| ٣٩١ |
برنامج لمسات بيانية
آية (29):
* (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)) ما النظرة السريعة في هذه الآية وماذا فيها؟
ذكر نوح أنه ليس طالب مال ولا جاه (وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً) ، هو حامل دعوة، همه الأول أن يوصل الدعوة فقط ما يطرد الذين يسمونهم أراذل.
* في موضع آخر قال (لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) هو قال مالاً أو أجرا ؟وما الفرق ؟
قال تعالى في قصة نوح في سورة هود (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)) وقال تعالى في قصة هود مع قومه في نفس السورة (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51)). لو لاحظنا سياق القصتين لوجدنا أنه في قصة نوح قال تعالى (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ) جاء ذكر خزائن الله في الآية والمال يُوضع في الخزائن فاقتضى ذكر كلمة (مالاً) في قصة نوح أما في قصة هود فلم ترد ذكر الخزائن وإنما قال (أجراً) لأن الأجر عام.
* أيهما قال مال أم أجر؟ كلاهما.
* ما معنى الأجر؟ لقاء عمل؟ نعم، الأجر لقاء عمل، يعني لا تفضلاً ولا لقاء عمل. الأجر لقاء العمل لكن ليس محدداً بالمال.
وهناك أمر آخر بين الآيتين وهو أنه في الأولى ذكر (إن أجري إلا على الله) بذكر لفظ الجلالة (الله) بينما جاء في الثانية (إن أجري إلا على الذي فطرني) بذكر (فطرني) بدل الله. والسبب أنه لو نظرنا من ناحية السمة التعبيرية في القصتين لوجدنا أن كلمة (الله) وردت في قصة نوح عشر مرات بينما وردت ثلاث مرات في قصة هود . هذا من ناحية وهناك أمر آخر وهو أنه تعالى ذكر في قصة نوح كلمة (الله) إسم علم وفي هود ذكر (الذي فطرني) أي عدّى الفعل إلى ذاته أي ضمير المتكلم كما نلاحظ في قصة هود ارتباط الأمور بشخص هود عليه السلام (إن نقول إلا اعتراك، كيدوني، إن توكلت، ربي،..) فمن الذي سينجيه من الكيد؟ الذي فطره فهو الذي خلقه ويحفظه من كل سوء فالأمر إذن شخصي وليس عامّاً فاقتضى ذكر (الذي فطرني). كذلك في سورة هود قال تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)) وهذه الآية تدل على أن الله تعالى يفطر قوماً آخرين غيرهم فالذي فطرني أنسب للذكر في قصة هود من كلمة الله التي هي أنسب في قصة نوح .
وننوه إلى أن هناك فرق بين الخلق والفَطر ولكل منها تميّز دلالي فالخلق غير الفَطر . الخلق قد يستعمله البشر بمعنى التصوير مثلاً وهو لفظ عام كما جاء على لسان عيسى (إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) وهي تستعمل سواء للخلق الابتدائي أو التصوير. أما الفَطر فهو ابتداء الشيء وهذا خاص بالله تعالى.
* (وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ) لماذا لم يقل لا أطرد أو لن أطرد؟
ذكرنا قبل قليل أن الإسم آكد وأثبت فهنا نفى بالإسم (بطارد) وجاء بالباء الزائدة المؤكدة، هذا مصطلح، زائدة لا تعني أنها ترمى هكذا لكن زائدة مصطلح عند المتأخرين زائدة بين العامل والمعمول لغرض التوكيد، الزيادة لها غرض وليست ترمى هكذا وقسم من القدامى كانوا يسمونها صلة ايضاً. إذن الباء زائدة مؤكدة واقعة في خبر المنفي وفيها الإسم.
* هي تعمل عمل ليس؟
بشروط، تعمل عمل ليس بشروط.
* (بطارد) لم يقل بطاردٍ بالتنوين؟ كما قال (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً (30) البقرة)؟
عندنا قاعدة في النحو أن إسم الفاعل لا يعمل عمل النصب إلا إذا دل على الحال والاستقبال، يعني التنوين تقول أنا ضاربٌ زيداً يعني سأضربه الآن أو في المستقبل فقط .
* إسم الفاعل يعبِّر عن الماضي؟
قد يعبر عن الماضي. الماضي قد يعبر عنه بالإضافة، الإضافة عامة تستعمل الماضي والحال والمستقبل. أنا ضاربُ زيد يعني ضربته، لكن ضاربٌ زيداً لا يمكن أن يكون للماضي . بالإضافة مطلقة قد تشمل الماضي والمستقبل، التنوين لا تشمل الماضي
(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) هذا مستقبل لم يضفه، لم يجعل خليفة بعد. (أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (10) إبراهيم)
* لا يجوز أن يقال فاطرٌ السموات، فاطرِ السموات تنسحب على الماضي، غير محدودة بوقت معين؟
غير محددة. الإضافة عامة (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ (9) آل عمران) الإضافة عامة، التنوين مقيّد محدد بزمن معين.
هنا قال (بِطَارِدِ) لا في الماضي ولا في المستقبل، لم يفعلها في الماضي ولا أفعلها في المستقبل. ولو قال وما أنا بطاردٍ خاص بالمستقبل، احتمال أنه فعلها.
* (بِطَارِدِ)، التنوين كسرتين هل كسرة واحدة تغير المعنى لهذا الحد؟
هي ليست كسرتين هي في الكتابة كسرتين لكنها هي كسرة واحدة ونون ساكنة تلحق الآخر، هذه كتابة نون ساكنة تلحق الآخر لفظاً لا خطاًً دون توكيد.
* هنا (وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ) وفي الشعراء في قصة نوح قال (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)) كيف نفهم الذين آمنوا والمؤمنين؟
نفس القصة، الكلام في هود كان أسبق في الزمن لما هو في الشعراء. لو قرأنا القصتين في هود والشعراء سنرى أن الكلام في الشعراء على ما بعد ذلك كان الكلام في هود أسبق (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ (27) هود) في الشعراء هددوه بالرجم (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116)) ، هذه مرحلة متأخرة، تلك كانت كلاماً (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) هود) لم يهددوه برجم أما في الشعراء هددوه بالرجم بعد بداية الدعوة، إذن هؤلاء مؤمنين صبروا كل هذه المدة الطويلة.
* وكأن (وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ) لحظة إيمانهم ودخولهم وحينما استمروا معه صاروا مؤمنين؟
(فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) الشعراء) هؤلاء ثبتوا مدة طويلة وصبروا ثباتهم وصبرهم وصدقهم دلالة على أنهم صادقين وثابتين في إيمانهم فاستحقوا الوصف بالإسم، تلك في مرحلة وهذه في مرحلة. هو آمن ثم استمر فبقي محافظاً عليه.
* في تضعيف الآية قال (وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) هود) لماذا أراكم؟
هم قالوا (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا) فقال (وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ) .
