تفسير و تدارس

٣٦٦١ تفسير سورة الاعراف دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣٦٦٢ تفسير سورة الاعراف دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣٦٦٣ تفسير سورة الاعراف دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣٦٦٤ خواطر الشيخ الشعراوي - سورة الأنفال الوقفة كاملة
٣٦٦٥ تفسير سورة الاعراف دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣٦٦٦ تفسير سورة الاعراف دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣٦٦٧ تفسير سورة الاعراف دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣٦٦٨ تفسير سورة الاعراف دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣٦٦٩ خواطر الشعراوى, سورة الانعام الوقفة كاملة
٣٦٧٠ خواطر الشعراوى, سورة الانعام الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٣٦٦١ {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7)} أي لم تهتد إلى الحق بنفسك، بل هداك الله إليه. جاء في (الكشاف): "معناه: الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع، كقوله: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ} [الشورى: ٥٢] ... فهداك فعرفك القرآن والشرائع" (1). وهذه الآية مرتبطة أيضًا بجواب القسم، وهو قوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}، وبقوله: {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى}. فإن هدايته من الضلال تعني أن ربه لم يتركه ولم يقله فكيف يكون قد ودعه وقلاه وقد هداه من الضلال؟ وهي مرتبطة أيضًا بقوله: {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} فإنه وجده ضالًا فهداه، فكان أول أمره الضلال وآخرته الهداية، فالآخرة خير له من الأولى. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 154 إلى ص 155. (1) الكشاف 3/345، وانظر تفسير ابن كثير 4/523. الوقفة كاملة
٣٦٦٢ {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)} العائل: الفقير فأغناه من عيلته. وهذه الآية مرتبطة أيضًا بقوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} فإنه لم يتركه لفقره بل أغناه من فضله. ومرتبطة بقوله: {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} فإن الفقر أول أمره وآخرته الغنى، فالآخرة خير له من الأولى. فأنت ترى أن هذه الآيات الثلاث مرتبطة بقوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}، فإنه لم يتركه في يتمه بل آواه، ولم يتركه في ضلاله بل هداه، ولم يتركه لعيلته وإنما هو أغناه. فيكون ذلك دليلاً على أن ربه ما ودعه وما قلاه، فإذا كان لم يفعل ذلك قبل النبوة فكيف يفعل ذلك بعدها؟ ومرتبطة بقوله: {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى}، فإن كل أمر ذكره كان آخرته خيرًا من أولاه. ومرتبطة بقوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} فقد أعطاه قبل النبوة ما رأيت، فهو سيؤتيه بعدها ما هو خير وأعظم. واختيار كلمة (رب) أنسب شيء في كل ما مر، فإن الرب يطلق في اللغة على: المالك والسيد والمدبر والمربي والقيم والمنعم (1)، والرب بمعنى المصلح، وربَّ الشيء إذا أصلحه (۲). فهو مرتبط بقوله: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى} فاليتيم به حاجة إلى من يقوم عليه ويؤويه ويدبر أمره ويربيه ويصلحه، وهذا من معاني الرب. ومرتبط بقوله: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} والضال به حاجة إلى من يهديه ويرشده، ولذلك كثيرًا ما تقترن الهداية باسم الرب في القرآن الكريم؛ لأن أولى مهمات المربي هي الهداية والإرشاد، قال تعالى: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9]، وقال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]، وقال: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99]. ومرتبط بقوله: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} فإن العائل به حاجة إلى من يدبر أمره ويقوم عليه وينعم