تفسير و تدارس

٣٦١ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٦٢ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٦٣ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٦٤ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٦٥ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٦٦ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٦٧ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٦٨ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٦٩ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٧٠ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٣٦١ برنامج لمسات بيانية (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) أي إلا إذا أراد ربهم أن يرحمهم فينقذهم ويمتعهم في الحياة إلى أجل. فنفى الإنقاذ إلا من طريق رحمة الله بهم. والتعبير يحتمل معنيين: الأول أن ينقذهم رحمة بهم ويمتعهم إلى حين. والمعنى الآخر أن إنقاذهم على نوعين: إنقاذ رحمة وإنقاذ تمتيع. وذلك أن قسماً من هؤلاء الناجين يؤمنون بعد الكفر ويهتدون بعد الضلال فكان إنقاذهم رحمة منه تعالى. والقسم الآخر يبقون على ضلالهم فيكون إنقاذهم متاعاً إلى حين. والقسمان نالتهم رحمه الله والمتاع إلى حين. فالذين آمنوا نالتهم رحمة الله بإنقاذهم من الغرق وبإيمانهم. والذين لم يؤمنوا نالتهم رحمة الله بالنجاة من الغرق. وعلى هذا فكلهم مرحومون ممتعون ولكن منهم من نالته رحمة أوسع بنجاته وإيمانه. وقال (رَحْمَةً مِنَّا) ليدل على أن الرحمة بهم كانت منه سبحانه وإلا فليس ثمة من يرحمهم ويغيثهم، وحتى لو أغاثهم أحد فذلك برحمته سبحانه لهم وتهيئته من ينجيهم. فهم لا ينقذون إلا برحمته سبحانه. جاء في (التفسير الكبير) في قوله (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) "وهو يفيد أمرين: أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمتاع. أي فمن علم الله منه أنه يؤمن فينقذه الله رحمة، وفيمن علم أنه لا يؤمن زماناً ويزداد إثماً. وثانيهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزوال في الدنيا لابد منه فينقذه الله رحمة ويمتعه إلى حين. ثم يميته فالزوال لازم أن يقع" (1). وقد تقول: لقد قدم الرحمة ههنا على الجار والمجرور فقال (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا) فهل يصح أن يقدم الجار والمجرور على الرحمة فيقول (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعاً إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا رحمة ومتاعاً إلى حين) كما قدم ذلك في مواطن من القرآن الكريم وذلك نحو قوله (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) هود (9). وقوله (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) الشورى (48). وما الغرض من هذا التقديم والتأخير؟ فنقول: ههنا سؤالان. السؤال الأول: هل يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية يس؟ والآخر: ما الغرض من هذا التقديم والتأخير فيما ورد من نحو ذلك في القرآن؟ أما الجواب عن السؤال الأول فقال: أنه لا يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية يس لأن المعنى سيختل ذلك أنه لو قال (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعاً إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا) كان المعنى أنه سينقذهم من الله تعالى منقذ وينجيهم منه مغيث رحمة ومتاعاً إلى حين، وبذلك يكون الله عاجزاً عن إغراقهم تعالى عن ذلك لأنه سيكون من ينقذهم من الله، ولذا لا يصح التقديم في الآية. أما تقديم الجار والمجرور فيما ذكرناه من آيتي هود والشورى فذلك ما يقتضيه المقام. فإنه سبحانه وتعالى قال في هود: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) هود (9 ،10). وقال في الشورى (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) . في حين قدم الرحمة على الجار والمجرور في سورة فصلت فقال: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظ ٍ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) (49 – 51). ومن النظر في المواطن الثلاثة يتضح أن الكلام في (فصلت) على الرحمة أكثر وأثرها على الإنسان أوسع مما في هود والشورى فإنه في هود والشورى لم يذكر إلا إذاقته إياها ونزعها منه، فذكر حالة نزع الرحمة فقط ولم يذكر أثر الرحمة عليه.وأما في الشورى: فإنه لم يزد على أن قال (فرح بها). وأما في (فصلت) فقد فصل وأطال في وصف أثرها فيه واحتفائه بها فناسب تقديمها في (فصلت). ونحو ذلك قوله تعالى في سورة هود (وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) - (2) 8) بتقديم الرحمة على الجار والمجرور. وقوله في السورة نفسها (وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) هود (63) بتقديم الجار والمجرور على الرحمة. ومن النظر في سياق الآيتين يتضح سبب التقديم والتأخير فيهما. قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ…ا) لخ (25 – 28). وقال: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ... ) الخ (61 – 63). فأنت ترى من النصين السابقين أن الكلام على الرحمة في قصة نوح أطول ووصفهما أكثر فقد قال (وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) . وليس الأمر كذلك في قصة صالح فقد قال( وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) ولم يزد على ذلك. ثم قال بعدها (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) . فلما كان الكلام على الرحمة أكثر في قصة نوح قدم الرحمة وإنما لم يكن الكلام كذلك في قصة صالح أخرها. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن الكلام في قصة صالح على الله أكثر (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ). وقال في قصة نوح (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) فقال في قصة صالح: 1- اعْبُدُوا اللَّهَ. 2- مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ. 3- هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ. 4- وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا. 5- فَاسْتَغْفِرُوهُ. 6- ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ. 7- إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ. ولم يزد في قصة نوح على أن قال أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. فناسب تقديم الضمير العائد على الله في قصة صالح فقال وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً دون قصة نوح. فناسب التقديم والتأخير من جهتين: 1- من جهة التوسع في ذكر الرحمة في قصة نوح فناسب ذلك تقديمها. 2- ومن جهة التفصيل في الكلام على الله في قصة صالح دون قصة نوح فناسب تقديم ضميره وتأخير الرحمة. وقد تقول: لقد قال في آية يس (إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا) وفي مواطن من القرآن الكريم قال (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ) فهل من فرق بين التعبيرين؟ فنقول: الظاهر من التعبير القرآني أن قوله (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ) أخص من قوله ( رَحْمَةً مِّنَّا) ذلك أن قوله ( رَحْمَةً مِّنَّا) فيه الرحمة عامة تشمل جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم فقد قال تعالى (وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ) وقال (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) فصلت (50). أما قوله (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا) فهي رحمة خاصة بالمؤمن ولم ترد في القرآن الكريم في غير المؤمنين. قال تعالى على لسان سيدنا نوح (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) هود (28). وقال في الخضر وهو الرجل الصالح الذي اتبعه موسى ليتعلم منه (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ) الكهف65. وقال في سيدنا أيوب عليه السلام (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) الأنبياء 84. ونظير هذا قوله (نعمة منا) و(نعمة من عندنا) فإن قوله (نعمة منا) فيه النعمة عامة تشمل المؤمن والكافر، قال تعالى (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) الزمر 49. وقال (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) الزمر 8. فهذه النعمة عامة شملت عموم الناس وقد أصابت الكافر كما هو واضح في الآية الثانية. أما قوله (نعمة من عندنا) فهي خاصة بالمؤمن، قال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ) – القمر 34،35 وهذا نظير قوله (رحمة منا) و(رحمة من عندنا). وقد تقول ولكنه قد يرد في الموقف الواحد مرة (رحمة منا) ومرة (رحمة من عندنا) وذلك نحو قوله تعالى في سيدنا أيوب في سورة الأنبياء (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ )84. وقوله فيه في سورة (ص) (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) - 43. فما الفرق؟ فنقول إن السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين هو الذي يوضح سبب الاختلاف بين التعبيرين. قال تعالى في سورة (ص) (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ )41-44. وقال في سورة الأنبياء ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) 83-84. ومن النظر في النصين يتضح الفرق: 1- فقد قال في سورة (ص) (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) فذكر مس الشيطان له، وقد اختلف المفسرون في تفسير هذا المس وفسره بعضهم بانه وسوسة من الشيطان أطاعه فيها، جاء في (الكشاف): "ولما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سبباً فيما مسه الله به من النصب والعذاب نسبة إليه" (2). أما في سورة الأنبياء فقال (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) فذكر في (ص) ما هو خلاف الأولى فناسب ذكر (رحمة منا) في (ص) و(رحمة من عندنا) في الأنبياء. 2- ذكر في سورة الأنبياء الله بصفة الرحمة فقال (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ولم يذكر مثل ذلك في (ص). 3- ذكر في الأنبياء أن الله استجاب له وكشف ما به من ضر تصريحاً ولم يذكر مثل ذلك في (ص) بل فهم ذلك ضمناً، فكان ما في الأنبياء أتم وأكمل مما ذكر في (ص) فناسب كل تعبير موطنه. ثم إن السياق في كل من السورتين يوضح ذلك أيضاً: فقد ذكرت قصة أيوب عليه السلام بعد قصة داود وسليمان عليهما السلام في السورتين، وكان السياق في سورة (ص) فيما وقع لهما خلافاً للأولى فقد ذكر فيها سيدنا داود وتسور المحراب عليه وفزعه من المتسورين، وذكر الحكم في مسألة النعاج التي ترمز إلى أمر ما الله أعلم به، وعلى أية حال فقد ظن داود أن الله قد فتنه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب وغفر الله له ذلك. وذكر سليمان وأنه أحب حب الخير عن ذكر ربه، وذكر أن الله قد فتنه وألقى على كرسيه جسداً ثم أناب. وذكر أيوب وأن الشيطان قد مسه بنصب وعذاب. فالمقام والسياق في الابتلاءات والفتن التي تعرض لها الأنبياء المذكورون وليس في سورة الأنبياء مثل ذلك وإنما ذكر التفضل والإنعام عليهم ورحمته بهم فقد ذكر داود وسليمان وحكمهما في الحرث فقال (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ولم يذكر إنه فتنهما وإنما ذكر تفضله وإنعامه عليهما. وذكر أيوب ولم يذكر إنه مسه الشيطان وإنما قال (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). فناسب المقام والسياق ذكر الخصوصية بقوله (رحمة من عندنا) في سورة الأنبياء دون سورة (ص) والله أعلم. ثم لننظر إلى الآيتين من ناحية آخري فقد قال في (الأنبياء): (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ). وقال في (ص): (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) وإليك الفرق بينهما: في الأنبياء في (ص) فاستجبنا له -- فكشفنا ما به من ضر -- أتيناه أهله وهبنا له أهله رحمة من عندنا رحمة منا وذكرى للعابدين وذكرى لأولي الألباب ونود أن نذكر ما يأتي تعقيباً على النصين: 1- إن قوله (أتيناه) يشمل (وهبنا له) وزيادة، فإن الإيتاء يشمل الهبة وغيرها، فقد يستعمل الإيتاء في المال وغيره نحو قوله (آتيناه حكماً وعلماً) وقوله (آتينا ثمود الناقة مبصرة) وقوله (آتيناهم الكتاب) مما لا تصح الهبة في نحوه. 2- إن قوله (رحمة من عندنا) يشمل (رحمة منا) وزيادة، إذ الرحمة في قوله (منا)عامة يشترك فيها عموم الخلق مؤمنهم وكافرهم، أما قوله (رحمة من عندنا) فهي رحمة خاصة تزيد على الرحمة العامة فهي إذن تشمل قوله (رحمة منا) مع زيادة في الرحمة. 3- وقوله (للعابدين) يشمل أولى الألباب) وزيادة في الوصف، فإن العابدين كلهم من أولي الألباب وليس أولو الألباب كلهم من العابدين، ذلك أنه لا تصح عبادة من غير عقل، وعلى هذا فإن العابدين يزيدون في الوصف على أولي الألباب، فإن العابدين هم: أولو الألباب + عبادة فكان قوله (للعابدين) يشمل أولي الألباب وزيادة. 1- وزاد على ذلك قوله فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ. وبهذا يتضح أن آية الأنبياء تشمل آية (ص) وزيادة، فناسب كل تعبير مكانه. هذا علاوة على إنه في سورة (ص) تكرر ذكر مشتقات الهبة، وفي (الأنبياء) تكرر ذكر الإيتاء. فقد قال في (ص) (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) - 9، وقال (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ-) 30 وقال (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) 35- وقال (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ) 43. وقال في (الأنبياء): (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً )(48) وقال (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ ) 51 وقال (وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ) 73 وقال (وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ) 74 وقال (وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) 79 وقال 0وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) 84 فناسب لفظ (وهبنا) ما في (ص) و(آتينا) ما في الأنبياء من حيث السمة التعبيرية لكل من السورتين. ثم من ناحية آخري إن لفظ العبادة والعابدين ورد في سورة الأنبياء أكثر مما ورد في (ص) بل لم يرد لقط (العابدين) في (ص). فقد ورد ذلك في الأنبياء عشر مرات في حين ورد في (ص) خمس مرات. قال تعالى في الأنبياء (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ 19) وقال (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ( 25) وقال (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ 26) وقال (قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ) 53) وقال ( أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ) (66) وقال (أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (67) وقال: (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )(73) وقال (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ )(84) وقال (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ 92) وقال (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ )(106). وقال في (ص): (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ 17) وقال (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ ) (30) وقال (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ) 41 وقال (نِعْمَ الْعَبْدُ 44) وقال (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ..)(45). فناسب قوله (وذكرى للعابدين) ما في الأنبياء، وقوله (وذكرا لأولى الألباب) ما في (ص). ومما زاده حسناُ أنه قال في (ص) (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)( 29) فناسب قوله (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) . وأنه قال في (الأنبياء) (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )(73). وقال (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ )(106). فناسب ذلك قوله (وآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) هذا علاوة على أن سورة الأنبياء تكررت فيها مواقف العبادة وسياقاتها مما لم ير مثله في (ص) وشرح ذلك يطول مما لا يناسب هذا المقام. فناسب كل تعبير مكانه من كل وجه، والله أعلم. الوقفة كاملة
