| ٧٧١ |
من أعظم البر.
الذِّي يقرأ القُرآن حِفْظاً مثل صاحب التَّمر، من زادُهُ التَّمر، والذِّي يقرؤُهُ نظراً مثل من زادهُ البُر الحب، الذِّي زادُهُ التَّمر يمد يدهُ ويأخذ من التَّمر ويأكل ما يحتاج يطبخ ولا يجلس ولا يطحن ولا شيء؛ لكن الذِّي زادهُ البر يحتاج إلى أنْ ينزل من وسيلتِهِ و ينصب النَّار ويطْحن هذا الحب ويطبخُهُ، عناء، أيضاً الذِّي يسُوق سيَّارتُهُ مثلاً وهو حافظ يقرأ ما دام مُسافر؛ لكن الذِّي لا يحفظ يحتاج إلى مُصحف، هل يستطيع أنْ يقرأ في المُصحف وهو يقُود السَّيَّارة؟ لا ما يستطيع، فالتَّنظير في مثل هذا مُطابق، وحفظ القُرآن فضل من الله ومنَّة ونِعمة على من يسَّرهُ الله عليه.
والله -جل وعلا- ذكر أنَّهُ يسَّر القرآن {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ}[(17) سورة القمر] لكنْ {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} المسألة تحتاج إلى بذل، لابُدَّ أنْ تُريَ الله من نفسك خيراً من أجل أنْ يُيسِّرَ لك، ولذا قال: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} ما قال: فهل من قارئ فقط، الإنسان مُستعد يقرأ، والقراءة نظراً سهلة يعني على النَّاس؛ لكن الإشكال فيمن يجلس ويُكرِّر هذا خلاف ما تهواهُ النُّفُوس، لاسِيَّما بعد أنْ تتقدَّم بِهِ السِّن، على طالب العلم أنْ يحرص حرصاً شديداً على حفظ القُرآن؛ لأنَّهُ ما يدري ماذا يطرأُ لهُ، يُمكن يُكف بصرُهُ ثُمَّ يندم ولات ساعة مندم، مع أنَّهُ -ولله الحمد- تيسَّرت الأُمُور، ووُجدت الآلات، ونحنُ نرى من عوامِّ المُسلمين من يأتي ويتقدَّم إلى المسجد في الأماكن الفاضلة، وفي المواسم الفاضلة؛ لكنَّهُ لا يقرأ ولا يكتب، فتتقطَّع نفسُهُ حسرات وأسَى على أنْ يكسب النَّاس الحسنات كل حرف بعشر حسنات وهو ما عندهُ شيء.
ومثل هذا التَّبِعةُ عليه حينما فرَّط في وقت الصِّغر ثُمَّ بعد ذلك على أولادِهِ وبناتِهِ، وهذا من أعظم البر أنْ يُقال: يا أبتي تعال نُحفِّظك سُورة الفاتحة التِّي تُصحِّح بها صلاتك، ثُمَّ بعد ذلك يبدأ بِهِ من قِصار المُفصَّل، ورأيتُ بنفسي من يُلقِّن شيخاً كبيراً سُورة الكهف كلمة كلمة من صلاة الصُّبح من يوم الجُمعة لمُدَّة ساعة ونصف يُلقِّنُهُ تلقين، هذا شريكٌ لهُ في الأجر، وهذا دالٌّ على الخير، ومُعينٌ عليه، فكيف إذا كان هذا المُحتاج أب أو أُم ولديك القُدرة على تعليمهم؟ وهذا من أعظم البر أنْ يُختم لهُ بشيء من القُرآن يحفظُهُ ويُردِّدُهُ، والله المُستعان.
الوقفة كاملة
|
| ٧٧٢ |
شُكر النِّعم.
لو حُوسب الإنسان على النِّعَم التِّي أولاهُ اللهُ إيَّاها في مُقابل أعمالِهِ الصَّالحة ما بَقِيَ لهُ شيئاً؛ لأنَّهُ مأمُورٌ بالشُّكْر على كُلِّ هذهِ النِّعَم، ثُمَّ إذا حُوسِب ووُضع السَّمع، البصر، العقل، جميع النِّعم التِّي لا تُعد ولا تُحصى، لو وُضِعت نِعمة من هذهِ النِّعم في مُقابِلِ أعمالِهِ لَرَجَحَتْ بِها، وذكرنا في درسٍ مضى أنَّ الإنسان لو أنَّ الإصبع الصَّغير الخِنصر ظلَّ واقفاً لا ينثني تَعِبَ منهُ تعباً شديداً ما فيه ألم؛ لكنَّهُ لا ينثني، تَعِبَ منهُ تعباً شديداً؛ ترى ليس بالأمر السَّهل أنْ يستمر الإصبع واقف هكذا فضلاً عن اليد كُلها أو الرِّجل يتأذَّى بها، فكُلّ مفْصَل من المفاصل نِعمة من نِعم الله تعالى تحتاجُ إلى شُكرٍ في كُلِّ يوم، في كُلِّ صباح، وتحتاج إلى صدقة عن كُلِّ مَفْصِل، وعِدَّةُ هذا المَفَاصِل ثلاثمائة وسِتُّون مفصل، {وإنْ تَعُدُّوا نِعْمة الله لا تُحصُوها} [النحل/ 18] ثُمَّ خُفِّفَ عنكُم عنْ هذه الصَّدقات ثلاثمائة وسِتِّينْ ويكفي من ذلك ركعتان تركَعُهُما من الضُّحى، إذا رَكَعت ركعتين خلاص إضافةً إلى أنَّك لو قُلت لا إله إلاّ الله وحدهُ لا شريك له مائة مرَّة، وسَبَّحت مائة مرَّة، وهلَّلْت مائة مرَّة انتهى، واللهُ المُستعان .