عليه بالرزق وغيره ويصلح شأنه، وهذا من معاني الرب. وهذه الآيات مرتبطة بالقسم في أول السورة وهو قوله: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}، فإن قوله: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى } مرتبط به أوضح ارتباط، فإن اليتم ليل وظلمة والإيواء نور ونعمة. وكذلك قوله: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} فالضلال ظلمات والهدى نور، وقد سمى الله الضلال ظلمات والهدى نور، قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]. والعيلة والفقر ليل وظلمة ومسكنة، والغنى نور وبهجة، فأنت ترى أن هذه الآيات مرتبطة بالقسم وبالجواب أجمل ارتباط. وقد حذف المفعول من الأفعال الثلاثة فقال: (فأوى وهدى وأغنى) وكان الأصل أن يقال: (فآواك وهداك وأغناك)، قيل: حذف المفعول لظهور المراد وهو المخاطب، ولرعاية رؤوس الآية (3)، فإنه لو ذكر الكاف لم ينسجم ذلك مع رؤوس الآية المنتهية بالألف. وقيل: إنما حذف المفعول "ليدل على سعة الكرم، والمراد آواك وأوى لك وبك. وهداك ولك وبك، وأغناك ولك وبك" (4). والذي نراه أنه حذف لكل ذلك، لظهور المراد ورعاية الفاصلة وسعة الكرم، ذلك أنه لو قال: (ألم يجدك يتيمًا فآواك) لكان الإيواء منحصرًا به  فحذف المفعول للإطلاق ليدل على أنه آواه وآوى به خلقًا كثيرًا، فإن كثيرًا من اليتامى والمحتاجين إنما أكرموا وأوووا بتعاليم رسول الله وإرشاده وتوجيهه فكان سببًا لإيوائهم وإكرامهم. وأوى له، أي: لأجله من آوى، فإن كثيرًا من الموسرين يفعلون ذلك حبًّا لرسول الله وإكراما له طمعًا أن يكونوا بقربه  في الجنة، فقد قال : (أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار إلى إصبعيه السبابة والوسطى)، وذكر أن المسح على رأس اليتيم مما (يزيل قساوة القلب)، فهو آواه وبه وله. وكذلك قوله: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} فإنه هداه وهدى به خلقًا كثيرًا، قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: ٥٢] وهدى له، أي: لأجله  من هدى. كذلك القول في {فَأَغْنَى} فإنه أغناه وأغنى به خلقًا كثيرًا، وأغنى له أي لأجله ما شاء الله أن يغني. ثم لنلاحظ ترتيب هذه الآيات الثلاث في الذكر {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} فإن هذا الترتيب هو الترتيب الطبيعي في الحياة، فاليتيم يقال لمن هو دون البلوغ، فإذا بلغ انتفت صفة اليتم واحتاج إلى الهدى ليسير على وفقه في الحياة، فإن البلوغ مناط التكليف، وأما جمع المال فينبغي أن يكون عن طريق السلوك الصحيح المبني على الهداية الربانية، وكل مال يأتي عن غير هذا الطريق فإنه سحت، وليس لزامًا أن يكون المرء غنيًا بعد البلوغ، فقد يكون غنيًا وقد يكون فقيرًا، وعلى كل من الغني والفقير أن يهتدي بشرع الله، فإن ما عداه ضلال، فكان ما ذكره هوا أعدل شيء وأولاه. "ولما عدد عليه هذه النعم الثلاث وصّاه بثلاث فإنها مقابلة لها" (5). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 155 إلى ص 158. (1) لسان العرب (ريب) 1/384. (2) انظر لسان العرب (ريب) 1/386. (3) انظر روح المعاني 30/163. (4) روح المعاني 30/163. (5) البحر المحيط 8/486. الوقفة كاملة
٣٦٦٣ {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9)} القهر: هو التسلط بما يؤذي، والمعنى لا تظلمه بتضييع ماله (1)، أو لا تغلبه على ماله وحقه لضعفه (2)، وقيل: معناه: لا تحتقر اليتيم فقد كنت يتيمًا (3). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 158 إلى ص 158. (1) البحر المحيط 8/486. (2) الكشاف 3/346. (3) فتح القدير 5/446. الوقفة كاملة