٣٦٢ (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) التسبيح هو التنزيه فمعنى ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) أن هؤلاء نزهوه عما لا يليق من الصفات وأنهم ذكروا ذلك بما يليق من حالهم مما نفقه من التسبيح وبما لا نفقه. لقد ورد فعل التسبيح في القرآن الكريم معدّي بنفسه ومعدّي باللام. فمما ورد معدي بنفسه قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلً) - الأحزاب (41، 42) وقوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ- ) الطور (49). ومما ورد معدّي باللام هذه الآية التي افتتح بها السورة. ونظيرها في مفتتح سورة الحديد وسورة الحشر وقوله ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ ) الإسراء (44) وغيرها. إن معنى (سَبِّحْهُ) نزهه – كما ذكرنا – ومعنى (سَبِّحُ لَهُ) أي فعل ذلك لأجله فاللام تفيد التعليل. فالتسبيح هو الفعل. والتسبيح له هو الفعل لأجله كما تقول: صلى وصلى له ونسك ونسك له. ولا ينفع الفعل حتى يكون له سبحانه. فكل فعل أو عبادة لا تنفع حتى تكون له وحده وإلا كان ذلك ضلالاً. فكل فعل لا يكون له باطل. قال تعالى ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) - الأنعام 162. فمن سبح رياء فليس بمسبح لله ومن صلى رياء فليس بمصل له، فالتسبيح ينبغي أن يكون له تعالى خالصاً كسائر العبادات. فالتسبيح هو الفعل. والتسبيح له هو إخلاص النية والعمل له. جاء في (البحر المحيط): واللام في (لِلَّه) إما أن تكون بمنزلة اللام في (نصحت لزيد) يقال: سبح الله كما يقال: نصحت زيدا فجئ باللام لتقوية وصول الفعل إلى المفعول. وإما أن تكون لام التعليل أي أحدث التسبيح لأجل الله أي لوجهه خالصاً (1). ومن الملاحظ في هذين الاستعمالين في القرآن الكريم أي في نحو سبح لله وسبحه أنه يستعمل اللام مع العاقل وغير العاقل وأما المتعدي بنفسه فلا يستعمله إلا للعقلاء. قال تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ ) - الحديد (1) وقال (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ) الإسراء (44) فهذا لغير العاقل والعاقل. وقال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ ) - النور (41) فهنا اختلط العقلاء بغيرهم. وقال (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ) - النور (36) وقال (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) - فصلت (38) وهذا خاص بالعقلاء. أما المتعدي بنفسه فلم يرد إلا للعاقل قال تعالى (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلً) - الفتح (9) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الأحزاب (41، 42). فتسبيح غير العقلاء لم يرد إلا باللام، أما تسبيح العقلاء فقد ورد باللام وبدونها. وثمة ملاحظة أخرى في استعمال هذين التعبيرين وهي أنه يستعمل اللام مع ما هو أعم وأشمل سواء كان ذلك من حيث المسبحون أم من حيث أوقات التسبيح. فقد قال الله إنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض. وإنه تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وهذا أعم تسبيح وأشمله في حين أنه قد يستعمل المتعدي بنفسه للواحد أو للجماعة التي لا تبلغ ذلك المبلغ في الشمول والسعة. قال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ق (40) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ) الإنسان (26) وقال (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الأحزاب (42) ولم يرد في المتعدي بنفسه نحو ذلك الشمول في المسبحين. ويكفي ذلك بياناً أن الفعل مع اللام يستعمل للعقلاء وغيرهم أما المتعدي بنفسه فلم يستعمله إلا للعقلاء. ومثل ذلك الاتساع في الأوقات. فما ورد من الأوقات مع اللام أكثر اتساعاً وأعم وأشمل. قال تعالى مع المتعدي بنفسه (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الفتح (9) وقال (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) - الأحزاب (42) في حين قال مع اللام (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ) - النور (36) فذكر ذلك بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد، فالغدو جمع غدوة والآصال جمع أصيل. وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ق (40) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) - الطور (49) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ) ا لإنسان (26) ففي كل ذلك قال (مِنَ اللَّيْلِ) بمن التبعيضية ثم ذكر وقتاً آخر ليس طويلاً وهو (أَدْبَارَ السُّجُودِ) أو ( إِدْبَارَ النُّجُومِ ) حتى أنه في آية الإنسان لم يذكر غير الليل في حين قال ( فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ) - فصلت (38) فقال (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) بإطلاق الليل والنهار من دون تقييد ولم يذكر (من) الدالة على البعضية بل ذكر الباء التي تفيد الظرفية. ثم قال (وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) للدلالة على مداومة التسبيح وطوله. لقد ورد التسبيح في القرآن الكريم بصور شتى فقد ورد بالفعل الماضي نحو (سَبَّحَ لِلَّهِ) وورد بالمضارع نحو (يُسَبِّحُ لِلَّهِ) وورد بالأمر نحو (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وقوله (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) كما ورد باسم المصدر وهو (سُبْحَانَ) وذلك ليشمل الأزمنة كلها ويستغرقها. فالفعل الماضي يستغرق الزمن الماضي والمضارع يستغرق الحال والاستقبال والأمر يفيد طلب التسبيح في المستقبل. والمصدر غير مقيد بزمن أو فاعل فهو يفيد الحدث المطلق فهو يدل على حدوث التسبيح سواء كان هناك من يسبحه أم لا. فاستغرق ذلك الأوقات كلها. وأفاد أنه مستحق التسبيح على الدوام سواء كان هناك من يسبح أم لم يكن. جاء في (التفسير الكبير): ثم إنه تعالى قال في البعض من السور (سَبَّحَ لِلَّهِ) وفي البعض (يُسَبِّحُ) وفي البعض (سبّحْ) بصيغة الأمر ليعلم أن تسبيح حضرة الله تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان والأمر يدل عليه في الحال (2). لقد افتتحت السورة بالفعل الماضي (سَبَّحَ لِلَّهِ) شأن سور أخرى وقد افتتح قسم آخر من السور بالفعل المضارع أي (يُسَبِّحُ لِلَّهِ.) ومن الملاحظ أن كل سورة تبدأ بالفعل الماضي أي (سَبَّحَ لِلَّهِ) يجرى فيها ذكر للقتال بخلاف ما يبدأ بالفعل المضارع أي (يُسَبِّحُ لِلَّهِ) فقد قال في سورة الحديد (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ ) – (10). وذكر في سورة الحشر إخراج الكافرين من حصونهم وتكرر في السورة ذكر القتال (أنظر على سبيل المثال الآيات 10، 11، 13). وقال في سورة الصف (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) وذكر الجهاد بقوله ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ َ). وكل تلك السور تبدأ بالفعل الماضي (سَبَّحَ) ولم يرد مثل ذلك فيما بدأ بالفعل المضارع. ومن الملاحظ أيضاً أنه في قسم من الآيات يكرر (مَا) فيقول (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) فكرر (مَا) فقال ( وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) . وحيث كرر ( مَا) في آيات التسبيح أعقب ذلك بالكلام على أهل الأرض. وإذا لم يكرر (مَا) فإنه لا يذكر شيئاً يتعلق بأهل الأرض وبعدها. وقد ذكر بعد هذه الآية أمراً يتعلق بأهل الأرض فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) فكان تكرار ( مَا) هو المناسب (3). وقدم الجار والمجرور (لِلَّهِ) على الفاعل وهو (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) وذلك لأن المجرور أهم فإن السياق ليس على الفاعل وإنما هو على مستحق التسبيح وهو الله ولذا ذكر بعد ذلك قسماً من صفاته فقال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .) ثم قال بعدها (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) ثم قال (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) ذكر ما يحبه الله وما لا يحبه. فقدم ما هو أهم وأولى. وقدم (مَا فِي السَّمَاوَاتِ) على (مَا فِي الْأَرْضِ) وذلك لأن أهل السماوات أسبق في التسبيح من أهل الأرض فإنه لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ ) - البقرة (30) فقدم ما هو أسبق. وهناك أمر آخر وهو أنه قدم ما هو أدوم تسبيحاً. فما في السماوات أدوم تسبيحاً قال تعالى (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) - الأنبياء (20). ولا تقل: إن (مَا) لغير العاقل فلا تشمل الملائكة. فإن (مَا) كما هو معلوم تكون لذوات غير العقلاء ولصفات العقلاء. كقوله تعالى (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا) - الشمس (7، 8) فاتضح ما قلناه. (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) العزيز هو الغالب الممتنع من أن يغلبه أحد. والحكيم