الوقفة كاملة
|
| ٧٧٣ |
تَوْطِين النَّفْس على الشَّدَائِد.
تَوْطِين النَّفْس على الشَّدَائِد، على شَدَائِدْ تَحْصِيلْ العِلْم لِتَعْلَمْ أنَّ هَذَا العِلْم مِمَّا حُفَّتْ بِهِ الجَنَّة، الجَنَّة حُفَّتْ بِمَا تَهْوَاهُ النُّفُوس أو مَا تَكْرَهُهُ النُّفُوس؟ - نعم - حُفَّتْ الجَنَّة بِالمَكَارِهْ... تَبِي الجَنَّة أَقْدِمْ عَلَى هَذِهِ المَكَارِهِ، والعِلْم لَيْسَ بِالأَمْر السَّهْل، ولا يُمْكِنْ أنْ يُسْتَطَاع أو يُنُال بِرَاحَةِ الجِسْم، لا يُمْكِنْ أنْ يُنَالْ العِلْم بِرَاحَة الجَسَدْ، وإلاّ لَوْ كان يُبَاع ويُشْتَرى صَاروا النَّاس كُلُّهُم عُلَمَاء، التُّجَّار كُلُّهُم عُلَمَاء، ولَوْ كان يُسْتَطَاع مَعَ الرَّاحَة والنَّوم كل النَّاس عُلَمَاء؛ لكنْ مَعَ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ العِلْم، ورَفْع مَنَازِلْ أَهْلِ العِلْم فِي الدُّنْيَا والآخِرَة، العُلَمَاء عَدَدُهُم يَسِير قَلِيلْ بِالنِّسْبَة للنَّاس ما الذِّي عَاقَ أُولَئِك عن تَحْصِيل العِلْم؛ لِيُحَصِّلُوا هذِهِ المَنَازِل وهذِهِ الدَّرَجَات العَالِيَة فِي الدُّنْيَا والآخِرَة الذِّي أَعَاقَهُم الشَّدائِد والعَقَبَات التِّي تَعُوق التَّحْصِيل، فَلا بُدَّ من تَوْطِينْ النَّفْس على هذِهِ الشَّدَائِد، أيضًا مِمَّا يُعِينْ عَلَى تَقْوِيَة الهِمَّة فِي نَفْسِ طَالِبِ العِلْم النَّظَر في سِيَر العُلَمَاء والعُظَمَاء الصَّالِحِينْ وسَيِّدُهُم ومُقَدَّمَهُم النَّبِي -صلَّى الله عليْهِ وسلَّم-، لا بُدّ مِنْ إِدَامَة النَّظر فِي سِيرَتِهِ -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- أَفْضَلُ الخَلْق، أَكْرَمُ الخَلْق، أَشْرَفُ الخَلْق، أَعْلَمُ الخَلْق بِالله أَشْجَع النَّاس أَخْشَاهُم وأَتْقَاهُم لله، ومع ذلك يَرْبُطُ الحَجَر على بَطْنِهِ، ويَنَام عَلَى حَصِير يُؤَثِّر فِي جَسَدِهِ، وَوِسَاده مِنْ أَدَمْ حَشْوُها لِيفْ، هَذَا الذِّي يَعْرِف قَدْر الدُّنْيَا، وهُو أَعْلَمُ النَّاس وأَخْشَاهُم وأَتْقَاهُم وأَكْرَمُهُم على الله -جلَّ وعلا-، إذا قَرَأْتَ فِي سِيرَتِهِ عَرَفْتَ الغَايَة التِّي تُرِيدُها، والسَّبِيل الذِّي تَسْلُكُه مُقْتَدِيًا بِالأُسْوَة وهُو النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام-، يَعْنِي لَمَّا يُقَال فٌلان يُصَلِّي كذا أو يَصُوم كذا قد يقُول قَائِل والله عاد هذا شَقَّ على نَفْسِهِ، والدِّين يُسْر، وعَلَيْكُم من الدِّين ما تُطِيقُونْ؛ لَكِنْ إِذَا قِيل لهُ إنَّ النَّبِي -عليه الصَّلاة والسَّلام- الذِّي غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّم ومَا تَأَخَّر قَام حَتَّى تَفَطَّرت قَدَمَاهُ، هذا مغْفُور لَهُ مَا تَقَدَّمَ وما تَأَخَّر -عليه الصَّلاة والسَّلام-، ومع ذلك قَامَ هَذَا القِيَام، وجَاهَدَ فِي الله حَقَّ الجِهَاد، وأَدَّى الأَمَانَة، وبَلَّغَ الرِّسَالَة، وحَصَل لَهُ مِن الشَّدَائِد مَا حَصَل، ومع ذلك حينما قيل لهُ تَفْعَل هذا وأنْتَ غُفِرَ لَك؟؟؟ تَرْجُوا مَغْفِرة ؟؟؟ ((أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)) اللهُ -جَلَّ وعلا- يُنْعِمُ عَلَيْكَ بِجَلائِلِ النِّعَم، ودَقَائِق النِّعَم، النِّعَم التِّي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، ومع ذلك تَبْخَل على نَفْسِك بالذِّكر الذِّي لا يُكَلِّفُكَ شيء، ولَوْ أَعْمَلْتَ لِسَانَكَ لَيْلَ نَهَار بِذِكْرِ الله ولَهَجْتَ بِشُكْرِهِ مَا اسْتَطَعْتَ أنْ تَفِ بِشُكْرِ نِعْمَة مِنْ نِعَمِ الله -جَلَّ وعلا-... فَكَيْفَ بجميع النِّعَم. {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل / 18]، فَمِثْلِ هذا يَحْتَاج إلى شُكْر، والشُّكْر يَحْتَاج إِلَى بَذْلِ من النَّفْسْ.
