| ٩٣١ |
*ختمت الآية (لعلكم تتقون) فما اللمسة البيانية فيها؟
قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) هذا يدل على علو هذه العبادة وعظمتها وربنا سبحانه وتعالى كتب هذه العبادة على الأمم التي سبقتنا معناها هذه العبادة عظيمة ولا نعلم كيفيتها لكن كان الصيام موجوداً. ثم يدل على الترغيب في هذه العبادة لأهميتها بدأ بها تعالى في الأمم السابقة ثم أن الأمور إذا عمّت هانت والصيام ليس بِدعاً لكم وإنما هي موجودة في السابق فإذن هذا الأمر يدل على أهميتها ويدل على تهوينها أنها ليس لكم وحدكم وإنما هي مسألة قديمة كما كتبت عليكم كتبت على الذين من قبلكم. كلمة (تتقون) أطلقها ولم يقل تتقون كذا كما جاء اتقوا النار أو اتقوا ربكم يحتمل أشياء مرادة تحتمل تتقون المحرمات وتحذرون من المعاصي لأن الصوم يكسر الشهوة ويهذبها ويحُدّها (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يتسطع فعليه بالصوم فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج). تتقون المفطرات والاخلال بأدائها أي تحفظون الصيام وتتقون المفطرات الإخلال بأشياء تؤدي إلى ذهاب الصوم، لعلكم تتقون تحتمل تصلون إلى منزلة التقوى وتكونوا من المتقين فإذن فيها احتمالات عديدة وهي كلها مُرادة. إذا كان تتقون المعاصي فهي تحتمل لأن الصوم يكسر الشهوة وإذا كان تتقون المفطرات تحتمل وإذا كانت تصل إلى منزلة التقوى أيضاً تحتمل. في هذا السياق تكرر ذكر التقوى والمتقين قال (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)) (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)) (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)) (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)) (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)) تكررت التقوى في السياق وهي مناسبة لأنه في أول السورة قال تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)). في عموم السورة إطلاق التقوى. وسورة البقرة تردد فيها التقوى ومشتقاتها 36 مرة. التقوى فِعلها وقى وقى نفسه أي حفظ نفسه وحذر، المتقون أي حفظوا نفسهم من الأشياء التي ينبغي أن يبتعدوا عنها. قسم يقول أن التقوى هي أن لا يراك الله حيث نهاك ولا يفتقدك حيث أمرك يعني الابتعاد عن المحرمات والانهماك في الطاعات هذه هي التقوى. جاءت التقوى في سورة البقرة على الإطلاق ومنها قوله (لعلكم تتقون) يعني تتقون أي شيء عموماً.
الوقفة كاملة
|
| ٩٣٢ |
*يقول تعالى(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿11﴾ الأنعام) و (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿36﴾ النحل) كلاهما عاطفة،الفاء و(ثم) لكن لماذا هناك سيروا في الأرض ثم انظروا وهنا سيروا في الأرض فانظروا؟
لا بد أن يكون هناك معنىً مختلفاً. ونحن نعلم بأن هذا الحرف في القرآن الكريم والحركة هي آية كاملة ولهذا إن الله يعطي عليها عشر درجات (ألم) يعني ثلاثين درجة ثلاثين حسنة. هاتان الآيتان تتكلمان عن الآثار وعلى قيمتها وأهميتها في الإيمان (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) من حيث أن هذا السير (سيروا في الأرض) نوعان هناك أمرٌ بأن نسير خصيصاً لكي نتّبع آثار الظَلَمة والدول القاسية الملحدة المستعمرة التي أذاقت الناس الهوان كفرعون وثمود وعاد وأنتم تعرفون كم كانت دولاً عظيمة ثم صارت أنقاضاً وأطلالاً (فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴿58﴾ القصص) (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ﴿137﴾ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿138﴾ الصافات) حينئذٍ السفر لكي ترى آثار الدول التي أهلكها الله وبطش بها من أجل أنها ظالمةٌ تسوم الناس خسفاً وتكذب بالله وآياته لكي يكون ذلك عبرة (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴿111﴾ يوسف). هاتان الآيتان وحدة تتكلم عن السياحة أنت ستسير إما أن تكون سائحاً لغرض ليس للعبث والمجون والخمر وما شاكل ذلك لا، لا بد أن تكون سياحتك لهدف حضاري كما يفعل الغربيون ونحن لا نفعل مع الأسف الشديد الغربيون يسيحون في الأرض لكي يتعلمون يدرسون ينقبوا عن الآثار يدرسون طبائع الأمم ونحن نذهب لكي نلهو. رب العالمين قال لا ليس السفر للهو السفر مدرسة ولهذا السير في الأرض من أعظم أسباب المعرفة ومصادرها ومنابعها. فرب العالمين قال ربما تكون أنت مسافر لحاجات كالتجارة أو الدراسة أو تزور قريباً رحل إلى أمريكا إلى مصر إلى بابل في العراق في كل مكان فيه آثار الأمم التي أهلكها الله بظلمها أنت بعد ما تنتهي من شغلك إذهب وانظر إليها (ثُمَّ) هذا خطاب لمن يسير في الأرض لهدفٍ آخر ولكن رب العالمين يقول دع لك فرصة يوم، نصف يوم إذا كنت في مكان فيه آثار الظلمة اذهب وشوفها هذا (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا) أنهي شغلك تجارتك ثم انظروا, الفريق الثاني ليس لديه شغل كما قال الدكتور نجيب للسياحة فقط وأنتم تعرفون الآن أن السياحة فن عالمي يعني شركات في كل الدنيا فقط للسياحة، يقول لا تقضي وقتك في الملاهي والحانات والخمور إقضيها بشيء نافع ولهذا من أعظم النوافع والمنافع الآثار. الآثار في كتاب الله عز وجل قضية هائلة ولهذا حرص أعداء هذه الأمة أن يأخذوا كل آثارها لأن هذه الآثار وثيقة كما أنت عندك جنسية وجواز، الآثار جواز ووثيقة وجنسية الأمة أمة بلا آثار ما تملك أن تعرف من هي؟ ما هو الدليل على أنك أنت كذا؟ يعني لما النبي صلى الله عليه وسلم مسحت كل آثاره أين هي؟ لم يبق شيئاً ولهذا عندما سقط العراق في اليوم الأول من سقوطه جاءت شاحنات كبيرة حوالي 16 شاحنة أخذت المتحف العراقي المليء بالآثار من آشور ومن بابل القديمة إلى يومنا هذا الدولة العباسية والأموية والخلفاء الراشدين ومن قبلهم ومن قبلهم كنسوها بالآخر.
ورب العالمين يقول (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ) انظر خيراً وشراً يقول (فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا) وحينئذٍ هذه الآثار للخير وللشر، للشر لكي تحمد الله على العافية وللخير لكي تحمد الله على الإيمان من أجل هذا إن زيارة الآثار عبادة عظيمة.
إذاً الفرق بين فسيروا ثم سيروا (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا) (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا) يعني الأمر بالسير هذا السير مرة يقول ثم انظروا بعد السير أو فانظروا بعد السير إذا كنت مسافراً للسياحة من أجل ذلك فانظر رأساً (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا) أنت رايح لهدف معين لكي ترى عاد وثمود وفرعون وكل الظلمة والقتلة الذين ملأوا التاريخ (يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ﴿141﴾ الأعراف) هؤلاء كانوا على قمة (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) كانت دولاً هائلة دولاً عظيمة قال (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ﴿51﴾ الزخرف) وإذا به بساعات رب العالمين يسلّط عليهم الماء. وعندما تزور أنت آثار الفراعنة تلك الحضارة العريقة الممدودة في كل التاريخ وعمقه راحت بثواني، انتهى الأمر وجاء المظلومون من بني إسرائيل واحتلوا الأمر، وحينئذٍ أي عبرة هذه وأي عظة! كلما ذهبت إلى مصر ورأيت الأهرامات وعظمتها وعظمة الآثار وعظمة القصور وعظمة المُلك كيف زال هذا المُلك؟! حينئذٍ أنت انظر (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) انظر إلى الحضارة الرومانية سواء كانت بسوريا أو بالأردن أو في أماكنها ما هذا؟ ما هذا؟ وحينئذٍ هناك بالقرب من الموصل من نينوى في العراق أيضاً مدينة الحَضَر مدينة عظيمة جداً جداً لما تدخل إليها يعني أي حضارة كانت في هذه المدينة؟! ذهبت لأنهم كانوا ظلمة والعكس صحيح. والله من رأى بيت النبي نحن رأينا بيت الخلافة في الكوفة بيت سيدنا علي لما كان خليفة في العراق وسيدنا عليّ ليس نبياً وحينئذٍ لأنه من بيت النبوة وسيد آل البيت والله العظيم خرجنا ونبقى نجتر هذه الذكرى وهذا العطر وكأننا من شدة إيمانك بالله وحبك لعليّ كأنك تراه بل ليس كأنك بل أنت تراه لِمَ؟ لشدة عمق إيمانك بالأمر وتقديسك له ومعرفتك بأهدافه وغاياته وما أنزل الله بعليّ من القرآن على رسول الله كل هذا يصوغ إيمانك صياغة جديدة ويعطيك دفعة (إن هذا الإيمان يبلى كما يبلى الثوب فجددوه) وهذا من تجديد الإيمان ولهذا رب العالمين قال (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا) (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا) أنت يجب أن تسير (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) مرة قال (فَانْظُرُوا) أنت ذاهب متعمد لكي ترى (ثُمَّ انْظُرُوا) لا أنت في الحقيقة رايح تجارة دراسة إذا صار عندك فرصة بعد ذلك اذهب إلى هذه الآثار، هذا هو الأمر.
الوقفة كاملة
|
| ٩٣٣ |
آية (14):
*ورتل القرآن ترتيلاً:
(قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (14)) الفاطر هو المبدع والخالق وأصله من الفطر وهو الشق وقال ابن عباس رضي الله عنه "ما عرفت معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها". ولذلك اختير هذا الوصف (فاطر) من بين صفات الله وأسمائه لدحض دعوى اتخاذ أيّ ولي دون الله فالله هو الولي وهو الخالق والفاطر.
الوقفة كاملة
|
| ٩٣٤ |
* (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ) ما اللمسات البيانية في هذه الآية؟
ذكرنا ما المقصود بـ(على سفر) و(الذين يطيقونه) و(فمن تطوع خيراً فهو خير له) بأن زاد على القدر المذكور أو فعل أكثر من المطلوب يُطعم مسكينين أو أكثر أو جمع بين الصيام والفدية وبين الإطعام والصيام وقال (وأن تصوموا خير لكم) يعني أيها الأصحاء أن تصوموا خير لكم ملتفتاً من ضمير الغائب (على الذين يطيقونه) إلى المخاطب (وأن تصوموا). كان يمكن أن يقال في غير القرآن وأن يصوموا لكنه تحوّل من الغيبة إلى الخطاب لئلا يخص المرضى والمسافرين لأنه لو قال لو يصوموا خير لهم هذا يخص المرضى والمسافرين وتتداخل مع قوله (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) لكن هذه أعم كل من هو مرخص له بالإفطار من صام خير له وليس فقط هؤلاء وخاصة وإذا صح الكلام أنه في أول الصيام كان مخيراً بين الفدية والإطعام قبل أن يفرض شهر رمضان، كان مخيراً إما يصوم أو يخرج فدية لما قال أن تصوموا خير لكم دخل الجميع فيه لكن لو قال وأن يصوموا لكان يخص المرضى والمسافرين فقط بينما لما قال وأن تصوموا شمل الجميع المرخّص لهم وغيرهم وليس خاصاً بالمرضى والمسافرين فهذا الالتفات كان للجمع وهذا اسمه إلتفات في الخطاب.
