| ٣٧١ |
(يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ۖ)
استعمل الفعل (يُنَادُونَهُمْ) وقد استعمل قبل قليل الفعل (يقول) ذلك لأنه صار بينهم حاجز فاحتاجوا إلى رفع الصوت للنداء.
(أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ۖ) ولم يقولوا (ألم نكن منكم) لأنهم كانوا معهم ولم يكونوا منهم ولذلك أجابوهم بـ (بَلَىٰ) ولو قالوا (ألم نكن منكم) لأجابوهم بكلا.
(قَالُوا بَلَىٰ) ولم يقل (فنادوهم بلي) ذلك أنه حيث استعمل القرآن الفعل (نادى) أو متصرفاته يكون الجواب بفعل القول وذلك نحو قوله تعالى (وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ) - هود (42، 43).
(وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي أوقعتموها في الفتنة واختيار هذا الفعل اختيار رفيع فإن (فتن) له معان كثيرة أكثرها مراد هنا.
فمن معانيه إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته. وأنتم وضعتم أنفسكم في هذا الموضع ففتنتم أنفسكم وبانت رداءتكم وخسة معدنكم.
ومن معانيه الامتحان والاختبار وقد وضعتم أنفسكم في هذا الموضع أيضاً فأوقعتم أنفسكم في الفتنة والاختبار والامتحان لأنكم أظهرتم الإيمان وأبطنتم الكفر فتقولون للمؤمنين نحن معكم وتقولون للكافرين: إنَا معكم، ولا شك أن كل فريق يختبركم ويمتحنكم ليتبين أأنتم معه أم عليه.
ثم إن هذا الأمر يحتاج إلى موازنة الموقف وإظهار تعامل خاص لكل فريق وهذا امتحان أيضاً لبيان القدرة على السلوك المتناقض الذي يرضي الطرفين المتباينين فأنتم وضعتم أنفسكم تحت الاختبار والمراقبة من كل فريق ومن أنفسكم أيضاً.
ومن معانيه الشدة والتعذيب ومنه قوله تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) - البقرة (191) وقوله (فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ۚ ) - يونس (83) أي يعذبهم.
وأنتم فتنتم أنفسكم فأوقعتموها في الشدة والتعذيب في الدنيا والآخرة بالتربص والخوف ومحاولة إخفاء الحقيقة بصورة مستمرة ولجوئكم إلى الكذب والمراوغة واختلاق المعاذير، وفي الآخرة أنتم كما ترون.
ومن معانيه إدخال الإنسان النار (1)، قال تعالى (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَٰذَا) - الذاريات (13، 14) وأنتم فتنتم أنفسكم في الدنيا والآخرة وأوقعتموها في المحنة والعذاب وأدخلتموها النار فأنتم الذين فتنتم أنفسكم. جاء في (الكشاف): (فتنتم أنفسكم) محنتموها بالنفاق وأهلكتموها (2).
(وَتَرَبَّصْتُمْ) وتربصهم مطلق فهم كانوا يتربصون بالمؤمنين الدوائر ليتمكنوا من إعلان كفرهم صراحة، وكانوا أيضاً يتربصون ظهور أحد الفريقين وانتصاره ليعلنوا أنهم كانوا معه كما قال تعالى (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ) – النساء (141).
فالفتنة هذه تقتضي التربص للانتفاء من كل فريق. وهذا التربص يفضي إلى الريبة فيمن سيفوز ويربح ليعلنوا أنهم معه فقال (ارْتَبْتُمْ) أي شككتم في أمر محمد وهل هو على حق. وارتبتم فلا تعلمون أي فريق سيغلب.
ولما لم يتبين لكم الأمر على حقيقته (غَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ) وخدعتكم وقلتم: لعله سيُغلب محمد، وبقيتم في هذه التمنيات الخادعة حتى جاءكم أمر الله وهو الموت. هذا علاوة على ما خدشكم به الشيطان وشركم بالله وقال لكم: إن الله سيغفر لكم ولا يعذبكم (3).
فغرتكم أماني أنفسكم والشيطان.
إن هذه المذكورات مرتبة ترتيباً منطقياً يفضي أحدها إلى الآخر. فهم فتنوا أنفسهم بأن أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر فكان عليهم التربص والانتظار، ولذا كان التربص من أثر الفتنة والاختبار. ثم لما طال التربص ولم تظهر له نتيجة حاسمة داخلتهم الريبة والشكوك فيمن سيظهر ويغلب. وبعدها جاء دور الأماني الخادعة تغرّهم وتمنيهم. ثم إن الشيطان ولج لئلا تصحو ضمائرهم ويخافوا بطش الله فغرهم بالله وهون عليهم الأمر واستمروا على ذلك حتى جاء أمر الله ورحلوا عن الدنيا منافقين مغرورين من أنفسهم ومن الشيطان فسوف يلقون غيّا.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 259 إلى ص 261.
(1) أنظر المفردات في غريب القرآن (فتن).
(2) الكشاف 4/36.
(3) أنظر الكشاف 4/63، تفسير الرازي 29/337. البحر المحيط 10/106.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧٢ |
(فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)
ذكر الفدية لأنه تكرر في السورة ذكر الإنفاق والدعوة إليه وذكر القرض الحسن والبخل والذين يأمرون به فقال (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ) وقد كان بإمكانكم أن تفدوا أنفسكم في الدنيا بالإنفاق في سبيل الله فلم تفعلوا: والظاهر أن الفدية ههنا تعني المال وإن كانت الفدية عامة في كل ما يفتدي به فقد قال تعالى (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ ) - البقرة (196).
غير أن الذي يرجح معنى المال قوله لا يؤخذ ولم يقل (لا تقبل) والذي يؤخذ هو المال وهو المناسب لجو السورة وما شاع فيها من ذكر للإنفاق والقرض الحسن. والله أعلم.
وقال (لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ) مع أن المنافقين من الذين كفروا ذلك أن المقصود به (الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ) هم الكافرون من غير المنافقين وهم الذين أظهروا كفرهم ولم يستروه (1) فلا تؤخذ الفدية لا من المنافقين ولا من سائر الكافرين الآخرين.
(مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ) أي هي دار إقامتكم والمأوى الذين تأوون إليه، والمأوى يعني الملجأ والمكان الذي يحتمي به فالنار ملجؤهم الذي يأوون إليه.
(هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ )
أي هي التي تتولى أمركم فذكر المأوى والمولى، ذلك أن الشر إنما يأتيهم من جهتين: المأوى والمولى. فقد يكون المأوى سيئاً غير أن المولى حسن وقد يكون العكس. أما هؤلاء فالنار مأواهم ومولاهم.
وقيل إن معنى (هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ:) هي أولى بكم... وحقيقة مولاكم محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم.. ويجوز أن يراد هي ناصركم أي لا ناصر لكم غيرها. والمراد نفي الناصر على الثبات ونحوه قولهم (أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع) ومنه قوله تعالى (يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ) وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار (2).
ويجوز أن يكون اشتقاق (المولى) من الولي وهو القرب فيكون معنى مولاكم أي مكانكم عن قرب (3).