قد يكون فعيلاً من الحكم. وقد يكون من الحكمة. والعزيز إذا حكم كان ذلك منتهى العزة. فقد يكون العزيز حاكماً وقد يكون غير حاكم. وقد ذكر هنا أنه جمع العزة والحكم فكان ذلك غاية الكمال فيهما. وإذا كان (الْحَكِيمُ) من الحكمة فذلك منتهى الكمال أيضاً ذلك أنه يكمل عزته بالحكمة فقد يكون العزيز متهوراً فيكون ذلك نقصاً فيه. والراجح أن كلا المعنيين مراد فهو حكيم من الحكم وحكيم من الحكمة فهو العزيز الحاكم ذو الحكمة. وقال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) بتعريف الوصفين ليدل على أنه لا عزيز في الحقيقة سواه ولا حاكم ولا حكيم في الحقيقة سواه فإن كل عز يناله غيره فمن عزته سبحانه وكل حكم أو حكمة لغيره فذلك منه سبحانه كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) - آل عمران (26) وقال (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ ) - البقرة (269). إن قوله (سَبَّحَ لِلَّهِ ) يعني أن ما في السماوات وما في الأرض نزهوه عن صفات النقص وأثبتوا له صفات الكمال. وقوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) يدل على الروحانية وإبطال الشرك إذ لا عزيز سواه ولا حاكم غيره، فهذه الآية تدل على توحيد الله سبحانه واتصافه بصفات الكمال وتنزيهه عن النقص. وتفيد إقرار ما في السماوات وما في الأرض له بذلك وخضوعهم له دون غيره خضوع قهر وعبادة. فإن الخضوع قد يكون خضوع قهر وغلبة لا خضوع عبادة وتقديس. أما خضوع ما في السماوات وما في الأرض فهو خضوع قهر وعبادة. فخضوع القهر يدل عليه قوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ويدل عليه وصف نفسه بـ (القهار). وخضوع العبادة والاستحقاق يدل عليه قوله (سَبَّحَ لِلَّهِ) فدل ذلك على الكمال المطلق له سبحانه. جاء في (التفسير الكبير): (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السماوات والأرض، و (الْعَزِيزُ) من عز إذا غلب وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ولا يمكن أن يغلب عليه غيره. و(الْحَكِيمُ) من حكم على الشيء إذا قضى عليه وهو الذي يحكم على غيره أي شيء كان ذلك الغير ولا يمكن أن يحكم عليه غيره. فقوله (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) يدل على الربوبية والوحدانية إذن (4). لقد ارتبط هذان الاسمان الكريمان بما ورد في السورة على العموم فقد شاع فيها جو العزة والحكم والحكمة. فقد ارتبط باسمه العزيز واسمه الحكيم من معنى الحكم قوله تعالى (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ولا يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط بهما أيضاً قوله ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) وقوله ( نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ ) وقوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) ، فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط باسمه (الحكيم) من الحكمة قوله تعالى (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) فإن نور الله إنما هو للهداية. والهداية من الحكمة. والذي يهدي إنما هو الحكيم. وارتبط به أيضاً قوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ) والهدى من الحكمة. والحق إنما يدل على الحكيم. وارتبط به أيضاً قوله تعالى (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) والذي يدل على ذلك حكيم. وقوله (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) والذي يعلم إنما هو حكيم لأن من مقتضيات الحكمة العلم. والذي لا يعلم لا يكون حكيماً. وذلك من لطيف الارتباط. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 199 إلى ص 205. (1) البحر المحيط 10/ 100. (2) التفسير الكبير 29/ 311. (3) أنظر معاني النحو 1/ 156 وما بعدها. (4) التفسير الكبير 29/ 311. الوقفة كاملة
٣٦٣ (وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) أي ونعمة أخرى محبوبة عندكم وهي النصر من الله والفتح القريب، ومعنى ذلك أن النصر لا يأتي من دون جهاد. وقوله (تُحِبُّونَهَا) له دلالته الخاصة في السورة ذلك أنه قال في أول السورة: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ) فكأنه قال: افعلوا ما يحبه الله يعطكم ما تحبون. وهو النصر والفتح القريب. ولقوله (تُحِبُّونَهَا) دلالة أخرى ذلك أنه لم يقل (هل أدلكم على تجارة تحبونها). فإن في بعض تلك التجارة كرهاً وهو القتال فكأنه قال: أطيعوا الله بما يحب وتكرهون يعطكم ما تحبون. ثم إنه قال( نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ) ، ليدل على أن النصر إنما هو من الله وليس بجهادكم وعدتكم كما قال تعالى (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) - آل عمران (126) ووعدهم إن فعلوا ذلك بأمرين محبوبين: النصر والفتح القريب. ثم قال (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) للدلالة على أن ذلك كائن وحاصل. لقد أمر الله رسوله أن يبشر المؤمنين بالنصر والفتح القريب ولم يجعل البشارة داخلة في جواب الشرط أو الطلب وإنما هي أمر بالتبليغ لما هو حاصل قطعاً. ومعلوم أن البشارة لا تكون إلا لما هو حاصل قطعاً. وقد حصل ما بشر به فدل ذلك على صدقه (صلى الله عليه وسلم). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول ص 231. الوقفة كاملة
٣٦٤ (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (هُوَ الْأَوَّلُ) أي ليس لوجوده بداية وهد قبل كل شيء. (وَالْآخِرُ) أي ليس لوجوده نهاية وليس بعده شيء. وهذا مقتضى قوله (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) - القصص (۸۸). (وَالظَّاهِرُ) أي الذي تجلى للعقول ونصب الدلائل الظاهرة على وجوده. وهو الغالب العالي على كل شيء وفوق كل شيء فليس معه شيء وليس فوقه شيء، من الظهور وهو الغلبة كما قال تعالى (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) - الصف (14). فللظاهر معنيان كلاهما مراد : الظاهر بدلائله، الغالب على كل شيء. (وَالْبَاطِنُ) أي غير المدرك بالحواس المحتجب عن الأبصار كما قال تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) - الأنعام (103). وهو الذي يعلم بواطن كل شيء وخفاياه. فللباطن معنيان: المحتجب عن الأبصار، والذي يعلم باطن كل شيء وكلاهما حق. وإن كان أحد المعنيين أظهر من الآخر. وتعريف الصفات بأل يفيد القصر فلا يشاركه شيء في هذه الصفات. فليس معه أول ولا آخر وليس معه ظاهر ولا باطن فهو أول كل شيء وآخر كل شيء. يزول كل شيء ولا يزول وليس معه أحد في كونه ظاهراً أو باطناً. ولم يقيد هذه الصفات بشيء لا بإضافة ولا بوصف أو أي تقييد آخر وذلك للدلالة على أنه الأول المطلق والآخر المطلق والظاهر المطلق والباطن المطلق لا بحسب شيء من الاشياء. لقد دلت هذه الآيات على إبطال الشرك فليس معه شريك. كما دلت على أنه الغني المطلق فلا يحتاج إلى شيء لأنه كان قبل كل شيء. وأنه الخالق وأنه القادر. ودل قوله: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) على علمه المطلق فهو الإله الحق. جاء في (التفسير الكبير): (أنه الأول ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء) ... وأنه ظاهر بحسب الدلائل وأنه باطن عن الحواس محتجب عن الأبصار... وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر هو الغالب على كل شيء ومنه قوله تعالى (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) أي غالبين عالين... وهذا معنى ما روي في الحديث (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء). وأما الباطن فقال الزجاج إنه العالم بما بطن كما يقول القائل: فلان يبطن أمر فلان أي يعلم أحواله الباطنة (1). وجاء في (الكشاف): (الظاهر) بالأدلة عليه (والباطن) لكونه غير مدرك بالحواس، وقيل الظاهر العالي على كل شيء الغالب له من: ظهر عليه إذا علاه وغلبه، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه. وليس بذاك (2). وجاء في (البحر المحيط): (هُوَ الْأَوَّلُ) الذي ليس لوجوده بداية مفتتحة... وقيل الأول الذي كان قبل كل شيء... (الظَّاهِرُ) العالي على كل شيء الغالب له من ظهر عليه إذا علاه وغلبه. (وَالْبَاطِنُ) الذي بطن كل شيء أي علم باطنه (3). وجاء في (التحرير والتنوير) في قوله (هُوَ الْأَوَّلُ) أنه لم يذكر لهذا الوصف هنا متعلق (بكسر اللام) ولا ما يدل على متعلق لأن المقصود أنه الأول بدون