٣٦٦٤ {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)} ذهب أكثر المفسرين إلى أنه سائل المعروف والصدقة، وقيل: هو السائل عن العلم والدين لا سائل المال (1)، والتحقيق أن الآية تتناول النوعين (2)، فهي تشمل سائل المعروف والسائل عن العلم والدين. ومعنى لا تنهره: لا تزجره ولا تغلظ عليه، ولكن أعطه ورده ردًا جميلًا (3)، وقل له قولاً حسنًا. وقيل: "أي لا تكن جبارًا ولا متكبرًا ولا فحاشًا ولا فظًا على الضعفاء من عباد الله" (4). فهو منهي عن زجر السائل أيا كان "فأوصاه سبحانه باليتامى والفقراء والمتعلمين" (5). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 159 إلى ص 159. (1) انظر البحر المحيط 8/486، التبيان في أقسام القرآن 48، فتح القدير 5/446. (2) التبيان في أقسام القرآن 48. (3) انظر البحر المحيط 8/486. (4) تفسير ابن كثير 4/523. (5) التبيان في أقسام القرآن 48. الوقفة كاملة
٣٦٦٥ {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} قيل: إن المراد بالنعمة: النبوة، والتحديث بها: تبليغها (1)، وقيل: هي القرآن، والتحدث به: بثه وقراءته وتعليمه (2). وقيل: هي عموم ما أصبت من خير فحدث إخوانك ليقتدوا بك، ذلك إذا لم يتضمن رياء وأمن على نفسه الفتنة (3). والتحقيق أن النعمة هنا عامة، سواء كانت من نعم الدنيا أم من نعم الدين، ولا شك أن النبوة والقرآن أعظم النعم، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] والتحديث بهما: تبليغهما. ولا تقتصر النعمة على ذلك، وإنما هي مطلقة، والتحديث بها شكرها وإشاعتها (4). فإنك إذا تحدثت بها شكرت موليها عليك. جاء في (فتح القدير): "أمره سبحانه بالتحدث بنعم الله عليه وإظهارها للناس وإشهارها بينهم. والظاهر النعمة على العموم من غير تخصيص بفرد من أفرادها، أو نوع من أنواعها" (5). وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): "والتحقيق أن النعم تعمُّ هذا كله، فأمر أن لا ينهر سائل المعروف والعلم، وأن يحدث بنعم الله عليه في الدين والدنيا" (6). وجاء في (الكشاف): "وحدث بنعمة الله كلها، ويدخل تحته هدايته الضلال وتعليمه الشرائع والقرآن مقتديًا بالله في أن هداه من الضلال" (7). وقال: {فَحَدِّثْ}، ولم يقل: (فخبر) ليكرر ذلك ويشيعه، فإن التحديث يقتضي التكرار والإشاعة، بخلاف التخبير فإنه لا يقتضي ذاك. جاء في (تفسير الرازي): "واختار قوله: {فَحَدِّثْ} على قوله: (فخبّر) ليكون ذلك حديثًا عنده لا ينساه ويعيده مرة بعد أخرى" (8). وقد تكلم في ترتيب هذه الآيات، فقد قيل: إنه لم يراع فيها الترتيب، أي لم تكن الآيات مرتبة على وفق النسق قبلها، فليست هي مقابلة للنعم التي امتن الله بها عليه، فإنه قابل قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى }بقوله: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ}، لكنه قابل {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} بقوله: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} وكان المظنون أن يقول في مقابله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}. كما أن القياس يقتضي أن يقول في مقابل {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ}. فأنت ترى أنه لم يراع الترتيب الملحوظ. وقيل: إن عدم الترتيب إنما جاء لمراعاة علة مقصودة. جاء في (روح المعاني): "وأما بنعمة... إلخ في مقابلة قوله سبحانه: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} لعمومه وشموله لهدايته عليه الصلاة والسلام من الضلال بتعليم الشرائع وغير ذلك من النعم. ولم يراع الترتيب لتقديم حقوق العباد على حقه عز وجل، فإنه سبحانه وتعالى غني عن العالمين. وقيل: لتقديم التخلية على التحلية، أو للترقي أو لمراعاة الفواصل" (9). وجاء في (البحر المحيط): "ويظهر لي أنه لما تقدم ذكر الامتنان عليه بذكر الثلاثة أمره بثلاثة، فذكر اليتيم أولًا وهي البداية، ثم ذكر السائل ثانيًا وهو العائل، وكان أشرف ما امتن به عليه هي الهداية، فترقى من هذين إلى الأشرف وجعله مقطع السورة، وإنما وسط ذلك عند ذكر الثلاثة لأنه بعد اليتم هو زمان التكليف " (10). والحق أن هذا هو الترتيب الأمثل، وهو الذي يقتضيه المقام والسياق، فإنه ذكر أولًا اليتيم ونهى عن قهره واستذلاله، وهو بإزاء قوله: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} وهو الترتيب الطبيعي كما أسلفنا. ثم