تفسير و تدارس

٣٧١ التعليق علي تفسير ابن كثير . الوقفة كاملة
٣٧٢ التعليق علي تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٧٣ التعليق علي تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٧٤ التعليق على تفسير ان كثير الوقفة كاملة
٣٧٥ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٧٦ التعليق على تفسير بن كثير الوقفة كاملة
٣٧٧ التعليق على تفسير بن كثير الوقفة كاملة
٣٧٨ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٧٩ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٨٠ التعليق علي تفسير ابن كثير سورة الانبياء الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٣٧١ (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) أجمل حقيقة ما يعيشه الناس في هذه الحياة بما ذكر في الآية. وقد رتب هذه الأشياء بحسب ترتيبها في حياة الناس مبتدئاً باللعب واللهو منتهياً بالجد. نبدأ باللعب وهو ما يقع في دور الطفولة والصبا. هذا هو الأصل وإن كان يطلق اللعب أحياناً على نقيض الجد كقوله تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ) - التوبة (65) (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) - الزخرف (83) وقوله (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) - الدخان (9) وقوله( قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ) - الأنبياء (55). ثم ذكر اللهو وهو ما يكون في دور الفتوة والشباب. ثم إن اللهو أعم من اللعب. فاللهو يقع للصغير والكبير. ثم ذكر الزينة وهو مقصد من مقاصد الشباب والنساء في دور بداية اكتمال أنوثتهن. وذكر بعدها التفاخر وهو أكثر ما يكون من شأن الرجال فيفتخرون بمآثر أفعالهم وأحسابهم وأنسابهم ومآثر آبائهم وأجدادهم. ثم يأتي بعد ذلك دور التكاثر في الأموال والأولاد وهو التباري في جمعها وهو المقصد الأهم في الحياة إذ بالمال والأولاد تدوم الحياة وبهما ينشغل الناس وفيها يجدّون. أما ما قبلها من الأمور فهي ليست بتلك المنزلة والمكانة. وقدم الأموال على الأولاد لأن التكاثر في الأموال أكثر. وختم بالأولاد لأنهم أجل ما ذكر ولهم يترك المال. جاء في (نظم الدرر): لعب: فهو باطل كلعب الصبيان ولهو أي شيء يفرح الإنسان به فيلهيه ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان. ثم أتبع ذلك عظم بما يلهى في الدنيا فقال (وَزِينَةٌ) : أي شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان. وأتبعها ثمرتها فقال (وَتَفَاخُرٌ) ، أي كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض (1). وجاء في (تفسير الرازي): المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا وتعظيم حال الآخرة... ثم إنه تعالى وصفها بأمور: (أولها) أنها لعب وهو فعل الصبيان الذي يتعبون أنفسهم جداً. ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة. و (ثانيها) أنها لهو وهو فعل الشبان ... و(رابعها) تفاخر بينكم بالصفات الفانية الزائلة (2). جاء في (التحرير والتنوير): وهي أيضاً أصول أطوار آحاد الناس في تطور كل واحد منهم. فإن اللعب تطورين: الطفولة والصبا، واللهو طور الشباب. والزينة طور الفتوة، والتفاخر طور الكهولة والتكاثر طور الشيخوخة... واللعب هو الغالب على أعمال الأطفال والصبيان فطور الطفولة طور اللعب ويتفاوت غيرهم في الإتيان منه فيقل ويكثر بحسب تفاوت الناس في الأطوار الأولى من الإنسان وفي رجاحة العقول وضعفها. والإفراط فيه من غير أصحاب طوره يؤذن بخسة العقل ولذلك قال قوم إبراهيم له (أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ)... واللهو اسم لفعل أو قول يقصد منه التذاذ النفس به وصرفها عن ألم حاصل من تعب الجسد أو الحزن أو الكمد يقال: لها عن الشيء أي تشاغل عنه... ويغلب اللهو على أحوال الشباب فطور الشباب طوره ويكثر اللهو في أحوال الدنيا من تطلب اللذات والطرب. والزينة تحسين الذات والمكان بما يجعل وقعه عند ناظره مسراً له. وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم وذلك في طباع النساء أشد... ويغلب التزيين على أحوال الحياة فإن معظم المساكن والملابس يراد منه الزينة... والتفاخر الكلام الذي يفخر به. والفخر حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل. وصيغ منه زنة التفاعل لأنه شأن الفخر أن يقع بين جانبين كما أنبأ به تقييده بظرف (بَيْنَكُمْ ) .... والتكاثر تفاعل من الكثرة وصيغة التفاعل هنا للمبالغة في الفعل بحيث ينزل منزلة من يغالب غيره في كثرة شيء... ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر فصارت تستعمل في الحرص على تحصيل الكثير من غير مراعاة مغالبة الغير ممن حصل عليه (3). وقد اقتصر في مواضع أخرى من القرآن الكريم على اللعب واللهو ولم يذكر الزينة وما بعدها. قال تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) - الأنعام (32). وقال: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) محمد (36) وقال: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) - العنكبوت (64). فاقتصر كما ترى على اللعب واللهو ذلك لأن ما ذكره في آية الحديد من زينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد قد يندرج تحت اللهو. فالزينة قد تلهي والتفاخر قد يلهي والتكاثر في الأموال والأولاد قد يلهى. فقد سمى الله المال والبنين زينة فقال (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ) - الكهف (46) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ - ) المنافقون (9) وقال( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) التكاثر (1، 2). وتندرج كثير من أمور الحياة في معنى اللعب بمعناه الواسع وهو ما كان نقيض الجد وما لا يقصد به من الأعمال قصداً صحيحاً كما ورد في القرآن مما سماه لعباً. ولا فصل في آية الحديد في حقيقة الحياة الدنيا فصل في وصفها وعاقبتها. ولما أجمل في الآيات الأخرى لم يذكر شيئاً آخر يتعلق بها وإنما ذكر الآخرة أو أموراً أخرى لا تتعلق بوصف الحياة. وقدم اللعب على اللهو فيما مر من الآيات إلا في آية واحدة قدم فيها اللهو على اللعب وهو قوله: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) - العنكبوت (64) وذلك لأن السياق يقتضى هذا التقديم ذلك أنه تقدم الآية قوله: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ ) - (62) والرزق مدعاة إلى الالتهاء به والمشغلة لجمعه لا إلى اللعب ولذا قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) - المنافقون (9) فالذي بسط له رزقه ملته بجمعه والذي قدر عليه رزقه ملته بالحصول عليه. ثم قال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا به الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (36) ومع معرفتهم وإقرارهم بذاك التهوا بالدنيا عن الله وعبادته وعن الآخرة. فناسب تقديم اللهو. ولم يتقدم أية الأنعام ولا آية محمد ما يدعو إلى اللهو فكان تقديمه في آية العنكبوت