| ٣٦٥١ |
{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)}
الشنآن: هو البغض، والشانئ هو المبغض، وأما البتر فهو "استئصال الشيء قطعًا ... البتر: قطع الذنب ونحوه إذا استأصله ... وقيل: كل قطع بتر ... وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر ... والأبتر الذي لا عقب له ... والأبتر الخاسر" (1).
فقد ذكر ربنا أن مبغضه هو الأبتر. وتعريف (الأبتر) والمجيء بضمير الفصل وتوكيده بإن يدل على أن شائنه هو الأبتر حصرًا، فلم يقل: (إن شانئك أبتر) أو (إن شانئك هو أبتر) فيجعله من جملة البتر، بل قال: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} .
إنه أبتر بكل معنى البتر، فهو مستأصل الذرية مقطوعها، بخلاف ذريتك التي تتسع وتمتد إلى يوم القيامة، فإن ذرية هذا الشانئ إن بقيت وعاشت فستصبح من أتباعك معينة لك، تسل سيفها معك على أعدائك، تعزرك وتوقرك وتمجدك وينقطع ما بينها وبين أعدائك من نسب فلا تفتخر به ولا تدعو له ولا تذكره بخير، بل إن ذرياتهم ستدعو لك وتذكر اسمك بالتجلة والتعظيم.
ثم ستنقطع ذرية هذا الشانئ وتبقى ذريتك تملأ الدنيا، فمن الأبتر منكما؟
ثم إن شانئك هو المقطوع من كل خير. فلك الخير الكثير وهو المقطوع من كل خير.
جاء في (الكشاف): "إن من أبغضك من قومك لمخالفتك لهم هو الأبتر لا أنت؛ لأن كل ما يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذكرك مرفوع على المنابر والمنار، وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثني بذكرك.
ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف، فمثلك لا يقال له: أبتر، وإنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة وإن ذكر باللعن" (2).
وجاء في (تفسير البيضاوي): "إن من أبغضك لبغضه الله هو الأبتر الذي لا عقب له، إذ لا يبقى منه نسل ولا حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف" (3).
وجاء في (تفسير الرازي): "الشنآن هو البغض، والشانئ هو المبغض، وأما الأبتر فهو في اللغة استئصال القطع ...
ثم إن الكفار لما وصفوه بذلك بين تعالى أن الموصوف بهذه الصفة هو ذلك المبغض على سبيل الحصر ...
ثم ذلك إما أن يحمل على خير معين أو على جميع الخيرات.
أما الأول فيحتمل وجوهًا:
(أحدها) قال السدي: كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من أولاده: بتر، فلما مات ابنه القاسم وعبد الله بمكة وإبراهيم بالمدينة قالوا: بتر فليس له من يقوم مقامه. ثم إنه تعالى بين أن عدوه هو الموصوف بهذه الصفة، فإنا نرى أن نسل أولئك الكفرة قد انقطع، ونسله عليه الصلاة والسلام وكل يوم يزداد وينمو، وهكذا يكون إلى يوم القيامة.
(وثانيها) قال الحسن: عنوا بكونه أبتر أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه، والله تعالى بين أن خصمه هو الذي يكون كذلك، فإنهم صاروا مدبرين مغلوبين مقهورين، وصارت رايات الإسلام عالية، وأهل الشرق والغرب لها متواضعة.
(وثالثها) زعموا أنه أبتر لأنه ليس له ناصر ومعين، وقد كذبوا لأن الله تعالى هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين، وأما الكفرة فلم يبق لهم ناصر ولا حبيب" (4).
وجاء في (روح المعاني): "والظاهر أنه انقطع نسل كل ما كان مبغضًا له علي الصلاة والسلام حقيقة، وقيل: انقطع حقيقة أو حكمًا؛ لأن من أسلم من نسل المبغضين انقطع انتفاع أبيه منه بالدعاء ونحوه؛ لأنه لا عصمة بين مسلم وكافر ...
وحمل شانئك على الجنس هو الظاهر، وخصه بعضهم بمن جاء في سبب النزول واحدًا أو متعددًا (5).
وقرأ بعضهم (إن شانئك هو الأبتر) وشنئ كحذر. وقراءة الجمهور أولى؛ لأن (شنئ) من صيغ المبالغة، ومعنى ذلك أن المبالغ في بغضك هو الأبتر دون من لم يبالغ. في حين أن قراءة الجمهور تدل على أن شائنه هو الأبتر مهما قل بغضه أو كثر.
واختار الأبتر على المبتور؛ لأن الأبتر صفة دالة على الثبوت كالأسمر والأصلع والأعمى والأعور، بخلاف المبتور الدالة على الحدوث، فإنه قد يزول عنه هذا البتر. جاء في (روح المعاني): "وفي التعبير بالأبتر دون المبتور على ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ما لا يخفى من المبالغة" (6).
وقد جعل الله مجرد بغضه بوارًا وخسرًا، وهذه خصوصية لرسول الله، فإن المسلمين قد يتشانؤون فيما بينهم ولا يخرجهم ذلك عن الإسلام، وقد يتعادون فيما بينهم لا يزالون في دائرة الإسلام، قال تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: 92]، وقد يتقاتلون فيما بينهم ولا يخرجهم ذلك عم الإسلام، قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]. أما رسول الله فإنه مجرد شنآنه كفر وبوار وخسارة الدارين وإن لم يسل عليه الشانئ سيفًا أو يعلن حربًا. وفي هذا تكريم وتعظيم لا يخفى. وفي حديث أنه لا يؤمن أحدكم حتى يكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين، فإن شائنه هو الأبتر.
أما هو فليس بأبتر، وإنما هو صاحب الخير الكثير الممتد من الدنيا إلى الآخرة، والذرية الممتدة المتسعة.
وقط ارتبط آخر السورة بأولها أجمل ارتباط وأحسنه، فإنه أعطي الكوثر، وشائنه أعطي البتر فكان أبتر بكل معاني السوء في الكلمة.