تقييد، ويرادف هذا الوصف في اصطلاح المتكلمين صفة (القدم). واعلم أن هذا الوصف يستلزم صفة الغني المطلق وهي عدم الاحتياج إلى المخصص أي مخصص يخصصه بالوجود بدلاً من العدم لأن الأول هنا معناه الموجود لذاته دون سبق عدم. وعدم الاحتياج إلى محل يقوم به قيام العرض بالجوهر. ويستلزم ذلك انفراده تعالى بصفة الوجود لأنه لو كان غير الله واجباً وجوده لما كان الله موصوفاً بالأولية ... فلذلك تثبت له الوحدانية... فلما تقرر أن كونه (الأول) متعلق بوجود الموجودات افتضي أن يكون وصفه بـ (الآخر) متعلقاً بانتقاض ذلك الوجود أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض (4). (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي المحيط علمه بكل شيء، وأنه وسع كل شيء علماً، وقال: (عَلِيمٌ) ولم يقل (عالم) للدلالة على بالغ علمه وسعته. ومن دقيق الاستعمال القرآني وطريفة أنه خصص اسم الفاعل (عالم) بعلم الغيب مفرداً والشهادة مفردة فيقول (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أو (عَالِمُ الْغَيْبِ) ولم يذكر مرة لفظ (عالم) مع الجمع. فإذا جمع الغيب أتى بـ )علام) الدال على المبالغة والكثرة فيقول (علام الغيوب). فخصص اسم الفاعل (عالم) بالمفرد. وقرن صيغة المبالغة (علام) بالجمع فهو يقول (عالم الغيب) وذلك في ثلاثة عشر موضعا (5). وقال: (علام الغيوب) في أربعة مواقع من القرآن الكريم (6). فناسب بين الصيغة ومتعلقها. بل إنه خصص لفظ (عالم) بعلم الغيب أو علم الغيب والشهادة وخصص (علام) بجمع الغيب فلم يستعمله مع غيره. أما (عَلِيمٌ) فقد أطلق استعماله فلم يقيده بمعلوم معين بل يذكره مع جميع المعلومات. فهو يقول مثلا (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) - البقرة (۲۹، ۲۳۱) (بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) - يس (۷۹) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) - البقرة (95، 246) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) - آل عمران (115) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) - آل عمران (154) أو يطلق الاسم الكريم فلا يخصصه بشيء وذلك نحو (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) - البقرة (32) (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) - البقرة (127) (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) - البقرة (247، 268)، آل عمران (73). ومن الملاحظ أيضاً أنه حيث ذكر اسمه (الْعَلِيمُ) . فإما أن يطلقه كما ذكرنا فلم يقيده بشي، نحو (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) أو وَهُوَ (السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، أو أن يجعله محيطاً بكل شيء نحو (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أو (بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) . أو أن يستعمله مع الجمع أو فعل الجمع وذلك نحو قوله تعالى: ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) - البقرة (95، 246) (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) - آل عمران (115) (فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) - آل عمران (63) فاستعمله مع الجمع. ونحو (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) - آل عمران (154) فقد جمع الصدر وقوله ( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) - يوسف (50) فأضاف الكيد إلى ضمير الجمع. أو أن يقول: ( وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) - البقرة (215) ونحو (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) - البقرة (۲۷۳) (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) - البقرة (183). فقد جمع الفاعل فقال (تَفْعَلُوا ) ولم يقل (تفعل) ونحوه، (تُنْفِقُوا) و (تَعْمَلُونَ) . ولم يرد استعمال اسم الله (الْعَلِيمُ) مع متعلق مفرد أو فعل فاعل مفرد. وهو تناسب لطيف بين المبالغة في الاسم الكريم وكثرة متعلقات الفاعلين. وبهذا يتبين أنه خصص اسمه: (العالم): بعلم الغيب المفرد أو الغيب والشهادة المفردين. واسمه: (العلاَم): بعلم الغيب مجموعاً فيقول (علام الغيوب) . أما اسمه (العليم): فإنه أطلق فيه العلم بالمعلومات عموماً ولم يخصصه بنوع من المعلومات معين. أو أن يطلق الاسم فلا يقيده بشيء، أو أن يستعمله مع الجمع أو فعل الجماعة. وأما إذا ذكر اسمه بصيغة الجمع: (عالمين). فإنه للتعظيم كما هو معلوم. وهذا من دقيق الاستعمال القرآني وخواصه، وهو من أوضح الأمور على القصد في التعبير القرآني. إن هذه الآية أعنى قوله (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) مرتبطة بما بعدها ارتباطاً وثيقاً. فقوله (هُوَ الْأَوَّلُ) مرتبط بقوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، فالذي خلق السماوات والأرض هو الأول. وقوله (الْآخِرُ) مرتبط بقوله (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) . وقوله في (وَالظَّاهِرُ) مرتبط بقوله (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ) فالذي له الملك هو الظاهر الغالب في أحد معنييه، وفي المعنى الآخر مرتبط بقوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) فهي آيات دالة على وجوده سبحانه. وقوله (الْبَاطِنُ) بمعنى المحتجب الذي لا يدرك مرتبط بقوله (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ) ، وبمعنى الذي بطن كل شيء أي علمه مرتبط بقوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وقوله (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) . **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 238 إلى ص 242. (1) التفسير الكبير 29/210 – 215. (2) الكشاف 4/61 (دار الفكر). (3) البحر المحيط 10/100 (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع). (4) التحرير والتنوير 27/360 – 361 (دار سحنون). (5) أنظر على سبيل المثال: الأنعام 73. التوبة 94، 105. سبأ 3. الجن 26. (6) أنظر المائدة 109، 116، التوبة 78. سبأ 48. الوقفة كاملة
٣٦٥ (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) . لقد دل قوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) على أنه هو المالك لهما إضافة إلى دلالته على أنه الأول. ودلّ قوله (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ) أنه الملك الحاكم المسيطر فهو مالك الملك أي أن المُلْك هو ملْك له فهو المالك والملك. جاء في (الصباح المنير): (ملكته) مَلْكاً من باب ضرب والمِلك بكسر الميم اسم منه والفاعل مالك، والجمع مُلاك مثل كافر وكفار... ومَلك على الناس أمرَهم إذا تولى السلطنة فهو مِلك بكسر اللام وتخفف بالسكون والجمع ملوك مثل فلس وفلوس والاسم المُلْك بضم الميم (7). لقد دل قوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) على أنه هو المالك لهما إضافة غلى دلالته على أنه الأول. ودل قوله (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ) أنه الملك الحاكم المسيطر فهو مالك الملك أي أن الملك هو ملك له فهو المالك والملك. جاء في (الصباح المنير): (ملكته) مَلكْا من باب صرب والملك بكسر الميم اسم منه والفاعل مالك، والجمع مُلاك مثل كافر وكفار.... وملك على الناس أمرهم إذا تولى السلطنة فهو ملك بكسر اللام وتخفف بالسكون والجمع ملوك مثل فلس وفلوس والاسم الملك بضم الميم (1). ولما كان كل من الملك والمالك ينبغي أن لا يندّ عنه شيء في ملكه ذكر أنه (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فكان ذلك الكمال الأعلى في الملك والتملك فهو لا يندّ عنه شيء في ملكوته وإنما يعلم كل شيء عن المسكن والساكن في السماء والأرض. وليس ذلك فقط وإنما هو يبصر أيضاً ما فيهما وهذه مرتبة فوق العلم فإن الفرد قد يعلم عن طريق الإخبار أما الله سبحانه فهو يعلمه ويشاهده. بل له مرتبة فوق ذلك وهي المعية والمصاحبة فهو مع عباده أينما كانوا. وهذه مرتبة فوق المشاهدة، وهي مرتبة القرب. بل له مرتبة فوق ذلك أيضاً وهي أنه بصير بما نعمل ظاهراً وباطناً فهو يعلم عمل كل عامل ويعلم لم عمله؟ وهذه مرتب فوق المعية لأنك قد تصاحب إنساناً وتراه يعمل عملاً ما ولكنك لا تعلم لمَ فعل ذلك فذكر أنه تعالى بصير بما يعمل العاملون وأنه عليم بذات الصدور. فذكر كل مراتب العلم وهي: 1- أنه يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. فهو يعلم الداخل والخارج. والنازل والصاعد. ۲ - وأنه مصاحب لنا أينما كنا. 3 - وأنه مبصر لأعمالنا. 