* مرة يأتي بضدها (فعُميت) ومرة يرد بالمثل (وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ). في الأعراف قال (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)) لم يقل أراكم وفي النمل (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55)) لماذا اختلف التعبير؟
لو نقرأ ما ورد، نحن تعلمنا أن لا نقتطع الكلمة أو الجملة اقتطاعاً، في نوح دعاهم إلى ما يرى (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) هود) دعاهم، إذن ذكر ما يراه كل واحد في الآخر في المعتقدات، (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) من قالها؟ قالها موسى لقومه بني إسرائيل بعدما أنجاهم وجاوزهم من البحر وأغرق آل فرعون قال ربنا (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) الأعراف) يريدون صنماً قال (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) هذا ليس نقاشاً. إذن لماذا أنجاهم وجاوز بهم البحر ما داموا يريدون أن يعبدوا الأصنام؟! ما الفرق بينهم وبين غيرهم ممن يعبدون الأصنام، هذه ليست مسالة رؤية، هذه فيها أمر فيه تحقيق، ثم هذا خطر جداً، هذا ارتداد، عبادة أصنام وشرك، ردة.
* في النمل (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)!
هؤلاء قوم لوط (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) النمل) ليس نقاشاً في فكرة وإنما فاحشة، ليس نقاشاً أخذ ورد وإنما هذا أمر ظاهر ليست كتلك أنه جاءهم بعقيدة هم يرون هذا وهو يرى هذا، هذا في أمر ظاهر فاحش تقرير أمر واقع لكن الملاحظ أنه قال (إنكم) في قوم موسى أكّدها وفي قوم لوط قال (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) ما قال (إنكم). في موسى (إنكم) وفي قوم لوط (بل أنتم) ما قال (إنكم) ليس فيها تأكيد
* مع أن الموقفين واقعين بالفعل هذا تكلم عن حادثة فاحشة موجودة وموسى تحدث عن قومه؟
أي الأكبر جريمة ووزره أعظم المشرك أو الذي يعمل فاحشة؟ المشرك ، المسلم الذي يرتد أو الذي يعمل فاحشة؟ المسلم الذي يرتد، هؤلاء مؤمنين ويردون أن يعبدوا صنماً، (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ (48) النساء) هذا أمر أفظع وأعظم لأن فيه ردة ولذلك أكّد. ليس الأمران سواء.
* لكن (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ (80) الأعراف)؟
لكنها تبقى فاحشة، المسلم قد يعمل فاحشة لكن لا يخرج من الملة لكن الذي يرتد يخرج من الملة، إذا عبد صنماً هذه أكبر. الأمر ليس سواء، هذه دقة في التعبير عجيبة ، تلك أكبر بكثير شرك وعبادة أصنام ورِدّة أما الفاحشة فليست بمنزلة تلك. هذه هي البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، اختيارات عجيبة.
الوقفة كاملة
|
| ٣٩٢ |
برنامج لمسات بيانية
(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (26) البقرة) ما معنى فما فوقها؟ هل هو بمعنى دونها؟
كلمة فوق قد تستعمل للزيادة في الحجم أكبر منها أو الزيادة في الوصف لما تقول هو حقير وفوق الحقير يعني هذا دون هذا، فوق الحقير هو دون الحقير. إذن (فوق) فيها أمرين في الوصف إذا قلنا فوق سيصبح ترقي إلى أسفل وإذا في المدح سيكون أعلى هو كريم فوق الكريم والخسيس فوق الخسيس. إذن فوقها جمعت أمرين متناقضين تماماً لما قال (فما فوقها) سواء كان في حجمها أو في صفاتها، الآن جمع أمرين سواء في الحجم ضرب مثلاً في العنكبوت (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ (41) العنكبوت) والذباب (وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا (73) الحج) لا يستحي، وما فوقها بمعنى ما دونها في الصفات. إذن فما فوقها جمعت أمرين لو قال فما دونها لا تجمع الأمرين. نقول هو لئيم وفوق اللئيم أي أسوأ منه.إذن فما فوقها في الصفات وفي الكبر والحجم.
استطراد من المقدم: كيف نفهم فما؟ (فما) بمعنى الذي فوقها ولا يفهم منها أن ما دونها غير مخصوص بالكلام. فما فوقها تجمع أمرين وأصلاً فوق في اللغة تأتي بهذين المعنيين وهي ظرف.
الوقفة كاملة
|
| ٣٩٣ |
برنامج لمسات بيانية
آية (31):
* (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (31)) نود فكرة مبسطة عن هذه الآية ورصف المباني لاستجلاء المعاني فيها؟
ذكر أنه ليس عنده مغريات تدعوا إلى اتباعه. المغريات لا تغري الفقير ولا تغري الغني، أنا لا أملك مغريات تدعو لاتباعي ليس عندي شيء، ليس عندي مال كثير حتى يتبعه طلاب المال والناس الغني والفقير يستهويهم المال قال تعالى (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) الفجر) مال ليس عندي ولا خزائن، لا أعلم الغيب لا يغرنكم أني أنا رسول يعني أعلم الغيب، لا أستطيع أن أصنّف الناس أقول هذا مؤمن وهذا مدّعي إيمان حتى تقولوا (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ (27)) أنا لا أعلم الغيب هذا، ربنا الذي يعلم الغيب، أنا لا أستطيع أن أجيب عما سيحصل في المستقبل، لعله أحدهم يقول طالما أنه رسول فهو يعلم المستقبل، لا، أنا لا أعلم شيئاً ولا أقول أنا ملك حتى تقولوا أنت بشر أنا ما قلت أنا لك حتى تقولون (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا) ليس لي فضل عليكم بهذه الأشياء التي تذكرونها لا المال ولا علم الغيب ولا الملك.
الله أعلم بما في أنفسهم أيضاً توكيد أنه لا يعلم الغيب، كل هذه تؤكد أنه لا يعلم الغيب.
* ألا يعتبر هذا ربما زعزعة بالنسبة لقوم لا يفهمون إلا الأشياء المادية، لا يعرف أي شيء ما عنده أي شيء؟
إذا كان الأمر هكذا أنا عندي، أنا أدعوكم إلى عبادة ربكم هو الذي أمرني بهذا ربكم الذي خلقكم هو الذي أمرني، أنا لا أعلم شيئاً لا عندي مال ولا أعلم الغيب ولا أنا ملك ولا أعرف أي شيء، (وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا) ربهم هو يعلم بهم أنا لا أعلم أنتم تقولون (بادي الرأي) أنا لا أعرف هذا، ذلك عند الله (اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ) أنا لا أعلم الغيب لو كنت أعلم الغيب لعلمت ما في أنفسكم، هو يؤكد المسألة. إذن هو ليس عنده مغريات تغري الفقير إلى اتباعه ولا تغري الغني وإنما هي عبادة خالصة لله سبحانه وتعالى. فقط، (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ (42) الشورى) .
* هنا قال (وَلاَ أَقُولُ) ولم يقل مثلاً ما قلت أو ما أقول، لماذا هذا التعبير تحديداً؟
(وَلاَ أَقُولُ) نفى بـ (لا) يعني لا أقول على وجه الاستمرار، وما أقول حال، ما إذا دخلت على الفعل المضارع خلّصته للحال، (ما يكتب) يعني الآن، (لا أكتب) عامة، (لا) أوسع حرف نفي.
* (لا) أوسع من (ما)؟
ما نافية ولم أيضاً نافية ولن نافية، (لا) أوسع حرف نفي.