فإنه إذا كان البتر استئصال الشيء قطعًا فإنه لم يستأصل منه شيء ولم يقطع منه شيء، وإنما أعطي الكثير.
وإذا كان معنى الأبتر كل أمر انقطع من الخير أثره، فإنه أعطي الكوثر، وهو الخير الكثير، فليس بأبتر.
وإذا كان الأبتر هو الذي لا عقب له فهو ليس بأبتر، وإنما ذريته نملأ الدنيا، ولا تقل إن أبناء البنت ليسوا بذرية للرجل، بل هم من ذريته. وقد عَدَّ الله عيسى من ذرية إبراهيم عن طريق الأم وليس عن طريق الأب كما هو معلوم. قال تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنعام: 84 - 85].
وإن كان الغرض من الذرية هو حمل اسم الشخص وإبقاء ذكره، فإن ذكره أبقى من كل ذكر وأخلد من كل اسم وأرفع من كل على، فهو ليس بأبتر، بل إن شائنه هو الأبتر.
وعلاوة على رفعة ذكره وخلود اسمه فإن ذريته باقية منتشرة. ففي كل مكان تجد من يقول إنه من ذرية محمد، ولا تجد أحدًا يقول إنه من ذرية أبي جهل أو العاص بن وائل أو غيرهما ممن قال هذا القول، وعلى هذا فقد أعطي الكوثر أيضًا.
وإذا مان الأبتر يعني الخاسر فإنه قد أعطي الكوثر وهو الخير الكثير، فكيف يكون خاسرًا وقد أعطي الخير الكثير!
ثم إن الخاسر على ضربتين، فهو قد يكون خاسرًا في الدنيا، وهي أهون الخسارتين، وقد يكون خاسرًا في الآخرة وهي أعظمهما، قال تعالى: {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر:15].
أما خسارة الدنيا فإنه لم يخسر في تجارة دين ولا دنيا، وقد آتاه الله ما نحر منه مائة بدنة في ضحي يوم واحد.
وأما في الآخرة فإنه صاحب الذكر المرفوع والمقام المحمود، وصاحب نهر الكوثر في الجنة، فأنت ترى أنه قد أعطي الكوثر في الدنيا والآخرة.
وبهذا يتضح قوة ارتباط أول السورة بآخرها، فإنه بدأها بما أعطاه نبيه، وختمها بما جعله لمبغضيه، فقد أعطى نبيه الكوثر من كل خير، وبتر مبغضيه فلم يجعل لهم خيرًا ولا عقبًا متصلًا.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف أسند الله الإعطاء إلى ذاته العلية فقال: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ولم يسند البتر إلى ذاته، فلم يقل: (وجلعنا شائنك هو الأبتر) بل أسنده إلى الشانئ نفسه، فإنه أبتر من غير جعل جاعل، وإنما ذلك وصفه هو، وذلك أذم له وأقبح.
ثم علاوة على سمو هذا التعبير وجلالته فإن في كل آية من آيات هذه السورة إعجاز من وجه آخر.
قال تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر} وقد تحقق الكوثر فيما يتعلق بالحياة الدنيا، فإنه نصره على أعدائه وجاءته الوفود معلنة إسلامها بعد أن كان مستضعفًا في الأرض محاصرًا.
وقد امتد النصر الذي تحقق على يد أتباعه إلى مشارق الأرض ومغاربها. ولم يكن النصر عسكريًا فحسب بل كان انتصارًا فكريًا هائلًا أيضًا. فقد انتشرت دعوته في بقاع الأرض ودخل الدين الذي يدعو إليه ما دخل عليه الليل. وحكمت دول عظيمة باسمه ، ولا يزال مئات الملايين من الناس يتبركون باسمه ويذكرونه بالتبجيل والتعظيم والصلوات عليه. ولا يزال وسيبقى اسمه يرفع في جميع المعمورة بأعلى صوت كل يوم خمس مرات، فلا تخلو لحظة من اللحظات في الليل والنهار من رفع اسمه بالأذان، كما قال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، وهذا لم يتحقق لأحد غير رسول الله ، ولم يعط أحد منذ أن خلق الله الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ما أعطي رسول الله، فهل هناك أكثر وأعظم من هذا الكوثر؟
ألم يحدث ما أخبره ربه من أنه أعطاه الكوثر؟ أفليس هذا إعجازًا؟ وهل هناك أوضح من هذا الإعجاز؟
وكذلك قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} فإن فيه إشارة إلى أنه سيملك الإبل وينحرها متصدقًا بها لوجه الله، وقد تحقق هذا، فإنه نحر في ضحى يوم واحد مائة بدنة.
جاء في (تفسير الرازي): أن "السورة مكية في أصح الأقوال، وكان الأمر بالنحر جاريًا مجرى البشارة بحصول الدولة وزوال الفقر والخوف" (7).
وجاء أيضًا أن في هذه الآية "إشارة إلى أنك بعد فقرك تصير بحيث تنحر المائة من الإبل" (8). فتحقق هذا إعجاز، وذلك أنه أشار إلى ما حصل له من قبل وقوعه وحدوثه.
وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} فقد قطع مبغضيه من كل خير قطع عقبهم ونسلهم فلم يبق لهم عقب ولا نسل ولا حسن ذكر (9).
فكان كما أخبر ربنا سبحانه، وهكذا يكون في كل آية إعجاز، والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 122 إلى ص 129.
(1) لسان العرب (بتر) 5/99 – 100.
(2) الكشاف 3/362 – 363.
(3) أنوار التنزيل 812.
(4) التفسير الكبير 32/133.
(5) روح المعاني 30/248.
(6) روح المعاني 30/248.
(7) التفسير الكبير 32/132.
(8) التفسير الكبير 32/132.
(9) انظر أنوار التنزيل 812، التفسير الكبير 32/132، روح المعاني 30/248.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٥٢ |
إن مناسبة هذه السورة لما قبلها - أعني سورة الفيل - ظاهرة، فإن أصحاب الفيل إنما جاؤوا بسبب هذا البيت. وقد حفظ الله بيته وحماه، وحفظ قريشًا وحماهم، وأهلك أصحاب الفيل إكرامًا وتعظيما لهذا البيت، فكان حفظ البيت حفظًا لهم وحماية لأمنهم ومعاشهم "إذ لو سلط عليهم أصحاب الفيل لتشتتوا في البلاد والأقاليم ولم ترتفع لهم كلمة" (1).