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185))
فكرة عامة عن الآية: الملاحظ أنه ذكر الفريضة أولاً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) لم يحدد وقتاً ولا مدة ولا شيء وإنما ذكر الفريضة ثم بعدها ذكر الأيام مبهمة قال (أياماً معدودات) لم يُحّددها، ثم بيّن بقوله (شهر رمضان) فيما بعد، الآن تعيّن الوقت للصيام وحدّد إذن أصبح الفريضة هي صيام شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن أي الذي ابتدأ فيه نزول القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل منجماً فيما بعد على مدى ثلاث وعشرون سنة. (أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) فيها دلالتان إما ما ذكرناه الآن أي ابتداء إنزال القرآن فيه أو أنزل في شأنه القرآن أي في تعظيمه. إذن فيها دلالتان أنه نزل فيه وأنه أُنزل في شأنه القرآن وهو من باب تعظيم هذا الشهر كما نقول قال فيه كلاماً طيباً والاحتمالان مرادان لما قال (إنا أنزلناه في ليلة القدر) أي أنزلناه في ليلة القدر وأنزل في تعظيمها قرآن. (الذي أنزل فيه) يعود الضمير على الشهر كله. فقال (أُنزل فيه القرآن) ولم يقل أنزلنا فيه القرآن لأنه يتكلم على شهر رمضان وليس على مُنزِل القرآن لو قال أنزلنا يكون الكلام عن الله سبحانه وتعالى وليس على الشهر لو قال أنزلنا يعود إلى ضمير المتكلم لكنه يريد الكلام على الشهر تعظيماً لهذا الشهر. بينما قال أنزلنا الحديد تعظيماً لله تعالى وعظمته والنعمة التي أنعمها على خلقه. (تنزيل من حكيم حميد) أنزل إليك ثم قال من لدن حكيم حميد لأن الكلام عن الكتاب وتعظيم الكتاب وليس عن الله سبحانه وتعالى. الفعل مبني للمجهول والفاعل مُضمر محذوف ليس له ذكر لأن سياق الكلام على شهر رمضان.
الوقفة كاملة
|
| ٩٣٥ |
آية (15):
*(قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)) تأمل هذا التحذير الإلهي فقد أضاف الله العذاب إلى يوم عظيم فقال (عذاب يوم عظيم) فما الهدف من هذه الإضافة؟ ولِمَ لمْ يوصف العذاب بالعظمة دون ذكر يوم أي لِمَ لمْ يقل إني أخاف عذاباً عظيماً؟(ورتل القرآن ترتيلاً)
أضاف الله العذاب إلى كلمة يوم لما لهذا الاسم من الدلالة عند العرب لأنهم اعتادوا أن يطلقوا اليوم على يوم المعركة الذي ينتهي بنصر فريقٍ وانهزام آخر فيكون هذا اليوم نكالاً على المنهزمين لأنه يكثر فيهم القتل ويُسام المغلوب سوء العذاب فذكر يوم يثير عند العرب من الخيال مخاوف مألوفة ويبث الهول في جوانحهم وزاد هذا الهول بوصف اليوم والعذاب بالعظيم حيث قال (عذاب يوم عظيم).
الوقفة كاملة
|
| ٩٣٦ |
سورة البقرة الآية 266
الوقفة كاملة
|
| ٩٣٧ |
*ما دلالة إستخدام أداة الشرط (إن) هنا (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) البقرة)؟
تأمل كيف جاء أسلوب الشرط مستخدماً (إن) التي تفيد التشكيك والتقليل ولم يستخدم (إذا) التي تفيد الجزم والتحقيق وفي ذلك إشارة إلى أن علمك أيها المؤمن بفوائد الصيام في الدنيا والآخرة عِلمٌ غير محقق لأن فوائده خفية وأسراره قد لا تتوصل إلى معرفتها ولذلك يرغّبك في هذه العبادة حتى لو لم تدرك فوائدها إدراكاً كاملاً.