4- وأنه يعلم لم فعلنا ذلك . فاستوفى كل مراتب العلم فناسب ذلك ختام الآية السابقة وهو قوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ ) قال (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ) ولم يقل (ما يولج). وقال (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) ولم يقل (ما يُخرج) . وقال (وَمَا يَنْزِلُ) ولم يقل (ما يُنزل) وقال (وَمَا يَعْرُجُ) ولم يقل (ما يُعرج): وهذا أدل على العلم لأن الفرد في العادة يعلم ما يفعله هو ولكنه يجهل ما لم يفعله هو. أما ربنا فقد أخبر عن نفسه أنه يعلم ما يلج وما يخرج وما ينزل وما يعرج. وهذا أدل على العلم. وقدم ما يلج في الأرض على ما يخرج منها، وقدم ما ينزل من السماء على ما يعرج فيها، فقدم ما ينزل وما يلج وأخر ما يخرج وما يعرج؛ ذلك أن كثيراً مما ينزل من السماء قد يلج في الأرض ثم يخرج بعد ذلك من الأرض ما يخرج بسببه أو بغيره من الأسباب كالنباتات والينابيع وغيرها. فالولوج قد يكون سبباً للخروج. والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء، فالذي ينزل من السماء قد يلج في الأرض، والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء وذلك أن قوله (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) يحتمل معنيين، الأول أنه يخرج من داخلها كالنبات والحشرات وغير ذلك. والآخر أنه يخرج من دائرتها ومحيطها. وبدأ بالأرض وأخر السماء لأن السياق في الكلام على أهل الأرض وهو قوله (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وهي مسكنهم. وقد تقول: لقد قال في سبأ نحو هذا غير أنه لم يذكر (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ) . كما أن خاتمة كل من الآيتين اختلفت عن الأخرى. فقد قال في سبأ( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ) - (2) فما السبب؟ والجواب أن سياق كل من الآيتين يوضح ذلك: 1- فقد قال في سورة الحديد قبل هذه الآية (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . فجاء في الآية التي قبلها بما يدل على علمه تعالى وإحاطته بكل شيء فقال: ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وجاء بعد ذلك بقوله (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) مما يؤكد هذا المعنى. ولم يرد في سياق آية سبأ نحو ذلك. فناسب المجيء بذكر العلم في آية الحديد دون آية سبأ. ۲- قال في آية الحديد( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ ) وهذا مما يدل على المراقبة ولذا جاء بعدها بما يدل على معرفته بعملنا فقال (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) . وقال في خاتمة الآية في سورة سبأ (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) فختمها بالرحمة والمغفرة فكأنه أراد أن يرحمهم ويغفر لهم فرفع ذكر المراقبة. ولا شك أن عدم ذكر المراقبة أنسب مع ذكر الرحمة والمغفرة. وإن ذكره أنه بصير بعملنا أنسب مع ذكر المراقبة. ٣- أنه ذكر الآخرة قبل هذه الآية فقال: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ) وليست الآخرة وقت عمل أو مراقبة كما أن الآية بعدها إنما هي في الساعة وهي قوله ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) . فلم يذكر المراقبة ولا أنه بصير بما نعمل في هذا السياق. أما آية الحديد فهي في سياق بداية الخلق قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ) وهو زمان بداية الأعمال واستمرارها ومراقبتها بخلاف سياق آية سبأ فإنه في طي صفحة الأعمال والمراقبة فناسب كل تعبير موطنه. - (3) وقال (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ (4) ) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (5) وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) - (۲۲) (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ ) - (25). وشاع في سورة سبأ ذكر الآخرة من مثل قوله (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ - (1) ) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ - (3) أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ - (4) أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ - (5) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ - (7) (بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ- (8) إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ )) (- (21) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ-)) (23) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ)) (26) ((وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ - (30) وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ)) - (31 إلى 33) ((فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ - (37) - وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ)) - (38). ((وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا)) - (40 - 42)) (( وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ)) - إلى آخر السورة (54). فناسب كل تعبير موطنه. ((وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) قدم (بِمَا تَعْمَلُونَ) على (بَصِيرٌ) ذلك لأنها وردت بعد قوله (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) فقدم ما يتعلق بهم وهو عملهم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 238 إلى ص 245. (1) المصباح المنير (ملك) 221 الوقفة كاملة
٣٦٦ (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) لما تقدم طلب الإيمان في الآية السابقة قال في هذه الآية (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) أي كيف لا تؤمنون ولم لا تؤمنون ودواعي الإيمان متكاثرة ملزمة؟ فالرسول يدعوكم للإيمان وقد جاء بالآيات البينات والدلائل الواضحة على صحة ما يدعو إليه وصدقه. ثم إن الله سبحانه قد أخذ الميثاق منكم على الإيمان به بما أودعه في عقولكم من الاستدلال على وجوده بآياته الكونية وبما أودعه في فطركم على الإيمان به. فإن الإنسان مفطور على الإيمان بأن له رباً وإلهاً يلجأ إليه إذا اضطرته الحاجة إلى ذلك، فحتى الملحد إذا وقع في شدة لا مخلص منها وانقطعت به الأسباب لجأ إلى الله كما أخبر ربنا (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) - النحل (53) - (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ ) - الإسراء (67). فقد تضافرت الدواعي العقلية والنفسية علاوة على السماع المؤيد بالحجج القاطعة على الإيمان بالله فلم لا تؤمنون؟ وجاء في (الكشاف) في قوله (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان حيث ركب فيكم العقول ونصب لكم الأدلة ومكنكم من النظر وأزاح عللكم (1). وجاء في (تفسير الرازي): وحاصل الأمر أنه تطابقت دلائل النقل والعقل، أما النقل فبقوله (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) وأما العقل فبقوله (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ ) ومتى اجتمع هذان النوعان فقد بلغ الأمر إلى حيث تمتنع الزيادة عليه (2). وجاء في (البحر المحيط): (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ) أي كيف لا تثبتون على الإيمان ودواعي ذلك موجودة، وذلك رُكزة فيكم من دلائل العقل، وموجب ذلك من السمع في قوله (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) لهذا الوصف الجليل، وقد تقدم أخذ الميثاق عليكم بالإيمان فدواعي الإيمان موجودة وأسبابه حاصلة فلا مانع منه ولا عذر في تركه (3). وجاء في (التحرير والتنوير): وعلى هذا الوجه فالميثاق المأخوذ عليهم هو ميثاق من الله. أي ما يماثل الميثاق من إيداع الإيمان بوجود الله وبوحدانيته في الفطرة البشرية، فكأنه ميثاق قد أخذ على كل واحد من الناس في الأزل وشرط التكوين فهو ناموس فطري (4). وقوله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يعني إن كنتم تنوون الإيمان وتعتزمونه فلم لا تؤمنون؟ وهو نظير قولنا (نحن خارجون إن كنت خارجاً) و(هم راحلون إن كنت راحلاً) أي إن نويت ذلك وعزمت علية فافعل. جاء في (التحرير والتنوير): واسم الفاعل في قوله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) مستعمل في المستقبل بقرينة وقوعه في سياق الشرط أي فقد حصل ما يقتضي أن تؤمنوا من السبب الظاهر والسبب الخفي المرتكز في الجبلة (5). وقال (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) ولم يقل (لتؤمنوا به) مع أنه قد مر ذكره وهو قوله (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ) وذلك لأنه أراد أن يحبب إليهم الإيمان فإنه إيمان بربهم الذي يربهم ويرعاهم. ثم إن لفظ (الرب) مناسب لما ذكر بعد وهو قوله (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) فإن مهمة الرب الأولى في التوجيه والإرشاد والهداية. فناسب ذلك ما جاء بعده. وقال (يَدْعُوكُمْ) للدلالة على استمراره في الدعوة لم يتوقف عنها. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 249 إلى ص 251. (1) الكشاف 4/62. (2) تفسير الرازي 29/18، وأنظر روح المعاني 27/ 261. (3) البحر المحيط 10/102. (4) التحرير والتنوير 27/370. (5) التحرير والتنوير 27/370. الوقفة كاملة