الوقفة كاملة
|
| ٧٧٤ |
تزكية النَّفس
التزكية المنهي عنها هي مدح النفس، {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} [(32) سورة النجم] النفس تتشوف وتشرأب إلى المدح، فإن وجد من غيرها فرحت به، وإن لم يوجد بعض الناس لا يصبر، إذا لم يمدح مدح نفسه، وهذا من الضعة بمكان عظيم؛ لأن الناس ينفرون من تزكية النفس، الواحد إذا مدح نفسه نفر الناس عنه، ومع ذلك يقدم بعض الناس بكل صفاقة يمدح نفسه، ويثني عليها، {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [(32) سورة النجم] قد يحتاج الإنسان إلى ذكر بعض محاسنه، لا سيما إذا ظُلم، ابن عمر -رضي الله عنهما- لما وصف بالعي قال: "كيف يكون عيياً من في جوفه كتاب الله؟!" ويحتاجون إلى المدح أحياناً في مقابلة الذم بغير حق، دفاعاً عن النفس، لا لذات النفس، ولا لحظ النفس؛ إنما ليقبل ما يصدر عن هذه النفس، لو أن عالماً ذُم على الجميع أن يدافع عنه، يدافع عن عرضه؛ لكن عليه أيضاً أن يبين ما يبطل هذا الذم، ولو كان في فحواه ما يقتضي المدح، {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} [(148) سورة النساء] فمثل هذا لا يدخل في النهي، بعض الناس يحب أن يمدح ويزكى ويثنى عليه، فإن كانت محبته للثناء عليه بما ليس فيه، وما لم يفعله فهو مذموم قولاً واحداً، {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ} [(188) سورة آل عمران] أما إذا مدح إذا كان يحب أنْ يُمدح ويثنى عليه بفعله فهذا محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يطرد، ويقول: حب الثناء مذموم على كل حال، ومنهم من يفهم من آية آل عمران أنه لا يدخل في الذم، وعلى كل حال مدح النفس، ومحبة الثناء والمدح خدش في الإخلاص، وقد تقضي عليه، ولذا يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتاب الفوائد: "إذا حدثتك نفسك بالإخلاص فاعمد إلى حب المدح والثناء فاذبحه بسكين يقينك وعلمك أنه لا أحد ينفع مدحه أو يضر ذمه إلا الله -جل وعلا-"، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال له الأعرابي: "أعطني يا محمد، فإن مدحي زين، وذمي شين" قال: ((ذاك الله)) ما في هناك أحد ينفع مدحه أو يضر ذمه إلا الله -جل وعلا-، ومع الأسف أنه في حال المسلمين الآن على كافة المستويات الفرح بالمدح من الكبير أو الصغير، من الشريف أو الوضيع، فضلاً عن أن يقال لفلان من الناس: إن الملك ذكرك البارحة وأثنى عليك، أو الوزير الفلاني أو الأمير، يمكن ما ينام بعد هذه المدحة فرحاً، مع أنه جاء في الحديث الصحيح: ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)) من الذي يذكر؟ الله -جل وعلا-، الذي ينفع مدحه ويضر ذمه، ((ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)) فعليكم بالذكر، اذكروا الله يذكركم، هذا بالنسبة لمدح النفس وتزكيتها المنهي عنه.