جاء في (التفسير الكبير) للرازي: "اعلم أن الإنعام على قسمين: أحدهما: دفع الضرر، والثاني: جلب النفع. والأول أهم وأقدم، ولذلك قالوا: دفع الضرر عن النفس واجب، أما جلب النفع فإنه غير واجب، فلهذا السبب بين تعالى نعمة دفع الضرر في سورة الفيل ونعمة جلب النفع في هذه السورة. ولما تقرر أن الإنعام لابد وأن يقابل بالشكر والعبودية لا جرم أتبع ذكر النعمة بطلب العبودية فقال: {فَلْيَعْبُدُوا}" (2).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 131 إلى ص 132.
(۱) البحر المحيط ۸/513.
(2) التفسير الكبير 32/107.
{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ}
الإيلاف من الألف والألفة، وهو مصدر (آلف)، وأصل (آلف): (أألف) بهمزتين، وأصل (الإيلاف): (الإيلاف) بهمزتين، أبدلت الهمزة الثانية مدًّا في الفعل والمصدر لسكونها وتحرك الهمزة قبلها "والإيلاف - كما قال الراغب - اجتماع مع التئام" (1).
وقد كانت قريش قد ألفت رحلتين: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام "فيمتارون ويتجرون، وكانوا في رحلتيه آمنين لأنهم أهل حرم الله وولاة بيته فلا يتعرض لهم، والناس غيره يتخطفون ويغار عليهم" (۲).
إن الجار والمجرور (لإيلاف) متعلق بقوله: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} أي ( ليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف) والمقصود أن هذه النعمة وحدها كفيلة بعبادة رب البيت الذي به أصبحوا آمنين مطعمين، فكيف بنعم الله الأخرى عليهم؟ فإن لم يكونوا يعبدونه لتلك النعم فليعبدوه لهذه النعمة الظاهرة.
وقيل: الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره (اعجبوا)، أي اعجبوا لإيلاف قريش هاتين الرحلتين وتركهم عبادة رب هذا البيت الذ يسّر لهم هذا الأمر والناس يتخطفون من حولهم.
جاء في (الكشاف): "{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} متعلق بقوله: {فَلْيَعْبُدُوا} أمره أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين.
فإن قلت: فلم دخلت الفاء؟
قلت: لما في الكلام من معنى الشرط؛ لأن المعنى: إما لا فليعبدوه لإيلافهم، على معنى أن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة.
وقيل: المعنى: اعجبوا لإيلاف قريش" (3).
وجاء في (البحر المحيط) أن الجار والمجرور يتعلق "باعجبوا مضمرة، أي اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم عبادة رب هذا البيت" (4).
"وقال الخليل بن أحمد: تتعلق بقوله: {فَلْيَعْبُدُوا} والمعنى: لأن فعل الله بقريش هذا ومكنهم من إلفهم هذه النعمة فليعبدوا، أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلة" (5).
واختيار لفظ (الإيلاف) يدل على أن هذا الأمر مألوف عندهم وليس طارئًا عليهم، وهذا ما يستحق أن يشكروا ربهم عليه.
وقـدم الجـار والمجرور {لِإِيلَافِ} على متعلقـه وهـو الفـعـل {فَلْيَعْبُدُوا} لأكثر من سبب وليعطي أكثر من فائدة، منها:
1- أنه لو قال: (ليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش) لاقتضى ذلك حذف الفاء، ولا نمحي المعنى الذي تدل عليه، وهو ما سنذكره فيما بعد، فإنه لا تصح زيادة الفاء أولًا.
٢- إن هذا التقديم وسع المعنى، فهو يحتمل أنه متعلق بالفعل (ليعبدوا) ويحتمل أنه متعلق بفعل مضمر تقديره (اعجبوا) ولو تأخر لتعين تعلقه بالفعل المذكور (ليعبدوا).
3- أن تقديمه قوّى الربط بين هذه السورة والسورة المتقدمة فجعلهما كالسورة الواحدة، فكأنه قال: فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش. وقد ذهب بعضهم إلى أنه متعلق به (6).
4- إن تقديم {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} يفيد أهمية هذا الإيلاف في حياتهم وعظيم مكانته عندهم، وأن التذكير بهذه النعمة مدعاة إلى الاعتراف بموليها عليهم وعبادته لا عبادة الأصنام، ولا يفيد التأخير هذا الاهتمام أو العناية.
5- أنه لو لم يقدم لقال: (لتعبد قريش رب هذا البيت الذي أطعمها من جوع وآمنها من خوف لإيلافها رحلة الشتاء والصيف) فيتمزق الكلام ويذهب رونقه وفخامته ولم يؤد المعنى المقصود، إذ من المحتمل أن يكون الجار والمجرور عند ذاك متعلقًا بأطعمها وآمنها، فيكون المعنى أنه أطعمها وآمنها للإيلاف، ولم يكن الإيلاف مدعاة إلى العبادة.
6- إن هذا التقديم إنما هو من باب تقديم العلة على الفعل، فذكر العلة التي تستدعي العبادة أولًا وتلاها بطلب ذلك، فيكون ذلك من باب التقديم بالسبق، فإن العلة هي الدافع إلى الفعل، وهي أسبق منه، فقدمها لذلك.
وهو نظير ما جاء في سورة الفاتحة وهو قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإنه قدم سبب اقتضاء إفراد الله بالعبادة، وهنا فعل ذلك أيضًا.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 132 إلى ص 135.
(1) روح المعاني 30/238.
(2) الكشاف 3/360.
(3) الكشاف 3/360.
(4) البحر المحيط 8/514.
(5) البحر المحيط 8/514.
(6) الكشاف 3/360 .