والمعنيان مرادان فهي تتولى أمرهم وهي مكانهم عن قرب. ولم يرد في جهنم (هي مولاكم) إلا في هذا الموطن. وذلك لسببين والله أعلم: السبب الأول أنه ذكر في آية الحديد هذه أن المنافقين تربصوا وغرتهم الأماني حتى الموت فبعد طول الأمل والتربص الطويل كانت النار أقرب إليهم فهم كانوا يستبعدونها وهي أقرب إليهم وأدنى من آمالهم.
والسبب الآخر أن كل الآيات الأخرى التي ورد فيها (مَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ونحوها إنما قيلت وهم في الدنيا. والدنيا لا تزال غير منقضية، وأما هذا القول فإنه قيل وهم في الآخرة وقد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين وأتاهم العذاب من قبل فالنار قريبة منهم فقال (هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ ) .
(وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وهذه أنسب خاتمة لهم، فقد كانوا في ترقبهم وأمانيهم ينتظرون المصير الحسن والمستقبل المشرق فكانت لهم الظلمة والمصير الأسوأ.
إن هذه الآيات يتجلى فيها إكرام المؤمنين وإبعاد النصب عنهم بخلاف المنافقين فإنها يتجلى فيها إرهاقهم وإهانتهم والتهكم بهم.
فقد قال في المؤمنين:
1- يسعى نورهم: ولم يقل (يمشي نورهم) للدلالة على الإسراع بهم إلى الجنة وهذا إكرام، فإن الإبطاء إلى السعادة ليس كالإسراع إليها. وفي الإسراع بما فيه من الإكرام.
2- أنه أسند السعي إلى النور ولم يسنده إليهم فلم يقل (يسعون) لأن السعي قد يجهدهم فأسنده إلى النور فدل على أنه يسعى بهم. فهو لم يقل إنهم يمشون لأن المشي قد يكون فيه إبطاء ولم يقل (يسعون) لأن سعيهم قد يكون فيه إجهاد ولكنه أفاد السعي من ذكر سعي النور.
3- قال (يَسْعَىٰ نُورُهُمْ) فذكر الفاعل ولم يقل (يسعى بهم) بالبناء للمجهول وحذف الفاعل فلا يدرى أيسعون في ظلمة أم في نور فذكر أن لهم نوراً يسعى.
4- أضاف النور إليهم. وهذا فيه أمران: الأول: الدلالة على أن هذا النور إنما هو نور المؤمن وهو يدل على قدر عمله فهو إهابة بالمؤمن ليعظم نوره ويكثره.
ومن ناحية أخرى لم يقل (يسعى النور) فيجعله عاماً فيستضيء به المنافقون فجعل لكل مؤمن نوره الذي يستضيء به فلا يشاركه فيه غيره. فهذا إكرام للمؤمنين وإرهاق وحسرة على المنافقين.
5- قال (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) . ومعني (بين أيديهم) أمامهم. غير أنه لم يقل (أمامهم) لأن الأمام قد يكون بعيداً عن الشخص. فقد تسأل عن قرية فيقال: هي أمامك. وقد يكون النور أمامك ولا تتمكن من الاستضاءة به لبعده فقال (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ .)
6- وقال (وَبِأَيْمَانِهِمْ) ولم يقل (عن أيمانهم) لأن معني بأيمانهم أنه ملتصق بالأيمان وليس مبتعداً عنها كما قال تعالى (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ) - طه (17) ولو قال (عن أيمانهم) لدل أنه متراخ عن أيمانهم أو منحرف عنها لأن (عن) تفيد المجاوزة والباء تفيد الإلصاق.
۷- قال (بُشْرَاكُمُ ) ولم يقل (يقال لهم بشراكم) لأنه أراد أن يجعل المشهد حاضراً ليس غائباً يسمع فيه التبشير ولا ينقل.
۸- وأضاف البشرى إلى ضمير المخاطبين لتنال البشري كل واحد ولم يقل (البشرى جنات) وهو إكرام آخر.
- وقال (الْيَوْمَ ) للدلالة على قرب البشري وأنها ليست من الوعد البعيد الوقوع.
والبشرى كلما كانت أقرب كانت أحب وأدعى إلى المسرة.
۱۰- وقال: (جَنَّاتٍ) ولم يقل (جنة) للدلالة على أن لكل منهم جنة أو أكثر كما قال تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) - الرحمن (46).
11- قال (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) ولم يقل (فيها أنهار) وذلك للدلالة على أنها جارية وليست راكدة. والركود مظنة الأسون هذا إضافة إلى التمتع بمشهد الجري ولذلك عندما لم يذكر الجري في قوله: (فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ) - محمد (15).
قال (غير آنَس (لينفي عنها صفة الأسون ولما ذكر الجري لم يذكر ذلك لأنه لا حاجة إليه.
۱۲- وقال (الْأَنْهَارُ) ولم يقل (نهر) للدلالة على كثرة الأنهار.
۱۳- قال (خَالِدِينَ) وهي بشرى أخرى. وقال (فِيهَا) للدلالة على أن الخلود في الجنات وليست الجنة مرحلة أو مكاناً ينتقلون منه إلى ما هو أقل سعادة.
14- قال (ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ولم يقل (ذلك فوز عظيم) وإنما عرف الفوز بأل للدلالة على القصر وعلى أنه لا فوز أعظم منه. ثم جاء بضمير الفصل للزيادة في التوكيد.
ثم إن الأمر يعظم ويكبر بعظم قائله فإن الفوز الذي يذكره طفل أو رجل من ضعفة الناس يختلف عن الفوز الذي يذكره قائد أو ملك. فكيف وقد ذكره ملك الملوك ووصفه بالعظمة وقصره وأكده؟!
15- ذكر أن المنافقين يقولون (انْظُرُونَا )ولم يقولوا (انتظرونا) فإنهم يدركون أنه لا يسعهم الانتظار وإنما طلبوا منهم مهلة قصيرة لينظروهم أي ينتظروهم. وفي هذا دلالة على الإسراع بهم إلى الخير والسعادة فإن الذي يسرع به إلى الخير والسعادة أكرم من الذي يبطأ به.
16- ثم قال (نَقْتَبِسْ) ولم يقل (نقبس) والاقتباس أكثر من القبس، وذلك يدل على عظم النور الذي عندهم.
۱۷- قال (مِنْ نُورِكُمْ) ولم يقل (من النور) وهذا تكريم آخر فإن النور نورهم.
۱۸- قال (قِيلَ ارْجِعُوا) ولم يقل (قالوا) لأنه أراد ألا ينشغلوا بما لا فائدة فيه من الكلام فتكلم الملائكة أو غيرهم بالنيابة عنهم ولم يشغلوهم بالكلام عما هو أهم ولا يرهقوهم بكثرة القيل.
19- قال (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ) فحجز وهم عن أولئك السائلين المنافقين.
20- ثم قال (لَهُ بَابٌ) للدلالة على أنهم غير محتجزين فيه وإنما ينفذون منه إلى مرادهم.
