله أسباب لا نعرفها، وأبواب لم تخطر لنا على بال.
فليس كل باب يُغلق حرمانًا، بل قد يُغلق لأن رزقك ليس خلفه، وإنما خلف باب آخر لا تراه بعد.
نحن نرى الباب المغلق…
والله يعلم أين «الأخرى».
وهنا يظهر ضعف نظر الإنسان أمام سعة تدبير الله:
نحن نقلق على الرضعة القادمة…
والله قد كتب العمر كله.
كان الماعز سببًا، وكانت نساء القرية أسبابًا، وكانت الجدة سببًا…وكان الأب سبباً
أما الرزاق فهو الله.
فخذ بالأسباب، واطرق الأبواب، وابذل ما تستطيع، لكن لا يتعلق قلبك بها.
فإذا أغلق باب، فلا تظن أن خزائن الله أُغلقت،
وإذا تعسر سبب، فلا تظن أن عطاء الله تعسر،
وإذا قلت: كيف سيأتي الفرج؟
فتذكر أنك تسأل بحدود علمك لا بحدود قدرة الله.
فكم من «أخرى» أعدها الله لك وأنت لا تراها:
أخرى في رزق، وأخرى في فرج، وأخرى في جبر، وأخرى في طريق ظننته انتهى.
(فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى).
جزم رباني يملأ القلب طمأنينة:
قد تتعسر الأسباب… ولكن لا يتعسر تدبير الله.
وقد تُغلق الأبواب… ولكن لا تُغلق خزائنه.
وقد لا ترى «الأخرى» الآن… لكن الله يعلم أين هي، ومتى تأتي، وكيف يسوقها إليك.
سبحان من يرزق الطفل قبل أن يعرف كيف يطلب رزقه، ويدبر للعبد أمره حين يعجز العبد عن تدبير أمر نفسه.