* من حيث استيعاب الزمن مثلاً؟
الزمن، (لا) هي النافي الوحيد الذي يدخل على الماضي ويدخل على المضارع ويدخل على الإسم ينفي إسم الجنس، أوسع حرف نفي وقالوا هي أقدم حرف نفي وبعدها جاءت بقية حروف النفي.
* إذن هنالك تفاوت في الدلالة بين الأحرف والأدوات وإن كانت الدلالة العامة هي النفي؟
أنت قد تنفي الماضي، قد تنفي الحال قد تنفي المستقبل أو تنفي الجنس ، كل أداة لها دلالة محددة في نفيها ً. (لا أقول) يعني على وجه الاستمرار، الآن وفي المستقبل، (ما أقول) الآن، يمكن أن أقول غداً، لا أقول لا اليوم ولا الغد. (لم أقل) هذا في الماضي، أنا لا أقول هذا على وجه الاستمرار، لا أقوله أصلاً لا الآن ولا في المستقبل وما قلت في الماضي.
* (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ) ماذا فيها؟ وماذ يعني إضافة الخزائن للفظ الجلالة الله سبحانه وتعالى؟ ماذا يعني هذا التركيب (خزائن الله)؟
يمكن أن يقال خزائن لله ، هو قال (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ) لغة يمكن أن يقول خزائن لله ، لكن (خزائن الله) يعني كلها، خزائن لله ولو كانت ثلاثة أربعة صارت خزائن لله لكن ليست كل الخزائن. إذن الذي عنده خزائن لله يخشى النفاذ لكن الذي عنده خزائن الله كيف تنفذ؟! والناس يستهويهم المال الكثير أيضاً مال كثير ولا تنفذ إذن خزائن الله أولى.
* مع أنه ربما تكون متضمنة معنى الملكية، التركيب بالإضافة يأتي الملكية والظرفية والجزئية وهنا بمعنى الملكية خزائن لله أيضاً ملك الله سبحانه وتعالى
نعم لكن الدلالة تختلف، ومدار الكلام هنا على الدلالة. (وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) أنا بشر مثلكم لست ملكاً ما قلت أني ملك.
* هنا قال (وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام قال (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ (50)) ما الفرق واللمسة البيانية في كلا الآيتين؟
زاد (لكم) في آية سورة الأنعام. سيدنا نوح لو نقرأ السياق في سورة هود في مقام التلطف لقومه (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (30) هود) في مقام التلطف والدعوة بينما لو لاحظنا السياق في الأنعام في مقام التبكيت والتعنيف (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم) بينما في قصة نوح يتلطف بهم حتى يقبلوا الدعوة. أما في الأنعام ففي سياق التبكيت والتعنيف (قُلْ أَرَأَيْتُمْ)
* هذا أمر من الله سبحانه وتعالى للرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلِّغ قومه كذا؟
القرآن بلّغ هذا. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)) قال (أرأيتكم) زاد (كم) حرف الخطاب زيادة في التنبيه. فرق بين المقامين، هذا مقام تبكيت وتعنيف عند سيدنا محمد بينما في قصة سيدنا نوح مقام التلطف يدعوهم بهدوء.
* هل هذا كله تعبر عنه كلمة (لكم)؟
طبعاً أنت تقول لشخص أنا قلت كذا وعندما يخالف تقول ألم أقل لك؟ نحن نقولها، ألم أقل لك؟ حتى في سورة الكهف مع العبد الصالح (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)) (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا (75)) إشارات دقيقة في الموقف والسياق والحالة النفسية. مع أن المسرح العام أنه قال لهم كذا لكن ما هو الظرف الذي قال فيه؟ ما هي الحالة التي قال فيها؟ ما هو السياق الذي قال فيه؟ هل في مقام تودد وملاطفة ودعوة أو مقام تعنيف، الموقف يختلف، مراعاة الكلام لمقتضى الحال.
* هذا تجري عليه سنن اللغة العربية وقواعدها من بلاغة وبيان وبديع وبيان لكن سيدنا نوح ما كان يتكلم اللغة العربية وإنما كان يتكلم لغة قومه آنذاك فكيف نفهم هذا الكلام؟
يعني ألا يتلطف سيدنا نوح؟ّ أليس هو بشر؟ ألا يغضب؟ ألا يتودد؟ ألا يتلطف؟ ألا ينصح؟ ربنا يترجم هذه باللغة العربية بأدق مثال وأعلى بيان. أدق ترجمة لما ورد بأسلوب معجز، كل نبي كان يتكلم بلسان قومه (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ (4) إبراهيم) والله سبحانه وتعالى نقل لنا هذه الأخبار باللغة العربية بأدق كلام وبأسلوب معجز، كما نحن تترجم، قصيدة مثلاً باللغة الأوردية تترجم حسب قوة المترجم وحسب قدرته وحسب إمكانيته في اللغة. نقرأ قصتين لكن فرق بين كاتب وكاتب.
* ما دلالة اللام في (للذين) (وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا)؟
قال تعالى في سورة هود في قصة نوح (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)).
اللام لها معاني كما يقول النحاة ويقولون أن حروف الجرّ تخرج إلى معاني ويذكرون (من) لها معاني بعض وبين والابتداء. واللام في (للذين) لها معاني والنحاة يخرجونها تخريجين من حيث النحو ولكل منهما معنى خاصاً به:
الأول أن تأتي بمعنى (عن) بمعنى لا أقول عن الذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا . (قطعاً سيقول هنا لن يؤتيهم لأنه يقول عنهم). وفي الآية نوح يخاطب الفئة الكافرة يحدّثهم عن المؤمنين الذين تزدري أعينهم. فلو كانت اللام بمعنى عن فاستعمال يؤتيهم صحيح لأنه يخاطب فئة عن الفئة الأخرى فيجب قول (لن يؤتيهم). وينتفي السؤال هنا أصلاً في هذه الحالة فهو لا يخاطب الذين تزدري أعينكم وإنما يخاطب الفئة الأخرى.
والثاني أن اللام تفيد التعليل بمعنى لأجل هؤلاء أو لغرض هؤلاء فالأصح هنا أن يقول لن يؤتيهم الله خيراً . كما قيل: وضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لدميم (اللام في لوجهها تحتمل عن وجهها أو لوجهها).
ففي الحالتين استعمال يؤتيهم هو المناسب للآية.
* (وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) لماذا تزدري والواقع أنها ازدرت؟
لأنهم لا يزالون، إذن تزدري لأنهم لا يزالون. لو قال ازدرت قد تتغير، ازدرت وانتهت، الآن هم مستمرين على هذا الشيء، استمرار (تزدري) يعني ازدرت وما زالت مستمرة تزدري.
* هنا يقول (وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) لماذا حذف العائد؟ ولم يقل تزدريهم مثلاً؟ أو تزدرونهم؟
هذان سؤالان، لماذا حذف العائد؟ تزدريهم أعينكم، حذف العائد إكراماً لهم أحياناً نحذف من باب الإكرام لا نريد أن ينال الفعل أحياناً إذا كان فيه شدة لا نريد أن ينال شخصاً نكرمه ونجله ما تقول أنا ما شتمت فلان أو شتمته وإنما تقول أنا ما قلت وما شتمت إكراماً له مثل (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) الضحى) أحياناً ذكر الضمير في باب إذا كان الفعل من باب الإكرام ذكر الضمير يكون من باب الإكرام له، قال (وَمَا قَلَى) ولم يقل ما قلاك إكراما له، القلى هو البغض لا يريد أن يناله القلى، لا قلاك ولا قلى أحداً من أتباعه إكراماً له. (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ (90) الأنعام) أحياناً نُجِلّ الشخص إذا كان الفعل فيه مساءة لا نذكر المفعول أو العائد إكراماً له.