٣٦٧ (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) قال: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بذكر (أن) مع (لا) وقال في الآية السابقة (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ ) من دون أن ذلك أن (أن) تفيد الاستقبال فلما كان الإيمان لا يحتمل التأخير وإنما هو مطلوب منهم في الحال لم يذكر (أن). ولما كان الإنفاق في سبيل الله يحتمل الاستقبال وقد يكون هذا الإنفاق مطلوباً للجهاد والجهاد ليس قائماً في وقت طلب جاء بأداة الاستقبال. والمعنى: لم لا تنفقون في سبيل الله والله سبحانه وارث أموالكم أي مهلكهم وستؤول إليه أموال الخلق كلها بل له ميراث السماوات والأرض فأنفقوا منها بأنفسكم لتنالوا جزاء المنفقين قبل أن تؤول إليه رغماً عنكم فينالكم عقاب الممسكين الباخلين. جاء في (الكشاف): (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا ) في ألا تنفقوا ( وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يرث كل شيء فيهما لا يبقى منه باق لأحد من مال وغيره. يعني وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله والله يهلككم فوارث أموالكم. وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله (1). وجاء في (تفسير الرازي): والمعنى أنكم ستموتون فتورثون فهلا قدمتموه في الإنفاق في طاعة الله، وتحقيقه أن المال لابد وأن يخرج عن اليد إما بالموت وإما بالإنفاق في سبيل الله. فإن وقع على الوجه الأول كان أثره اللعن والمقت والعقاب. وإن وقع على الوجه الثاني كان أثره المدح والثواب وإذا كان لابد من خروجه عن اليد فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح والثواب أولى منه بحيث يستعقبه اللعن والعقاب (2). وقوله (لِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) مناسب لاسمه الآخر الذي ورد في أول السورة. وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر أي إليه وحده يؤول ميراث السماوات والأرض لا إلى غيره ولا إلى شريك معه. ( لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) أي لا يستوي منكم من أنفق قبل فتح مكة، قبل عز الإسلام وقوة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجاً وقلة الحاجة إلى القتال والنفقة فيه ومن أنفق من بعد الفتح. فحذف لوضوح الدلالة، (أُولَٰئِكَ) الذين أنفقوا قبل الفتح وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار... أعظم درجة (3). وجاء في (روح المعاني): وإنما كان أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا بعد لأنهم إنما فعلوا ما فعلوا عند كمال الحاجة إلى النصرة بالنفس والمال لقلة المسلمين وكثرة أعدائهم وعدم ما ترغب في النفوس طبعاً من كثرة الغنائم فكان ذلك أنفع وأشد على النفس وفاعله أقوى يقيناً بما عند الله تعالى وأعظم رغبة فيه ولا كذلك الذين أنفقوا بعد (4). واستعمل لمن أنفق من قبل الفتح الاسم الموصول (من) والفعل (أنفق وقاتل) بالإفراد. واستعمل لمن أنفق بعد ذلك الاسم الموصول (الذين) والفعل (أنفقوا وقاتلوا) بضمير الجمع ولعل ذلك لقلة المنفقين والمقاتلين قبل الفتح فاستعمل لهم ضمير المغرد بخلاف المنفقين والمقاتلين بعده فهم كثرة فاستعمل لهم ضمير الجمع. والقرآن يراعي ذلك في الاستعمال نظير قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ ۚ) بالإفراد وقوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ ) بالجمع (5). وقدم الإنفاق على القتال وهو نظير قوله (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) بتقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 252 إلى ص 253. (1) الكشاف 4/62. (2) تفسير الرازي 29/219. (3) الكشاف 4/62. (4) روح المعاني 27/264. (5) أنظر معاني النحو 1/146 (باب الاسم الموصول). الوقفة كاملة
٣٦٨ (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَه وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ُ) القرض الحسن هو الإنفاق بإخلاص النية لله وكونه عن طيب نفس وبشاشة وجه من دون منٌ أو تكدير وتحري المال الطيب الكريم وأفضل الجهات التي ينفق فيها (1). فالقرض الحسن هو ما اجتمعت فيه عدة أمور: منها في المقرض وهو الإخلاص وكونه عن طيب نفس وبشاشة وجه كما ذكرنا. ومنها في المال وهو أن يكون حلالاً طيباً وأن يكون من كريم المال ومنها الجهة التي ينفق فيها وهي ما كان أشدها حاجة وأكثرها نفعاً للمسلمين وسمى الصدقة قرضاً لأنه وعد بإعادتها مضاعفة. وذلك لأن المقترض يعيد ما اقترض وذلك لتهوينها على النفس وللترغيب فيها فإن الناس يسهل عليها الإقراض أكثر مما يسهل عليها الخروج عن المال من غير إعادة. قد تقول: لقد قال في آية أخرى:(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) - البقرة (245). فذكر في هذه الآية أنه يضاعف القرض أضعافاً كثيرة ولم يقل في آية الحديد ذلك وإنما قال (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ) فلم ذاك؟ والجواب أنه قال في آية الحديد (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) فزاد الأجر الكريم على المضاعفة فأغنى ذلك عن قوله (أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ) ولم يقل مثل ذلك في البقرة جاء في (البحر المحيط): والظاهر أن قوله (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) هو زيادة على التضعيف المترتب على القرض أي وله مع التضعيف أجر كريم (2). والأجر الكريم: هو الحسن البالغ الجودة والجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل (3). فذكر جزاء القرض الحسن في الكم وهو المضاعفة وفي الكيف وهو وصفه بالكرم. وقد تقول: ولكنه ذكر في البقرة الأضعاف الكثيرة وهو الكم ولم يذكر الكيف ثم إن خاتمة كل من الآيتين تختلف عن الأخرى فلم ذاك؟ فنقول إن سياق كل من الآيتين يقضي بذاك فإن آية الحديد وردت في سياق الإنفاق. فقد تكرر طلب الإنفاق في السورة فقد قال قبل الآية (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) وقال بعد ذلك (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) … ثم جاءت الآية (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) ، في حين لم يكن الإقراض في البقرة في سياق الإنفاق وإنما هو في سياق القتال فناسب ذلك ذكر الجزاء في آية الحديد بالكم والكيف. كما ناسب أن يكون ختام كل آية السياق الذي وردت فيه فلما كان السياق في البقرة في ذكر الموت والقتال ناسب أن يكون ختام الآية (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فإن الموت رجوع إلى الله والقتال مظنة الرجوع إليه، فقد قال في سياق آية البقرة: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) - (243) (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )– (244) ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا... ) (245) ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ ... ) (246) ويستمر الكلام على القتال، فناسب ختام كل آية السياق الذي وردت فيه. وقد تقول: لقد قال في آية سابقة من السورة (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) وقال في هذه الآية (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) فوصف الأجر في الآية الأولى بأنه كبير ووصفه هنا بأنه كريم فما السبب؟ والجواب والله أعلم أنه ذكر في الآية الأولى الذين آمنوا وأنفقوا فزاد الإيمان على الإنفاق فكبرت الدائرة واتسعت فوصف الأجر بأنه كبير. وفي الآية الأخرى ذكر مضاعفة الأجور وهذا من الكرم، فالذي يعطي الكثير على القليل إنما هو كريم، ومن معاني (الكريم) في اللغة الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه (4). فناسب ختام كل آية الموطن الذي ورد فيه، والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 252 إلى ص 255. (1) ينظر روح المعاني 27/266. التحرير والتنوير 27/377. (2) البحر المحيط 10/104. (3) لسان العرب (كرم) الوقفة كاملة