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٥٣ |
إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2)}
أطلق الإيلاف أولاً فقال: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} ثم أبدل منه ما يبينه ويقيده فقال: {إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} وذلك لتفخيم أمر الإيلاف والدلالة على عظيم النعمة فيه عليهم ومكانته في نفوسهم.
جاء في (الكشاف): "أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيمًا لأمر الإيلاف وتذكيرًا بعظيم النعمة فيه" (1).
وجاء في (التفسير الكبير) أنه "خص إيلاف الرحلتين بالذكر لأنه قوام معاشهم" (2).
وأفرد الرحلة، والمراد (رحلتي الشتاء والصيف) لأنهما رحلتان لا رحلة لأمن اللبس (3)، ولأنه لو قال: (رحلتي الشتاء والصيف) لأوهم أن الشتاء رحلتين وكذا في الصيف، فيكون التقدير: رحلتي الشتاء ورحلتي الصيف، فكان ما ذكره أولى.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 135 إلى ص 135.
(1) الكشاف 3/360، وانظر روح المعاني 30/239.
(2) التفسير الكبير 32/106.
(3) انظر الكشاف 3/360، التفسير الكبير 32/107.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٥٤ |
{فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3)}
هذا البيت، أي الكعبة، وأضاف الرب إلى البيت تعظيمًا له، ولأن هاتين الرحلتين إنما نجحتا واستمرتا بسبب هذا البيت الذي يعظمه العرب، ولولاه لم يكن لهاتين الرحلتين وجود واستمرار، فطلب من عبادة رب هذا البيت الذي أنعم عليهم بهاتين النعمتين الجليلتين، و ألاّ يعبدوا غيره، اعترافًا بفضله عليهم وشكرًا له سبحانه.
فالإضافة إلى البيت أنسب شيء في هذا المقام، فإن الذي هيأ لـهم هاتين الرحلتين وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف رب هذا البيت وليست أصنامهم التي يعبدونها.
وإضافة الرب إلى البيت فيها معنى آخر، وهو أن رب البيت هو الذي يتكفل بحمايته وحفظه، فالإضافة إلى البيت تعني حمايته من أي عليه، كما قال عبد المطلب لأبرهة: (إن للبيت ربًا يحميه)، وقد حماه ربه وفعل ما فعل بأصحاب الفيل.
واختيار لفظ (رب) أنسب شيء ههنا، فإن الرب هو الذي يري مربوبه ويحفظه ويرعاه، ويطعمه إذا جاع ويؤمنه إذ خاف، فاختيار لفظ الرب أنسب شيء لقوله: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}.
والمجيء باسم الإشارة عين البيت تعيينًا لا لبس فيه، فلم يقل: (فليعبدوا رب البيت الذي أطعمهم ...) لأنه لا يتعين عند ذاك على وجه التحديد، فالمجيء باسم الإشارة عين البيت المقصود.
والفاء في (فليعبدوا) ونحوه من التعبيرات ذكر لها عدة معان، فقد قيل: إنها دخلت لمعنى الشرط، أي إن لم يعبدوه لسائر النعم فليعبد لهذه النعمة (1)، وقيل: هي زائدة (٢) تفيد التوكيد.
وقد تفيد السبب مع ذلك، وذلك من ناحيتين:
الأولى: كونها على تقدير جواب الشرط، والفاء في جواب الشرط تفيد السبب غالبًا.
والأخرى: كون الفاء على اختلاف معانيها فيها معنى السبب في الغالب.
وهي ههنا تفيد كل هذه المعاني، فهي تفيد معنى السبب وتقويته، وتفيد توكيد الكلام، وأقصد بتقوية السبب أنها قوت السبب الذي دلت عليه اللام في {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} فالفاء واللام تعاضدتا على الدلالة عليه.
وتقديم الجار والمجرور هو الذي جوز مجيء الفاء ههنا، ولو لم يتقدم لم يصح إدخالها، فلا يصح أن يقال ابتداء: فأعنه لأنه أعانك، ولا: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش.
ونظيـر هـذا التعبيـر قـولـه تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61]، وقوله: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر: 7].
وقد تقول: ولِمَ لَمْ يقل: (فليصلوا لربهم ) كما قال في سورة الكوثر بعد أن ذكر النعمة التي أنعم بها على رسوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}، فلم يذكر الصلاة في سورة قريش وإنما ذكر العبادة على وجه العموم؟
والسبب واضح، فإن كفار قريش لم يكونوا يعبدون الله أصلًا، بل كانوا يعبدون الأصنام، أما الصلاة فهي جزء من العبادة، فهو لم يطلب أن تكون الصلاة وحدها لله، بل طلب أن تكون عموم ا العبادة من صلاة وغيرها له وحده، وهو المناسب ههنا.
ولم يقل: (فليعبدوا ربهم الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) لأكثر من سبب، فإنه لو قال ذلك لم يدل أن الأمر خاص بقريش، فإن الله أطعم خلقًا كثيرًا من جوع وآمنهم من خوف، ولو قال ذلك لخرج عن هذه النعمة خلق كثير أيضًا، فإن قسمًا من عباد الله لم يطعمهم الله من جوع ولم يؤمنهم من خوف، فلو قال هذا لكان معنى ذلك أنه من لم تشمله هاتان النعمتان فلا يعبد الله.
وهو هنا أراد أن يخص قريشًا بالكلام ويدعوهم إلى عبادته، فربط ذلك بالبيت الذي هم حوله وكان أمنهم وإطعامهم بسببه، وإشارة إلى أنه لو لم يحم البيت لتفرقوا في البلاد ولتخطفهم الناس.
وذكر البيت يذكرهم ببانيه وهو أبوهم إبراهيم الذي ينعمون ببركة دعائه بالتوسعة بالعيش والأمن، وإبراهيم إنما بنى البيت بأمر ربه، وكان عابدًا له لا للأصنام التي حطمها عليه السلام.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 135 إلى ص 138.
(۱) انظر الكشاف 3/360 و3/٢٨٥ في قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}.