الوقفة كاملة
|
| ٩٣٨ |
*ما الفرق بين (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴿11﴾ البروج) - (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴿16﴾ الأنعام)؟
لدينا (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴿11﴾ البروج) و (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴿16﴾ الأنعام) المبين وليس العظيم، العظيم كيف؟ يعني فرق بين أن أعطيك بيت هذه هدية لكن أن أجعلك رئيس وزراء هذا فضل عظيم لأنه عام مشهور، هذا الفوز العظيم. الفوز الكبير كمّ؟ يا الله يعني لا حدود للكرم الذي سوف تناله! والفوز المبين على رؤوس الأشهاد فهناك يوم القيامة الله قال كما سوف يأتي (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴿35﴾ ق) يعني يعطيك بينك وبينه لكن هناك في عطاء يوم المحشر على رؤوس الأشهاد يا عبدنا فلان ابن فلان قم أعطيناك كذا أمام الآخرين لماذا؟ رب العالمين يوم القيامة في المحشر ينصِّب ملوكاً، الجنة لها ملوك (يا علي أنت ملك الجنة وذو قرنيها) حينئذٍ والجنان مائة جنة وفي كل جنة ملايين الدول في الجنة الواحدة وكل جنة لها ملك كما في الدنيا والملك عندما يكون محبوباً أنت سعيد كل الناس هنا في الإمارات كان يقولون عن الشيخ زايد رحمة الله عليه كونه رئيس الدولة كان يضفي عليهم سعادة وبهجة فخورين بأنه رئيس الدولة كما هم خلفاؤه الآن. حينئذٍ ما بالك بملك على وجه الأشهاد يقول يا عبدي يا فلان وقد يكون شخصاً فقيراً (رُبّ أشعث أغبر ذي طمرين مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) قم يا فلان اشفع لخمسة آلاف واحد لمائة ألف واحد هذا فوز مبين (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) الذي كل الناس يعرفونه، حينئذٍ فوز كبير وفوز عظيم وفوز مبين مشهور.
الوقفة كاملة
|
| ٩٣٩ |
* (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) ما إعراب كلمة هدى؟
فيها احتمالان أن تكون حال أي (هادياً للناس) أُنزل القرآن هادياً للناس أو مفعول لأجله أي لأجل هداية الناس. المفعول لأجله لا يشترط أن يسبق بلام وإنما هذا معنى المفعول لأجله وليس لازماً (فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله) لم يقل لابتغاء مرضاة الله، معنى اللام أو معنى من ولكن هي في المعنى هكذا (يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (19) البقرة) من الحذر، (حذر) مفعول لأجله. المفعول لأجله بيان عِلّة الفعل وسبب حدوث الفعل أي السبب الذي من أجله حدث الفعل سواء كان علّة مبتغاة كما تقول أدرس طلباً للنجاح هذه علة مبتغاة غير موجودة أو هي الدافع للنجاح. تقول قعد جبناً ليس لابتغاء الجبن لكن الجبن سبب قعوده، الجبن هو علة القعود. إذن المفعول لأجله نوعين إما أن يبتغي شيئاً غير موجود وإما يكون السبب الدافع لطلب الفعل علّة موجودة في نفسه دفعته إلى القيام بهذا الفعل وليست لابتغاء الفعل. (هدى للناس) في الآية هداية للناس الهداية غير موجودة لولا القرآن، لولا القرآن لم تكن هنالك هداية فإذن هي ابتغاء علة لم تكن حاصلة لكن بالقرآن يحصل هذا الأمر. فإذن فيها أمرين: إما حال وإما مفعول لأجله، بهذه الطريقة يجمع معنيين معنى الحالية ومعنى المفعول لأجله ولو أراد الحالية لقال هادياً للناس وهناك فرق بين الحال والمفعول لأجله الحال يبين هيئة صاحبه.
الوقفة كاملة
|
| ٩٤٠ |
*ما الفرق بين هادياً وهدى؟
هادياً إسم فاعل وهدى مصدر وهناك فرق كبير بينهما حتى لو كان التنصيص على الحاليّة في غير هذا فهناك فرق كبير المصدر وإسم الفاع، فرق كبير بين أقبل راكضاً وأقبل ركضاً وكلتاهما حال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً (15) الأنفال) ما قال زاحفين هذه حال، (يأتينك سعياً) لم يقل ساعيات مع أنها حال لكن لماذا اختار؟ إسم الفاعل يدل على الحدث وذات الفاعل ،لما تقول قائم يدل على القيام مع الشخص الذي اتصف به، إذن قائم فيها شيئين الحدث وهو القيام وذات الفاعل لكن القيام هوالمصدرالمجرد ليس فيه نفس الارتباط الذي مع اسم الفاعل. لما تقول أقبل راكضاً، راكضاً يدل على الحدث وصاحب الحدث، أقبل ركضاً تحوّل الشخص إلى مصدر، هو صار ركضاً. ولذلك هذا ليس قياساً عند الجمهور مع أنه يقع كثيراً وربنا تعالى لما ذكر إبراهيم (قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا (260) البقرة) ما قال ساعيات اي ليس فيهن شيء يُثقلهن من المادة يتحولن من أقصى الهمود إلى حركة أي هنّ أصبحن سعياً ولو قال ساعيات يعني فيها صفة من الصفات فيها الحدث وصاحب الحدث، هناك فرق أقبل ماشياً أقبل مشياً ليس فقط ماشياً وإنما تحوّل إلى مشي.