ذكر بعده {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} وهذا - كما ذكرنا - يشمل عموم السائلين، السائل عن العلم والدين، وسائل المال، فهي بإزاء قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} من ناحية؛ لأن السائل عن الدين والعلم طالب للهداية فلا ينبغي أن ينهره، وهي بإزاء قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} من ناحية أخرى إذا كان السائل ممن يسأل المال؛ لأن العائل قد يسأل الناس فلا ينبغي أن ينهره. فهي من ناحية تقابل {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} ومن ناحية أخرى تقابل {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}. جاء في (البحر المحيط) في قوله تعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} "وأما السائل، ظاهره المستعطي، فلا تنهر، أي تزجره، ولكن أعطه أو رده ردًا جميلاً ... وقال قتادة : لا تغلظ عليه، وهذه في مقابلة {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}، فالسائل - كما قلنا - المستعطي، وقاله الفراء وجماعة. [وقيل]: السائل هنا السائل عن العلم والدين لا سائل المال، فيكون بإزاء {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى}" (11). وذكر بعدها قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} وهو أنسب ترتيب له، ذلك أن النعمة - كما ذكرنا - عامة تشمل كل ما أنعم الله عليه من نعم الدنيا والآخرة. فإن كان المقصود بالنعم ما ذكره من قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى} ... الخ، فالتحديث بها يكون بعد وقوعها فيكون متأخرًا عنها، وإن كانت نعمة الدين والتبليغ فهو أمثل وضع لها أيضًا، ذلك أن الداعية قبل أن يتصدى للدعوة عليه أن يتحلى بالخلق الحسن والصفات الكريمة، وألا يكون فظًا ولا متكبرًا، بل عليه أن يكون هينًا لينًا فلا يقهر يتيمًا ولا ينهر سائلاً، وإلا كان كلامه مردودًا عليه وحيل بينه وبين استجابة الناس له. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3]، وقال: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]. فالدعوة إلى الله تكون بعد التحلي بالخلق القويم لا قبله، وهو توجيه للدعاة عمومًا، فيكون التحديث بعدها أيضًا. ثم إن وضع قوله تعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} قبل التحدث بالنعمة يحسن من جهة أخرى، ذلك أن الداعية إلى الله المبلغ لدينه - وكل داعية - كثيرًا ما يتعرض للسؤال والاستيضاح، ويكون هدفًا للسائلين على اختلاف أحوالهم ونواياهم، فعليه ألا ينهر سائلاً أو يغلظ عليه وإلا فشل في مهمته. فترتيب هذه الآيات على نحو ما ورد هو أمثل ترتيب وأنسبه. ولا بأس أن نستخلص درسًا في آخر السورة، وهو أنه لا بأس أو يحسن تذكر الماضي أو التذكير به وما يتقلب المرء الآن فيه من نعم ليشكر الله عليها وليحافظ عليها ويزداد من الخير. كما فعل ربنا سبحانه، فقد ذكر نبينا بما كان عليه وما أولى عليه من النعم، فإن تذكر أيام العسر والضيق والضلال ونحوها مما يضيق به المرء مدعاة إلى معاونة المبتلى بها فيكون بذلك من الشاكرين. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 159 إلى ص 163. (1) أنوار التنزيل 802، فتح القدير 5/446، البحر المحيط 8/487. (2) انظر فتح القدير 5/446، البحر المحيط 8/487. (3) روح المعاني 30/164، التفسير الكبير 31/220، الكشاف 3/346. (4) فتح القدير 5/446. (5) فتح القدير 5/446. (6) التبيان في أقسام القرآن 49. (7) الكشاف 3/346. (8) التفسير الكبير 31/220. (9) روح المعاني 30/164 – 165. (10) البحر المحيط 8/487. (11) البحر المحيط 8/486 – 487. الوقفة كاملة
