تفسير و تدارس

٣٦٤١ برنامج تأملات قرآنية الوقفة كاملة
٣٦٤٢ خواطر الشيخ محمد الشعراوى -سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٦٤٣ خواطر الشيخ محمد الشعراوى - سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٦٤٤ خواطر الشيخ محمد الشعراوى -سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٦٤٥ خواطر الشيخ محمد الشعراوى - سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٦٤٦ خواطر الشيخ محمد الشعراوى - سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٦٤٧ خواطر الشيخ الشعراوي سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٦٤٨ خواطر الشيخ محمد الشعراوى - سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٦٤٩ خواطر الشعراوى , سورة الانعام الوقفة كاملة
٣٦٥٠ خواطر الشعراوى , سورة الانعام الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٣٦٤١ ملك النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ} "بين بملك الناس، ثم زيد بيانًا بإله الناس؛ لأنه قد يقال لغيره: (رب الناس)، كقوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] وقد يقال لغيره: ملك الناس. وأما (إله الناس) فخاص لا شركه فيه، فجعل غاية للبيان" (5). وجاء في (تفسير البيضاوي) أن قوله: {مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ} "عطف بيان له، فإن الرب قد لا يكون ملكًا، والملك قد لا يكون إلهًا" (6). وجاء في (فتح التقدير) في قوله: {إِلَهِ النَّاسِ}: "لبيان أن ربوبيته وملكه قد انضم إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي بالإيجاد والإعدام. وأيضًا الرب قد يكون ملكًا وقد لا يكون ملكًا، كما يقال: (رب الدار، ورب المتاع) ... فيبين أنه ملك الناس. ثم الملك قد يكون إلهًا وقد لا يكون، فين أنه إله؛ لأن أسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد. وأيضًا بدأ باسم الرب، وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلًا كاملًا، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك، فذكر أنه ملك الناس. ثم لما علم أن العبادة لازمة له وواجبة عليه، وأنه عبد مخلوق، وأن خالقه إله معبود، بين سبحانه أنه إله الناس" (7). وقد تقول: ولم لم يعطف بالواو فيقول: (وملك الناس وإله الناس)؟ والجواب: أنه لم يعطف لئلا يظن أنه ذوات متعددة، فهو الرب والملك والإله. جاء في (التفسير القيم) أنه "لم يعطف بالواو لما فيها من الإيذان بالمغايرة" (8). وقد تقول: ولم كرر الناس ولم يأت بالضمير فقال: {بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ} ولم يقل: (رب الناس ملكهم إلههم)؟ والجواب: أن ذكر الناس مع كل اسم أولى وأحسن، ذلك أن كلمة الناس قد تطلق على الكثير منهم والقليل، وقد تطلق على الجميع، فقد تخاطب مجموعه من الناس بقولك: (أيها الناس)، ومنه الحديث (أشيروا علي أيها الناس) وهو يعني الأنصار، قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173]. ومعلوم قطعًا أن القائل ليس جميع الناس ولا الذين جمعوا لهم بل هم بعض منهم. وقد تطلق على الجميع، ومنه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13]. فرب الناس قد يطلق على صاحب مجموعة قليلة من الناس أو كثيرة، وملك الناس جماعته أكثر، فإن شعب الملك وناسه أكثر من ناس المربي، وإله الناس عباده أكثر، فهو يشمل جميع الناس. فلو قال: رب الناس وملكهم وإلههم، لظن أنه ملك وإله جماعة الناس المذكورين مع الرب دون غيرهم، وقد تكون مجموعته قليلة أو كثيرة، فذكر الناس مع كل صفة لئلا يظن أنه ملك وإله مجموعة دون أخرى. وقد تدرج في مجموعة الناس من القلة إلى الكثرة، وذلك أن ناس الملك أكثر من ناس المربي، فإنه قد يكون لجماعة من المربين ملك واحد، وناس الإله أكثر من ناس الملك، فإن ناس الإله هم كل الناس، بخلاف ناس الملك. فهو تدرج في ذكر الصفات من الكثرة إلى القلة، وتدرج في ذكر ناسهم من القلة إلى الكثرة. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 55 إلى ص 61. (1) البحر المحيط 8/532. (2) روح المعاني 30/286. (3) روح المعاني 30/286. (4) فتح القدير 5/509، وانظر التفسير الكبير 32/197. (5) الكشاف 3/369. (6) أنوار التنزيل 815. (7) فتح القدير 5/509، وانظر التفسير الكبير 32/197. (8) التفسير القيم 598. الوقفة كاملة
٣٦٤٢ {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4)} الوسواس كلمة على وزن فعلال، وفعلال المفتوح الفاء يكون أسمًا، والمكسور الفاء مصدرًا وذلك كالزلزال، فالزلزال بالكسر مصدر الفعل (زلزل)، وبالفتح الاسم، أي هو اسم لحركة الأرض المعروفة (1). وقد يكون فعلًا وصفًا بمعنى اسم الفاعل، وذلك كالثرثار وهو بمعنى المثرثر، الفأفاء والتمتام، غير أنه يفيد المبالغة والكثرة كفعال في الثلاثي (2). وقد اختلف في الوسواس على هذا، فمنهم من ذهب إلى أن الوسواس اسم بمعنى الوسوسة، وهو ما يوسوس به الشيطان من هوى النفس وشهواتها، فما توسوس به النفس من خطرات وأهواء هو الوسواس، وعلى هذا تكون الاستعاذة من شرور هذه الوساوس التي تنقمع بذكر الله تعالى. وقيل: المراد به الشيطان على تقدير حذف المضاف، أي من شر ذي الوسواس، وذو الوسواس هو الشيطان. جاء في (الكشاف): "الوسواس اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. وأما المصدر فوسواس بالكسر كزلزال، والمرد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه؛ لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه، أو أريد به ذو الوسواس. والوسوسة: الصوت الحفي" (3). وقسم ذهب إلى أن الوسواس وصف بمعنى اسم الفاعل، أي الموسوس، كالثرثار والقضقاض والتمتام بمعنى المثرثر والمقضقض، وهو من اسماء الشيطان أيضًأ. جاء في (روح المعاني): "وقال الزمخشري: المكسور مصدر، والمفتوح اسم للحركة المعروفة [يعني الزلزال] ... وقال أيضًا: ليس في الأبنية فعلال بالفتح إلا أن الأغلب فيه إذا فتح أن يكون بمعنى اسم الفاعل كصلصال بمعنى مصلصل، وقضقاض بمعنى مقضقض، ووسواس بمعنى موسوس، وليس مصدرًا عند ابن مالك. وأما في غير المضاف فلم يسمع إلًا نادرًا، سواء كان صفة أو اسمًا جامدًا... ومن النادر خزعال بمعجمتين، وهو الناقة التي بها ظلع" (4). وجاء فيه أيضًا: "والوسواس عند الزمخشري اسم مصدر بمعنى الوسوسة، والمصدر بالكسر ... وقال بعض أئمة العربية: إن فعلل ضربان: صحيح كدحرج، وثنائي مكرر كصلصل. ولهما مصدران مطردان: فعللة وفعلال بالكسر، وهو أقيس، والفتح شاذ، لكنه كثر في المكرر كتمتام وفأفاء. ويكون للمبالغة كفعال في الثلاثي، كما قالوا: وطواط للضعيف وثرثار للمكثر. والحق أنه صفة، فليحمل عليه ما في الآية الكريمة من غير حاجة إلى التجوز أو حذف المضاف" (5). والذي يترجح أنه وصف بمعنى اسم الفاعل يفيد الكثرة والمبالغة، ويدل على ذلك قوله: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} فجعل الوسواس قسمين: قسمًا من الجنة وقسمًا من الناس، وهذا لا يحمل على المصدر أو ما كان بمعنى المصدر إلا على ضرب من التأويل والتقدير. فحمله على الوصف سالم من التقدير ومن التجوز، وله نظائر في اللغة. وقد يحمل على المعنيين معًا على التوسع في المعنى، فتكون الاستعاذة من شر الوسوسة والموسوس جميعًا. واختيار الوسواس على الموسوس له أكثر من سبب، فإن الوسواس يحتمل أمثر من معنى كما ذكرنا، فهو يحتمل معنى الوسوسة ومعنى الموسوس فيستعاذ من شروره على اختلاف معانيه. ثم إن الموسوس قد يكون لمعنى آخر غير الوسواس، ذلك أن لفظ الموسوس قد يطلق على من تغلب عليه الوسوسة، فيقال: "رجل موسوس إذا