* إكراماً لهم يعني هنا (وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) ما يقول تزدريهم إكراماً لهم؟
إكراماً لهم.
* لماذا لم يقل للذين تزدرونهم؟
هو أسند الازدراء إلى الأعين (وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) أيضاً أراد إكرامهم. كأنه قال أنتم ترون مظاهرهم بأعينكم لا ترون الحقيقة
* ولو قال تزدرونهم يكون فيها إشمام من الداخل؟
أقوى أنتم ترون الظواهر، المرأى لا يدل على الحقيقة دائماً، أنت حكمت على الظاهر، كم رجل تزدري عيناك وهو رجل عظيم، هم في السابق قالوا:
ترى الرجل الحقير فتزدريه *** وفي أثوابه أسد مزير
أسد مزير يعني شديد قوي.
* لم يقل فتزدريه عينك!
أنت ترى الرجل هكذا فالرؤية لا تدل على المخبر دائماً. أعينكم أنتم حكمتم بظواهر الأمور كما ترون لكن أنتم لا تعرفون حقيقتهم، فيها إكرام لهم أنت لا تعرف حقيقته تراه هكذا، هذا إكرام له، هذا منتهى الإكرام لهم. ثم قالوا (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ (27)) فقال لهم هذه الرؤية لا تدل على الصواب ولا الحقيقة. لما قالوا (ما نراك) أنتم حكتم بالظواهر وأيضاً الرؤية لا تدل دائماً على الحقيقة.
* (لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا) لماذا التعبير بـ (لن)؟
(لن) تفيد الاستقبال. الاستقبال قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة، قد يكون فيهما، محتمل أنت رجل الآن تزدريه لكن في المستقبل قد يكون له شأن. نحن رأينا في حياتنا أشخاص ليسوا ذوي شأن لكن كبر وصار لهم شأن كبير. أنت تحكم الآن على ما هو عليه لكن ماذا سيكون في المستقبل؟ كثيرون من عوائل بسيطة ضعيفة ثم صار لهم شأن كبير في المجتمع في القيادات لماذا تحكم الآن على هذا؟! ما أدراك ما سيكون في المستقبل هذا الرجل؟ (لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا) هذا في الدنيا وفي الآخرة. إذن ينبغي أن تتوقف، يعني لا يقول لهم لن يؤتيهم الله خيراً، لا يقول هذا الكلام. أولاً جاء بـ(لا) للمستقبل، في المستقبل ما أدراكم ماذا سيحصل في المستقبل، في الدنيا والآخرة ماذا سيحصل؟
* لماذا لم يقل (لن يؤتيكم)؟ مع أنه يخاطبهم ؟
ولا اقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيكم الله خيراً، ضمير الغيبة، كثير من المفسرين قالوا هذه اللام ليست للتبليغ وإنما لبيان العلة يعني لأجلهم (للذين) اللام ليست للتبليغ، إذن يتكلم عنهم في الغيبة لا أقول لأجلهم لن يؤتيهم الله ، ليس للتبليغ يبلغهم بهذا. وهنالك غرض آخر لطيف أحياناً الشخص يُتكلم في الشخص في غيبته ما لا يواجَه به، أحياناً أنت لا تستطيع أن تكلم الإنسان بكل ما تقوله في غيبته حياء أو خوف، قد تقول فلان لا يصلح لهذا المنصب لكن لا تواجهه.
فإذن أحياناً الشخص لا يقال بحضرته ما يقال في غيبته دائماً، أحياناً لا نواجه الشخص بكل ما نريد أن نقول. هو أراد أن يكرمهم قال أنا في غيبتهم لا أقول ذلك لعلهم يسمعون فيتأذون، حتى في غيبتهم وليس فقط أمامهم لا أقول هذا الكلام، حتى في غيبتهم حتى لو لم يسمعوا كلامي أنا لا أقول ذلك. (لن يؤتيكم) فيها مواجهة بينما (لن يؤتيهم) ليست فيها مواجهة وكأنما تقولها في غيبتهم. حتى في غيبتهم لا أقول ذلك فما بالك في مواجهتهم، فيها إكرام.
لاحظ التعبير العجيب. أولاً حذف مفعول (تزدري) ما قال تزدريهم، حذف العائد، وقال لن يؤتيهم بضمير الغيبة حتى لا يقول فيهم ما يسيء إليهم، وأسند الازدراء إلى الأعين، كل هذا من باب إكرام هؤلاء. (وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا) يعني في المخبر أنتم لا تنظرون إلى الظاهر ثم لا يقول لهم في غيبتهم وهذا كله من باب إكرام هؤلاء.
* (اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ) وفي الإسراء قال (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ (25)) فما الفرق بين أنفس ونفوس؟ واللمسة البيانية في سورة هود؟
الأنفس جمع قلة (إلى عشرة) ونفوس جمع كثرة لكن عندنا أحياناً قلة نسبية، القرآن أحياناً يستعمل القلة النسبية، إذا كان أكثر من جمع للجمع القليل وإن كان أكثر من عشرة يستعمل جمع قلة والكثير يستعمل جمع الكثرة مثل الأبرار والبررة، الأبرار جمع قلة لكن يستعملها للبشر والبررة جمع كثرة يستعمل للملائكة (كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) عبس). هنا قال (اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ) أنفس جمع قلة لأنهم قليل (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) هود). بينما الآية الثانية جميع الخلق (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ) جميع الناس ففيها كثرة، هذه لعموم الخلق المكلفين (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ) عامة. لما كان أولئك قلة استخدم أنفس جمع قلة ولما كان الخلق استعمل نفوس.
* هل نفهم هذا إذا قال في هود (الله أعلم) وفي الإسراء قال (ربكم) لماذا اختلف لفظ الجلالة مع أن الذي يتحدث عنه واحد؟ هل لهذا علاقة بالكثرة والقلة؟
لا ليس له علاقة بالقلة والكثرة وإنما له علاقة بشيء آخر في المقام. في هود (اللّهُ أَعْلَمُ) هذا في مقام العبادة (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ (26)) في مقام العبادة، أصلاً الله أكثر الاشتقاق أنه من لفظ العبادة، كثيراً ما يأتي لفظ الله مع العبادة من ألِهَ بمعنى عبد
* وفي الإسراء (ربكم)؟
هذا في مقام الإحسان للمربي، التربية، (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) الإسراء) هذا في مقام التربية، الوالدان يربيان أولادهما والرب هو المربي فناسب ذكر الرب مع التربية.