أنسب. (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) شبه الحياة الدنيا بغيث أعجب الكفار نباته، والكفار هم الكافرون بالله الجاحدون لنعمة. وقال بعضهم إن الكفار هم الزراع لأن الزارع قد يسمى كافراً لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض أي يغطيه (4). ويترجح عندي المعنى الأول فإن الكافرين هم الذين يغترون بالدنيا وهم أشد إعجاباً بها وبزينتها. ولا مانع من أن يكون المعنيان مقصودين فإنه من التوسع في المعنى الذي يراعيه القرآن كثيراً. وقد ذكر القرآن الزراع باسمهم في سورة الفتح حين وصف أصحاب محمد فقال (... وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ) - الفتح (29). واختيار الزراع هنا أنسب كما أن اختيار الكفار هناك أنسب ذلك أن التشبيه في سورة الفتح وقع لصورة محدودة فناسب ذكر الزراع لا الكفار بخلاف ما في سورة الحديد. ثم إنه قال في آية الفتح (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ) فلا يناسب أن يقول: يعجب الكفار ليغيظ بهم الكفار. ثم إنه قال (الزُّرَّاعَ) في آية الفتح للدلالة على أنه زرع مقصود لأن الزارع يزرع ما ينتفع به وينتفع به الآخرون بخلاف ما ذكر في آية الحديد فإنه قال (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) وهو ما يخرج بسبب المطر من أنواع مختلفة منها ما لا فائدة فيه للإنسان ومنها الأدغال والحشائش، فكان كل تعبير في مكانه أنسب. (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ ) ذكر مآل الزرع وناسب ذلك ذكر الزينة والأموال فذكر زوالهما وذهابهما وذلك شأن الدنيا. لقد قال فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ولم يقل (ثم يكون مصفرًا) كما قال (ثُمَّ يَهِيجُ) و(ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ) بإسناد الفعل إلى النبات. أي يراه الناظر مصفراً وذلك للدلالة على زوال الزينة وذهابها فإن الزينة تتعلق بالناظر كما قال تعالى (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ) - الحجر (16)، ومن ناحية أخرى ليدل على موطن العبرة والاتعاظ فإن ذلك يحصل بالرؤية. وقال (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ ) أي هذا مآله ولم يقل (ثم تراد حطامًا) فلم يعلق ذلك بالرؤية وإنما أراد أن يبين أن يكون كذلك إذ ربما يكون الشيء غير ذي زينة للناظر ولكنه ثمين نافع وهو من كرائم الأموال. فقال (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) فيذهب المال ويزول فلا يبقى مال ولا تكاثر ولا تفاخر ولا زينة لأن الحطام ليس مالاً ولا يتفاخر أو يتكاثر به. بل سيذهب اللعب واللهو معه فإن الذي لم يبق له إلا الحطام لا يلعب ولا يلهو وكيف يلهو ويلعب وقد أصبح ما لديه حطاماً؟ وقد تقول: ولم لم يقل (ثم يجعله حطامًا) كما قال في سورة الزمر؟ والجواب: إن السياق مختلف في الآيتين. ففي آية الزمر الأفعال مسندة إلى الله، قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) - (21). فالله هو الذي أنزل من السماء ماء. وهو الذي سلكه ينابيع في الأرض. وهو الذي أخرج به الزرع. فناسب أن يقول (فيَجْعَلُهُ حُطَامًا) لأن الذي أخرجه هو الذي يجعله حطاماً. وليس كذلك التعبير في آية الحديد فإنه قال (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً فلم يسند حدثاً إلى نفسه سبحانه فناسب كل تعبير موضعه. (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ) قدم العذاب على المغفرة لأنه ذكر قبله اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر ما ليس محموداً على العموم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن العذاب يسبق المغفرة والرضوان. فعذاب الموقف قبل الحساب وقبل القضاء وقبل الدخول في الجنة أو النار. وورود النار لجميع الخلق قبل الدخول في الجنة كما قال تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ) - مريم (71). ومن الناس من يعذب أولاً ثم يدخل الجنة. ووصف العذاب بأنه شديد. وذكر أن المغفرة والرضوان من الله ولم يذكر مثل ذلك في العذاب للدلالة على سعة رحمته، وقدم المغفرة على الرضوان لأنها أسبق منه وهي قبله، جاء في (روح المعاني): (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا و(مَغْفِرَةٌ) عظيمة من الله و(رِضْوَانٌ) عظيم لا يقادر قدره. وفي مقابلة العذاب الشديد بشيئين إشارة إلى غلبة الرحمة وأنه من باب (لن يغلب عسر يسرين). وفي ترك وصف العذاب بكونه من الله تعالى مع وصف ما بعده بذلك إشارة إلى غلبتها أيضاً(5). وقال (مَغْفِرَةٌ) ولم يقل (غفران) ذلك أن كلمة (غفران) لم ترد في القرآن الكريم إلا في موطن واحد لمعنى واحد وهو طلب المغفرة من الله وهو قوله (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) - البقرة (285)، وأما المغفرة فتأتي في غير الطلب كالإخبار بها والدعوة إليها وغير ذلك. قال تعالى (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ ) - البقرة (221)، وقال(وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ ) - البقرة (268) وقال (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ ) - الرعد (6). وقد تكون المغفرة من غير الله قال تعالى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ ) - البقرة (263). وقال (رِضْوَانٌ) ولم يقل (مرضاة) لأن الرضوان معناه الرضا الكثير ولما كان أعظم الرضا رضا الله تعالى خص لفظ الرضوان في القرآن بما كان من الله تعالى (6). قال تعالى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) - آل عمران (162) وقال (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ) - التوبة (21) وقال: أَ( فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ) - التوبة (109). وأما المرضاة فإنها تستعمل له ولغيره قال تعالى (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ ) - التحريم (1) وقال (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ ) - البقرة (207). ثم إن (المرضاة) لم تستعمل إلا في ابتغاء الرضا وأما الرضوان فهو عام يستعمل في ابتغاء الرضا وغيره. قال تعالى في المرضاة: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) - البقرة (265) - وقال( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) - النساء (114). وقال في الرضوان (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ ) - التوبة (21) - هذا في غير ابتغاء الرضا. وقال في ابتغاء الرضا (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) - الحديد (27) وقال (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ ) - الفتح (29). ومن هذا يتبين أن المغفرة: 1- تستعمل في المغفرة من الله وغيره فهي عامة من حيث الغافر. 2- انها عامة في غير الطلب فهي عامة من حيث الدلالة بخلاف (الغفران) فإنه خاص بمعنى واحد وهو طلب المغفرة وخاص في الغافر وهو الله. وأن المرضاة: ۱- خاصة في ابتغاء الرضا فهي لم تستعمل في غيره. ۲- وأنها عامة في المبتغى منه الرضا فهو الله أو غيره. وأن الرضوان: 1- خاص في أنه من الله. ۲- عام في ابتغاء الرضا وغيره فهو عام من حيث الدلالة. فخصص المغفرة وقال وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لتقابل الرضوان لأن الرضوان مخصص في كونه من الله. وكلاهما مطلق من حيث الدلالة. فتناظرا من حيث كونهما خاصين بالله عامين من حيث الدلالة. والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 275 إلى ص 281. (1) نظم الدرر 7/452. (2) تفسير الرازي 29/233 – 234. (3) التحرير والتنوير 27/401 – 403. (4) أنظر تفسير اليازي 29/235، الكشاف 4/65. (5) روح المعاني 27/283 – 284. (6) مفردات الراغب. مادة: (رضي). الوقفة كاملة