٣٦٦٦ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1)} أقسم بالليل وقت غشيانه، ومفعول (يغشى) محذوف، فاحتمل أن يكون المغشي الشمس، كما قال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} [الشمس: 4] واحتمل أن يكون النهار، كقوله: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} [الأعراف: 54] واحتمل أن يكون المغشي كل شيء: الأرض وما فيها، وكل ما يواريها ظلامه (1). والذي يترجح أن المراد به الإطلاق "أي يغطي بظلمته ما كان مضيئًا. قال الزجاج: يغشى الليل الأفق وجميع ما بين السماء والأرض فيذهب ضوء النهار" (2). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 165 إلى ص 166. (1) انظر الكشاف 3/342، البحر المحيط 8/482 – 483. (2) فتح القدير 5/439. الوقفة كاملة
٣٦٦٧ {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2)} أي انكشف وظهر بزوال ظلمة الليل وطلوع الشمس (1). وجاء بصيغة المضارع مع الليل فقال: {يَغْشَى} وبالفعل الماضي مع النهار؛ لأن الليل يغشى شيئًا بعد شيء، "وأما النهار فإنه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلى وهلة واحدة، ولهذا قال في سورة (والشمس وضحاها): {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} [الشمس: 3 - 4]" (2). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 166 إلى ص 166. (1) انظر الكشاف 3/342 – 343، البحر المحيط 8/483. (2) التبيان في أقسام القرآن 37. الوقفة كاملة
٣٦٦٨ {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3)} تحتمل أن تكون (ما) اسمًا موصولاً، أي والذي خلق الذكر والأنثى، وعبر عنه بـ (ما)؛ لأن (ما) تكون لذات ما لا يعقل ولصفات من يعقل نحو قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]، وقوله: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] فيكون التعبير بـ (ما) ههنا لقصد التفخيم والتعظيم، ووصفه بأنه الخالق لجنسي الذكر والأنثى، جاء في (تفسير فتح القدير): "(ما) هنا هي الموصولة، أي والذي خلق الذكر والأنثى، وعبر عن (من) بـ (ما) للدلالة على الوصفية، ولقصد التفخيم، أي والقادر العظيم الذي خلق صنفي الذكر والأنثى" (1). وتحتمل أن تكون (ما) مصدرية أيضًا (2)، فيكون المعنى أنه أقسم بخلق الذكر والأنثى. وقيل: إن المراد بالذكر والأنثى عموم الذكر والأنثى من الإنسان وغيره، وقيل: هما الذكر والأنثى من بني آدم (3). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 166 إلى ص 167. (1) فتح القدير 5/439. (2) انظر البحر المحيط 8/483. (3) انظر البحر المحيط 8/483. الوقفة كاملة
٣٦٦٩ {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4)} أي إن عملكم مختلف مفترق، فمنه عمل للجنة ومنه عمل للنار (1). وقد أقسم بهذه الأشياء المتضادة المتقابلة: الليل والنهار، والذكر والأنثى، على اختلاف السعي وتضاده. جاء في (تفسير ابن كثير): "لما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان المقسم عليه أيضًا متضادًا، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} أي أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضًا ومتخالفة، فمن فاعل خيرًا ومن فاعل شراً" (2). وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): "ثم أقسم بخلق الذكر والأنثى، وذلك يتضمن الأقسام بالحيوان كله على اختلاف أصنافه، ذكره وأنثاه، وقابل بين الذكر والأنثى كما قابل بين الليل والنهار، وكل ذلك من آيات من ربوبيته" (3). ومن الملاحظ أنه بدأ بالليل ثم بالنهار ثم خلق الذكر والأنثى، ذلك أن الليل أسبق من النهار كما يقولون، فإن وجوده قبل ظهور الإجرام السماوية، فبدأ بالأقدم وهو الليل، ثم النهار وهو بعده، ثم خلق الذكر والأنثى، وخلق الذكر والأنثى متأخر عن وجود الليل والنهار بمدة طويلة. وبدأ بالذكر لأنه أسبق وأقدم، فإن آدم أسبق من حواء، ومنه خلقت كما قال تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1]. وقال في بعض الآيات إنه خلق الزوجين الذكر والأنثى، فيذكر كلمة {الزَّوْجَيْنِ} وذلك نحو ما ورد في سورة القيامة {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}، وما ورد في سورة النجم {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى}. ولم يذكر كلمة {الزَّوْجَيْنِ} في سورة (الليل) وكل مناسب لما ورد فيه، فإنه فضَّل