غلبت عليه الوسوسة ... وفلان الموسوس – بالكسر – الذي تعتزيه الوساوس" (6). ثم إن الوسواس هو المبالغ في الوسوسة، فهي من صفات المبالغة، مثل (فعال) في الثلاثي كالكذاب والصبار، وليس في الموسوس مبالغة، فكان اختيار الوسواس أولى. ثم إنه استعاذ من شر الوسواس، ولم يستعذ منه على العموم، فلم يقل: (من الوسواس الخناس)، في حين عندما ذكر الشيطان استعاذ منه على العموم فقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98]، وقال: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]، ذلك أن المذكورين في سورة الناس هم الجنة والناس وليسوا الشياطين، والجن منهم المؤمنون الصالحون ومنهم الفسقة ومنهم الكافرون، شأن بني آدم، كما قال تعالى على لسان الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} [الجن: 14] وقال: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} [الجن: 11] فالكفرة منهم هم الشياطين. وذكر مع الجنة الناس، وهم أصناف كما لا يخفي، فاستعاذ من شرور هؤلاء لا منهم على العموم، فإنه لا ينبغي الاستعاذة من الجن على العموم، فإن فيهم خيرًا وصلاحًا، ولكن يستعاذ من شرهم. وكذلك الناس فإننا لا نستعيذ من الناس على العموم، بل من شرورهم، فإننا مأمورون بمخالطة الناس ودعوتهم وإصلاحهم ونصحهم فكيف نستعيذ منهم. فلا تقول: أعوذ بالله من الناس، وإنما نستعيذ من الظالمين المتسلطين ومن شرورهم ونحو ذلك قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]. أما الشيطان فهو شر كله، حضوره وهمزه ونسخه، فالاستعاذة تكون منه على العموم ومن شروره، قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97 - 98]. فحسن ذكر الشر مع الوسواس. ثم انظر كيف استعاذ من شر الوسواس، وهي الذات الموسوسة، ولم يقل: من شر وسوسته، وذلك لتعم الاستعاذة من شروره كلها لا من شر الوسوسة فقط، فإن الموسوس قد يكون شيطانًا وغيره، فاستعاذ من شرور كل ما يصدر عنه سواء كان ذلك وسوسة أم غيرها. جاء في (التفسير القيم): "وتأمل حكمة القرآن وجلالته كيف أوقع الاستعاذة من شر الشيطان الموصوف بأنه (الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس)، ولم يقل: (من شر وسوسته)، لتعم الاستعاذة شره جميعه، فإن قوله: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ} يعم كل شره" (7). وجاء في (روح المعاني): "والظاهر أن المراد الاستعاذة من شر الوسواس من حيث هو وسواس، ومآله إلى الاستعاذة من شر وسوسته. وقيل: المراد الاستعاذة من جميع شروره، ولذا قيل: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ} ولم يقل: من شر وسوسة الوسواس، قيل: وعليه يكون القول بأن شره يلحق البدن كما يلحق النفس أظهر منه على الظاهر" (8). {الْخَنَّاسِ} صيغه مبالغة من الخنوس، وهو التأخر والاستتار أحيانًا. واختيار وصف الخناس مع الوسواس مناسب له في المبالغة، فإن الوسواس من الرباعي كفعال في الثلاثي، كلاهما يدل على الاستمرار في الوصف والمبالغة فيه. ذلك أن وزن (فعال) في المبالغة منقول عن الحرفة والصنعة، فالكذاب كأن حرفته الكذب كالنجار والحداد. والوسواس يدل على أنه همه الوسوسة، وهي شغلة الشاغل له. وتكرار المقطع يدل على تكرار الفعل مثل: الكبكبة والهزهزة والزلزلة. ونحن البشر بنا حاجة إلى ما يخنس الوسواس ويقمعه كلما وسوس، فاختار لفظ الخناس الذي يدل على مداومة الخنوس وملازمته كلما استعاذ المستعيذ بالله. فهو مزاول للوسوسة والخنوس وملازمته كلما استعاذ المستعيذ بالله. فهو مزاول للوسوسة والخنوس كلما سنحت فرصة لأي منهما. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه إذا كان لك خصم أو عدو يتربص بك السوء فينبغي أن تعلم صفة خصمك وقوته ومكامن ضعفه، وما المقدار الذي بإمكانك أن توقع عليه الضرر، وكيف تنجو منه. وقد أعلمنا ربنا أننا لا نستطيع أن نقضي على هذا العدو قضاءً تامًا، وإنما قصارى ما نستطيع هو أن ندفع عنا شر وسوسته، فإنه يخنس بذكر الله تعالى وطاعته، وهو لا يلبث أن يعاود وسوسته وكيده في أقرب فرصة سانحة، وفي كل لحظة غفلة عن ذكر الله والاستعاذة به. لقد عرفنا ربنا صفة هذا العدو وكيده وشغله الشاغل له والسلاح الذي ينبغي أن نتسلح به لنصد خطره، لا أن نقضي عليه ونستريح منه، فإن هذا ليس بإمكاننا ولا نستطيعه. فقال: {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} أي المختفي ليعيد الكرة ويتربص لحظة الغفلة، ولم يقل: (الوسواس المنهزم الذي لا يعود) أو ( الوسواس المقتول بذكر الله وطاعته)، فاحذر واستعن بالله. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 61 إلى ص 67. (1) انظر الكشاف 3/352، روح المعاني 30/208 – 209. (2) انظر روح المعاني 30/286. (3) الكشاف 3/370. (4) روح المعاني 30/208 – 209. (5) روح المعاني 30/286. (6) لسان العرب (وسوس) 8/142. (7) التفسير القيم 608 – 609. (8) روح المعاني 30/286. الوقفة كاملة
٣٦٤٣ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5)} ذكر موضع الوسوسة وهو الصدر فقال: {فِي صُدُورِ النَّاسِ} ولم يقل: (في قلوب الناس)، ذلك أن الصدور هي ساحة القلب، ومنها تدخل الواردات إليه، فهي كالدهليز له، فهو يملأ الساحة والممر إلى القلب بوساوسه، حتي لا يدخل إلى القلب إلا ما كان من وساوسه وخطراته. فلم يقل: (يوسوس في قلوب الناس) فتكون الوسوسة في القلب فقط ويكون الصدر نظيفًا خاليًا منها، فيطرد ما في الصدر من نور وواردات رحمانية ظلمته ووسوسته، فهو يفعل ما يفعل الأعداء في ساحة الحرب من زرع الألغام وتعطيل السبل للوصول إلى المبتغى، هذا علاوة على إشاعة الأراجيف ودس الأعوان وتوهين الهمم والعزائم ما أمكنه ذلك. جاء في (التفسير القيم): "وتأمل السر في قوله تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} ولم يقل: (في قلوبهم). والصدر هو ساحة القلب وبيته، فمنه تدخل الواردات إليه فتجتمع في الصدر ثم تلج في القلب. فهو بمنزلة الدهليز له ومن القلب تخرج الأوامر والإرادات إلى الصدر ثم تتفرق على الجنود، ومن فهم هذا فهم قوله تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} . فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيته فيلقي ما يريد إلقاءه إلى القلب، فهو موسوس في الصدر، ووسوسته واصلة إلى القلب، ولهذا قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} ولم يقل: (فيه)؛ لأن المعنى أنه ألقى إليه ذلك وأوصله إليه فدخل في قلبه" (1). وجاء في (روح المعاني): في قوله: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}: "قيل أريد قلوبهم مجازًا، وقال بعضهم: إن الشيطان يدخل الصدر الذي هو بمنزلة الدهليز فيلقي فيه ما يريد إلقاءه إلى القلب ويوصله إليه" (2). وأما اختيار حرف الجر (في) ههنا على (إلى) أو اللام فقال: {يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} ولم يقل: (إلى)، فذلك أنه ذكر موضع الوسوسة، وهو المكان الذي تلقى فيه الوسوسة. وأما (إلى) واللام فتكونان للشخص، فيقال: (وسوس إلى فلان ووسوس له). قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 120]، وقال: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا} [الأعراف: 20]. ثم بين أن الوسواس قد يكون من الجنة وقد يكون من الناس، كما قال تعالى: {كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112]، فهو يستعيذ من شر الوسواس كله سواء كان جنيًا أم إنسيًا. وقد تقول: إذا كان قد استعاذ من شر الوسواس من الجنة والناس فلم قال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس:1] ولم يقل: (قل أعوذ برب الجنة والناس)؟ والجواب: أنه ذكر الوسوسة في صدور الناس لا في صدور الجنة والناس، فالمعدو عليهم هم الناس وليسوا الجنة، فاستعاذ الناس بربهم وملكهم وإلههم ليحميهم من هذا العدوان. جاء في الكشاف "فإن قلبت: لم قيل: (برب الناس) مضافًا إليهم خاصة؟ قلت: لأن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم" (3). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 67 إلى ص 69. (1) التفسير القيم 614 – 615. (2) روح المعاني 30/287. (3) الكشاف 3/369. الوقفة كاملة