(۲) انظر المغني 1/165.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٥٥ |
{الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}
جمع لهم هاتين النعمتين وذكرهم بهما لعظيم المنة بهما، ذلك أن مكة بوادٍ غير ذي زرع، وأهلها عرضة للجوع فأطعمهم وأمنهم من خوف، والناس يتخطفون من حولهم، وذلك ببركة دعاء إبراهيم عليه السلام، فقد دعا لهم بالرزق فقال: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [البقرة: 126] ودعا لهم بالأمن فقال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا} [البقرة: 126].
جاء في (البحر المحيط): "كانوا قطانًا ببلد غير ذي زرع عرضة للجوع والخوف لولا لطف الله تعالى بهم، وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57].
وآمنهم من خوف فضلهم على العرب بكونهم يأمنون حيثما حلوا، فيقال: هؤلاء قطان بيت الله فلا يتعرض إليهم أحد وغيرهم خائفون" (1).
وجاء في (روح المعاني) عن ابن عباس" أنه قال: أطعمهم من جوع بدعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} وآمنهم من خوف حيث قال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا} (2).
وقال: (أطعمهم) ولم يقل: (أشبعهم) لأن الشبع قد يورث ما لا يحمد عقباه من بطنة وتخمة ونحوها، أما الإطعام فيزيل الجوع، وخير الطعام ما يسد الجوعة.
جاء في (التفسير الكبير) للرازي: "ما الفائدة في قوله: {مِنْ جُوعٍ} الجواب فيه فوائد:
أحدها: التنبيه على أن أمر الجوع شديد، ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} [الشورى: 28] ...
وثانيها: تذكيرهم الحالة الأولى الرديئة المؤلمة وهي الجوع حتى يعرفوا قدر النعمة الحاضرة.
وثالثها: التنبيه على أن خير الطعام ما سد الجوعة؛ لأنه لم يقل (وأشبعهم) لأن الطعام يزيل الجوع، أما الإشباع فإنه يورث البطنة" (3).
وقد تقول: ولِمَ لَمْ يكتف بقوله: (وأطعمهم) إذا كان الإطعام أفضل من الشبع؟
والجواب: أن من الإطعام ما لا يسد الجوعة ولا تسد به الحاجة فلا تتم به النعمة، ولذا قال: {أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ} أي أبعد الله عنهم الجوع بالإطعام، فكانت النعمة بذلك أتم وأكمل.
ونكر الجوع والخوف لإطلاقهما، فيشمل كل جوع وخوف. ولو عرّفهما لاحتمل أن يكون ذلك للعهد فيشمل إطعامًا من جوع معين وإيمانًا من خوف معين، كأن يكون الخوف من أصحاب الفيل مثلاً، فنكر ذلك لإطلاق الجوع والخوف ويعممهما. وقيل: إن التنكير فيهما للشدة والتعظيم، أي أطعمهم من جوع أي جوع، وخوف أي خوف.
جاء في (الكشاف): "التنكير في جوع وخوف لشدتهما، يعني: أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف أصحاب الفيل، أو خوف الخطف في بلدهم ومسايرهم" (4).
وجاء في (التفسير الكبير): "لم قال: (من جوع) (من خوف) على سبيل التنكير؟
الجواب: المراد من التنكير التعظيم" (5).
قد تقول: ولم قدم الجوع على الخوف؟
والجواب أن ذلك لوجوه منها:
1- أن الجوع أشد من الخوف وأمره أعظم، فإن الجوع إذا استمر أهلك الإنسان والأحياء، بخلاف الخوف فإنه قد يستمر ولا يؤدي إلى الهلكة، فإن من الناس من يبقى خائفًا متخفيًا أعوامًا، فقدم ما هو أهم وأولى.
٢- إن الرحلتين كانتا لغرض الميرة والاتجار، وكان الأمن سببًا في نجاحهما واستمرارهما. فالإطعام من الجوع كان هو الغرض من الرحلتين، أما الأمن فكان من أسباب نجاحهما، فقدم الغرض الأساسي من رحلتي الشتاء والصيف.
3- إن حاجة قريش إلى الطعام شديدة؛ وذلك لأنهم في بلد ليس بذي زرع، فقدم ما محتاجون إليه على جهة الضرورة، أما مسألة الخوف فإنها عامة في الجزيرة، فقد كان يغير بعضهم على بعض.
4- إن تقديم الجوع على الخوف مناسب لتقديم الشتاء على الصيف في قوله تعالى: {إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} ذلك أن الإنسان أحوج إلى الطعام في الشتاء منه في الصيف، ولذا نرى كثيرًا من الناس يدخرون قوتهم للشتاء لشحة الطعام فيه. فقدم الإطعام من الجوع مناسبة لتقديم الشتاء.
وجعل الأمن من الخوف بإزاء الصيف، ذلك أن الصيف تسهل فيه الإغارة والكمون في أي مكان، بخلاف الشتاء الذي يصعب فيه المبيت والتخفي في الخلاء. هذا علاوة على أن الوحوش والهوام تكنّ في الشتاء، بخلاف الصيف، فدواعي الإخافة في الصيف أكثر منها في الشتاء، ولذا جعل الأمن من الخوف بإزاء الصيف، فناسب كل تعبير موضعه.
5- وقد تقول: ولكنه قدم الخوف على الجوع في موطن آخر من القرآن الكريم فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} [البقرة: 155] فلم فعل ذلك إذا كان الجوع أشد وأهم؟
فنقول: التقديم إنما يكون بحسب ما يقتضيه السياق والمقام، وقد اقتضى كل مقام التعبير الذي هو فيه. وإيضاح ذلك أنه ورد اجتماع الجوع والخوف في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم هذا أحدها.
والموطن الآخر قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155].
والموطن الثالث قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].
فقدم الخوف على الجوع في آية البقرة، وقدم الجوع على الخوف في آية النحل، بحسب ما يقتضيه السياق والمقام في كل موطن.
أما آية البقرة فقد تقدم فيها الخوف على الجوع؛ وذلك لأنها وقعت في سياق القتل ووقوع المصائب، قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: ١٥٤ - 156]، فناسب ذلك تقديم الخوف على الجوع.