۲۱- ثم قال (بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ) وهو تكريم آخر وكيف لا وهم في رحمة الله؟
أما دلالتها على إهانة المنافقين وإرهاقهم فهو أوضح ما يكون:
1- فقد ذكر أن المنافقين والمنافقات يطلبون من المؤمنين أن ينظروهم للاقتباس من نورهم، وهذا يدل على أنهم في ظلمة، وقد قيل إنهم أعطي لهم نور ثم انطفأ (4) من باب إهانتهم وخديعتهم والاستهزاء بهم كما كانوا يخادعون ويستهزئون في الدنيا، قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) - النساء (142). جاء في (تفسير ابن كثير): ويقول المنافقون للذين آمنوا( انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب (5).
۲- وقال (قِيلَ ارْجِعُوا) ولم يذكر أن المؤمنين ردوا عليهم فبني الفعل للمجهول وقيل إن القائل هم الملائكة فهم الذين تولوا الرد عليهم أما المؤمنون فلا يعنيهم هذا الطلب وإنما هم مشغولون بما هو أهم. وهذا إهانة للمنافقين أن يطلبوا من المؤمنين فلا يجيبوهم وإنما يجيبهم آخرون.
٣- قال (ارْجِعُوا) وهو إهانة أخرى.
4- وقال (وَرَاءَكُمْ ) وهو إما أن يكون ظرفاً مؤكداً أو يكون اسم فعل بمعنى (ارجعوا) فيكون كأنه قيل لهم: ارجعوا ارجعوا. وهو إهانة ظاهرة.
5- قال (فَالْتَمِسُوا نُورًا) وهم يعلمون أنه ليس ثمة نور وهو من باب الاستهزاء بهم.
6- وقال (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ) فحجزوهم عن اللحاق بالمؤمنين وهو إهانة ظاهرة.
٧- وقال:( وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) وهي جهتهم.
۸- قال (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ۖ) فذكر أنه يرفعون أصواتهم من وراء السور ينادون المؤمنين ليلتحقوا بهم ولكن حيل بينهم وبين ما يريدون.
9- وفي رد المؤمنين عليهم إهانات متعددة فقولهم لهم: إنكم فتنتم أنفسكم، وتربصتم، وارتبتم. وغرتكم الأماني. وغركم بالله الغرور. كل خصلة منهن إهانة وتبكيت.
10- وقوله تعالى:(فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ ) (هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ ) (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) كله إهانات وإخبار لهم بما سيلاقونه من سوء العاقبة والمنقلب. نعوذ بالله.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 261 إلى ص 266.
(1) أنظر نظم الدرر 7/ 446.
(2) الكشاف 4/ 64.
(3) أنظر فتح القدير 5/ 242.
(4) أنظر تفسير ابن الكثير 4/ 364 – 365.
(5) تفسير ابن كثير 4/ 365.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧٣ |
(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)
(يَأْني) مضارع (أنى) ومعنى (أنى) حان ونضج. (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) معناه ألم يحن لهم ذلك؟
(أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ)
أسند الخشوع إلى القلوب. والخشوع أمر مشترك بين القلب والجوارح. فهو يسند إلى الأبصار وإلى الوجوه وإلى الأصوات فيقال: بصر خاشع ووجه خاشع وصوت خاشع. كما يسند إلى الشخص كله فيقال رجل خاشع أي خاضع كما قال تعالى: (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) - الأنبياء (90) وقال (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ) - الشورى (45).
والخشوع هو الخضوع والخشية والذل. فخشوع القلب خضوعه وخشيته ووجله وتذلله. فطلب من المؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق. وذكر الله عام،
وما نزل من الحق هو القرآن. وكل منهما مدعاة إلى الخشوع والخشية.
فذكر الله مدعاة إلى الخشوع والخشية كما قال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) - الأنفال (2). وقال (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) - الحج (34، 35).
والقرآن مدعاة إلى الخشية والوجل كما قال (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولً وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩) - الإسراء (107، 109). وقال (لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ) - الحشر (۲۱) وقال (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ) - الزمر (23).
والقرآن ذكر وقد سماه الله ذكراً فقد حكي عن الكفار قولهم: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ۖ) - ص (8) وقال: (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا) - طه (99) وقال (وقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا) - الطلاق (10) وقال: (وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ۚ ) - الأنبياء (50).
فإذا كان علماء أهل الكتاب يزيدهم القرآن خشوعاً. وإذا كان الجبل يتصدع منه خاشعاً لله فكيف لا يخشع قلب المؤمن له؟
لقد ذكر ثلاثة أمور كل منها يستدعي الخشية:
1- كون المخاطبين مؤمنين وهذا يستدعي الخشية.
2- ذكر الله وهو مدعاة إلى الخشية.
۳- ما نزل من الحق أي القرآن وهو مدعاة إلى الخشية.
وهذه الآية نظير قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) - الأنفال (2) (1) فقد ذكر فيها ذكر الله وذكر آياته.
وقد تقول: إذا كان المراد خشوع القلب فلم لم يقل مثلاً (ألم يأن لقلوب المؤمنين أن تخشع لذكر الله) أو (ألم يأن أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله) ونحو ذاك وقال (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) ؟
والجواب أن ذلك لجملة أسباب منها: أنه حذرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب وليس كقلوب الذين أوتوا الكتاب فقال (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) فناسب أن يكون الكلام على المؤمنين بمقابل (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) .
ومنها أنه قال (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وهذا وصف للأشخاص لا للقلوب فأراد أن يحذرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب في قسوة القلوب وفسق كثير منهم. فناسب قوله (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) أن يكون بمقابل (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) .
ومنها أنه ذكر المؤمنين وقلوبهم وذكر أهل الكتاب وقلوبهم فناسب ذلك ألطف مناسبة. وقال (أُوتُوا الْكِتَابَ) ولم يقل (آتيناهم الكتاب) لأنه في مقام الذم لهم ومن سعة التعبير القرآني أنه إذا ذم أهل الكتاب بني الفعل للمجهول فقال: (أُوتُوا الْكِتَابَ ) وإذا مدحهم أسند الفعل إلى نفسه تعالى فقال: (آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) (2).
(فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ)
بين أن طول الأمد يقسي القلوب فحذرنا من أن نكون كذلك فإنه ينبغي أن نتعهد قلوبنا وألا ندع للقسوة سبيلاً إليها. وفي ذكر الله وما نزل من الحق غناء وكفاية لحياة القلوب وخشوعها.
وأسند القسوة إلى القلوب وذلك بمقابل إسناد الخشوع إلى القلوب أيضاً. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه لم يسند القسوة في القرآن الكريم إلا للقلوب ولم يسندها إلى غيرها، قال تعالى (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ ) - البقرة (74) (وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) - الأنعام (43) وقال (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ ) - المائدة (13) وقال (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ) - الزمر (22) وغيرها. وذلك أنه إذا قسا القلب قسا صاحبه وإذا خشع القلب خشعت الجوارح.
وقد تقول: ولم قال (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) من قبل فذكر ( مِنْ قَبْلِ) ولم يقل (كالذين أوتوا الكتاب فطال عليهم الأمد) من دون أن يذكر (من قبل)؟
والجواب أنه لو قال ذلك لم يدل على أن الأولين قست قلوبهم بل لربما دل على أن المعنيين هم المعاصرون لزمن الرسول. فلما قال (مِنْ قَبْلِ) دل على أن آباءهم الأولين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فما بالك بهؤلاء وقد تطاول عليهم الزمن؟ فذمهم وذم أسلافهم بخلاف ما لو حذف (مِنْ قَبْلِ) .