* هل في هذه الآية شيء آخر من اللمسات البيانية فاتني أن أسأل فيه؟
هو ختم الآية (إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (31)). هناك أمر غريب، يتفق ما قاله أول رسول في القرآن وهو سيدنا نوح ما أُمر به أن يقوله خاتم الرسل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام مما يدل على وحدة الرسالة وموقف المجتمع البشري من فجر التاريخ إلى وحدة المجتمع البشري، هذه دراسة. نوح قال (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ (31)) لكن الله تعالى أمره (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ (50) الأنعام) نفس العبارات كأن المجتمع واحد لأن موقف المجتمع البشري من فجر التاريخ ما تغير. وقال نوح (وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) وربنا قال لسيدنا محمد (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) الأنعام). ولا تطرد الذين يدعون ربهم - وما أنا بطارد. حتى الوصف (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) الأنعام) نوح قال (إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) نفس الوصف. ربنا قال لمحمد (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) تحذير أو تنبيه، حتى الوصف واحد، والنظر إلى وحدة المجتمع على امتداد التاريخ موقفهم موقف واحد. (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) يوسف) (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ (116) الأنعام).
الوقفة كاملة
|
| ٣٩٤ |
برنامج لمسات بيانية
آية (35):
* (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (35)) على من يعود هذا الكلام؟
قيل إن هذا الكلام من قوم نوح هم الذين قالوا فتراه يعني افترى الوحي على الله كل هذا افتراه على الله، وقيل هذا كلام قريش معترض بين القصة، كلام قريش لسيدنا محمد جملة معترضة بين القصة، أثناء القصة التفت للمسألة قال (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) وفي آخر القصة ذكر (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا (49) هود) في أثناء القصة إلتفت لهم.
* (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) وكأن هذا رد سيدنا محمد على قومه وهو ينبئهم عن قصة سيدنا نوح؟
منطوق الآية يصلح لكل رسول، كل رسول كذبه قومه ورموه بالافتراء لماذا كذبوه قالوا يفتري على الله، يعني لماذا كذب الرسل هو ليس مرسل معناه أنه افترى على الله فإذن منطوق الآية يصلح لكل رسول كذبه قومه والرد يصلح لكل من قال ذلك، عموم لأصحاب الرسالات، لو قيل لسيدنا محمد فسيكون هذا الرد عليه.
* لكن الموقف أو الموقع من آيات سيدنا نوح ربما يحتاج إلى نظر لأنه حينما أقرأها وأنا أحفظها أتصور أن هذا كلام سيدنا نوح!
لذلك هم قالوا، قسم ذهب إلى أن هذا في سياق قصة سيدنا نوح رموه بالافتراء فقال هذا الأمر وقسم قال هي معترضة وتصلح للجميع.
* عندما يقول (فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) أي إجرام يقصد؟
الافتراء، لو افترى على الله أليس هذا إجراماً؟ (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) الذي افترى على الله مجرم فعليه إثم ذلك، (فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) يعني عليّ إثم الافتراء ، يفتري على الله الكذب.
* هنا قال (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ) لماذا لم يقل مثلاً من إجرامكم كما قال عليّ إجرامي؟ لماذا جاءت هكذا؟
هم اختلفوا في معنى هذا التعبير. قسم قال أنا إن افتريته عليّ إثم ذلك وأنتم عليكم ما ترتكبون من الآثام والإجرام (وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ) لي عملي ولكم عملكم. أنا بريء مما تعملون وأنتم بريئون مما أعمل ، قسم ذهب إلى هذا، كل واحد يتحمل نتيجة عمله إن أجرم فهو عليه الإثم إن افتريته فعلي إجرامي وأنتم أيضاً تتحملون إجرامكم. هذا الظاهر في معنى التعبير هذا. قسم ذكر ذكره مع الآخر يحتمل، قال لهم إن افتريته فعلي إجرامي لكن أنا بريء مما تدّعون ومما تجرمون في حقي، أنا بريء، وأنتم تجرمون في حقي تنسبون إليّ الافتراء، الآية تحتمل معنيين، أنا بريء مما تنسبون إليّ.
* أي المعنيين ترجح؟ كلاهما.
لكن يبقى السؤال لماذا قال (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ) وليس إجرامكم. هم رموه بأمر واحد وهو الافتراء على الله، هذا إجرام. لكنهم هم مستمرون في الإجرام ليس إجراماً واحداً وإنما هم مليئون بالإجرام ليس أمراً واحداً، ولو قال أنا بريء من إجرامكم يعني أمر واحد، هم مستمرون في الكفر والتكذيب وما إلى ذلك .
* ولهذا جاء بها بصيغة الفعل وليس إجرامي بالإسمية وتجرمون بالفعلية؟
أنتم رميتوني بأمر واحد، وأنا بريء مما تجرمون، هي ليست مسألة واحدة وإنما هي أمور كثيرة فلا يمكن أن يقول من إجرامكم.
* ما الفرق بين الآيتين (قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) سبأ) و (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (35) هود)؟ وما دلالة نسب الإجرام للمؤمنين والعمل لغير المؤمنين؟ (د.فاضل السامرائى)
آية سبأ (قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25)) هي في سياق الدعوة والتبليغ والمحاجّة وهذا من باب الإنصاف في الكلام حتى يستميلهم يقول نحن لا نُسأل عما أجرمنا إذا كنا مجرمين كما لا تُسألون أنتم عن إجرامنا إذا كنا كذلك. أراد أن يستميل قلوبهم فقال (عما تعلمون) هذا يسموه من باب الإنصاف في الدعوة، غاية الإنصاف لا يريد أن يثيره خاصة في باب التبليغ يريد أن يفتح قلبه بالقبول وإذا قال تجرمون معناه أغلق باب التبليغ. وقال قبلها (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24)) هذا في باب الدعوة وفي باب التبليغ يجعله في باب الإنصاف في الكلام حتى لا يغلق الباب وهذا غاية الإنصاف. لأن السياق في سورة سبأ هو في سياق الدعوة (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ (22)) (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ (24)) (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26)) يريد أن يستميل قلوبهم وألا يغلق الباب فقال لهم كذلك.
في حين في آية سورة هود (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (35) هود) هذه في قصة سيدنا نوح (قل إن افتريته فعلي إجرامي) لأن الذي يفتري على الله تعالى مجرم (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ) إذا أنتم نسبتم إليّ الافتراء ولست كذلك أنتم مجرمون بحقي إذا نسبتم الإفتراء إليّ أني أفتري على الله وأنا لست كذلك فأنتم مجرمون بحقي إذن وإن افتريته فأنا مجرم (فعلي إجرامي) وإن لم أكن كذلك فأنتم نسبتم الافتراء إليّ وأنا بريء من ذلك فأنتم إذن مجرمون بحقي.
المقصود بتجرمون نسبة الافتراء إلى نبي الله هذا هو إجرام القوم في حقه، هذا أمر. والأمر الآخر قال (فعلي إجرامي) واحد وقال (تجرمون) جمع كثير وفيه استمرار لأنهم هم نسبوا إليه أمراً واحداً (افتريته) افترى الرسالة، افترى الكلام (فعلي إجرامي) لكن هم مستمرون إجرامهم كثير مستمر هذا قيل في باب غلق الدعوة لما قال له ربه تعالى (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (36) هود) هنا مفاصلة وليس كتلك الآية السياق الذي فيها محاجّة يأمل أنهم يعودوا فيستميل قلوبهم، هذا انغلق هنا (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ) انتهت المسألة وصارت مفاصلة لأنه غلق باب الدعوة والتبليغ. (مما تجرمون) أي الإجرام المستمر من السابق وإلى الآن فتبقوا مجرمين إلى أن يهلككم ربكم لذا قال (تجرمون) ولم يقل من إجرامكم لأنه ليس إجراماً واحداً. ما يفعلونه من المعاصي هو إجرام مستمر لكن كلام نوح كان منصباً على الافتراء (إن افتريته).