وأما آية النحل ففي سياق الأطعمة، فقد جاء بعدها: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ....} [النحل: 114 - 115] فناسب تقديم الجوع على الخوف.
ثم إن تقديم الجوع أنسب ههنا من ناحية أخرى، وذلك مراعاة للإذاقة في قوله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ}، فإن الجوع إنما يكون بسبب قلة الطعام أو فقده، والطعام مما يذاق على الحقيقة، فحسن تقديم الجوع من هذه الناحية أيضًا.
جاء في (روح المعاني): "وتقديم الجوع الناشئ من فقدن الرزق على الخوف المترتب على زوال الأمن المقدم فيما تقدم على إتيان الرزق لكونه أنسب بالإذاقة أو لمراعاة المقارنة بين ذلك وبين إتيان الرزق" (6).
وقد تقول: ولكنه قدم الأمن على الرزق في صدر الآية فقال: {كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ}، فنقول: إن هذا التقديم هو المناسب هنا، فإنه قال: {يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} وهذا يقتضي تأمين السبل والطرق الموصلة إليها، فإنه لو لم يكن الأمن موجودًا لم يأتها الرزق من كل مكان، فإنه يجب تأمين السبل الموصلة إليها، وأن تكون هي آمنة مطمئنة ليتم مجيء الرزق إليها، فكان تقديم الأمن هنا أنسب لأنه سبب الإتيان بالرزق إليها.
هذا من ناحية، ناحية أخرى أن آية البقرة إنما هي في ابتلاء المؤمنين واختبارهم، وليست هي من باب العقوبات. بخلاف آية النحل فإنها في عقوبات الكافرين، ومعلوم أن الجوع أشد من الخوف في العقوبات، فقدم ما هو أشد والله أعلم، فكان كل تعبير في مكانه المناسب.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 138 إلى ص 143.
(1) البحر المحيط 8/515.
(2) روح المعاني 30/241.
(3) التفسير الكبير 32/109.
(4) الكشاف 3/360.
(5) التفسير الكبير 32/110.
(6) روح المعاني 14/243.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٥٦ |
أبطأ الوحي عن الرسول أيامًا وهو بمكة حتى شق ذلك عليه وجزع جزعًا شديدًا، حتى قيل له: إن ربك قد قلاك وودعك، فنزلت هذه السورة تخبره أن ربه ما ودعه وما قلاه (۱)
وهنا يستوقفنا أمر قبل النظر في السورة وهو لماذا حزن عليه الصلاة والسلام وجزع؟ أذلك للمال وأمور الدنيا؟ أم هو للراحة والدعة والاستمتاع؟
إن الوحي قول ثقيل كما قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5] وهو يعني التكليف والمشقة، ويعني العنت والأذى والصبر على الأذى، ومع ذلك كله فقد حزن لانقطاع الوحي مع علمه بما يلقاه على الأذى ومع من عنت وأذى من أجل تبليغه.
إن في هذا الإبطاء اختبارًا للرسول أهو حريص على هذا الأمر الجديد الذي يترك من أجله راحته ويلقى من أجله ما يلقى أم هو سيتنفس الصعداء حين يعفيه ربه من هذه المهمة وهذا التكليف، وفي هذا أيضًا للدعاة إلى الله ليعنيهم أمر الدعوة، وإن كانوا يلقون في سبيلها ما يلقون من البطش والعنت والأذى.
{وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}
(الضحى) وقت ارتفاع الشمس بعد شروقها. و(سجا) معناه (سكن) أشهر الأقوال، ومعلوم أن الليل لا يسكن وإنما يسكن أهله وما فيه مما يصح أن يتصف بالسكون، وعلى هذا فالإسناد مجازي.
وقيل: معنى (سجا): اشتد ظلامه، وقيل: معناه: (غطى) (2) يسجى الرجل بالثوب، ومنه تسجية الميت أي تغطيته.
جاء في (الكشاف): "سجى: سكن وركد ظلامه ... وقيل: معناه سكون الناس والأصوات فيه، وسجا البحر: سكنت أمواجه " (3).
وجاء في (التفسير الكبير) للرازي أنه ذكر "أهل اللغة في (سجى) ثلاثة أوجه متقاربة: سكن وأظلم وغطى ... سجى الليل: تغطيته النهار مثل ما يسجى الرجل بالثوب ... [قال] ابن عباس: غطى الدنيا بالظلمة، [وقيل]: سكن بالناس" (4).
لقد أقسم ربنا بالضحى وبالليل إذا سجى أنه لم يودع نبيه ولم يقله كما زعم أهل الكفر. إن القسم بهذين الشيئين لهما ههنا دلالة خاصة - كما قيل - فإن الضحى يمثل نور الوحي وإشراقه، وإن الليل إذا سجى يمثل انقطاعه وسكونه، فإن الدنيا من غير نور النبوة وإشراقة الوحي ليل مظلم وظلام مطبق.
ولذا قدم الضحى، وهو ما سبق من نور الوحي على الليل إذا سجى، وهو مدة انقطاع الوحي وسكونه.
وقيل: إن هذا القسم يشير إلى أن هذا الانقطاع ليس إلا استجمامًا وسكونًا ترتاح فيه النفس كما يستريح المتعب في النهار إلى سكون الليل وهدأته، وكلا ذينك نعمة من نعم الله، فالضحى وما فيه من نور وحركة نعمة، والليل وما فيه من سكون وراحة نعمة تقابل نعمة النهار.
إن الإشارة إلى أن الضحى قد يرمز إلى رسالته ، والليل إلى انقطاع الوحي إشارة قديمة، فقد قال الإمام الرازي في تفسيره: يحتمل أن يقال: الضحى رسالته صلى الله تعالى عليه وسلم، والليل زمان احتباس الوحي فيه (5).
وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): "فتأمل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل للمقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمدًا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره، بعد ظلمة احتباسه واحتجابه.
وأيضًا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهار هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة، فهذان للحس، وهذان للعقل" (6).