٣٦٩ (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (يَوْمَ تَرَى) : يجوز أن يكون (يَوْمَ تَرَى) ظرفاً لقوله تعالى(وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) أي له أجر كريم في ذلك اليوم، أو على تقدير (اذكر يوم ترى المؤمنين) تعظيماً لذلك اليوم (1). وذكر المؤمنين والمؤمنات كما ذكر بعد ذلك المنافقين والمنافقات والمصدقين والصدقات لتنال البشري جميع من آمن وينال التبكيت جميع من نافق. (يَسْعَىٰ نُورُهُمْ) قال (يَسْعَىٰ) ولم يقل (يمشي) للدلالة على إسراعهم أو الإسراع بهم للدخول إلى الجنة وإلا لو كان النور يسعى وهم يمشون لسبقهم النور وتركهم في الظلمة. وأسند السعي إلى النور ولم يقل (يسعون) لأن السعي قد يفضي بهم إلى الجهد والتعب فأسند السعي إلى النور للدلالة على أنه يسعى بهم في مراكب أو محاف أو مطايا أو بغير ذلك وذلك على الصراط يوم القيامة وهو دليلهم إلى الجنة (2). وأضاف النور إليهم فقال (نُورُهُمْ) ولم يقل (يسعى النور) للدلالة على أنه نور أعمالهم فيعطى لكل مؤمن نورٌ على قدر عمله. (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) ذكر هاتين الجهتين لأن ما بين أيديهم هو الأمام وهي جهة السير والسعي. والأيمان هي جهة إيتاء كتب السعداء ولم يذكر الشمائل لأنها جهة كتب الأشقياء، جاء في (الكشاف): وإنما قال (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ومن وراء ظهورهم (3). قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا) الانشقاق (10، 11). وقال (بِأَيْمَانِهِمْ) ولم يقل (عن أيمانهم) للدلالة على أن النور ملاصق للأيمان وليس مبتعداً أو منحرفاً عنها. وقال (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) ولم يقل (المسلمين والمسلمات) لإخراج المنافقين والمنافقات الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم وقد أسلموا ظاهراً كما قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) - البقرة (8) وقال (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ ) - الحجرات (14). (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) حذف القول أي مقولاً لهم أو يقال لهم لإرادة أن الأمر مشاهد مرئي مسموع وليس إخباراً عن غائب فأنت ترى المؤمنين وتسمع القول من دون أن تخبر بذاك. والدليل على ذلك قوله (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ) فذكر الرؤية مما يدل على أن الأمر مشاهد لا منقول سماعاً. والمراد بالبشرى ما يبشَر به أي ما تبشّرون به جنات (4). وذكر (الْيَوْمَ) لأن ذلك كائن في ذلك اليوم وليس بعده فهو قريب واقع. وقوله (ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) واقع على جميع ما مر ذكره في الآية وآخره الجنة. فالنور الذي يسعى بين أيديهم وبإيمانهم فوز عظيم، والبشري فوز عظيم والجنات فوز عظيم والخلود فيها فوز عظيم، والذي يدل على أن البشري فوز عظيم قوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) - يونس (63، 64). وعرف الفوز وجاء بضمير الفصل للدلالة على القصر وعلى أن ذلك وحده هو الفوز العظيم وليس ثمة فوز غيره وأن ما عداه هو الخسران المبين. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 255 إلى ص 257. (1) أنظر الكشاف 4/ 63. تفسير الرازي 29/ 223. (2) فتح القدير 5/ 240. (3) الكشاف 4/ 63. (4) أنظر روح المعاني 27/ 268 – 269. الوقفة كاملة
٣٧٠ (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) (يَوْمَ يَقُولُ) … بدل (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِين... ) (1) ويجوز أيضاً أن يكون منصوباً على تقدير (اذكر) (2). وذكر المنافقين والمنافقات ليدل على أن كل فرد من الجنسين ينال جزاءه ولا يشفع لأحدهما قرابة فلا تغني المؤمنة عن قريبها المنافق أو قريبتها المنافقة. ولا المؤمن عن قريبه أو زوجته المنافقة. ولا تقول المنافقة إني كنت تبعاً لزوجي أو أخي أو أبي فإن كل واحد مسئول عن نفسه وعما قدم أو أخر. (انْظُرُونَا) أي انتظرونا غير أنهم لم يقولوا (انتظرونا) لأن الانتظار فيه تمهل وإبطاء. والمؤمنون يسرعون أو يسرع بهم إلى الجنة، فطلبوا انتظاراً قليلاً أو تمهلاً قليلاً. وقد أدركوا أنهم لو طلبوا انتظارا لم يجابوا. ولو كان في الوقت فسحة لساغ طلب الانتظار كما في قوله تعالى (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) - يونس (102) فقال(انْتَظِرُوا) . وقال (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) لأن في الوقت متسعاً. جاء في (نظم الدرر): وكان الفعل جرد في قراءة الجماعة لاقتضاء الحال الإيجاز بغاية ما توصل المقدرة إليه خوف الفوت لأن المسئولين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف (3). قبل ويجوز أن يكون المعنى (انظروا إلينا) لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به (4). (نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) أي نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به (5). وقالوا( نَقْتَبِسْ) ولم يقولوا (نأخذ) لأن الاقتباس لا ينقص من المقتبس منه بخلاف الأخذ فإنك إذا اقتبست من النار فإن ذلك لا ينقصها بخلاف ما إذا أخذت منها. والمعنى نستفد منه فلا ينقص فأنظرونا. وقالوا (نَقْتَبِسْ) ، ولم يقولوا (نقبس) لأن الاقتباس أبلغ من القبس وذلك دليل على عظم نور المؤمنين وهو لا ينقص بالاقتباس. وقالوا (مِنْ نُورِكُمْ ) ولم يقولوا (من النور الذي معكم) للدلالة على أنه نورهم هم. قيل: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله ... ثم على ذلك تغشاهم ظلمة فتطفئ نور المنافقين فهنالك يقول المنافقون انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ كقبس النار (6). (قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) لم يقل (قالوا) بل (قِيلَ) : ويظهر من إسناد (قِيلَ) : بصيغة المبني للمجهول أن قائله غير المؤمنين وإنما هو من كلام الملائكة السائقين للمنافقين. وتكون مقالة الملائكة للمنافقين تهكما إذ لا نور وراءهم (7). و(وَرَاءَكُمْ) : إما أن يكون ظرفاً مؤكداً فإن الرجوع إنما يكون إلى الوراء وإما أن يكون اسم فعل بمعنى (ارجعوا) فيكون أيضاً مؤكداً لفعل الأمر (8). (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ) قيل: الباء في (بِسُورٍ) زائدة للتوكيد والتقدير: ضُرب بينهم سور (9). وقيل ضمن (ضُرِبَ) معنى (حجز) أي حجز بينهم بسور ولذلك عدي بالباء أي ضرب بينهم سور للحجز به بين المنافقين والمؤمنين (10). والسور هو ما أحاط بالشيء من بناء وغيره. وقال( لَهُ بَابٌ) لئلا يظن أن المؤمنين محتجزون فيه وإنما ينفذون منه إلى مرادهم وهو الطريق إلى الجنة والله أعلم. فالمنافقون لا يتمكنون من الدخول فيه ليلتقوا بالمؤمنين والمؤمنون يتمكنون من الخروج منه. ووصف السور بأن باطنه فيه الرحمة وهي الجهة التي فيها المؤمنون. وأن ظاهره يأتي العذاب من جهته للمنافقين ولمن حقت عليه كلمة العذاب. وهذا السور، كما ترى. يخالف باطنه ظاهره كما أن المنافقين يخالف باطنهم ظاهرهم فهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر وذلك السور باطنه الرحمة وظاهره من قبله العذاب وهو تناظر لطيف بين السور والمنافقين في اختلاف الباطن عن الظاهر. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 257 إلى ص 259. (1) تفسير الرازي 26/224. (2) أنظر روح المعاني 27/269. (3) نظم الدرر 7/444. (4) الكشاف 4/63. وأنظر تفسير الرازي 29/225، روح المعاني 27/270. (5) الكشاف 4/63. (6) تفسير الرازي 29/226. (7) التحرير والتنوير 27/382. (8) أنظر روح المعاني 27/271. (9) ينظر تفسير الرازي 29/227، روح المعاني 27/271. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 361 إلى 370 من إجمالي 1052 نتيجة.