٣٧٢ (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) هذا وصف آخر للذين لا يحبهم الله وهم الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ولا يكتفون بذاك بل يأمرون الناس بالبخل ولعل من دواعي ذلك أنهم لا يريدون أن يذكر غيرهم بخير فيتساوون في الوصف فلا يكون أحد أفضل من أحد كما أخبر ربنا عن المنافقين بقوله (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ ) - النساء (۸۹). و(لَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بدل على رأي الأكثرين لاختلاف التابع والمتبوع تعريفا وتنكيراً. ونعت عند من يجيز أن تنعت النكرة المخصصة بالمعرفة نظير قولهم في قوله تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ) ومن يتول عما أمر الله به فإن الله غني عنه، وقال (هُوَ الْغَنِيُّ) : ولم يقل (غني) لأنه لا غني على الحقيقة سواه فعرف الوصف بأل وجاء بضمير الفصل للدلالة على الحصر. وقد تقول: لقد قال الله في مكان آخر (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) - لقمان (۱۲) فلم يعرف الغني فما السبب؟ فنقول: إن السياق في كل من الآيتين مختلف، فإنه لم يذكر في سياق آية لقمان ملكاً له ولم يذكر أنه أتى الناس شيئاً فلم يعرف الغني. أما في سياق هذه الآية فإنه ذكر أنه هو الذي أتانا فقال: (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ) . فإذا كان الإنسان يرى أنه استغني أو يرى أنه غني فذاك مما آتاه الله. فالله إذن هو الغني وحده. وهذه الآية في التوكيد والقصر نظير قوله في سورة لقمان (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (26) فإنه لما ذكر ملكه وأن له ما في السماوات والأرض أكد غناه وقصره عليه فعرف الغني وجاء بضمير الفصل. ولم يكتف بوصف ذاته العلية بالغني بل قال (هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فهو المحمود في غناه والمحمود في صفاته كلها على جهة الثبوت. وهو تعريض بالأغنياء المذمومين الذين لا يحمدهم أحد ولم يأتوا في غناهم بما يحمدون عليه. جاء في (الكشاف): (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بدل من قوله (كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون. يريد الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالاً وحظاً من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم وعظمة في عيونهم يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به ولا يكفيهم أنهم بخلوا حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبونهم في الإمساك ويزينوه لهم وذلك كله عدنان بن عبد السلام الأسعد نتيجة فرحهم وبطرهم عند أصحابهم. (وَمَنْ يَتَوَلَّ) عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي فإن الله غني عنه (1). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 289 إلى ص 291. (1) الكشاف 4/66.  الوقفة كاملة
٣٧٣ برنامج لمسات بيانية (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) أي ما كانت النفخة المذكورة في قوله تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) إلا صيحة واحدة (1) فإذا هم مجموعون محضرون لدى رب العزة. وجاء بالفاء وإذا للدلالة على مفاجأة الجمع والإحضار بعد الموت والبلي وسرعته، فإذن (إذا) نفيد المفاجأة والفاء تدل على الحدوث بلا تراخ واجتماعهما يدل على المفاجأة والسرعة. ومعنى (جميع) مجموعون أي فإذا هم مجموعون. وقد تقول: ولم قال (جميع) ولم يقل (مجموعون) كما قال في مكان آخر من القرآن الكريم؟ فقد قال في سورة الواقعة (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) الواقعة 49،50 وقال (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) هود 103 والجواب أن (جميع) تأتي بمعنيين – كما ذكرنا في آية سابقة – إما أن تكون بمعنى مفعول أي مجموعون وإما أن تكون بمعنى مجتمعين وذلك نحو قوله تعالى (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ) القمر 44 وقوله (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) الشعراء 56 أي مجتمعون. فجاء بــ(محضرون) ليدل على أنهم مجموعون لا مجتمعون أي لم يجتمعوا باختيارهم، وأما (مجموعون) فهو يدل تنصيصاً على اسم المفعول أي جمعوا جمعاً ولذا لم يحتج إلى نحو (محضرون). هذا من ناحية، ومن ناحية آخري أن (جميع) على زنة (فعيل) وهي بمعنى (مفعول) كما اتضح وهذه الصيغة لا تقال إلا لما وقع فعلاً (2) ولا تقال لما سيقع، أما صيغة (مفعول) فتقال لما وقع ولما لم يقع، فأنت لا تقول (قتيل) إلا لمن قتل، ولا تقول (طريد) إلا لمن طرد، أما مقتول ومطرود فيقال لمن قتل ولمن سيقتل أي أن صيغة (مفعول) تحتمل الحال والاستقبال بخلاف فعيل. وفي آية يس تحدث عن أحداث القيامة بصيغة ما وقع فجاء بالصيغة التي تدل على الوقوع. أما آيتا الواقعة وهود فإنهما في سياق المستقبل فجاء بهما على مفعول، قال تعالى في الواقعة (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ) فقد أمر الرسول أن يبلغهم بقوله (قل) وهذا يدل على أن الكلام في الدنيا وسياق الآيات واضح في ذلك. وقال في هود (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) هود 103-105 فقوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ) يدل على أنهم في الدنيا، وكذلك قوله (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) وقوله (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) فكل ذلك يدل على أن الكلام على المستقبل. فاتضح الفرق. ويدل (لدينا) على الحضور والقرب، وهو أخص من (عندنا) فإن (عند) قد تكون للحاضر والغائب فأنت تقول (عندي مال) وإن كان غائباً ولا تقول (لدي) إلا إذا كان حاضراً قريباً (3) وتقديم (لدينا) يدل على القصر أي محضرون لدينا لا لدى غيرنا كما مربيان ذلك. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص192 إلى ص193 1- ينظر التفسير الكبير 26/90، فتح القدير 4/363 2- كتاب سيبويه 2/213، أدب الكاتب 228، المخصص 16/156 3- ينظر الهمع 1/202، شرح ابن يعيش 4/100، شرح الرضى على الكافية 2/128   (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فاليوم أي يوم القيامة الذي يحضر فيه الجميع للحساب لا تظلم نفس شيئاُ، ذكر النفس ليشمل كل نفس برة كانت أو فاجرة (1) فالتنكير أفاد العموم، ونفي الظلم على الإطلاق فليس في ذلك اليوم من ظلم كما قال تعالي (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) غافر 17. و(شيئاً) يحتمل معنيين: يحتمل المصدرية أي لا تظلمون شيئاً من الظلم وإن قل. ويحتمل المفعول به أي لا تظلمون شيئاً من الأشياء(2) وهذا المعنيان مرادان معاً فلا تظلم نفس شيئاً من الظلم ولا شيئاً من الأشياء ولذا أطلق كلمة (شيء) ولم يقيدها. الوقفة كاملة