ثم إنه حذرهم من أن يكونوا كأولئك الأولين فما بالك بالآخرين؟ فيكون التحذير عن التشبه بهؤلاء أشد وأشد.
(وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)
ذكر أن كثيراً منهم فاسقون خارجون عن طاعة الله، ومجيء هذا القول بعد قوله (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ) يدل على أن قسوة القلب من أسباب الفسوق ودواعيه. وبالمقابل يكون خشوع القلب من أسباب الطاعة ودواعيها.
وقد تقول: لقد قال في أكثر من موطن إن أكثرهم فاسقون بصيغة اسم التفضيل وقال ههنا (كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ9 فما حقيقة الأمر؟ أإن كثيراً منهم فاسقون أم إن أكثرهم فاسقون؟ وما السبب في هذا الاختلاف في التعبير؟
والجواب أنه لا تناقض بين قوله (إنَ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وقوله: (إنَ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) ، فقوله (إنَ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) يعني أن كثيراً منهم فاسقون. وإنما التناقض يكون لو قال (إن قليلاً منهم فاسقون) أو (إن أقلهم فاسقون). فقولك (محمد أفضل الناس) لا يناقضيناقض قولك (هو عالم) ولكنه يناقض قولك (هو أجهل الناس) أو هو جاهل.
أما لماذا عبر عن ذلك مرة بقوله (كثير) ومرة بـ (أكثر) فهذا ما يقتضيه سياق كل تعبير. فإنه يعبر بـ (أكثر) إذا كان السياق في تعداد أسوأ صفاتهم والإطالة في ذكرها بخلاف الوصف بـ (کثیر) فإنه لا يبلغ ذلك المبلغ، وإليك إيضاح ذلك:
لقد جاء الوصف بـ (أكثر) في موضعين وهما قوله (إنَ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) - المائدة (59) وقوله (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) - آل عمران (110). وبالنظر في سياق كل من الآيتين يتضح ما ذكرته.
فقد جاء في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )….
ويستمر في تعداد مساوئهم إلى الآية الخامسة والستين [57 – 65] فناسب قوله (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ.)
وكذلك الأمر في آل عمران فقد ذكر أهل الكتاب ومساوئهم وأعاد ذكرهم وذكرها أكثر من مرة. من ذلك ما ذكره من الآية الخامسة والستين إلى الآية الثامنة والسبعين.
ومن الآية الثامنة والتسعين إلى الآية الواحدة بعد المائة. ومن الآية العاشرة بعد المائة إلى الآية الخامسة عشرة بعد المائة عدا المواطن الأخرى المنتشرة في السورة. فناسب أن يذكر ذلك بقوله (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) والله أعلم.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 266 إلى ص 270.
(1) أنظر الكشاف 4/64.
(2) أنظر معاني النحو 2/496 وما بعدها.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧٤ |
(اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
أمرنا بأن نعلم هذا الأمر أي أن الله هو الذي يحيى الأرض بعد موتها وأنه ما كانت لنحيا لو أن الله يحييها. فهي لا تحيا من الماء بنفسها ولا أن ذاتنا أخرت دونه أو معه قادرة على ذلك فالله هو الذي يحيي الأرض بعد موتها.
ووجه ارتباط الآية بما قبلها ظاهر من جهتين: ذلك أنها تمثيل لأثر الذكر والقرآن في القلوب فإنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض (1). جاء في (روح المعاني) أن قوله (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) تمثيل ذكر استطراداً لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض الميتة بالغيث للترغيب في الخشوع والتحذير من القساوة (2).
ومن جهة أخرى إن هذه الآية تدل على بعث الأموات وأن الله سيحييهم ويبعثهم كما يحيي الأرض. وقد مر قبل هذه الآية ذكر الآخرة وجملة من مشاهدها. وهي كما ترتبط بما قبلها من جهتين ترتبط بما بعدها من جهتين أيضاً.
فإنه ذكر بعد هذه الآية أن المصّدقين والمصّدقات يضاعف لهم. وذلك شأن الأرض التي تحيا بالغيث فإنها تضاعف ما يزرع فيها. وقد ذكر الله ذلك في مكان آخر فقال (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) - البقرة (261).
كما أنه ذكر الآخرة بعدها وطرفاً من أحوالها. فارتبطت الآية بما قبلها وما بعدها والله أعلم، جاء في (تفسير الرازي) أن قوله هذا تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث. والثاني أن المراد من قوله( يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ) بعث الأموات فذكر ذلك ترغيباً في الخشوع والخضوع وزجراً عن القساوة (3).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 270 إلى ص 271.
(1) أنظر الكشاف 4/64.
(2) روح المعاني 27/278.
(3) تفسير الرازي 29/231.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧٥ |
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)
أجمل حقيقة ما يعيشه الناس في هذه الحياة بما ذكر في الآية. وقد رتب هذه الأشياء بحسب ترتيبها في حياة الناس مبتدئاً باللعب واللهو منتهياً بالجد.
نبدأ باللعب وهو ما يقع في دور الطفولة والصبا. هذا هو الأصل وإن كان يطلق اللعب أحياناً على نقيض الجد كقوله تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ) - التوبة (65) (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) - الزخرف (83) وقوله (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) - الدخان (9) وقوله( قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ) - الأنبياء (55).
ثم ذكر اللهو وهو ما يكون في دور الفتوة والشباب. ثم إن اللهو أعم من اللعب. فاللهو يقع للصغير والكبير.
ثم ذكر الزينة وهو مقصد من مقاصد الشباب والنساء في دور بداية اكتمال أنوثتهن.
وذكر بعدها التفاخر وهو أكثر ما يكون من شأن الرجال فيفتخرون بمآثر أفعالهم وأحسابهم وأنسابهم ومآثر آبائهم وأجدادهم.
ثم يأتي بعد ذلك دور التكاثر في الأموال والأولاد وهو التباري في جمعها وهو المقصد الأهم في الحياة إذ بالمال والأولاد تدوم الحياة وبهما ينشغل الناس وفيها يجدّون. أما ما قبلها من الأمور فهي ليست بتلك المنزلة والمكانة.
وقدم الأموال على الأولاد لأن التكاثر في الأموال أكثر. وختم بالأولاد لأنهم أجل ما ذكر ولهم يترك المال. جاء في (نظم الدرر): لعب: فهو باطل كلعب الصبيان ولهو أي شيء يفرح الإنسان به فيلهيه ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان. ثم أتبع ذلك عظم بما يلهى في الدنيا فقال (وَزِينَةٌ) : أي شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان. وأتبعها ثمرتها فقال (وَتَفَاخُرٌ) ، أي كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض (1).
وجاء في (تفسير الرازي): المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا وتعظيم حال الآخرة... ثم إنه تعالى وصفها بأمور:
(أولها) أنها لعب وهو فعل الصبيان الذي يتعبون أنفسهم جداً. ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة. و (ثانيها) أنها لهو وهو فعل الشبان ... و(رابعها) تفاخر بينكم بالصفات الفانية الزائلة (2).