(الذي أُنزل فيه القرآن هدىً) يذكرون في الإخبار المصدرعن الذات أوالعكس أوالوصف: محمد ساعٍ هذا عادي ، لكن محمد سَعْيٌ هذا لا يجوز إلاعلى ضرب من التجوز أي محمد تحوّل إلى سعي لذلك لما قال تعالى لنوح عليه السلام(إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ (46) هود) لم يقل عامل أي إبنك تحول إلى كتلة عمل غير صالحة لم يبق فيه شيء من البشرية والإنسانية ولذلك هذا لا يجوز إلا على ضرب من التجوّز والمبالغة.
إذن هدىً لها إعرابان إما حال وإما مفعول لأجله والاثنان مطلوبان لأنه لو أراد الحالية لقال هادياً.
المعنى الدلالي للمفعول لأجله هو بيان العلة. (بيّناتٍ) أي وأُنزِل آيات بينات واضحات الدلالة، (وبينات) الواو حرف عطف، بينات معطوفة على هدى، العطف يصح من دون تقدير، مثل أقبل محمد وخالد أي أقبل محمد وأقبل خالد، لا يحتاج إلى تقدير فعل مغاير هنا افعل واحد إذن أُنزِل آيات بينات واضحات الدلالة أُنزل هدى للناس وأُنزل آيات بينات واضحات الدلالة من الهدى والفرقان (بينات صفة منصوبة)، الصفة لا نقصد إعرابها نعتاً ولكن هي صفة يعني إما إسم فاعل أو إسم مفعول أو صفة مشبهة أو صيغ مبالغة أو إسم تفضيل هذه تسمى صفات وهذه صفة مشبهة (فيعل) مثل ميّت، جيّد، طيّب، ليّن، هيّن، بيّن، هذه صفات مشبهة. هنا أُنزل آيات بينات واضحات الدلالة فتكون بيّنات حال لأنها مصدر والمفعول لأجله لا بد أن يكون مصدراً هذا ليس مصدراً وإنما صفة مشبهة والحال إسم فضلة منصوب أما المفعول لأجله فلا بد أن يكون مصدراً مصدر فضلة مفيد عِلأّة (فضلة يعني لا مسند إليه ولا مُسند، والركن هو المسند والمسند إليه)، (بينات) حال. (الفرقان) أي الفارق بين الحق والباطل أي أُنزل بينات من الهدى، هو هدى للناس هذا للعموم وفيه آيات بينات تبين الحجج الدامغة على أنه من عند الله هذه هدى وفيها أحطام عظيمة جداً تهدي الناس. هدى للناس هذه عامة، وبينات من الهدى والفرقان خاصة. في أول سورة البقرة قال (هدى للمتقين) هنا قال (هدى للناس) والآيتين في البقرة فإذن القرآن فيه هداية عامة وفيه هداية خاصة (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى)، هداية عامة (هدى للناس) (وبينات من الهدى) فيه آيات بينات تستدل منها على أن هذا القرآن قطعاً من فوق سبع سموات، فيه دلائل آيات واضحة تحتج بها على أن هذا القرآن هومن عند الله وهناك آيات أحكام هادية للناس في معاملاتهم تفرق بين الحق والباطل إذن هناك هداية عامة وهداية خاصة واستخدم الكلمتين بالمعنيين هنا، (هدى للناس) هدى عام (وبينات من الهدى) هدى خاص،والفرقان تأتي ليس خاصة فقط بالقرآن،(قرآناً فرقناه)نزل مفرّقاً بين الحق والباطل.الفاروق صفة مبالغة(فاعول)والفرقان مصدروهي أقوى.
الوقفة كاملة
|