الوقفة كاملة
|
| ٧٧٥ |
العناية بحفظ اللسان:
ينبغي للمحرم ألا يتكلم إلا بما يعنيه، وغير المحرم كذلك. قال -صلى الله عليه وسلم-: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» [الترمذي: 2317]، والمحرم من باب أولى. وجاء الحث على حفظ الجوارح في الحج، وأيضًا في سائر الأحوال والأوقات والأزمان، لكنه بالنسبة للحاج أولى؛ ليرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه. كما يقال أيضًا مثل هذا بالنسبة للصائم. وكثير من الناس تسول له نفسه، أو تمنيه أن يسلك هذا المسلك إذا حجّ، لا سيما وأن الحجّ يمكن أن يؤدّى بأربعة أيام. فيقول الإنسان بإمكانه أن يملك نفسه، ويملك جوارحه خلال الأربعة الأيام. لكن الواقع يشهد بضده ولو حرص الإنسان ما دامت أيامه معمورة بالقيل والقال فإنه لن يستطيع أن يملك نفسه في هذه الأيام. ولو اعتزل ولم يأته أحد لذهب يبحث عن من يتكلم معه فيما كان يتكلم به طول حياته وأيام رخائه، وقد وُجد من يغتاب الناس عشية عرفة، ووُجد من يسبّ الناس ويشتمهم عشية عرفة؛ لأنه مشى على هذا طول حياته، ولم يتعرف على الله في الرخاء ليعرفه في مثل هذه الشدة. ووجد من يتابع النساء في عرفة؛ لأنه في سائر أيامه مشى على هذا. ويوجد من ينام عشية عرفة إلى أن تغرب الشمس؛ لأنه مفرط في بقية أيامه، والجزاء من جنس العمل، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [سورة فصلت: 46]، هذا ما قدمت يداك، وهذا ما جنيت على نفسك. فعلى الإنسان أن يحرص على حفظ جوارحه طول حياته، ليُحفظ في مثل هذه الأيام. وقد وجد من يغتاب في الاعتكاف، ووجد من ينام عن ليلة ترجى أن تكون ليلة القدر وهو معتكف؛ لأنه طول أيامه على هذه الحالة. وإذا كان المعتكف ديدنه التأخر عن الصلوات، وهذا أمر مشاهد ومجرب، نسأل الله -جل وعلا- أن يعفو عن الجميع، ثم خرج بعد أن أعلن عن الشهر، مغرب آخر يوم من رمضان، فإنه في الغالب إذا كانت تفوته شيء من الصلوات في شعبان، أن تفوته العشاء، أو يفوته شيء منها ليلة العيد، وهو الآن خرج من المعتكف؛ لأنه ما تعرف على الله في الرخاء.
ونعرف أناس -ولله الحمد- لا فرق عنده بين عشية عرفة وغيره، ولا بين الاعتكاف وغيره، هذا حاله على طول العام. ولو قيل له: إن الروح تخرج الآن، لا يمكن أن يزيد تسبيحه. وهذا موجود -ولله الحمد- والخير في أمة محمد، وما زال فيها. لكن الإشكال في عموم الناس، لا سيما كثير من طلاب العلم، والله المستعان.
الوقفة كاملة
|
| ٧٧٦ |
الزيارة الشرعية للقبور.
يقول ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:(وزيارة القبور على وجهين زيارة شرعية وزيارة بدعية). والزيارة الشرعية التي جاء الحث عليها: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» [ابن ماجة: 1569]، وجاء أيضًا: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» [مسلم: 977]. ولا شك أن زيارة القبور والنظر إليها والتأمل في أحوال المقبورين ومآلهم، لا شك أنه يورث في القلب إنابة وخشية لله -جلّ وعلا-، ويحثه على العمل الصالح، ويكفه عن العمل السيء، وهذا الأصل في القلب الحي. لكن مع الأسف أننا جربنا هذا وجربه غيرنا فوجدنا الجدوى ضعيفة جدًا. وذكر القرطبي المفسر في تفسير قوله تعالى: {ألْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر: 1، 2] ذكر شيء من حال السلف في هذا الموضع، وإذا عرضنا عليه أحوالنا نجد أننا لا شيء بالنسبة لهم. والقلب لا شك أنه في أول الأمر إن كانت فيه حياة أنه يتأثر، ثم بعد ذلك إما أن يزداد هذا التأثر أو ينقص، على حسب حياة هذا القلب و موته. فبعض الناس كل ما زاد تردده على هذه القبور زاد تأثره وزاد تأمله. ومنهم من إذا تكررت منه الزيارة خف أمرها وقل شأنها. ويحدثنا بعض الناس يقول: أنا لا أفرق بين القبر، وبين حفرة غيار الزيت. يعني هذا سواء نطقنا به، أو لم ننطق به، فهذا هو الواقع، ونجد هذا من أنفسنا مع الأسف. ولا شك أن هذا القلب يحتاج إلى بعث من جديد، يحتاج إلى إحياء هذا الميِّت. والحسن البصري يقول: تفقد قلبك في ثلاثة مواطن: (عند قراءة القرآن، وفي الصلاة، والدعاء، إن وجدته وإلا فاعلم أن الباب مغلق)، وهذا حالنا، نسأل الله -جلّ وعلا- أن يحيي قلوبنا. فرق بين حال الناس اليوم وبين حالهم قبل ثلاثين سنة أو أكثر من ذلك، يعني بعد انفتاح الدنيا تغيّر الناس تغيرًا كبيرًا جدًا. الصحابة -رضوان الله عليهم- أنكروا قلوبهم بعد أن نفضوا من دفن النبي -عليه الصلاة والسلام-، لماذا؟ لأنهم يرون في المشاهدة والواقع ما يتأثرون به، نعم يتأثرون بما تركه من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، لكن ليس الخبر كالعيان. كان الناس قبل ثلاثين سنة وهذا شيء أدركناه، بعض الناس إذا رأى الجنازة صار له مدة تتراءى له في النوم، وبعضهم لا يخرج في ذلك اليوم ويحصل له من الأثر ما يحصل، والآن لا فرق. ومن الطرائف التي تذكر مع شديد الأسف أنك تجد العامل في ثلاجة المقبرة يضع بعض أمتعته مع الميت حتى تبرد، إما مشروب، وإما شيء آخر، أين القلوب؟!، والله المستعان. والزيارة الشرعية للقبور التي جاء الحث عليها يقصد منها نفع الميت، وانتفاع الزائر. يقول ابن تيمية: (فالشرعية المقصود بها السلام على الميت والدعاء له كما يقصد بالصلاة على جنازته فزيارته من جنس الصلاة عليه) هذا نفع للميت. والزائر ينتفع بتغيّر حاله ووضعه إذا رأى القبر. وعثمان -رضي الله عنه- إذا رأى القبر بكى بكاء شديدًا، فيقال له: أنت ترى ما هو أعظم من ذلك؟ قال: هذا أول المنازل. فهذه المرحلة الحاسمة الفاصلة، وهذا مفترق الطرق، فإما يمين أو شمال وليس هناك غيرهم. والقرطبي -رحمه الله تعالى- يقول: إذا كانت زيارة القبور لا تؤثر فيك فاحرص على حضور المحتضرين. فإن حالهم ووضعهم مؤثر، يؤثر حتى في القلب المريض. لكن ماذا عمن لا يتأثر ولا في هذه الحالة؟!، يمر بالحوادث ويرى الناس تجاذبهم أرواحهم، ويلفظون أنفاسهم وكأن لا شيء. القلوب دخلها ما دخلها بعد انفتاح الدنيا، وهذا شيء ملاحظ. قد يقول قائل: الناس فيهم خير، وكثر العلم وكثر طلاب العلم، وكثر رواد المساجد. لكن هذه صور ظاهرة والله -جلّ وعلا- لا ينظر إلى الصور الظاهرة، إنما ينظر إلى القلوب والأعمال. والقلوب تأثرت بلا شك، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «فو الله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا» [البخاري: 3185] وهذا هو الحاصل لما فتحت الدنيا. نعم الأبدان مقبلة ولله الحمد، لكن يبقى أن المعوَّل على القلوب.