جاء في (التحرير والتنوير): وهي أيضاً أصول أطوار آحاد الناس في تطور كل واحد منهم.
فإن اللعب تطورين: الطفولة والصبا، واللهو طور الشباب. والزينة طور الفتوة، والتفاخر طور الكهولة والتكاثر طور الشيخوخة...
واللعب هو الغالب على أعمال الأطفال والصبيان فطور الطفولة طور اللعب ويتفاوت غيرهم في الإتيان منه فيقل ويكثر بحسب تفاوت الناس في الأطوار الأولى من الإنسان وفي رجاحة العقول وضعفها. والإفراط فيه من غير أصحاب طوره يؤذن بخسة العقل ولذلك قال قوم إبراهيم له (أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ)...
واللهو اسم لفعل أو قول يقصد منه التذاذ النفس به وصرفها عن ألم حاصل من تعب الجسد أو الحزن أو الكمد يقال: لها عن الشيء أي تشاغل عنه...
ويغلب اللهو على أحوال الشباب فطور الشباب طوره ويكثر اللهو في أحوال الدنيا من تطلب اللذات والطرب.
والزينة تحسين الذات والمكان بما يجعل وقعه عند ناظره مسراً له. وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم وذلك في طباع النساء أشد... ويغلب التزيين على أحوال الحياة فإن معظم المساكن والملابس يراد منه الزينة...
والتفاخر الكلام الذي يفخر به. والفخر حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل. وصيغ منه زنة التفاعل لأنه شأن الفخر أن يقع بين جانبين كما أنبأ به تقييده بظرف (بَيْنَكُمْ ) ....
والتكاثر تفاعل من الكثرة وصيغة التفاعل هنا للمبالغة في الفعل بحيث ينزل منزلة من يغالب غيره في كثرة شيء... ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر فصارت تستعمل في الحرص على تحصيل الكثير من غير مراعاة مغالبة الغير ممن حصل عليه (3).
وقد اقتصر في مواضع أخرى من القرآن الكريم على اللعب واللهو ولم يذكر الزينة وما بعدها. قال تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) - الأنعام (32).
وقال: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) محمد (36) وقال: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) - العنكبوت (64).
فاقتصر كما ترى على اللعب واللهو ذلك لأن ما ذكره في آية الحديد من زينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد قد يندرج تحت اللهو.
فالزينة قد تلهي والتفاخر قد يلهي والتكاثر في الأموال والأولاد قد يلهى. فقد سمى الله المال والبنين زينة فقال (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ) - الكهف (46) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ - ) المنافقون (9) وقال( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) التكاثر (1، 2).
وتندرج كثير من أمور الحياة في معنى اللعب بمعناه الواسع وهو ما كان نقيض الجد وما لا يقصد به من الأعمال قصداً صحيحاً كما ورد في القرآن مما سماه لعباً.
ولا فصل في آية الحديد في حقيقة الحياة الدنيا فصل في وصفها وعاقبتها. ولما أجمل في الآيات الأخرى لم يذكر شيئاً آخر يتعلق بها وإنما ذكر الآخرة أو أموراً أخرى لا تتعلق بوصف الحياة.
وقدم اللعب على اللهو فيما مر من الآيات إلا في آية واحدة قدم فيها اللهو على اللعب وهو قوله: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) - العنكبوت (64) وذلك لأن السياق يقتضى هذا التقديم ذلك أنه تقدم الآية قوله: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ ) - (62) والرزق مدعاة إلى الالتهاء به والمشغلة لجمعه لا إلى اللعب ولذا قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) - المنافقون (9) فالذي بسط له رزقه ملته بجمعه والذي قدر عليه رزقه ملته بالحصول عليه.
ثم قال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا به الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (36) ومع معرفتهم وإقرارهم بذاك التهوا بالدنيا عن الله وعبادته وعن الآخرة. فناسب تقديم اللهو. ولم يتقدم أية الأنعام ولا آية محمد ما يدعو إلى اللهو فكان تقديمه في آية العنكبوت أنسب.
(كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ)
شبه الحياة الدنيا بغيث أعجب الكفار نباته، والكفار هم الكافرون بالله الجاحدون لنعمة. وقال بعضهم إن الكفار هم الزراع لأن الزارع قد يسمى كافراً لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض أي يغطيه (4).
ويترجح عندي المعنى الأول فإن الكافرين هم الذين يغترون بالدنيا وهم أشد إعجاباً بها وبزينتها. ولا مانع من أن يكون المعنيان مقصودين فإنه من التوسع في المعنى الذي يراعيه القرآن كثيراً.
وقد ذكر القرآن الزراع باسمهم في سورة الفتح حين وصف أصحاب محمد فقال (... وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ) - الفتح (29).
واختيار الزراع هنا أنسب كما أن اختيار الكفار هناك أنسب ذلك أن التشبيه في سورة الفتح وقع لصورة محدودة فناسب ذكر الزراع لا الكفار بخلاف ما في سورة الحديد.
ثم إنه قال في آية الفتح (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ) فلا يناسب أن يقول: يعجب الكفار ليغيظ بهم الكفار.
ثم إنه قال (الزُّرَّاعَ) في آية الفتح للدلالة على أنه زرع مقصود لأن الزارع يزرع ما ينتفع به وينتفع به الآخرون بخلاف ما ذكر في آية الحديد فإنه قال (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) وهو ما يخرج بسبب المطر من أنواع مختلفة منها ما لا فائدة فيه للإنسان ومنها الأدغال والحشائش، فكان كل تعبير في مكانه أنسب.
(ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ )
ذكر مآل الزرع وناسب ذلك ذكر الزينة والأموال فذكر زوالهما وذهابهما وذلك شأن الدنيا. لقد قال فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ولم يقل (ثم يكون مصفرًا) كما قال (ثُمَّ يَهِيجُ) و(ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ) بإسناد الفعل إلى النبات. أي يراه الناظر مصفراً وذلك للدلالة على زوال الزينة وذهابها فإن الزينة تتعلق بالناظر كما قال تعالى (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ) - الحجر (16)، ومن ناحية أخرى ليدل على موطن العبرة والاتعاظ فإن ذلك يحصل بالرؤية.
وقال (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ ) أي هذا مآله ولم يقل (ثم تراد حطامًا) فلم يعلق ذلك بالرؤية وإنما أراد أن يبين أن يكون كذلك إذ ربما يكون الشيء غير ذي زينة للناظر ولكنه ثمين نافع وهو من كرائم الأموال. فقال (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) فيذهب المال ويزول فلا يبقى مال ولا تكاثر ولا تفاخر ولا زينة لأن الحطام ليس مالاً ولا يتفاخر أو يتكاثر به.
بل سيذهب اللعب واللهو معه فإن الذي لم يبق له إلا الحطام لا يلعب ولا يلهو وكيف يلهو ويلعب وقد أصبح ما لديه حطاماً؟
وقد تقول: ولم لم يقل (ثم يجعله حطامًا) كما قال في سورة الزمر؟
والجواب: إن السياق مختلف في الآيتين.
ففي آية الزمر الأفعال مسندة إلى الله، قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) - (21). فالله هو الذي أنزل من السماء ماء. وهو الذي سلكه ينابيع في الأرض. وهو الذي أخرج به الزرع. فناسب أن يقول (فيَجْعَلُهُ حُطَامًا) لأن الذي أخرجه هو الذي يجعله حطاماً.