الواو في قوله تعالى (وأنا بريء) هي عطف جملة على جملة.
مع الرسول قال (عما أجرمنا) هذا من باب الإنصاف كما أنت تتكلم مع شخص لا تريد أن تثيره فتقول: قد علِم الله الصادق مني ومنك وإن أحدنا لكاذب، هذا غاية الإنصاف لا تقول له أنت كاذب.الرسول يريد أن يفتح القلوب ويستميلها لا أن يغلقها هذا يسمى غاية الإنصاف في الكلام.
الوقفة كاملة
|
| ٣٩٥ |
برنامج لمسات بيانية
آية (36) :
* هنا الأمر الإلهي يخبرنا ربنا تعالى (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (36)) (وأوحي إلى نوح) لماذا جاءت بصيغة المبني للمجهول الذي لم يسمى فاعله مع أنه في موقف آخر يقول (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ (27) المؤمنون)؟
لو نظرنا في قصة نوح في سورة المؤمنون توضح المسألة، في سورة المؤمنون هو دعا ربه لكي ينصرنه (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26)) إذن هو دعا ربه فاستجاب له وقال (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) لأنه دعاه.
* الفاء هنا تعقيب؟
تعقيب يعني مباشرة (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) من دعاه أجابه أوحى إليه، (رَبِّ انصُرْنِي)- (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ)، ما قال أُوحي إليه، من الذي أجابه؟ هو دعا ربه فقال فأوحينا بالمعلوم. وهنا قال (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ) هو الآن مبني للمجهول لكن ناسب لما قال رب انصرني يعني هو يريد النصر من الله حصراً فقال فأوحينا، من دعاه أجابه، لكن هنا ليس هناك دعوة . فإذن السياق يوضح أنه عندما دعا ربه (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) أجابه هو، المقام مختلف.
* الموقف حالة إنقاذ من الله سبحانه وتعالى لسيدنا نوح فلماذا مرة يقول أوحينا ومرة أوحي؟
الملاحظ أنه حيث جاء فعل أمر متصل بالإيحاء فعل أوحينا لا يبنيه للمجهول وإنما يذكر الفاعل في القرآن كله إذا جاء فعل أمر بعد فعل الإيحاء يذكر الفاعل مثلاً (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) الأعراف) ألقِ فعل أمر فقال أوحينا، (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (7) القصص) فعل أمر، (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) النحل) (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا (77) طه). (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) المائدة) لم يبنه للمجهول، (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) النحل). مطلقاً في القرآن الكريم حيث جاء فعل أمر بعد الإيحاء لا يبنيه للمجهول، هذه سمة في كل القرآن. وهنا نفس الشيء (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا (27) المؤمنون)، في القرآن كله حتى لا نقول مصادفة. (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ (1) الجنّ) لا يناقض هذا أن ربنا سبحانه وتعالى أوحي إليه.
هو أيضاً لا شك أنه لما يذكر فعل أمر ربنا سبحانه وتعالى ربنا يذكر نفسه حتى نعرف من هو الآمِر .
* هنا قال ربنا (بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (36) هود) ومع يوسف قال (فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (69) يوسف) فما الفرق بين يفعلون ويعملون؟
هو قال (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنََ) جاء بحرف الاستقبال حتى سد طريق الإيمان يعني انتهى الأمر، لا يؤمن أحد آخر (فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُون) من استهزاء وتكذيب. يبقى السؤال في يوسف ذكر العمل (فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (69) يوسف). أيضاً من الملاحظ في القرآن أنه يستعمل الفعل (فعل) مع الإهلاك لم يستعمل الفعل (عمل)، فعل أعمّ من عمل. سواء كان بالنسبة لهؤلاء الذين يعاقبون أو لله سبحانه وتعالى عندما ينسب الفعل لنفسه. (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا (155) الأعراف) لم يقل عمل. (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) الأعراف) يستعمل فعل، في العقوبات وفي الإهلاك يستعمل (فعل) سواء هم فعلوا أو ربنا يستعمل لنفسه فعل (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) الفجر) (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) الفيل) (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ (45) إبراهيم) (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) المرسلات) عامة، هذا في السياق كله
الوقفة كاملة
|
| ٣٩٦ |
ية (51):
*انظر آية (29)
* (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)) ما النظرة السريعة في هذه الآية وماذا فيها؟
ذكر نوح أنه ليس طالب مال ولا جاه (وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً) ، هو حامل دعوة، همه الأول أن يوصل الدعوة فقط ما يطرد الذين يسمونهم أراذل.
* في موضع آخر قال (لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) هو قال مالاً أو أجرا ؟وما الفرق ؟
قال تعالى في قصة نوح في سورة هود (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)) وقال تعالى في قصة هود مع قومه في نفس السورة (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51)). لو لاحظنا سياق القصتين لوجدنا أنه في قصة نوح قال تعالى (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ) جاء ذكر خزائن الله في الآية والمال يُوضع في الخزائن فاقتضى ذكر كلمة (مالاً) في قصة نوح أما في قصة هود فلم ترد ذكر الخزائن وإنما قال (أجراً) لأن الأجر عام.
* أيهما قال مال أم أجر؟ كلاهما.
* ما معنى الأجر؟ لقاء عمل؟ نعم، الأجر لقاء عمل، يعني لا تفضلاً ولا لقاء عمل. الأجر لقاء العمل لكن ليس محدداً بالمال.
وهناك أمر آخر بين الآيتين وهو أنه في الأولى ذكر (إن أجري إلا على الله) بذكر لفظ الجلالة (الله) بينما جاء في الثانية (إن أجري إلا على الذي فطرني) بذكر (فطرني) بدل الله. والسبب أنه لو نظرنا من ناحية السمة التعبيرية في القصتين لوجدنا أن كلمة (الله) وردت في قصة نوح عشر مرات بينما وردت ثلاث مرات في قصة هود . هذا من ناحية وهناك أمر آخر وهو أنه تعالى ذكر في قصة نوح كلمة (الله) إسم علم وفي هود ذكر (الذي فطرني) أي عدّى الفعل إلى ذاته أي ضمير المتكلم كما نلاحظ في قصة هود ارتباط الأمور بشخص هود عليه السلام (إن نقول إلا اعتراك، كيدوني، إن توكلت، ربي،..) فمن الذي سينجيه من الكيد؟ الذي فطره فهو الذي خلقه ويحفظه من كل سوء فالأمر إذن شخصي وليس عامّاً فاقتضى ذكر (الذي فطرني). كذلك في سورة هود قال تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)) وهذه الآية تدل على أن الله تعالى يفطر قوماً آخرين غيرهم فالذي فطرني أنسب للذكر في قصة هود من كلمة الله التي هي أنسب في قصة نوح .