في سورة القيامة في تطور الجنين، فاقتضى ذلك التفضيل في الكلام فذكر كلمة {الزَّوْجَيْنِ}. وكذلك في سورة (النجم) فإنه ذكر قدرته تعالى وفصل فيها، بخلاف ما في سورة (الليل) فإنه أقسم وأوجز، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن قوله تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} في سورة الليل يقتضي عدم ذكر الزوجين لأن من معاني الزوج: النظير والمثيل. جاء في (لسان العرب): "قال الزجاج في قوله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22] معناه: ونظراءهم وضرباءهم، تقول: عندي من هذا أزواج، أي أمثال، وكذلك زوجان من الخفاف، أي كل واحد نظير صاحبه" (4). وهو في سورة الليل لا يريد المماثلة والمشابهة، بل يريد الافتراق والتباعد في السعي، فناسب عدم ذكر الزوجين. ثم إن الزوج: زوجته مؤتلف معها، قال تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: ٢١] وهو هنا ذكر الشتى، وهو المتباعد المفترق، فناسب عدم ذكر الزوجين من كل ناحية. مما سبق يتبين أنه ذكر زمان السعي وهو الليل والنهار، وذكر الساعي وهو الذكر والأنثى، وذكر السعي، وذكر أيضًا اختلاف زمان السعي واختلاف الساعين واختلاف السعي واختلاف مصير الساعين. جاء في (التبيان في أقسام القرآن): "وأقسم سبحانه بزمان السعي وهو الليل والنهار، وبالساعي وهو الذكر والأنثى، على اختلاف السعي، كما اختلف الليل والنهار، والذكر والأنثى. وسعيه وزمانه مختلف، وذلك دليل على اختلاف جزائه وثوابه، وأنه سبحانه لا يسوي بين من اختلف سعيه في الجزاء، كما لم يسوّ بين الليل والنهار، والذكر والأنثى" (5). وقد تقول: إن جواب القسم لا يستوجب القسم، فإنه أمر ظاهر معلوم، فإن كل أحد يعلم أن السعي مختلف، فلم هذا القسم والتوكيد بإن واللام؟ والحق أن الذي أقسم عليه ليس معلومًا ولا مشاهدًا ولا يقره كل أحد، بل يجهله وينازع فيه أكثر الناس، فإن الذي أقسم عليه ليس هو السعي المشاهد الأعمال اليومية التي يمارسها الناس من التجارة والزراعة والصناعة وغيرها، فإنه لم يقسم على هذا، وإنما أقسم على أمر يبينه التفصيل بعده، وهو قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}، ومقابله {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} وهذا ليس معلومًا لكل أحد، بل ينكره أكثر الناس، ومن يجهله أكثر بكثير ممن يعلمه، فاستحق هذا الأمر القسم والتوكيد. ثم إنه أضاف السعي إلى المخاطبين وهم المكلفون فقال: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} ولم يقل: (إن السعي لشتى) فيدخل فيه سعي غير المكلفين من الحيوانات والبهائم والحشرات كالنحل والنمل وما لا يدخل في التكليف، ولذا أتبع الجواب بتفصيل يخص المكلفين دون غيرهم. ومن الملاحظ أن القسم في سورة الليل عام، والجواب عام مطلق أيضًا. في حين أن القسم والجواب في السورة التي قبلها - أي سورة الشمس- مقيدان. فقد قال في سورة الليل: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} على سبيل العموم، فلم يذكر ماذا يغشى. في حين قال في سورة الشمس: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} فذكر المفعول به، وهو يعود على الشمس أو الأرض. وقال في سورة الليل: {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}، وقال في سورة الشمس: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا} فأطلق التجلي في سورة الليل، وقيد التجلية في سورة الشمس. والضمير يعود على الشمس أو على الظلمة أو على الأرض أو على الدنيا (6). وقال في سورة الليل: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} على سبيل العموم، فإن ذلك يشمل كل ذكر وأنثى. في حين قيد القسم في سورة الشمس فقال: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} فقيده بنفوس المكلفين، وهي النفوس العاقلة، ولا تشمل غيرها، بدليل قوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }. وكان الجواب في سورة الليل مطلقًا أيضا كالقسم، بخلاف ما ورد في سورة الشمس. فإن الجواب في سورة الليل يشمل كل من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، ومقابله وهو من بخل واستغنى وكذب بالحسنى، في حين قيده في سورة الشمس بقوم ثمود. فلما كان القسم في سورة الليل مطلقًا كان الجواب وتفصيله مطلقًا، ولما كان القسم في سورة الشمس مقيدًا كان الجواب ومثاله مقيدًا محدودًا بأمر واحد، فناسب بين القسم والجواب. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 167 إلى ص 171. (1) انظر فتح القدير 5/440، البحر المحيط 8/483. (2) تفسير ابن كثير 4/518. (3) التبيان في أقسام القرآن 37. (4) لسان العرب (زوج) 3/117. (5) التبيان في أقسام القرآن 37. (6) انظر التفسير الكبير 31/190. الوقفة كاملة
٣٦٧٠ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} هذا وما بعده تفصيل للسعي المختلف بذكر ساعيه وعامله. وقد ذكر ثلاث صفات بمقابل المقسم به. فقد أقسم بثلاثة أشياء وذكر من خلال الخير ثلاثًا، وقابل هذه الثلاث بثلاث من الصفات السيئة وهو قوله: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى}. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 171 إلى ص 171. {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)} لم يذكر مفعولي (أعطى) لا المعطى ولا العطية. قيل: لأن "المقصود الثناء على المعطي دون تعرض للمعطى والعطية" (1). وعلى هذا يكون المقصود الثناء على من أعطى، بغض النظر عمن أعطاه ولا ماذا أعطاه. وقيل: بل إن ذلك لإطلاق العطاء، سواء كان متعلقًا بالمال أم غيره، فقد يشمل ذلك حقوق المال وحقوق النفس في طاعة الله وعموم أوجه النفع للآخرين. جاء في (تفسير الرازي): "وفي قوله: {أَعْطَى} وجهان: أحدهما: أن يكون المراد إنفاق المال في جميع وجوه الخير من عتق الرقاب وفك الأسارى وتقوية المسلمين على عدوهم ... سواء كان ذلك واجبًا أو نفلاً... وثانيهما: أن قوله تعالى: {أَعْطَى} يتناول إعطاء حقوق المال وإعطاء حقوق النفس في طاعة الله تعالى، يقال : فلان أعطى الطاعة وأعطى السعة" (2). وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): "وحذف مفعول الفعل إرادة للإطلاق والتعميم، أي أعطى ما أمر به وسمحت به طبيعته وطاوعته نفسه، وذلك يتناول إعطاءه من نفسه الإيمان والطاعة والإخلاص والتوبة والشكر، وإعطاءه الإحسان، والنفع بماله ولسانه وبدنه ونيته وقصده" (3). وجاء في (البحر المحيط): "وحذف مفعولي (أعطى)، إذ المقصود الثناء على المعطي دون تعرض للمعطى والعطية. وظاهره بذل المال في واجب ومندوب ومكرمة، وقال قتادة: أعطى حق الله، وقال ابن زيد: أنفق ماله في سبيل الله" (4). والذي يترجح عندي أن المراد بـ (أعطى) إعطاء المال؛ لأنه أظهر في هذا المعنى، ولأنه قابله بقوله: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ} وذكر بعده {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}، وقوله: {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}، فالراجح أن المقصود به إعطاء المال. جاء في (روح المعاني): "إن المعروف في الإعطاء تعلقه بالمال خصوصًا، وقد وقع في مقابله ذكر البخل والمال" (5)، غير أنه أطلق الفعل ولم يقيده بمعطى ولا بنوع من أنواع المال ولا مقداره. {وَاتَّقَى} اتقى: احترز وحذر، وأطلق الاتقاء ولم يقيده بشيء، كما أطلق الإعطاء، ليشمل كل ما ينبغي اتقاؤه، لذا قال بعضهم: (اتقى الله)، وقال آخر: اتقى البخل، وقال غيره: اتقى ما نهي عنه. والحق أنه يشمل كل ذلك وغيره مما ينبغي أن يتقى، جاء في (تفسير الرازي) أن قوله: {وَاتَّقَى} "إشارة إلى الاحتراز عن كل ما لا ينبغي" (6). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 171 إلى ص 173. (1) التفسير الكبير 31/198 – 199. (2) التبيان في أقسام القرآن 37 – 38. (3) البحر المحيط 8/483. (4) روح المعاني 30/148. (5) انظر البحر المحيط 8/483. (6) التفسير الكبير 31/199. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 3661 إلى 3670 من إجمالي 26698 نتيجة.