وليس كذلك التعبير في آية الحديد فإنه قال (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً فلم يسند حدثاً إلى نفسه سبحانه فناسب كل تعبير موضعه.
(وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ)
قدم العذاب على المغفرة لأنه ذكر قبله اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر ما ليس محموداً على العموم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن العذاب يسبق المغفرة والرضوان. فعذاب الموقف قبل الحساب وقبل القضاء وقبل الدخول في الجنة أو النار. وورود النار لجميع الخلق قبل الدخول في الجنة كما قال تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ) - مريم (71). ومن الناس من يعذب أولاً ثم يدخل الجنة.
ووصف العذاب بأنه شديد. وذكر أن المغفرة والرضوان من الله ولم يذكر مثل ذلك في العذاب للدلالة على سعة رحمته، وقدم المغفرة على الرضوان لأنها أسبق منه وهي قبله، جاء في (روح المعاني): (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا و(مَغْفِرَةٌ) عظيمة من الله و(رِضْوَانٌ) عظيم لا يقادر قدره.
وفي مقابلة العذاب الشديد بشيئين إشارة إلى غلبة الرحمة وأنه من باب (لن يغلب عسر يسرين). وفي ترك وصف العذاب بكونه من الله تعالى مع وصف ما بعده بذلك إشارة إلى غلبتها أيضاً(5).
وقال (مَغْفِرَةٌ) ولم يقل (غفران) ذلك أن كلمة (غفران) لم ترد في القرآن الكريم إلا في موطن واحد لمعنى واحد وهو طلب المغفرة من الله وهو قوله (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) - البقرة (285)، وأما المغفرة فتأتي في غير الطلب كالإخبار بها والدعوة إليها وغير ذلك.
قال تعالى (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ ) - البقرة (221)، وقال(وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ ) - البقرة (268) وقال (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ ) - الرعد (6).
وقد تكون المغفرة من غير الله قال تعالى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ ) - البقرة (263).
وقال (رِضْوَانٌ) ولم يقل (مرضاة) لأن الرضوان معناه الرضا الكثير ولما كان أعظم الرضا رضا الله تعالى خص لفظ الرضوان في القرآن بما كان من الله تعالى (6).
قال تعالى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) - آل عمران (162) وقال (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ) - التوبة (21) وقال: أَ( فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ) - التوبة (109). وأما المرضاة فإنها تستعمل له ولغيره قال تعالى (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ ) - التحريم (1) وقال (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ ) - البقرة (207).
ثم إن (المرضاة) لم تستعمل إلا في ابتغاء الرضا وأما الرضوان فهو عام يستعمل في ابتغاء الرضا وغيره. قال تعالى في المرضاة: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) - البقرة (265) - وقال( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) - النساء (114).
وقال في الرضوان (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ ) - التوبة (21) - هذا في غير ابتغاء الرضا. وقال في ابتغاء الرضا (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) - الحديد (27) وقال (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ ) - الفتح (29).
ومن هذا يتبين أن المغفرة:
1- تستعمل في المغفرة من الله وغيره فهي عامة من حيث الغافر.
2- انها عامة في غير الطلب فهي عامة من حيث الدلالة بخلاف (الغفران) فإنه
خاص بمعنى واحد وهو طلب المغفرة وخاص في الغافر وهو الله.
وأن المرضاة:
۱- خاصة في ابتغاء الرضا فهي لم تستعمل في غيره.
۲- وأنها عامة في المبتغى منه الرضا فهو الله أو غيره.
وأن الرضوان:
1- خاص في أنه من الله.
۲- عام في ابتغاء الرضا وغيره فهو عام من حيث الدلالة.
فخصص المغفرة وقال وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لتقابل الرضوان لأن الرضوان مخصص في كونه من الله. وكلاهما مطلق من حيث الدلالة. فتناظرا من حيث كونهما خاصين بالله عامين من حيث الدلالة. والله أعلم.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 275 إلى ص 281.
(1) نظم الدرر 7/452.
(2) تفسير الرازي 29/233 – 234.
(3) التحرير والتنوير 27/401 – 403.
(4) أنظر تفسير اليازي 29/235، الكشاف 4/65.
(5) روح المعاني 27/283 – 284.
(6) مفردات الراغب. مادة: (رضي).
الوقفة كاملة
|
| ٣٧٦ |
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)
هذا وصف آخر للذين لا يحبهم الله وهم الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ولا يكتفون بذاك بل يأمرون الناس بالبخل ولعل من دواعي ذلك أنهم لا يريدون أن يذكر غيرهم بخير فيتساوون في الوصف فلا يكون أحد أفضل من أحد كما أخبر ربنا عن المنافقين بقوله (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ ) - النساء (۸۹).
و(لَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بدل على رأي الأكثرين لاختلاف التابع والمتبوع تعريفا وتنكيراً. ونعت عند من يجيز أن تنعت النكرة المخصصة بالمعرفة نظير قولهم في قوله تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ)
ومن يتول عما أمر الله به فإن الله غني عنه، وقال (هُوَ الْغَنِيُّ) : ولم يقل (غني) لأنه لا غني على الحقيقة سواه فعرف الوصف بأل وجاء بضمير الفصل للدلالة على الحصر.
وقد تقول: لقد قال الله في مكان آخر (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) - لقمان (۱۲) فلم يعرف الغني فما السبب؟
فنقول: إن السياق في كل من الآيتين مختلف، فإنه لم يذكر في سياق آية لقمان ملكاً له ولم يذكر أنه أتى الناس شيئاً فلم يعرف الغني. أما في سياق هذه الآية فإنه ذكر أنه هو الذي أتانا فقال: (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ) . فإذا كان الإنسان يرى أنه استغني أو يرى أنه غني فذاك مما آتاه الله. فالله إذن هو الغني وحده.
وهذه الآية في التوكيد والقصر نظير قوله في سورة لقمان (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (26) فإنه لما ذكر ملكه وأن له ما في السماوات والأرض أكد غناه وقصره عليه فعرف الغني وجاء بضمير الفصل.
ولم يكتف بوصف ذاته العلية بالغني بل قال (هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فهو المحمود في غناه والمحمود في صفاته كلها على جهة الثبوت. وهو تعريض بالأغنياء المذمومين الذين لا يحمدهم أحد ولم يأتوا في غناهم بما يحمدون عليه.
جاء في (الكشاف): (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بدل من قوله (كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون. يريد الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالاً وحظاً من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم وعظمة في عيونهم يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به ولا يكفيهم أنهم بخلوا حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبونهم في الإمساك ويزينوه لهم وذلك كله
عدنان بن عبد السلام
الأسعد
نتيجة فرحهم وبطرهم عند أصحابهم. (وَمَنْ يَتَوَلَّ) عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي فإن الله غني عنه (1).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 289 إلى ص 291.
(1) الكشاف 4/66.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧٧ |
برنامج لمسات بيانية
(إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ)
أي ما كانت النفخة المذكورة في قوله تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) إلا صيحة واحدة (1) فإذا هم مجموعون محضرون لدى رب العزة.