وننوه إلى أن هناك فرق بين الخلق والفَطر ولكل منها تميّز دلالي فالخلق غير الفَطر . الخلق قد يستعمله البشر بمعنى التصوير مثلاً وهو لفظ عام كما جاء على لسان عيسى (إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) وهي تستعمل سواء للخلق الابتدائي أو التصوير. أما الفَطر فهو ابتداء الشيء وهذا خاص بالله تعالى.
* (وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ) لماذا لم يقل لا أطرد أو لن أطرد؟
ذكرنا قبل قليل أن الإسم آكد وأثبت فهنا نفى بالإسم (بطارد) وجاء بالباء الزائدة المؤكدة، هذا مصطلح، زائدة لا تعني أنها ترمى هكذا لكن زائدة مصطلح عند المتأخرين زائدة بين العامل والمعمول لغرض التوكيد، الزيادة لها غرض وليست ترمى هكذا وقسم من القدامى كانوا يسمونها صلة ايضاً. إذن الباء زائدة مؤكدة واقعة في خبر المنفي وفيها الإسم.
* هي تعمل عمل ليس؟
بشروط، تعمل عمل ليس بشروط.
* (بطارد) لم يقل بطاردٍ بالتنوين؟ كما قال (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً (30) البقرة)؟
عندنا قاعدة في النحو أن إسم الفاعل لا يعمل عمل النصب إلا إذا دل على الحال والاستقبال، يعني التنوين تقول أنا ضاربٌ زيداً يعني سأضربه الآن أو في المستقبل فقط .
* إسم الفاعل يعبِّر عن الماضي؟
قد يعبر عن الماضي. الماضي قد يعبر عنه بالإضافة، الإضافة عامة تستعمل الماضي والحال والمستقبل. أنا ضاربُ زيد يعني ضربته، لكن ضاربٌ زيداً لا يمكن أن يكون للماضي . بالإضافة مطلقة قد تشمل الماضي والمستقبل، التنوين لا تشمل الماضي
(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) هذا مستقبل لم يضفه، لم يجعل خليفة بعد. (أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (10) إبراهيم)
* لا يجوز أن يقال فاطرٌ السموات، فاطرِ السموات تنسحب على الماضي، غير محدودة بوقت معين؟
غير محددة. الإضافة عامة (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ (9) آل عمران) الإضافة عامة، التنوين مقيّد محدد بزمن معين.
هنا قال (بِطَارِدِ) لا في الماضي ولا في المستقبل، لم يفعلها في الماضي ولا أفعلها في المستقبل. ولو قال وما أنا بطاردٍ خاص بالمستقبل، احتمال أنه فعلها.
* (بِطَارِدِ)، التنوين كسرتين هل كسرة واحدة تغير المعنى لهذا الحد؟
هي ليست كسرتين هي في الكتابة كسرتين لكنها هي كسرة واحدة ونون ساكنة تلحق الآخر، هذه كتابة نون ساكنة تلحق الآخر لفظاً لا خطاًً دون توكيد.
* هنا (وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ) وفي الشعراء في قصة نوح قال (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)) كيف نفهم الذين آمنوا والمؤمنين؟
نفس القصة، الكلام في هود كان أسبق في الزمن لما هو في الشعراء. لو قرأنا القصتين في هود والشعراء سنرى أن الكلام في الشعراء على ما بعد ذلك كان الكلام في هود أسبق (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ (27) هود) في الشعراء هددوه بالرجم (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116)) ، هذه مرحلة متأخرة، تلك كانت كلاماً (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) هود) لم يهددوه برجم أما في الشعراء هددوه بالرجم بعد بداية الدعوة، إذن هؤلاء مؤمنين صبروا كل هذه المدة الطويلة.
* وكأن (وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ) لحظة إيمانهم ودخولهم وحينما استمروا معه صاروا مؤمنين؟
(فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) الشعراء) هؤلاء ثبتوا مدة طويلة وصبروا ثباتهم وصبرهم وصدقهم دلالة على أنهم صادقين وثابتين في إيمانهم فاستحقوا الوصف بالإسم، تلك في مرحلة وهذه في مرحلة. هو آمن ثم استمر فبقي محافظاً عليه.
* في تضعيف الآية قال (وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) هود) لماذا أراكم؟
هم قالوا (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا) فقال (وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ) .
* مرة يأتي بضدها (فعُميت) ومرة يرد بالمثل (وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ). في الأعراف قال (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)) لم يقل أراكم وفي النمل (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55)) لماذا اختلف التعبير؟
لو نقرأ ما ورد، نحن تعلمنا أن لا نقتطع الكلمة أو الجملة اقتطاعاً، في نوح دعاهم إلى ما يرى (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) هود) دعاهم، إذن ذكر ما يراه كل واحد في الآخر في المعتقدات، (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) من قالها؟ قالها موسى لقومه بني إسرائيل بعدما أنجاهم وجاوزهم من البحر وأغرق آل فرعون قال ربنا (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) الأعراف) يريدون صنماً قال (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) هذا ليس نقاشاً. إذن لماذا أنجاهم وجاوز بهم البحر ما داموا يريدون أن يعبدوا الأصنام؟! ما الفرق بينهم وبين غيرهم ممن يعبدون الأصنام، هذه ليست مسالة رؤية، هذه فيها أمر فيه تحقيق، ثم هذا خطر جداً، هذا ارتداد، عبادة أصنام وشرك، ردة.
* في النمل (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)!
هؤلاء قوم لوط (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) النمل) ليس نقاشاً في فكرة وإنما فاحشة، ليس نقاشاً أخذ ورد وإنما هذا أمر ظاهر ليست كتلك أنه جاءهم بعقيدة هم يرون هذا وهو يرى هذا، هذا في أمر ظاهر فاحش تقرير أمر واقع لكن الملاحظ أنه قال (إنكم) في قوم موسى أكّدها وفي قوم لوط قال (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) ما قال (إنكم). في موسى (إنكم) وفي قوم لوط (بل أنتم) ما قال (إنكم) ليس فيها تأكيد
* مع أن الموقفين واقعين بالفعل هذا تكلم عن حادثة فاحشة موجودة وموسى تحدث عن قومه؟
أي الأكبر جريمة ووزره أعظم المشرك أو الذي يعمل فاحشة؟ المشرك ، المسلم الذي يرتد أو الذي يعمل فاحشة؟ المسلم الذي يرتد، هؤلاء مؤمنين ويردون أن يعبدوا صنماً، (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ (48) النساء) هذا أمر أفظع وأعظم لأن فيه ردة ولذلك أكّد. ليس الأمران سواء.
* لكن (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ (80) الأعراف)؟
لكنها تبقى فاحشة، المسلم قد يعمل فاحشة لكن لا يخرج من الملة لكن الذي يرتد يخرج من الملة، إذا عبد صنماً هذه أكبر. الأمر ليس سواء، هذه دقة في التعبير عجيبة ، تلك أكبر بكثير شرك وعبادة أصنام ورِدّة أما الفاحشة فليست بمنزلة تلك. هذه هي البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، اختيارات عجيبة.