وقال: {إِذَا سَجَى} ولم يقل: (إذا يغشى) أو (إذا يسر) كما قال في مواطن أخرى، ذلك أن معنى (سجى): سكن وركد، وهو إشارة إلى سكون الوحي وركوده وانقطاعه. في حين أن (يغشى) أو (يسري) ونحوهما تدل على الحركة، فكان ما ذكره ههنا أنسب.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٥٧ |
{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
ودع من التوديع كما يودع المفارق صاحبه، وهو يكون عادة بين المتحابين والأصحاب، ولذا كثر استعمال التوديع والوداع بين المحبين في الشعر العربي، قال الشاعر:
ودع هريرة إن الـركـب مـرتـحـل
وهـل تطيق وداعـا أيـهـا الـرجـل
جاء في (روح المعاني): "ودع من التوديع، وهو في الأصل من الدعة، وهو أن تدعو للمسافر بأن يدفع الله عنه كآبة السفر، وأن يبلغه الدعة وخفض العيش، كما أن التسليم دعاء له بالسلامة، ثم صار متعارفًا في تشييع المسافر وتركه، ثم استعمل في الترك مطلقًا ... على أن التوديع مستعار استعارة تبعية للترك، وفيه من اللطف والتعظيم ما لا يخفى، فإن الوداع إنما يكون بين الأحباب ومن تعز مفارقته" (7).
وأما القلى فهو البغض.
فقد أقسم ربنا أنه لم يودع سيدنا محمدًا ولم يبغضه، وقد ذكر مفعول التوديع وحذف مفعول البغض، فقال: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} ولم يقل: (وما قلاك) لأكثر من سبب. فقد قيل: إن حذف الكاف الثانية اكتفاء بالكاف الأولى في (ودّعك) فقد علم أنه ضمير المخاطب وهو الرسول ، ولأن رؤوس الآيات تقتضي ذاك، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف (8).
وقيل: إن الحذف يفيد الإطلاق، بمعنى أنه ما قلاك ولا قلى أحدًا من أصحابك ومن أحبك إلى يوم القيامة (9).
ثم إن هذا الحذف من باب التكريم له فإنه لم يرد أن يواجهه بنسبة البغض إليه، فقد جاء في (روح المعاني): "وحذف المفعول لئلا يواجهه عليه الصلاة والسلام بنسبة القلى وإن كانت في كلام منفي لطفا به وشفقة عليه الصلاة والسلام" (10).
وجاء في (معاني النحو): "ويذكر النحاة أن المفعول قد يحذف لتناسب الفواصل كقوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} أي وما قلاك، غير أنني أرى لهذا الحذف غرضًا بديعًا وسرًا لطيفًا علاوة على ما ذكروه، وهو أن الحذف ههنا للإكرام والتعظيم، وذلك أنه تعالى لم يرد أن يواجهه بالقلى فيقول: (وما قلاك) وإنما اكتفى بالمفعول السابق إكرامًا لرسوله من أن يناله الفعل.
ونحو هذا يجري في كلامنا، فإنا قد نكرم شخصًا فلا نواجهه بما يشين وإن كان هو المقصود بالكلام، وذلك كأن يقول أحد لآخر: بلغني عنك أنك شتمت وقلت وقلت، فيقول: لا والله ما شتمت ولا قلت، فحذف المفعول في الفعلين تعظيمًا له من أن يناله الفعل" (11).
فأنت ترى أن ذكر المفعول مع التوديع إكرام له وحذفه من القلى إكرام له، فهو إكرام في الذكر وإكرام في الحذف، وهذا من مواطن الذكر والحذف.
وفي ذلك أيضًا توجيه وإرشاد إلى أدب الكلام والخطاب، فإنه لا يحسن مواجهة الشخص الذي نجله ونكرمه بفعل مرغوب عنه ولو نفيًا، فلا تقول: أنا لم أشتمك ولم أسبك، وأنا لا أهينك ولا أضربك، بل تخرجه مخرج الإطلاق والعموم وعدم المواجهة، فتقول: أنا لم أشتم ولم أسب، بخلاف المرغوب فيه من الأفعال، فإن المواجهة لا عيب فيها بل قد تحسن، فتقول: أنا لم أكرمك كما تستحق، وسبحان ربي ما عبدتك حق عبادتك.
واختيار كلمة (الرب) وإضافتها إلى المخاطب أنسب شيء ههنا وأدل على الرعاية والعناية، فإن الرب هو المربي والمرشد والمالك والسيد فكيف يودعك ويلقيك وأنت عبده ورسوله وهو سيدك ومولاك أخرجك من الظلمة إلى نور الوحي والرسالة؟
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 145 إلى ص 150.
(1) انظر الكشاف 3/344 – 345، البحر المحيط 8/485، التفسير الكبير 31/209، تفسير ابن كثير 4/522، روح المعاني 30/158.
(2) انظر روح المعاني 30/153 – 154.
(3) الكشاف 3/344، وانظر البحر المحيط 8/458.
(4) التفسير الكبير 31/207.
(5) التفسير الكبير 31/209.
(6) التبيان في أقسام القرآن 47.
(7) روح المعاني 30/154.
(8) انظر الكشاف 3/345، البحر المحيط 8/485، التفسير الكبير 31/209.
(9) انظر التفسير الكبير 31/209، روح المعاني 30/156.
(10) روح المعاني 30/156.
(11) معاني النحو 2/115 – 116.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٥٨ |
{وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى}
قيل: إن المقصود بالآخرة ما يقابل الدنيا وهي التي بعد الموت، ولا شك أن تلك الحياة خير له من الأولى لما أعد له من الكرامة.
وقيل: إن الآخرة كلمة عامة، وهي تشمل ما يستقبل من حياته في الدنيا والآخرة، وهو الأولى.
إن (الآخرة) قد تستعمل في القرآن الكريم للحياة الآخرة، وتستعمل لما وصف بالتأخر على وجه العموم. قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الإسراء: 7].
ولا شك أن هذا في الدنيا. وقال: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ} [ص: 7].
فالأولى أن يراد بها العموم والإطلاق.
جاء في (التبيان في أقسام القرآن): "وأطلق سبحانه أن الآخرة خير له من الأولى، وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها، كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها" (1).