وجاء بالفاء وإذا للدلالة على مفاجأة الجمع والإحضار بعد الموت والبلي وسرعته، فإذن (إذا) نفيد المفاجأة والفاء تدل على الحدوث بلا تراخ واجتماعهما يدل على المفاجأة والسرعة.
ومعنى (جميع) مجموعون أي فإذا هم مجموعون.
وقد تقول: ولم قال (جميع) ولم يقل (مجموعون) كما قال في مكان آخر من القرآن الكريم؟ فقد قال في سورة الواقعة (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) الواقعة 49،50
وقال (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) هود 103
والجواب أن (جميع) تأتي بمعنيين – كما ذكرنا في آية سابقة – إما أن تكون بمعنى مفعول أي مجموعون وإما أن تكون بمعنى مجتمعين وذلك نحو قوله تعالى (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ) القمر 44 وقوله (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) الشعراء 56 أي مجتمعون.
فجاء بــ(محضرون) ليدل على أنهم مجموعون لا مجتمعون أي لم يجتمعوا باختيارهم، وأما (مجموعون) فهو يدل تنصيصاً على اسم المفعول أي جمعوا جمعاً ولذا لم يحتج إلى نحو (محضرون).
هذا من ناحية، ومن ناحية آخري أن (جميع) على زنة (فعيل) وهي بمعنى (مفعول) كما اتضح وهذه الصيغة لا تقال إلا لما وقع فعلاً (2) ولا تقال لما سيقع، أما صيغة (مفعول) فتقال لما وقع ولما لم يقع، فأنت لا تقول (قتيل) إلا لمن قتل، ولا تقول (طريد) إلا لمن طرد، أما مقتول ومطرود فيقال لمن قتل ولمن سيقتل أي أن صيغة (مفعول) تحتمل الحال والاستقبال بخلاف فعيل.
وفي آية يس تحدث عن أحداث القيامة بصيغة ما وقع فجاء بالصيغة التي تدل على الوقوع.
أما آيتا الواقعة وهود فإنهما في سياق المستقبل فجاء بهما على مفعول، قال تعالى في الواقعة (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ) فقد أمر الرسول أن يبلغهم بقوله (قل) وهذا يدل على أن الكلام في الدنيا وسياق الآيات واضح في ذلك.
وقال في هود (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) هود 103-105
فقوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ) يدل على أنهم في الدنيا، وكذلك قوله (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) وقوله (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) فكل ذلك يدل على أن الكلام على المستقبل.
فاتضح الفرق.
ويدل (لدينا) على الحضور والقرب، وهو أخص من (عندنا) فإن (عند) قد تكون للحاضر والغائب فأنت تقول (عندي مال) وإن كان غائباً ولا تقول (لدي) إلا إذا كان حاضراً قريباً (3)
وتقديم (لدينا) يدل على القصر أي محضرون لدينا لا لدى غيرنا كما مربيان ذلك.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص192 إلى ص193
1- ينظر التفسير الكبير 26/90، فتح القدير 4/363
2- كتاب سيبويه 2/213، أدب الكاتب 228، المخصص 16/156
3- ينظر الهمع 1/202، شرح ابن يعيش 4/100، شرح الرضى على الكافية 2/128
(فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
فاليوم أي يوم القيامة الذي يحضر فيه الجميع للحساب لا تظلم نفس شيئاُ، ذكر النفس ليشمل كل نفس برة كانت أو فاجرة (1) فالتنكير أفاد العموم، ونفي الظلم على الإطلاق فليس في ذلك اليوم من ظلم كما قال تعالي (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) غافر 17.
و(شيئاً) يحتمل معنيين:
يحتمل المصدرية أي لا تظلمون شيئاً من الظلم وإن قل.
ويحتمل المفعول به أي لا تظلمون شيئاً من الأشياء(2)
وهذا المعنيان مرادان معاً فلا تظلم نفس شيئاً من الظلم ولا شيئاً من الأشياء ولذا أطلق كلمة (شيء) ولم يقيدها.
الوقفة كاملة
|
| ٣٧٨ |
برنامج لمسات بيانية
سورة يوسف
اية 26
الوقفة كاملة
|
| ٣٧٩ |
برنامج لمسات بيانية
(وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ)
إن ارتباط هذه الآية بما قبلها ارتباط لطيف فإنه لما ذكر جهنم والختم على الأفواه وتكليم الأيدي وشهادة الأرجل وغير ذلك مما ذكره بعد مما هو مستغرب وغير مألوف فقد يظن ظان أن هذا من خيال الشعراء وتصويراتهم وليس من الحقائق فقال (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ)
إن قوله (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) ردّ لقولهم (هو شاعر) فقد كانوا يصفون رسول الله بهذا الوصف قال تعالى (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ) الأنبياء (5) وقال
(وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ )الصافات (36). فرد قولهم بقوله (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ).
ونفى الفعل بــ (ما) ولم ينفه بــ (لم) فلم يقل (ولم نعلّمه الشعر) وذلك لقوة (ما) في النفي ذلك أن (ما فعل) نفي لـ (لقد فعل) وأن (لم يفعل) نفي لـ (فعلّ)و (ما) إذا نفت الفعل الماضي كانت بمنزلة جواب القسم(1).
ومعنى (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) ما يصح له ولا يليق ولا يتأتى له لو أراده فهو لا يمكنه نظم الشعر ولا يستطيعه جاء في (الكشاف): ")وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه أي جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل" (2).
فنفى بهذا كون الرسول شاعراً ونفى كون القرآن شعراً.
لقد نفى أولاً تعليمه الرسول للشعر فقال (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) وقد يظن ظان أنه ربما كان في تعليمه الشعر خير حرُم منه وأنه لو علّمه إياه لكان أكمل له فقال (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أي أنه لا يصح أن يكون شاعراً وأن الكمال في حقه (صلى الله عليه وسلم) عدم تعليمه إياه فإن مهمة النبي غير مهمة النبي غير مهمة الشاعر فلا يليق بالنبي أن يكون شاعراً.
وأقل ما يقال في الشعر والشعراء:
1- أن الشاعر قد يزيد في الحقائق أو ينقص منها أو يكذب وقد يستبد به الخيال في تصويراته الشعرية ومبالغاته بينما الرسول لا يقول إلا الحق فلا يزيد فيه أو ينقص منه.
2- وأن الشاعر قد يعني بتزويق الكلام وتحسينه على حساب المعنى.
3- وأن الشاعر قد يقع في ضرورات لا يقتضيها المعنى وقد يضع الكلمة في غير موضعها المناسب وقد يخل بمقتضيات البلاغة من تقديم وتأخير وذكر وحذف وما إلى ذلك.
أما القرآن فإنه يضع التعبير في الأعلى مراتب البلاغة.
4- ثم إن القرآن حدد سلوك الشعراء وطبيعتهم بما يختلف عن طبيعة النبي وسلوكه فقد قال ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) الشعراء (224 – 226). وهذا لا يمكن أن يكون سلوك الأنبياء الذين يتصدون لإصلاح الخلْق، ولم يستثن منهم إلا أتباع الرسل والأنبياء فقال (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )….