الوقفة كاملة
|
| ٧٧٧ |
المَخْرَجْ مِنَ الفِتَنْ
الأُمَّةُ الآنْ تُفْتَتَنْ وتُمْتَحَنْ وتُخْتَبَر؛ لِيُنْظَر مَدَى تَمَسُّكِها بِدِينِهَا، اللهُ -سُبْحَانَهُ وتَعَالى- يَفْتِنْ؛ لِيَخْتَبِرْ {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء/35]، {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه/40] ويَفْتِنْ ويَخْتَبِرْ ويَبْتَلِي الخَلْقْ بَعْضَهُم بِبَعْضْ، فَالفَاتِنْ مِنَ الخَلْقْ بِإِذْنِ اللهِ -عزَّ وجل- وَإِرَادَتِهِ، ولا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ إِرَادَتِهِ، آثِمْ إِنْ لَمْ يَتُبْ {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} [البُرُوج/10] والمَفْتُونْ: الطَّرَفْ الآخَرْ، وهُو الأُمَّةُ الإِسْلامِيَّة فِي مِثْلِ هَذِهِ الظُّرُوفْ، الفِتْنَة لهَا سَبَبْ، وهُو إِدْبَارُهَا عَنْ دِينِهَا، إدبارها عن دينها، هَذَا هُوَ السَّبَبْ, فُتِنَّا وابْتُلِينَا بِأَعْدَائِنَا؛ والنَّتِيجَة إنْ اسْتَفَدْنَا مِنْ هَذِهِ الفِتَنْ، وَرَجَعْنَا إِلَى دِينِنَا؛ صَارَتْ الفِتْنَةُ خَيْراً لَنَا، وإنْ اسْتَمَرَّ بِنَا الغَيُّ والضَّلالْ؛ صَارَتْ سُوءاً عَلَى سُوءْ {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ} [الأنبياء/35]، ابْتُلِينَا سِنِينْ؛ بَلْ عُقُودْ فِي هَذِهِ البِلادْ وغَيْرِهَا بِالجُوعْ، والخَوْف، والقَتْل، والنَّهْب؛ وثَبَتَ أَكْثَرُ المُسْلِمِينْ عَلَى دِينِهِم، فَلَمْ يَتَنَازَلُوا لا عَنْ دِينْ ولا عِرْضْ، ثُمَّ ابْتُلُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالسَّرَّاءْ فَفُتِحَتْ عَلَيْهِم الدُّنْيَا التِّي خَشِيَهَا النَّبِي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- عَلَى أُمَّتِهِ ((والله لا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُم؛ ولَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُم الدُّنْيَا كَمَا فُتِحَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ؛ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا؛ فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ)) وهَذَا هُو الحَاصِلْ، فُتِحَتْ عَلَيْنَا الدُّنْيَا؛ فَحَصَلَ الخَلَلْ الكَبِيرْ الابْتِلاء بِالشَّرْ, الابْتِلاء بِضِيقِ ذَاتِ اليَدْ بِالفَقْرْ يَتَجَاوَزُهُ كَثِيرٌ مِن النَّاسْ؛ لَكِنْ الابْتِلَاءْ بِالسَّعَة وانْفِتَاحْ الدُّنْيَا والغِنَى هَذَا قَلَّ مَنْ يَتَجَاوَزُهُ؛ وَلِذَا حَصَلَ مَا حَصَلَ مِنْ الخَلَلْ الكَبِيرْ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ عَلَيْنَا الدُّنْيَا وهَذَا أَمْرٌ تُشَاهِدُونَهُ، النِّعَمْ كُفِرَتْ عَلَى كَافَّة المُسْتَوَيَاتْ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ الله-، لَوْ نَظَرْنَا إِلَى وَاقِعْ عُمُومْ المُسْلِمِينْ عَامَّةُ النَّاسْ، وَجَدْنَاهُمْ لَمَّا فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ الدُّنْيَا؛ فَرَّطُوا فِي أَمْرِ الله -عَزَّ وَجَل-، وتَنَكَّبُوا عَنْ الجَادَّة، وقُلْ مِثْلَ هَذَا فِي بَعْضِ مَنْ يَنْتَسِبْ إِلَى العِلْم، وبَعْض مَنْ يَنْتَسِبْ إِلَى طَلَبِ العِلْمْ فِضْلًا عَنْ عِلْيَةِ القَوْمْ!!! ابْتُلِينَا فَمَا شَكَرْنَا, ابْتُلِينَا بِالضَّرَّاءْ فَصَبَرْنَا والحَمْدُ لِله، وتَجَاوَزَ أَهْلُ هَذِهِ البِلَادْ وغَيْرهم مِنْ بِلَادِ الإِسْلامْ تَجَاوَزُوا فِتْنَة الضَّرَّاءْ فِي عُقُودٍ مَضَتْ، ثُمَّ تَوَالَتْ عَلَيْهِمْ النِّعَمْ فَلَمْ يَتَجَاوَزُوهَا، وتَنَكَّبُوا عَنْ الجَادَّة، وبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً، هَذَا الوَاقِعْ فِي كَثِيرٍ مِنْ بُلْدَانِ المُسْلِمِينْ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم/28] فحَلَّ البَوَارْ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَصْقَاعِ الأَرْضْ؛ لَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ المُسْلِمِينْ، فَنَحْنُ بِحَاجَة إِلَى أنْ نَرْجِعَ إلى دِينِنَا، وأَنْ نَعْتَصِمَ بِكِتَابِ رَبِّنَا، فَفِيهِ المَخْرَجْ مِنَ الفِتَنْ، فنَلْزَمْ كِتَابَ اللهِ -عَزَّ وَجَلْ- قِرَاءَةً ، وحِفْظًا، وتَدَبُّرًا، وفَهْمًا، وعِلْمًا، وعَمَلًا، فَفِيهِ كُلّ مَا يَحْتَاجُهُ المُسْلِمْ، ونَقْرَأَ مَعَهُ مَا يُعِينُ عَلَى فَهْمِهِ وتَدَبُّرِهِ، ومِنْ خَيْرِ مَا يُعِينْ عَلَى فَهْمِ هَذَا الكِتَابْ الذِّي فِيهِ المَخْرَجْ مِنَ الفِتَنِ كُلِّهَا مَا صَحَّ عَنْ النَّبِي -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامْ-، فَعَلَيْنَا أَنْ نُرَاجِعَ أَنْفُسَنَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الظُّرُوفْ, تُطْلُبْ النَّجَاة، والنَّجَاةُ بِالاعْتِصَام بِالكِتَابِ والسُّنَّة، والإِقْبَال عَلَى اللهِ -عَزَّ وَجَل- بِالعِبَادَاتِ الخَاصَّة والعَامَّة، اللَّازِمَة والمُتَعَدِّيَة، عَلَى الإِنْسَانْ لَا سِيَّمَا مَنْ يَنْتَسِبْ إِلَى العِلْمِ وطَلَبِهِ أَنْ يَصْدُقْ اللَّجَأْ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَل-، فَيُكْثِرْ مِنَ النَّوَافِلْ, يُكْثِرْ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنْ، مِنْ تَدَبُّرِهِ، مِنْ تَفَهُّم مَعَانِيه، مِنْ قِرَاءَة الكُتُبْ المَوْثُوقَة في التَّفْسِيرْ؛ لِيَسْتَفِيدْ مِنْ قِرَاءَتِهِ، ويُقْبِلْ أَيْضاً عَلَى العِبَادَاتْ اللَّازِمَة مِثْل الإِكْثَار مِنْ التَّطَوُّعَاتْ مِنَ الصَّلَوَاتْ والصِّيَامْ، بِرِّ الوَالِدَيْنْ، وصِلَةِ الأَرْحَامْ، والنَّفْعِ الخَاصْ والعَامْ، يَحْرِصْ عَلَى صَلاحِ نَفْسِهِ، وصَلاحْ مَنْ تَحْتِ يَدِهِ فِي بَيْتِهِ، فِي مَسْجِدِهِ، فِي حَيِّهِ، فِي مَدْرَسَتِهِ؛ وبِهَذَا تَنْجُو هَذِهِ الأُمَّة مِنْ هَذَا المَأْزِقْ والمُنْحَنَى والمُنْعَطَفْ الخَطِيرْ الذِّي تَمُرُّ بِهِ، فَكَمَا أَخْبَر النَّبِي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامْ-: ((يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُم الأُمَمْ...)) تَدَاعَتْ الأُمَمْ الآنْ؛ لَكِنْ مَا المَخْرَجْ؟ المَخْرَجْ فِيمَا أُثِرَ عَنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامْ- مِنْ مُلَازَمَةِ كِتَابِ اللهِ -عَزَّ وَجَل-، وفِيمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ قِرَاءَةِ مَا يُعِينْ عَلَى فَهْمِ كِتَابِ اللهِ -عَزَّ وَجَل- واللهُ المُسْتَعَانْ.