وجاء في (أنوار التنزيل) أن معنى الآية قد يفيد أن المقصود أنه "لنهاية أمرك خير من بدايته، فإنه لا يزال يتصاعد في الرفعة والكمال" (2).
وجاء في (روح المعاني): "وقال ابن عطية وجماعة: يحتمل أن يراد بهما نهاية أمره صلى الله تعالى عليه وسلم وبدايته، فاللام فيهما للعهد، أو عوض عن المضاف إليه، أي لنهاية أمرك خير من بدايته، لا تزال تتزايد قوة وتتصاعد رفعة" (3).
ثم من الملاحظ أنه لم يقل: (وللآخرة خير لك من الدنيا) فيكون نصًّا على أن المقصود بالآخرة ما يقابل الحياة الدنيا، وإنما قال: {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} ليعم الآخرة جميعًا، سواء ما كان في الدنيا وما كان في الحياة الأخرى، فكان ما ذكره أعم وأدل على الإكرام والبشرى.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 150 إلى ص 151.
(1) التبيان في أقسام القرآن 48.
(2) أنوار التنزيل 804.
(3) روح المعاني 30/158.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٥٩ |
{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)}
وعد شامل مؤكد أن يعطيه ربه في المستقبل فيرضى. ومن الملاحظ أنه لم يذكر المفعول الثاني لأعطى، فلم يقل ماذا يعطيه، بل أطلق العطاء ليشمل كل خير في الدنيا والآخرة. كما أنه لم يحدد ظرفًا معينًا لزمن هذا العطاء، وإنما أطلقه ليشمل كل وقت بعد نزول هذه الآية في الدنيا والآخرة. كما أنه أطلق الرضا فلم يقيده بشيء، فلم يقل: ترضى بكذا ولا عن كذا، فأنت ترى أنه أطلق العطاء وأطلق الرضا، وقد ذكر المعطي وهو ربه سبحانه. وفي هذا تكريم أي تكريم، فإن العطاء يكون على قدر المعطي، فلا عطاء أجل وأعظم وأكرم من عطاء الرب، وإضافة الرب إلى ضمير الخطاب فيه من التكريم ما لا يخفى.
ثم إنه لما ذكر الآخرة قبل هذه الآية فقال: {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} فجعل مستقبله خيرًا من ماضيه وحاضره ناسب أن يقول: {} فيأتي بحرف الاستقبال (سوف) فيكون توكيدًا لما ذكر من أن الآخرة خير له من الأولى. ولما كانت كلمة (الآخرة) تشمل كل ما يستقبله من عمره في الحياة الدنيا والآخرة ناسب أن يأتي بحرف الاستقبال (سوف) ولم يأت بالسين، فإن السين جزء من (سوف)، وهو لم يذكر جزءًا من المستقبل، وإنما ذكره كله، فناسب أن يذكر (سوف) وهو الحرف كله بإزاء الآخرة وهي ههنا المستقبل كله، وهو تناظر طريف.
ولما قال: (وللآخرة) فأكد ذلك باللام أكد إعطاءه باللام فقال: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} فناظر بين التوكيدين.
إن هذه الآية مرتبطة بالآية قبلها، إذ هي: تأكيد بأن الآخرة خير له من الأولى لأنه سوف يعطيه فيرضى.
وهي مرتبطة بقوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} فإن ذلك أمارة على أن ربه ما ودعه وما قلاه.
جاء في (أنوار التنزيل) في هذه الآية أنها "وعد شامل لما أعطاه، من كمال النفس وظهور الأمر وإعلاء الدين، ولما ادخره له مما لا يعرف كنهه سواه" (1).
وجاء في (تفسير الرازي): "ما الفائدة في قوله: (ولسوف)؟ ولِمَ لَمْ يقل: (وسيعطيك ربك)؟.
الجواب فيه فوائد:
إحداها: يدل على أنه ما قرب أجله، بل يعيش بعد ذلك زمانًا" (2).
إن ما وعد الله في هذه الآية من أنه سوف يعطيه فيرضى هو من أجل النعم، ذلك أن الرضا في الحياة هو أساس الاستقرار والطمأنينة والهناء والسعادة وراحة البال، فإن فقد الرضا حلت الهموم وحل القلق والشقاء وعموم دواعي النكد.
ولا يكون الإنسان مرتاحًا ولا هانئًا إلا إذا عم الرضا. جميع جوانب حياته، فإن فقد من جانب منها فقد الإنسان من راحته واستقراره بقدر ذلك الجانب، ولذلك أطلق سبحانه الرضا لنبيه فقال: (فترضى) ولم يقيده بشيء، لا بمال ولا جاه ولا غيرهما.
ولعظم هذه النعمة وجلالها جعلها الله صفة أهل الجنة وصفة عيشها فقال: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 27 - 28] فوصفها بأنها راضية مرضية، وقال: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} [الحاقة: 21 - 22]، وقال: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [القارعة: 6 - 7].
إن عدم الرضا قد يؤدي إلى الضغط النفسي ثم اليأس والقنوط ثم الانتحار، فأي نعمة أجل من الرضا؟
إن التعب معه راحة، والراحة من دونه تعب ونكد، وإن الفقر معه غنى، والغنى من دونه فقر. وإن الحرمان معه عطاء، والعطاء من دونه حرمان.
أعرفت الآن عظم ما وعده ربه به؟ وهل أدركت الإشارة إلى نعمة الرضا في الحياة؟
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 151 إلى ص 154.
(1) أنوار التنزيل 802، وانظر الكشاف 3/345، البحر المحيط 8/486.
(2) التفسير الكبير 31/231.
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٦٠ |
{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6)}
وهذا يدل على رعاية ربه له، فإنه آواه بعد يتمه ولم يتركه، وهذا مرتبط بقوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} فإنه لم يتركه بل رعاه وأواه.
وهو مرتبط بقوله: {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} أيضًا، فإن الإيواء خير من اليتم فكانت الآخرة خيرًا له من الأولى.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 154 إلى ص 154.
الوقفة كاملة
|