5- ثم إن الشعر إنما هو قول الشاعر أي هو كلام بشر، فلو كان القرآن شعراً لكان من كلام البشر. وقد ادّعى الكفار أن محمداً شاعر وأن القرءان شعر ليصلوا بذلك إلى أن القرآن ليس كلام الله وأن محمداً ليس رسولاً،فنفى ذلك ليبطل زعمهم.
6- ثم إن الشعر له نظير والشعراء لهم نظراء وأضراب فنفى أن يكون القرآن شعراً ومحمد شاعراً ليدل على أنه ليس له ولا لما جاء به نظير.
جاء في (البحر المحيط): "(وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أي ولا يمكن له ولا يصح ولا يناسب لأنه عليه السلام في طريق جد محض والشعر أكثره في طريق هزل وتحسين لما ليس حسناً وتقبيح لما ليس قبيحاً ومغالاة مفرطة جعله تعالى لا يقرض الشعر كما جعل أميّا لا يخلط الحجة أثبت والشبهة أدحض...
وإنما منع الله نبيه من الشعر ترفيعاً له عما في قول الشعراء من التخيل والتزويق للقول وأما القرآن فهو ذكر بحقائق وبراهين فما هو بقول شاعر" (3).
وجاء في (روح المعاني): "(وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أي لا يليق ولا يصلح له (صلى الله عليه وسلم) الشعر لأنه يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن لأن أحسنه المبالغة والمجازفة والإغراق في الوصف وأكثره تحسين ما ليس بحسن وتقبيح ما ليس بقبيح وكل ذلك يستدعي الكذب أو يحاكيه الكذب وجل جناب الشارع عن ذلك، كذا قليل (4).
لقد قال قبل هذه الآية إنه لو شاء لطمس على أعينهم ولو شاء لمسخهم على مكانتهم. ولو شاء لكان. وفي هذه الآية أعني (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ... ) ذكر ربنا ما شاء أن يكون وهو أن يكون محمد نبياً وليس شاعراً وأن ما أنزله عليه ذكر وقرآن وليس شعراً.
والطمس والمسخ من الآيات الدالة على قدرته تعالى، والقرآن الكريم أكبر الآيات الدالة على صحة رسالته (صلى الله عليه وسلم) فكلتاهما آية وحجة.
الطمس والمسخ كل منهما آية على أن الله قادر على أن يعجز خلقه فلا يستطيعون أن يفعلوا إزاءها شيئاً، والقرآن آية على إعجازهم كذلك فلا يستطيعون أن يأتوا بمثله. فكلتاهما آية على قدرته وحجة على خلقه.
لقد نفى الفعل (يَنْبَغِي) بــ (ما) فقال (ومَا يَنْبَغِي لَهُ) ولم ينفه بلا ذلك أن (لا) الداخلة على الفعل المضارع أكثر ما تكون للاستقبال بل ذهب النجاة إلى أنها خاصة بالاستقبال. قال تعالى على لسان سيدنا سليمان عليه السلام (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) ص (35) فنفى الفعل (يَنْبَغِي) بــ (لا) ذلك أنه دال على الاستقبال فقد قال (مِنْ بَعْدِي). وهذا هو الموطن الوحيد الذي دخلت فيه (لا) على الفعل (يَنْبَغِي) في القرآن الكريم فلا يناسب ههنا النفي بــ (لا) لئلا يفهم أن هذا النفي خاص بالاستقبال لا ما هو عليه الآن
(إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ)
أي ما هذا الذي تسمعونه منه وتسمونه شعراً إلا ذكر وموعظة من الله عز وجل وقرآن مبين أي مظهر لكل أحد أنه ليس شعراً وإنما هو قرآن يتلى أنزله الله، فيه مواعظ وإرشاد للثقيلين.
وقد تقول: لقد قال تعالى ههنا (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ )فنفى واثبت بإنْ وإلا قال في موطن آخر فنفى وأثبت بـ (ما) و (إلا) في موطن آخر (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)القلم (52) فنفى وأثبت بــ (ما و (إلا) فلم ذاك وما الفرق؟
والجواب أن النفي بــ (إن) أقوى من (ما) (5) فنفى بما هو أقوى.
وقد تقول: ولم نفى بـ (ما) في سورة القلم؟
والجواب أن ذلك بحسب ما يقتضيه السياق والمقام، وأن كل موطن اقتضى التعبير الذي ورد فيه.
وإيضاح ذلك أنه في سورة القلم لم يكن السياق في الكلام على القرآن ولم يذكر عليه آية واحدة وإليك ذلك.
قال تعالى (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) والكلام كما ترى في الكلام على الرسول فقوله (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ...)إلى آخر الآية إنما هو في الكلام على الرسول لا على القرآن وقال بعدها (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ )وهي الآية الوحيدة التي تكلمت على القرآن ههنا فنفى بـ (ما).
وهذا هو الموطن الوحيد الذي نفى بـ (ما) في مثل هذا التعبير في القرآن الكريم في حين قال في سورة يس( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) فالكلام على القرآن كما ترى. حتى أن قوله (لينذر من كان حياً) يحتمل أن يكون المقصود به القرآن. فالكلام على القرآن أطول مما في القلم بـ (إن).
ونحوه قوله تعالى في سورة يوسف (ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) (102 – 104)
فقوله (ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ) يعني القرآن فإنه هو ما يوحى إليه و(أنباء الغيب) المذكورة يعني بها قصة يوسف التي ذكرها القرآن.
وقوله (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ ) قيل هو القرآن.
فناسب أن يقول (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)
ونحوه ما جاء في سورة ص (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) (86 – 88).
فالكلام إنما هو على القرآن كما هو واضح فقوله (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ قيل هو القرآن. وقوله وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) يعني القرآن فناسب النفي بإن.
وقال تعالى في سورة التكوير (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ… وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (19 – 27). وهو واضح في أن الكلام على القرآن وأنه فصّل في ذلك، فنفى وأثبت بإن وإلا، فاتضح الفرق.
الوقفة كاملة
|
| ٣٨٠ |
برنامج لمسات بيانية
ماذا قال في الآية 228: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾.
وقال في الآية 232: ﴿فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ﴾.
فاستعمل البعولة في الآية الأولى، واستعمل الأزواج في الآية الأخرى؟
الجواب:
البعل: هو رب الشيء ومالكه، ومنه: بعل الدار، وسمى زوج المرأة بعلًا؛ لأنه سيدها والقائم على أمرها، وفيه معنى الاستعلاء.
فقال في الآية 228: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗا﴾ فجعل الأمر بيدهم، وجعل الحق لهم إن أرادوا ذلك، فاستعمل كلمة (البعولة).
وأما في الآية الأخرى فإنه لم يجعل الأمر بيد الأزواج، وإنما جعل الأمر بيد ولي المرأة فقال: ﴿فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ﴾ والخطاب إنما هو لأولياء الأمور.
فلما لم يجعل الأمر بيد الزوج لم يستعمل (البعولة)؛ لأنه ليس بيده الأمر، ولما جعل الأمر بيد الأزواج استعمل البعولة؛ لأن فيه معنى ا
الاستعلاء.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ﴾ [النساء: 128].
فإنه لما كان هو المستعلي بنشوزه وإعراضه استعمل البعولة.
فاتضح ما قلناه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 266: 268)
الوقفة كاملة
|