الوقفة كاملة
|
| ٣٩٧ |
قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا١٢٢﴾ [النساء: 122].
فقال: ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ﴾.
وقال في سورة مريم: ﴿جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا٦١﴾ [مريم: 61].
فقال: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا﴾.
وقال في سورة الزمر: ﴿لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ٢٠﴾ [الزمر: 20].
فقال: ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَاد﴾.
وقال في سورة الأحقاف: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَئَِّاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ١٦﴾ [الأحقاف: 16].
فقال: ﴿وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ﴾. سؤال:
قال سبحانه في موضع: ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ﴾.
وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا﴾.
وقال في موضع ثالث: ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَاد﴾.
وقال في موضع رابع: ﴿وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ﴾.
فلم الاختلاف في التعقيب على الموعد؟
الجواب:
إن كل تعبير مناسب للسياق الذي وردت فيه الآية:
1 – فقد ذكر قبل آية النساء ما يعد الشيطان أولياءه من الغرور والخداع والإطماع بالباطل فقال: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا١١٩ يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا١٢٠ أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا﴾.
ثم ذكر بعدها ما يعد الله المؤمنين فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا١٢٢﴾ [النساء: 122].
فهذا وعد الله، وذاك وعد الشيطان، فذكر أن وعد الله حق، وليس كما يعد الشيطان أولياءه من الغرور والخداع والإطماع بالباطل، فإن معنى (غره) خدعه وأطمعه بالباطل.
فوعد الله حق، ووعد الشيطان غرور.
2 – وأما آية مريم، فقد قال فيها: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا﴾ ذلك أنه ذكر وعد الرحمن عباده بالغيب فقال: ﴿جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا٦١﴾ [مريم: 61].
والغيب مجهول يرتاب به الكافرون، أيأتي أم لا؟
فقال: إنه مأتي يأتيكم وتأتونه.
3 – وقال في آية الزمر: ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ﴾.
ذلك أنه ذكر خلف الإنسان لوعده في قوله سبحانه: ﴿۞وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ٨﴾ [الزمر: 8].
فقد وعد الإنسان ربه بالإنابة إليه عند مسه بالضر، فلما كشف عنه ضره وخوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه وأخلف وعده.
فقال في الآية العشرين: ﴿لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ٢٠﴾.
فقال: إن الله لا يخلف وعده تعريضًا بما وعد الإنسان ربه فأخلف.
وهذا من لطيف المناسبة.
4 – وأما قوله سبحانه في الأحقاف: ﴿وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾.
فهو مناسب لسياقه أيضًا.
فإن الآية وردت في الصالحين من الأبناء، فقال سبحانه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَئَِّاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ١٦﴾ [الأحقاف: 16].
فقال: إن ذلك وعد الصدق.
وورد بعدها ذكر الأبناء الكافرين المكذبين بيوم الدين، فقال فيهم: ﴿وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ١٧﴾ [الأحقاف: 17].
فهؤلاء مكذبون بما كان يعدهم آباؤهم بالبعث ويقولون: ﴿مَا هَٰذَآ إِلَّآ
أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾.
فهؤلاء يقولون: إن هذا الوعد كذب، وما هو إلا أساطير الأولين.
فقال ربنا سبحانه: إن هذا الوعد وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
فناسب كل تعبير موضعه الذي ورد فيه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 268: 271)
الوقفة كاملة
|
| ٣٩٨ |
برنامج لمسات بيانية
*ورد في سورة إبراهيم (وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)) وفي لقمان في مكان آخر قال (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)) وهنا قال (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) فكيف نفهم الفروق البيانية الدلالية الموجودة بين الثلاث الآيات ونظهر اللمسات البيانية فيها؟
ربنا سبحانه وتعالى قال في سورة إبراهيم على لسان موسى (وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ)، في لقمان قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) فأكد في سورة إبراهيم فقال (فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) أكد بإنّ واللام في (إن الله لغني)، في لقمان أكد بإنّ وحدها وقال (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) في إبراهيم زاد اللام وفي لقمان التوكيد فقط بإنّ. وقلنا أن السياق هو الذي يوضح هذا الأمر. لو نقرأ الآية في لقمان (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) إذن قسّم العباد إلى قسمين قسم شاكر وقسم كافر، من يشكر ومن كفر إذن قسم العباد إلى قمسين. في إبراهيم إفترض كفر أهل الأرض جميعاً ولم يقسمهم إلى قسمين (إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) إذن في لقمان افترض العباد قسمين وفي إبراهيم افترض كفر أهل الأرض جميعاً فنلاحظ الإختلاف بين التعبيرين في ثلاثة أمور: أولاً في لقمان جرى على التبعيض (بعضهم مؤمن وبعضهم كافر باعتبار من يشكر ومن كفر) بينما في إبراهيم على الشمول شملهم كلهم ولم يستثني أحداً. ونلاحظ في لقمان قال (ومن كفر) بالماضي، في إبراهيم قال (إن تكفروا) بالمضارع، في لقمان فعل الشرط ماضي (ومن كفر) وفي إبراهيم فعل الشرط مضارع (إن تكفروا) والفرق واضح لأنه ذكرنا في حلقة ماضية أنه إذا كان فعل الشرط ماضياً إفتراض وقوع الحدث مرة وإن كان مضارعاً افتراض تكرر الحدث فهنا قال (إن تكفروا) يعني إذا داومتم واستمررتم على الكفر دلالة على تكرر الكفر وتجدده (إن تكفروا) يعني تستمرون على الكفر وتداوموا عليه وفي لقمان قال ومن كفر. ثم قال (جميعاً) جاء بالحال المؤكدة. إذن إفتراض كفر أهل الأرض بلا استثناء لم يجعلهم قمسمين ثم افتراض الكفر مستمر ثم أكد ذلك بـ (جميعاً) فاقتضى ذلك زيادة التأكيد في إبراهيم (فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) الله تعالى لا يحتاج إلى غني لما ذكر هذه الأمور افتراض ليكفر أهل الأرض جميعاً وليداموا على الكفر جميعاً هذه كلها مؤكدات. ربنا تعالى لم يؤكد غني في لقمان لأن الناس فئتان ولما كان الناس على ملة واحدة أكّد لأنه تعالى لا يحتاج إليهم حتى لو كانوا كلهم كفار ويداومون ويستمرون على ذلك. فائدة التأكيد هنا فائدة بلاغية أن الله تعالى غني عن العباد كلهم لو كفروا كلهم جميعاً واستمروا ربنا غني عنهم، تأكيد الغنى.
الوقفة كاملة
|
| ٣٩٩ |
برنامج لمسات بيانية
سورة لقمان
اية 26
الوقفة كاملة
|
| ٤٠٠ |
برنامج لمسات بيانية
* لم ختمت الآية بقوله تعالى:( وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) لماذا لم يقل الظالمين؟
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) قال (وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) هذا كافر ولو قال ظالم فالظالم ليس بالضرورة كافر فقد يكون ظالماً غير كافر إنما هذا هو كافر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لو قال ظالمين لا تعني أنه كافر. حتى لما قال (لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ) وصف الذين كفروا أعمالهم (كسراب بقيعة) (كرماد اشتدت به الريح).
الوقفة كاملة
|