٣٧٤ برنامج لمسات بيانية سورة يوسف اية 26 الوقفة كاملة
٣٧٥ برنامج لمسات بيانية (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ) إن ارتباط هذه الآية بما قبلها ارتباط لطيف فإنه لما ذكر جهنم والختم على الأفواه وتكليم الأيدي وشهادة الأرجل وغير ذلك مما ذكره بعد مما هو مستغرب وغير مألوف فقد يظن ظان أن هذا من خيال الشعراء وتصويراتهم وليس من الحقائق فقال (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ) إن قوله (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) ردّ لقولهم (هو شاعر) فقد كانوا يصفون رسول الله بهذا الوصف قال تعالى (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ) الأنبياء (5) وقال (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ )الصافات (36). فرد قولهم بقوله (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ). ونفى الفعل بــ (ما) ولم ينفه بــ (لم) فلم يقل (ولم نعلّمه الشعر) وذلك لقوة (ما) في النفي ذلك أن (ما فعل) نفي لـ (لقد فعل) وأن (لم يفعل) نفي لـ (فعلّ)و (ما) إذا نفت الفعل الماضي كانت بمنزلة جواب القسم(1). ومعنى (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) ما يصح له ولا يليق ولا يتأتى له لو أراده فهو لا يمكنه نظم الشعر ولا يستطيعه جاء في (الكشاف): ")وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه أي جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل" (2). فنفى بهذا كون الرسول شاعراً ونفى كون القرآن شعراً. لقد نفى أولاً تعليمه الرسول للشعر فقال (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) وقد يظن ظان أنه ربما كان في تعليمه الشعر خير حرُم منه وأنه لو علّمه إياه لكان أكمل له فقال (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أي أنه لا يصح أن يكون شاعراً وأن الكمال في حقه (صلى الله عليه وسلم) عدم تعليمه إياه فإن مهمة النبي غير مهمة النبي غير مهمة الشاعر فلا يليق بالنبي أن يكون شاعراً. وأقل ما يقال في الشعر والشعراء: 1- أن الشاعر قد يزيد في الحقائق أو ينقص منها أو يكذب وقد يستبد به الخيال في تصويراته الشعرية ومبالغاته بينما الرسول لا يقول إلا الحق فلا يزيد فيه أو ينقص منه. 2- وأن الشاعر قد يعني بتزويق الكلام وتحسينه على حساب المعنى. 3- وأن الشاعر قد يقع في ضرورات لا يقتضيها المعنى وقد يضع الكلمة في غير موضعها المناسب وقد يخل بمقتضيات البلاغة من تقديم وتأخير وذكر وحذف وما إلى ذلك. أما القرآن فإنه يضع التعبير في الأعلى مراتب البلاغة. 4- ثم إن القرآن حدد سلوك الشعراء وطبيعتهم بما يختلف عن طبيعة النبي وسلوكه فقد قال ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) الشعراء (224 – 226). وهذا لا يمكن أن يكون سلوك الأنبياء الذين يتصدون لإصلاح الخلْق، ولم يستثن منهم إلا أتباع الرسل والأنبياء فقال (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )…. 5- ثم إن الشعر إنما هو قول الشاعر أي هو كلام بشر، فلو كان القرآن شعراً لكان من كلام البشر. وقد ادّعى الكفار أن محمداً شاعر وأن القرءان شعر ليصلوا بذلك إلى أن القرآن ليس كلام الله وأن محمداً ليس رسولاً،فنفى ذلك ليبطل زعمهم. 6- ثم إن الشعر له نظير والشعراء لهم نظراء وأضراب فنفى أن يكون القرآن شعراً ومحمد شاعراً ليدل على أنه ليس له ولا لما جاء به نظير. جاء في (البحر المحيط): "(وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أي ولا يمكن له ولا يصح ولا يناسب لأنه عليه السلام في طريق جد محض والشعر أكثره في طريق هزل وتحسين لما ليس حسناً وتقبيح لما ليس قبيحاً ومغالاة مفرطة جعله تعالى لا يقرض الشعر كما جعل أميّا لا يخلط الحجة أثبت والشبهة أدحض... وإنما منع الله نبيه من الشعر ترفيعاً له عما في قول الشعراء من التخيل والتزويق للقول وأما القرآن فهو ذكر بحقائق وبراهين فما هو بقول شاعر" (3). وجاء في (روح المعاني): "(وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أي لا يليق ولا يصلح له (صلى الله عليه وسلم) الشعر لأنه يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن لأن أحسنه المبالغة والمجازفة والإغراق في الوصف وأكثره تحسين ما ليس بحسن وتقبيح ما ليس بقبيح وكل ذلك يستدعي الكذب أو يحاكيه الكذب وجل جناب الشارع عن ذلك، كذا قليل (4). لقد قال قبل هذه الآية إنه لو شاء لطمس على أعينهم ولو شاء لمسخهم على مكانتهم. ولو شاء لكان. وفي هذه الآية أعني (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ... ) ذكر ربنا ما شاء أن يكون وهو أن يكون محمد نبياً وليس شاعراً وأن ما أنزله عليه ذكر وقرآن وليس شعراً. والطمس والمسخ من الآيات الدالة على قدرته تعالى، والقرآن الكريم أكبر الآيات الدالة على صحة رسالته (صلى الله عليه وسلم) فكلتاهما آية وحجة. الطمس والمسخ كل منهما آية على أن الله قادر على أن يعجز خلقه فلا يستطيعون أن يفعلوا إزاءها شيئاً، والقرآن آية على إعجازهم كذلك فلا يستطيعون أن يأتوا بمثله. فكلتاهما آية على قدرته وحجة على خلقه. لقد نفى الفعل (يَنْبَغِي) بــ (ما) فقال (ومَا يَنْبَغِي لَهُ) ولم ينفه بلا ذلك أن (لا) الداخلة على الفعل المضارع أكثر ما تكون للاستقبال بل ذهب النجاة إلى أنها خاصة بالاستقبال. قال تعالى على لسان سيدنا سليمان عليه السلام (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) ص (35) فنفى الفعل (يَنْبَغِي) بــ (لا) ذلك أنه دال على الاستقبال فقد قال (مِنْ بَعْدِي). وهذا هو الموطن الوحيد الذي دخلت فيه (لا) على الفعل (يَنْبَغِي) في القرآن الكريم فلا يناسب ههنا النفي بــ (لا) لئلا يفهم أن هذا النفي خاص بالاستقبال لا ما هو عليه الآن (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ) أي ما هذا الذي تسمعونه منه وتسمونه شعراً إلا ذكر وموعظة من الله عز وجل وقرآن مبين أي مظهر لكل أحد أنه ليس شعراً وإنما هو قرآن يتلى أنزله الله، فيه مواعظ وإرشاد للثقيلين. وقد تقول: لقد قال تعالى ههنا (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ )فنفى واثبت بإنْ وإلا قال في موطن آخر فنفى وأثبت بـ (ما) و (إلا) في موطن آخر (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)القلم (52) فنفى وأثبت بــ (ما و (إلا) فلم ذاك وما الفرق؟ والجواب أن النفي بــ (إن) أقوى من (ما) (5) فنفى بما هو أقوى. وقد تقول: ولم نفى بـ (ما) في سورة القلم؟ والجواب أن ذلك بحسب ما يقتضيه السياق والمقام، وأن كل موطن اقتضى التعبير الذي ورد فيه. وإيضاح ذلك أنه في سورة القلم لم يكن السياق في الكلام على القرآن ولم يذكر عليه آية واحدة وإليك ذلك. قال تعالى (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) والكلام كما ترى في الكلام على الرسول فقوله (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ...)إلى آخر الآية إنما هو في الكلام على الرسول لا على القرآن وقال بعدها (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ )وهي الآية الوحيدة التي تكلمت على القرآن ههنا فنفى بـ (ما). وهذا هو الموطن الوحيد الذي نفى بـ (ما) في مثل هذا التعبير في القرآن الكريم في حين قال في سورة يس( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) فالكلام على القرآن كما ترى. حتى أن قوله (لينذر من كان حياً) يحتمل أن يكون المقصود به القرآن. فالكلام على القرآن أطول مما في القلم بـ (إن). ونحوه قوله تعالى في سورة يوسف (ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) (102 – 104) فقوله (ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ) يعني القرآن فإنه هو ما يوحى إليه و(أنباء الغيب) المذكورة يعني بها قصة يوسف التي ذكرها القرآن. وقوله (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ ) قيل هو القرآن. فناسب أن يقول (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) ونحوه ما جاء في سورة ص (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) (86 – 88). فالكلام إنما هو على القرآن كما هو واضح فقوله (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ قيل هو القرآن. وقوله وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) يعني القرآن فناسب النفي بإن. وقال تعالى في سورة التكوير (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ… وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (19 – 27). وهو واضح في أن الكلام على القرآن وأنه فصّل في ذلك، فنفى وأثبت بإن وإلا، فاتضح الفرق. الوقفة كاملة
٣٧٦ برنامج لمسات بيانية ماذا قال في الآية 228: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾. وقال في الآية 232: ﴿فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ﴾. فاستعمل البعولة في الآية الأولى، واستعمل الأزواج في الآية الأخرى؟ الجواب: البعل: هو رب الشيء ومالكه، ومنه: بعل الدار، وسمى زوج المرأة بعلًا؛ لأنه سيدها والقائم على أمرها، وفيه معنى الاستعلاء. فقال في الآية 228: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗا﴾ فجعل الأمر بيدهم، وجعل الحق لهم إن أرادوا ذلك، فاستعمل كلمة (البعولة). وأما في الآية الأخرى فإنه لم يجعل الأمر بيد الأزواج، وإنما جعل الأمر بيد ولي المرأة فقال: ﴿فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ﴾ والخطاب إنما هو لأولياء الأمور. فلما لم يجعل الأمر بيد الزوج لم يستعمل (البعولة)؛ لأنه ليس بيده الأمر، ولما جعل الأمر بيد الأزواج استعمل البعولة؛ لأن فيه معنى ا الاستعلاء. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ﴾ [النساء: 128]. فإنه لما كان هو المستعلي بنشوزه وإعراضه استعمل البعولة. فاتضح ما قلناه. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 266: 268) الوقفة كاملة
٣٧٧ بنامج لمسات بيانية (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) قد يكون المقصود بقوله (لينذر) القرآن أو الرسول فكلاهما منذر. قال تعالى (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) يس (10) والمقصود به الرسول. وقال (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ) الأحقاف (12). والمنذر ههنا الكتاب. فالرسول منذر والقرآن منذر. وقوله فمن كان حياه ذكرت فيه أقوال: منها أن المقصود به من كان حي القلب حي البصيرة فينتفع بالإنذار. وقيل إن المقصود به من كان عاقلاً متأملاً لأن الغافل كالميت. وقيل إن المقصود به من كان مؤمناً لأن الإيمان حياة فمن كان مؤمناً كان حياً قال تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ ) الأنعام )۱۲۲ وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ ) الأنفال (24). وقيل إن المقصود من كان قلبه صحيحاً يقبل الحق ويأبى الباطل. وقيل إن المقصود به كل حي على وجه الأرض كقوله تعالى (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ۚ ) الأنعام (19). وقيل إن المقصود به من كان حياً في علم الله أي علم الله أنه سيؤمن بهذا الإنذار(1). وكل هذه الأقوال محتملة وأن كل هؤلاء معنيون بالإنذار. قال تعالى: (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)الكهف (4). وهذا إنذار للكافرين. وقال( لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ)الأحقاف (12). وقال (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)الفرقان (1). وقال (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ ) فاطر (18) وهذا إنذار للمؤمنين. فالإنذار عام لكل الخلق مؤمنهم وكافرهم، محسنهم ومسيئهم إلا أن الذي يترجح في ظني هنا والله أعلم أن المقصود بقوله (من كان حياً) ما قصده في أول السورة بقوله (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) وذلك لأنه قال بعد ذلك (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) فجعل من كان حياً بإزاء الكافرين. وأن كان كل من ذكرته الأقوال محتملاً مطلوباً له الإنذار.  ومعنى (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) أي تجب عليهم كلمة العذاب (2). ومعنى (حق القول) في القرآن وجب العذاب كما ذكرناه في أول السورة. وذلك أن الله سبحانه قال في الأزل وقال في كتبه المنزلة على رسله أنه من كفر به أدخله النار وعذبه بعد إلزامهم بالحجة. والحجة هي ما أنزل الله على لسان رسله وبلغوهم به فيحق القول بعد الإنذار وإلزامهم الحجة. قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء (15). قال تعالي (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) الإنسان (4). وقال (وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) الشورى (26) وقال (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) آل عمران (131). جاء في (التفسير الكبير): (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) أما قول العذاب وكلمته كما قال تعالى ( وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وقوله تعالى (حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) وذلك لأن الله تعالى قال (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) فإذا جاء حق التعذيب على من وجد منه التكذيب (3). وفي مقابلة الكافرين للحي في قوله (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) إشارة إلى أن الكفار أموات وهو ما ذكره ربنا في أكثر من موطن، قال تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ ) الأنعام (122). جاء في (أنوار التنزيل) "وجعلهم في مقابلة من كان حياً إشعاراً بأنهم لكفرهم وسقوط حجتهم وعدم تأملهم أموات في الحقيقة" (4). إن هاتين الآيتين ارتبطتا بأول السورة ارتباطاً لطيفاً من نواح عدة. 1- فقد قال تعالى في أول السورة (يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) يعني أنه ليس بشاعر وهو يناسب قوله( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) وقوله (عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يقوي ذاك فإن الشعراء كما قال رب العزة في كل واد يهيمون فهذا مما يعضد هذا المعنى. ٢- وقوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) يعني أن القرآن ليس بشعر وهو يناسب قوله (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) 3- أن قوله (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) وقوله (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ) يناسب قوله (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا) 4- وأن قوله (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) يناسب قوله (ويحق وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ). 5- لقد وصف الله القرآن في أول السورة بأنه حكيم فقال (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)، ووصفه هنا بأنه مبين فقال (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) ذلك أنه قال في أول السورة أنه على صراط مستقيم ومعرفة الصراط المستقيم من غيره تحتاج إلى حكمة والسير على الصراط المستقيم يحتاج إلى حكمة فوصفه بأنه حكيم. وههنا أراد أن يبين أن القرآن ليس بشعر وهذا أمر لا يحتاج إلى حكمة وإنما يحتاج إلى تبيين فقال (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) فكان كل وصف في مكانه أنسب. 6- سمى الله تعالى ما أنزله على رسوله قرآناً وذكراً ههنا فقال (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ). وقال في أول السورة (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ )وقال بعد ذلك (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) فسماه في الموطنين قرأناً وذكراً. وقد يكون من المناسب أن نذكر أنه قدم القرآن في أول السورة وأخر الذكر فقال (يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) ثم قال في الآية الحادية عشرة (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) .وههنا قدم الذكر وأخر القرآن فقال (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) ولعل من دواعي ذلك أنه في أول السورة بدأ بالكلام على القرآن ثم أخر الكلام على ما يشبه الطمس والمسخ وهو قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا...) فقدم القرآن لذلك. وههنا بدأ بالطمس والمسخ وأخر الكلام على القرآن فقال (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ...وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ) ثم قال بعد ذلك (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) فأخر ذكر القرآن لذلك والله أعلم. وهو من الموافقات اللطيفة. وهذا من لطيف الارتباط والتناسب. الوقفة كاملة
٣٧٨ برنامج لمسات بيانية آية (26) : * (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (26) الروم) وفي آيات أخرى يستخدم (من في السموات ومن في الأرض) فمتى تذكر (من) ومتى لا تذكر؟ وما اللمسة البيانية فيها؟ تكرار (من) وعدم تكرارها راجع لعدة أمور من جملتها التبسط والتفصيل إذا كان هناك تبسط وتفصيل يكرر (من) وإذا كان هناك إيجاز لا يكرر. مثلاً (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ (18) الحج) فيها تفصيل. لكن قال (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15) الرعد) إجمال. تفصيل هناك والإيجاز هنا ففي مقام التفصيل فصّل قال (من في السموات ومن في الأرض) وفي مقام الإيجاز أوجز (يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ (41) النور) موجزة. قد يكون أحياناً مقام آخر السعة والشمول بحيث لا يتخلف أحد يعني يذكرهم جميعاً لا يتخلف من في السماء أحد فيكرر. مثلاً (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ (68) الزمر) لا يتخلف أحد (إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ)، (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ (87) النمل) لا يتخلف أحد، كلهم. لكن (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) الرحمن) هل كلهم يسألون؟ لا، ليس جميعهم. *في الأولى للإستغراق، كل الجنس الموجود، جميع المخلوقات؟ كلهم لا يستثني لا ملك ولا إنسان كلها، فصّل. *تسمى الإستغراقية؟ هي معناها هكذا الدلالة على الشمول والسعة لا يتخلف أحد. وأحياناً للدلالة على سعة الملك ونفي الشركاء نفي أن يكون له شريك. مثلاً (أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء (66) يونس) إذا كان كل شيء ملكه فماذا يفعل الشركاء؟ إذن سيستغرقهم جميعاً، لا يستثني أحداً. إذا استثنى يقولون لك الشريك ليس منهم. لا يستثني أحداًً فلما ينفي الشركاء يأتي بـ (من) التي تستغرق الجميع. بينما في آية أخرى ليست في مقام نفي الشرك (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) الأنبياء) يتكلم عن الملائكة ومن عنده، لاحظ الفرق بين هناك ليس له شركاء وبين هذه، فتلك كرر وهذه أجمل. الوقفة كاملة
٣٧٩ برنامج لمسات بيانية (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الملك) ما دلالة خلق مع الموت؟(د.فاضل السامرائى) شبيه بهذا السؤال الفرق بين الخلق والجعل ورد أكثر من مرة. قلنا الجعل إخبار عن ملابسة مفعول بشيء آخر منه أو فيه أو له مثلاً (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (30) الأنبياء) النحاة يقولون ملابسة شيء بشيء أن يكون فيه أو منه أو له أو حالة من حالاته في الغالب (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ (31) الأنبياء) (وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ (61) النمل) أو يجعلها حالة (وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا (32) الأنبياء) جعلها سقفاً. ملابسة المفعول بشيء، يجعل له شيئاً أما الخلق فليس بالضرورة ويكون ابتداء. خلق أي صنع على غير مثال أما الجعل فهو الملابسة بشيء (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ (12) الإسراء) صارتا شيئاً آخر، (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً (22) البقرة) فيها إشمام بمعنى التحويل أن يجعلها تلتبس بشيء أو يجعل فيها شيئاً أو يجعل منها شيئاً أو يجعلها شيئاً أما الخلق فلا يفيد هذا المعنى وإنما هو الإيجاد ابتداءً. (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) لم يجعل لهما شيئاً أو فيهما شيئاً أو منهما شيئاً (وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) الفرقان) وهذا هو الأكثر في اللغة ولهذا قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ). (وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا (32) الأنبياء) جعلنا السماء سقفاً لكن خلق السماء، (وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا (31) الأنبياء) جعلنا فيها تلتبس بشيء. * (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الملك) ما دلالة تقديم الموت على الحياة؟(د.فاضل السامرائي) ننظر في الآية، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) نتيجة البلاء تكون في الحياة؟ هي بعد الموت (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) إذن هو خلق الموت، البلاء هو للموت ولما بعد الموت، نتيجة الابتلاء بعد الموت، كأنما ليبلوكم أيكم أحسن عملاً هو للموت وليس للحياة، نتيجته للموت، بعد الموت. نتيجة الابتلاء تكون بعد الموت إذن الغرض هو متقدم، ما هو الغرض الحياة أو الموت؟ الموت، الغرض متقدم لأنه هو الدافع. *ليس معوّل الكلام على البلاء في الحياة؟ لا، لأن نتيجته ستكون بعد الموت (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) متى يغفر الذنوب؟ بعد الموت إذا لم يكن هناك موت لا يكون هناك غفران. إذن هي عِلّة متقدمة، الغرض متقدم، الغرض من البلاء . *يعني الله سبحانه وتعالى خلق الموت لكي نعرف نتيجة البلاء! لذلك يتعلق به، هذا أمر. وقسم يقولون الموت أصلاً متقدم لأن الإنسان خلق من نطفة، علقة، مضغة ثم ينفخ فيه الروح كما في الحديث ، يسمونه ميْتاً لأنه قال "ثم ينفخ فيه الروح" الحياة هي نفخ الروح. ثم الموت في الدنيا والحياة في الآخرة فسيكون الموت أسبق. * لماذا جاءت آية سورة الملك باستخدام فعل بلى يبلو في قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {2}) ؟ وفى الإنسان(إنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً {2})ولماذا جاء التخفيف في البلاء ولم يستعمل ليبتليكم؟ وما الفرق بينهما؟(د.فاضل السامرائي) لو قرأنا آية سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {2}) لوجدنا أنها تنتهي بقوله تعالى وهو العزيز الغفور، والمغفرة تقتضي التخفيف أولاً لأن الإبتلاء والشدّة لا تتناسبان مع الغفور التي هي أصلاً صفة مبالغة أما صيغة ليبلوكم فهي أنسب مع المغفرة والتخفيف جزء من المغفرة. وهناك أمر آخر: نلاحظ في سورة الإنسان ذكر تعالى ما يصحّ معه الإبتلاء (فجعلناه سميعاً بصيرا) (إنا هديناه السبيل) السمع والبصر والإختيار والعقل وأطال في ذلك فلما أطال في ذكر ما تردد أطال في صيغة الإبتلاء (نبتليه) أما في سورة الملك فلم يذكر أياً من وسائل الإبتلاء إنما ذكر خلق السموات مباشرة في الآية التي بعدها فاقتضى استعمال الصيغة المخففة (ليبلوكم). أمر آخر أنه تعالى ذكر في سورة الإنسان شيئاً من ابتلاء الأعمال ما لم يذكره في سورة الملك. فذكر في سورة الملك آية في المؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ {12}‏) وآية في الكافرين (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ {6}) لكن في سورة الإنسان ذكر الإبتلاء في الأعمال (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً {7} وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً {8}) (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً {24} وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً {25}‏ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً {26}) وأفاض في ذكر النعيم في الآخرة مما لم يذكره في الملك (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً {5}) فذكر ما يستدعي الإبتلاء وذكر الكافرين (إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً {27}) وذكر الظالمين (يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً {31}‏) والظلم من نتائج الأعمال. إذن السياق والوسائل وما ذكر من الأعمال جعل ذكر الإبتلاء أنسب من كل ناحية من حيث الوسائل وجو السورة والسياق والأعمال هذا من حيث الصيغة. الوقفة كاملة
٣٨٠ برنامج لمسات بيانية (فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) نهاه عن أن يحزن لما يقولونه فيه وفي دعوته. فهم يقولون فيه أنه كاذب وأنه شاعر وأنه ساحر وأنه مجنون، ويقولون في دعوته أنها ضلال وإفك وكذب وافتراء إلى غير ذلك مما يتناجون به من العداوة له وحربه، فنهاه عن أن يحزن لأقوالهم. وقد أطلق القول ليشمل ما يقولونه فيه وفيما يدعو إليه. ثم أستأنف معللاً ذلك بقوله (إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) فلمّ الحزن والله يعلم سرهم وجهرهم وهو قادر على إبطال ما يظهرون أو يضمرون؟ إن (مَا) في قوله( مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) تحتمل أن تكون اسماً موصولاً أي نعلم الذي يسرونه والذي يعلنونه. وتحتمل أن تكون مصدرية أي نعلم إسرارهم وإعلانهم وهو يعلم ذلك كله إسرارهم وما يسرونه وإعلانهم وما يعلنونه. ولو قال (مَا يُسِرُّونه وَمَا يُعْلِنُونَه) لتعنيت الموصولية الاسمية ولم تحتمل المصدرية فلم يذكر العائد ليشمل المعنيين جميعاً. وأطلق الإسرار والإعلان ليشمل كل ما يسرون وكل ما يعلنون في كل أمر من الأمور. فعلمه يعم الجميع ولا يخص شيئاً دون شيء. جاء في (روح المعاني):"و (مَا) موصولة والعائد محذوف أي نعلم الذي يسرونه من العقائد الزائغة والعداوة لك ونحو ذلك والذي يعلنونه من كلمات الإشراك والتكذيب ونحوها. وجوز أن تكون مصدرية أي نعلم إسرارهم وإعلانهم والمفعول محذوف. أو الفعلان منزلان منزلة اللازم. والمتبادر الأول وهو الأولى"(1). وقد قدم السر على الإعلان، قيل لأن مرتبة السر مقدمة على مرتبة العلن لأن السر يسبق الإعلان فهو علة لما يفعله الإنسان والعلة مقدمة على المعلول. وقيل إن العلم بالسر يدل على الإحاطة بالمعلومات كلها فمن كان يعلم السر فهو يعلم العلن من باب أولى. وقيل غير ذلك. جاء في (روح المعاني): "وتقديم السر على العلن لبيان إحاطة علمه سبحانه بحيث أن علم السر عنده كأنه أقدم من علم المعلن. وقيل لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء معلن إلا هو أو مباديه مضمر في القلب قبل ذلك. فتعلق علمه بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة. وقيل للإشارة إلى الاهتمام بإصلاح الباطن فإنه ملاك الأمر ولأنه محل الاشتباه المحتاج للبيان"(2). والملاحظ في القرآن الكريم أنه لا يقتصر على تقديم السر فهو كما يقدم السر على الإعلان قد يقدم الجهر على الإخفاء وذلك نحو قوله تعالى (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى-) الأعلى (7) وقوله (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ) الأنبياء (110) وقوله (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) البقرة (284). وهو أحياناً يكتفي بذكر أحدهما دون الآخر فقد يكتفي بذكر الإسرار مثلاً كما قال تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) محمد (26). وقد يكتفي بذكر الأمور الظاهرة كذكر العمل والصنع ونحوهما وذلك كقوله تعالى (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) محمد (26). وقد يكتفي بذكر الأمور الظاهرة كذكر العمل والصنع ونحوهما وذلك كقوله تعالى (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)) البقرة (96) وقوله (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)النور (30) وكل ذلك بحسب ما يقتضيه المقام. وقد قيل في تقديم الإخفاء على الإعلان أو الإعلان على الإخفاء أنه إذا تقدم الكلام على المنافقين أو الكفار قدم الإخفاء وإذا تقدم ذكر المؤمنين قدم الإبداء وهذا مطرد في جميع ما ورد من القرآن الكريم. جاء في (ملاك التأويل) في قوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) - البقرة (284) "أما آية البقرة فلم يجر فيها ذكر النفاق ولا صفة أهله وإنما الخطاب فيها وفي آية الدين قبلها وفيما أعقبت به بعد للمؤمنين فيما يخصهم من الأحكام فورد فيها قوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ )فقدم فيها بادي أعمالهم بناء على سلامة بواطنهم وتنزهم عن صفة المنافقين. ومنه قوله تعالى ( مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ )المائدة (99) فتقدم ذكر ما يبدونه لأنه خطاب للمؤمنين. وهذا جار مطرد فيما يلحق بها الضرب كما أن المراد بالبدء بالإخفاء على الإعلان حيث يتقدم ذكره أهل الكفر وينتظم الكلام بذكرهم كقوله تعالى (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) بعد قوله تعالى (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) وكقوله تعالى (مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) بعد قوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) التغابن (2) وكقوله تعالى ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ) وقد تقدمها قوله تعالى (أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ) النمل (67). فاطرد ما ذكرناه من الطرفين على رعي الإيمان والنفاق. وجاء كل على ما يجب ويناسب"(2). وهذه ملاحظة صحيحة تتبعتها في مواطن قوله تعالى (مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ )وقد وردت في أربعة مواضع من القرآن الكريم وهي(البقرة (77)، هود (5)،النحل (23)، يس (76). وهذه المواطن خاصة بذكر الكافرين. وقد ورد قوله تعالى (مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) بالخطاب في موطنين وهما قوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)النحل (19). وقوله (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) التغابن (4) وهما ليسا مختصين بالكافرين وإنما هما من المواطن التي تشمل عموم بني آدم وإن كان قد جرى فيها ذكر الكافرين. أما آية النحل فقد وقعت في سياق تعداد النعم على الإنسان وهي قوله (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ...) وتستمر إلى قوله (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا... وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ)… إلى أن يقول: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19). فأنت ترى أنها ذكرت في سياق تعداد النعم. إلا أن الملاحظ أن السياق بدأ في الكلام على المشركين والشرك فقد بدأت السورة بقوله ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وبدأت الآيات بقوله (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا.. الآيات. فهي إذن ذكرت بعد ذكر الإنسان الخصيم لربه المشرك به. ثم يأتي في عقب ذلك مباشرة قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) ويستمر في الكلام على الكفار. وعلى هذا بكون الآية وقعت في سياق الكلام على المشركين والكافرين ولم يرد فيها ذكر للمؤمنين. وأما آية التغابن فقد وقعت في السياق الآتي: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (2 – 4). فالسياق لم يختص بالكلام على الكافرين إلا أنه جرى بعدها مباشرة ذكر الكافرين فقال: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (5 – 7). فتكون قد وقعت في سياق الكافرين سواء تقدمها ذكر الكافرين أم وقع في عقبها. وعلى أية حال تكون الملاحظة صحيحة فكل ما تقدم فيه السر على العلن كان في سياق الكلام على الكافرين سواء تقدم الآية أم كان في عقبها. غير أنه مع هذا الخط العام للتقديم والتأخير يكون التقديم والتأخير مناسباً للسياق الذي ترد فيه الآية. فقوله تعالى مثلاً (إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ) إنما قدم الإبداء فيه على الإخفاء لقوله تعالى ( يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) فإن الحساب يكون على ما يبديه الإنسان ويفعله لا على ما يدور في نفسه من خواطر فإن ذلك ليس بوسع الإنسان أن يمنعه. "ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة رضي الله عنهم وخافوا منها ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها"(3). وورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم وغيره أنه لما نزلت هذه الآية على رسول الله ( اشتد ذلك على أصحاب رسول الله فأتوا رسول الله ثم جثوا على الركب وقالوا يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله (: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". فلما أقرّبها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) فلم فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ... إلى أخره(4). وكذلك قوله تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ) الأنبياء (110) فإنه قدم الجهر على الكتمان وذلك لما تقدم قبلها قوله تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ ) والإيذان هو الإعلام والإشهار وذلك لا يكون إلا جهراً. وقوله (عَلَى سَوَاءٍ) يعني "مستوين في الإعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه"(5) وذلك كله جهر فناسب تقديمه. ونحوه قوله تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ) الأعلى (7) فقد قدم الجهر وذلك لتقدم قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) والإقراء لا يكون إلا جهراً بخلاف القراءة فقد تكون سراً وجهراً. فناسب تقديم الجهر. والمقصود أنه إضافة إلى الخط العام الذي ذكرناه في تقديم السر على العلن فإن السياق الذي ترد فيه الآية يقتضي ذلك أيضاً. أما الاكتفاء بأحدهما دون الآخر فذلك ما يقتضيه المقام أيضاً وذلك نحو قوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) - محمد (26). وذلك لأن السياق والمقام يقتضان ذلك، فقد قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) ولم يقل (وجهرهم) ذلك لأنه ذكر ما جهروا به وهو قولهم (سنطيعكم في بعض الأمر) غير أنهم لم يذكروا الأمر الذي يطيعونهم فيه ولم يبينوه وإنما أسروه فقال (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) أي لا يخفي عليه ما أسروه. فذكر ما يحتاج إليه المقام والله أعلم. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 371 إلى 380 من إجمالي 1052 نتيجة.