الوقفة كاملة
|
| ٧٧٨ |
تَطْويلْ الشَّعر بين الإقْتِدَاء والتَّشَبُّهْ
اتِّخَاذُ الشَّعر إقْتِدَاءً بِهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- تَكْمِيلاً للسُّنَنْ إذا دلَّ على صِدْقِ صَاحِبِهِ؛ لا شكَّ أنَّهُ يُؤْجَرُ على ذلك، أمَّا منْ يُزَاوِلُ المُنْكَرَات، ويَقْتَرِفُ الفَواحِشْ والجَرَائِمْ ويُربِّي الشَّعر ويَحْلِقَ لِحْيَتِهِ ويقول مُقْتَدِي! نقول: لا ما هو بصحيح، تقتدي بِهِ في غير واجب، وتترك الواجِبَات، قد يقول قائل: الجِهة مُنْفَكَّة! هذا عليهِ إثْمُهُ، وهذا لهُ أَجْرُهُ! وش المانع؟! نقول: لا يا أخي البابُ واحد، نعم، لو كانت من بابين مُخْتَلِفين، قُلنا الجِهَة مُنْفَكَّة، الآنْ الجِهَة غير مُنْفَكَّة، الآنْ هذا كُلُّهُ شَعر! تترُك المُسْتَحب وتَحْلِقُ الواجب، نقول: لا يا أخي، الباب واحِد والجِهة غير مُنْفَكَّة! ولِذا عِيبَ على منْ يقول من الأشعريَّة إنَّهُ يجب على الزَّاني أنْ يغض بَصَرَهُ عن المزنيِّ بها! لأنَّهُ مأمُور بغضِّ البَصَر! نقول: يا أخي الباب واحد وين رحت! ما حُرِّمَ البصر إلاَّ من أجلِ الزِّنا! وهذا مِثْلُهُ، وهذا بيربِّي شعر؛ لأنَّ النَّبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-؛ لكنْ الأوامر الصَّرِيحة التِّي عَدَّها أهلُ العلم منْ كبائِر الذُّنُوب حلق اللِّحية ؛ يَحْلِقْ لِحيتهُ! نقول يا أخي الجِهة ما هي مُنْفَكَّة كُلُّهُ شعر، وهذا يَفْعَلُهُ كثير من النَّاس يُربِّي شعر ويقول: الرسول يربي شعر، وش المانع؟! نقول: نعم إذا صَار مظهرك مثل مظهر الرَّسُول لماذا؟ لأنَّهُ يُوجد من ينازع يُوجد من يقتدي به من الكُفَّار والفُجَّار! يُرَبُّونْ شُعُورَهُم وإقتداءهم الله أعلم به، بدليل إقتداءك بهم في حلق اللِّحية، فأنتَ مُقْتَدٍ بِهِم لا بالرَّسُول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-، وتربية الشَّعر لا شكَّ أنَّ لهُ كَلَفَة ومَشَقَّة ولذلك اعْتَذَر الإمام أحمد عنهُ، قال: لولا المَشَقَّة لاتَّخَذْنَاهُ، يحتاج إلى تسريح، يحتاج إلى تَرْجِيل، ويحتاج إلى دَهْن، كثيرٌ من النَّاس ما هو بفاضي لهذهِ الأُمُور، وفي المُقَابِل فيهِ أُناس يُبالِغُون ناس يجلِسْ ساعتين ثلاث! يتنظَّف ويتجمَّل عندهُ صالون يتحلَّق فيه على ما يقولون الأشوام! ساعتين ثلاث! ودينُ الله -جلَّ وعلا- وسط بين الغالي والجافي، دِينُنا دين الطَّهارة، دينُ النَّظافة؛ لكنْ المُبالغة والغُلُوّ، وإضاعة الوقت في مثل هذه الأُمُور – لا -؛ ولِذا جاء لِكَسْرِ هذهِ الحِدَّة، جاء حديث وهو صحيح ((البذاذةُ من الإيمان)) وهذا يُعالج بِهِ من يُبالغ بالنَّظافة؛ من يُبالغ بحيث يُخرج عن الحد الشَّرعيّ، ويُعالجُ الطَّرف الآخر بـ ((الطَّهُور شَطْرُ الإيمان)) والنُّصُوص كما تعرفُون جاءت لِعِلاج الأطراف المُتنازِعة المُتباعِدَة؛ لِيَكُون المُسلم في الوَسَطْ، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة/143] وأهلُ السُّنَّة وسطٌ بين الفِرَقْ كُلِّها، يعني إذا كان الخوارج والحرُوريَّة في كِفَّة، والمُرجئة في كِفَّة؛ فَأَهْلُ السُّنَّة وسَطٌ بينهم، في نُصُوص الوَعْدْ والوَعِيد، وقُلْ مثل هذا في جميع أبوابِ الدِّينْ.
الوقفة كاملة
|
| ٧٧٩ |
نعمة الأمن.
يقول: تعلمون ما نعيشُهُ في هذا البلد من النِّعم، والتِّي من أهمِّها نعمةُ الأمْن وسلامةُ المُعتقد، ووُجُود العُلماء، والعِناية بالعِلم منه هذه الدورات العلمية؛ ولكنَّ الأعداء قد غَاظَهُم ذلك، وسَعواْ جاهدين لإفْسَادِهِ بما استطاعوا، وقد نَفَذَ بعضُ أفكارِهِم وللأسف إلى بعضِ شبابنا فَزَهدُوا في العلم، وطَعَنُوا في العُلماء، وسَعَى بعضُهُم في زعزعةِ الأمْن؟
لاشكَّ أنَّ مثل هذا خلل في التَّصَوُّر، فلا شكَّ أنَّ الأمْن من أعظم النِّعم، وهُو أهمُّ من نعمة الأكل والشُّرب، ولذا جاء تقديمُهُ {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ}[(البقرة) 155] قُدِّم الخوف على الجُوع في الابتلاء، فالأمْن لا يَعْدِلُهُ شيء، كيف يتعبَّد النَّاس؟ كيف يُحقِّق النَّاس الهدف من وُجُودِهِم بغير أمْن؟! وبعضُ المُفسِّرين ضَربَ لذلك مثلاً: بأنْ جاء بشاةٍ مكسُورة كَسِيرة أَقْلَقَها الألم، اشتدَّ عليها الألم، ووَضَع عندها الطَّعام المُناسب لها، وجاءَ بأُخرى سليمة ووضع عندها الطَّعام ورَبَطَ أمامها ذئب، لمَّا جاءَ من الغد وجد الكسيرة قد أكلت الطَّعام كُلَّهُ، ووجَدَ الخائفة من الذِّئب لم تأكُل شيئاً.
فلاشكَّ أنَّ الأمْن نِعمة من الله -جل وعلا-، فمن يَسْعَى في تهدِيدِهِ أو الإخلال بهِ لاشكَّ أنَّهُ جانِي على الأُمَّة، والله المُستعان، فعلى كُلِّ أحد أنْ يُحافظ على هذا الأمْن بِقَدْرِ استِطاعتِهِ، ومع الأسَف أنَّ بعض النَّاس يُساهِم في الإخلالِ بالأمن وهو لا يشعُر، بعض النَّاس العاصِي مثلاً: العاصي مُساهم في الخلل بالأمن؛ لأنَّ الأمْن نِعمة تحتاج إلى شُكْر؛ فإذا لم نَشْكُر هذه النِّعمة فَرَّتْ؛ فإذا عَصَيْنا الله -جل وعلا- ونحنُ نَتَقَلَّب في نِعَمِهِ التِّي من أعْظَمِها نِعمة الأمْن -يعني بعد نِعمة الدِّين- المسألة مُفترضة في مُسلمين، يعني بعد نِعمة الدِّين ما فيه مثل الأمْن؛ فإذا عَصَى الإنسان رَبَّهُ، وحَلَّ بالمُسلمين بسبب مَعْصِيَتِهِ ومَعْصِية غيرِهِ والثاني والثالث هُم المُتَسَبِّبُون في اخْتِلال الأمن؛ لأنَّ الأمْر يكُونُ لهُ مُباشر، ويكُون لهُ مُتسبِّب، يكُون لهُ مباشر، مُباشرةً يعني يُحاول تهديد الأمْن؛ لكنْ هُناك من يَتَسَبَّب في زعزعة هذا الأمْن وهُم العُصاة الذِّين لم يَشْكُرُوا هذهِ النِّعمة، وعلى كُلِّ واحِدٍ من المُسلمين كِفْل من هذا، بِقَدْرِ ما يَقْتَرِفُهُ من معاصي {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}[(الشورى)30]
يقول: نفذَ بعضُ أفكارِهِم وللأسف إلى بعضِ شبابنا فَزَهدُوا في العلم، وطَعَنُوا في العُلماء؟
لاشكَّ أنَّ الحاجة إلى أهلِ العلم في الظُّرُوف الحَالِكة أشد، ولابُدَّ من الابتلاء، لا يَظُن العالم أو الدَّاعية أو غيره الطَّريق سهل مُمَهَّد مو بصحيح في مثل هذه الظُّرُوف نَرَى أنَّ بعض العُلماء يُواجِهُون ما يُواجِهُون، فبعضُ طُلاب العلم يقول: أنا ليش أعرِّض نفسي لِمثلِ ما وصِلُوا إليه من الإحراجات وغيرها، لماذا أصل؟ يا أخي لابُدَّ أنْ تَصِل، الطَّريق ليس بالسَّهل، وكُلَّما يزداد الأمر شِدَّة يَزْدَاد الأجْر، و تَعْظُم الأُجُور بمثلِ هذا، واللهُ المُستعان.
فعلى طالبِ العلم أنْ يستمر في طَرِيقِهِ، وأنْ يَحْرَص ويَجِد ويَجْتَهِد؛ لأنَّ طَلَبَهُ للعلم وعِبَادَتَهُ لله -جل وعلا- على بَصِيرة، وسَعْيَهُ في هِدَاية النَّاس هذه لا شكَّ أنَّها نَصْرٌ للإسلام، على طالبِ العلم أنْ يَطْلُب العلم ويُجِد ويجتهد لاسِيَّما منْ أدْرَك شيئاً منهُ، لا ينبغي لهُ أنْ يُضيِّع نفسَه، على الجادَّة والطُّرُق المعرُوفة الجَواد المَسْلُوكة عند أهل العلم، ويأخُذ العلم عن أهلهِ المعرُوفين بالعلم والعمل والثَّبات والرَّوِيَّة والأناة بالرِّفق واللِّين، لابُدَّ من هذا لِيَتِمَّ لهُ ما يُريد -إنْ شاء الله تعالى-.
الوقفة كاملة
|
| ٧٨٠ |
برنامج قبس من نور القران
سورة الحجرات
أية 16
الوقفة كاملة
|