٣٦٤٤ ِمنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) } وورد في القرآن استعمال ألفاظ الجن والجنة والجان، وورد في مقابل ذلك الإنس والناس والإنسان. فالجن استعمل في مقابل الإنس، وهما الأصلان لهذين الجنسين من المخلوقات، وورد استعمال (الجنة) في مقابل (الناس)، والناس هم مجموعة قليلة أو كثيرة من الإنس أو أفراد منهم، وقد يطلق الناس على الجميع. والجنة هم مجموعة من الجن أو أفراد منهم، و (الجان) ما يقابل (الإنسان)، وهو يطلق على الواحد الفرد منهم أو الجنس، وقد يقال للجمع أيضًا، فتقول للواحد من البشر: (هذا إنسان)، ويقال للجنس أيضًا نحو قولك: (خلق الإنسان من طين). ويقال للواحد من الجن (جان)، ويقال للجنس أيضًا، كقولك: (خلق الجان من نار)، وربما أطلق على الجمع أيضًا فيقال (هؤلاء جان). وعلى هذا يكون الفرق بين الإنسان والجان أن الإنسان يطلق على الواحد وعلى الجنس ولا يطلق على الجمع. أما (الجان) فيطلق على الواحد والجنس والجمع أيضًا. ويدل على ذلك استعمال القرآن لهذه الألفاظ، فيستعمل الجن والإنس للثقلين، وكثيرًا ما يستعمل الإنس لما يقابل الجن، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، وقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} [الأنعام: 128]. ويستعمل (الجنة) لما يقابل الناس، قال تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119، السجدة: 13]، وقال في سورة الناس: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 5 - 6]، فاستعمل (الجنة) لما يقابل (الناس). والإنس غير الناس، فالناس مجموعة من الإنس كما ذكرت، ولذا لا يصلح أحيانُا وضع أحدهما مكان الآخر، فقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ} [البقرة: 13] لا يصلح أن يقال مكانه: (آمنوا كما آمن الإنس). ونحوه قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]، وقوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173]، فلا يقال في نحو ذلك: (الذين قال لهم الإنس إن الإنس قد جمعوا لكم فاخشوهم). ونحوه قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ} [الأنفال: 26] فلا يقال فيه: (تخافون أن يتخطفكم الإنس) وإنما يصلح أن يقال ذلك للجن. وأنت تقول: ( هذا شخص من الإنس، وهذا رجل من الإنس) ولا تقول (هذا شخص من الناس) ولا (هذا رجل من الناس) للمعنى نفسه، فأنت في العبارة الأولى تبين جنسه، بخلاف الثانية. وإنما يكون المعنى في الثانية (هذا واحد من الناس) وليس قصدك بيان جنسه. أما الإنسان فهو ما يقابل الجان، ويستعمل للفرد الواحد وللجنس، قال تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13]، فلا يقال مكان ذلك: (كل إنس) ولا (كل الناس)، فالمقصود هنا كل فرد من الناس: وقال: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى} [النازعات: 35] والمقصود: كل إنسان. وقد يستعمل للجنس أيضًا، قال تعالى: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: 7]، وقال: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1]، وقال: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37]. وكذلك (الجان) قد يستعمل للواحد والجنس، وهو ما يقابل الإنسان، وربما يستعمل للجمع أيضًا، قال تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن: 14 - 15]، وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 26 - 27] فأنت ترى أنه أعاد الضمير على الجان مفردًا. وقال: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل: 10] قيل: إن معنى الجان ههنا الحية السريعة، وقد تكون بمعنى الجنب أيضًا. فالجان هو الواحد أو الجنس ويقابله الإنسان، وقد تستعمل (الجان) أيضًا للجمع فتقول: (هذا جان)للواحد، و(هؤلاء جان) للجمع. وذل قد يستعمل القرآن (الجان) لما يقابل (الإنس) أحيانًا وذلك في أحد معنييه وهو الجنس أو للجمع، وذلك نحو قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 56]، وقوله: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 39]. أما الجني فهو الواحد من الجن، وقد يستعمل للمنسوب إلى الجن أيضًا، ويقابله الإنسي، فالفرق بين الجني والجان أن ألجني يكون للواحد من الجن ولكل ما هو منسوب إلى الجن، فتقول: (هذا جني) للواحد الجن، كما تقول: (هذا عمل جني، وصنعة جنية) أي منسوبة إلى الجن، كما تقول: (هذا رومي) وتعتني به شخصًا من الروم، وتقول: (هذا رومي) للمنسوب إلى الروم، نحو: هذا لسان رومي ونسج رومي. ونحوه الإنسي والإنسان، فالإنسي قد يكون للواحد من الإنس، ومنه قوله تعالى: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: 26]، وقد يكون لما هو منسوب إلى الإنس فتقول: هذه صنعة إنسية لا جنية، وعمل إنسي لا جني، والله أعلم. وقد تقول: ولم قدم الجنة على الناس؟ والجواب: أن لهذا التقديم عدة أسباب: منها أنه الجنة هم المعتدون على الناس، وأنهم الأصل في الوسوسة، حتى أن الوسواس من أسماء الشيطان، وقد تكون وسوسة الإنسي للأنسي بسبب وسوسة الشيطان ودفعه. وقد تقول: ولم إذن قدم في آية أخرى شياطين الإنس على شياطين الجن فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112]؟ والجواب: أن المقام في الأنعام يقتضي تقديم شياطين الإنس على شياطين الجن، ذلك أن سياق الآيات في كفرة الإنس ومشركيهم، لا في الجن والشياطين (انظر الآيات 106 -116). وقد جاء في الآية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا} والعداوة للأنبياء ومحاربتهم ظاهرة في الإنس، فعداوة الأنبياء أظهر في الإنس منها في الجن. ثم قال: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} والافتراء على الله ظاهر لنا في الإنس، فناسب تقديم شياطين الإنس على الجن والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 69 إلى ص 73. الوقفة كاملة
٣٦٤٥ تبدأ السورة بقوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وهو أمر للرسول بأن يعلن هذا الأمر، فقال له: (قل) ولم يقل: (هو الله أحد) على طريقة الإخبار المجرد، وعلى سبيل الاعتقاد الشخصي الذي إن شاء أسره وإن شاء ذكره، بل طلب منه إعلان هذه العقيدة وتبليغها، وذلك لأهمية هذا الأمر، وذلك أن أكثر الناس ضلوا عن الحقائق الكبرى التي جمعتها هذه السورة القصيرة في مفرداتها، الجليلة في معانيها. وطلب الإعلان عما في هذه السورة يدل على أهمية ما جاء فيها وما تضمنته من أصول اعتقادية. {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) } المشهور أن (هو) ضمير الشأن خبره الجملة بعده (1) وهي {اللَّهُ أَحَدٌ}، ومعلوم أن ضمير الشأن يؤتى به في مواطن التفخيم والتعظيم، فدل ذلك على جلالة ما بعده وفخامته، جاء في (روح المعاني): "المشهور أن (هو) ضمير الشأن، ومحله الرفع على الابتداء، خبره الجملة بعده ... والسر في تصديرها به التنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها، مع ما فيها من زيادة التحقيق والتقرير، فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل فيبقى الذهن مترقبًا لما أمامه مما يفسره ويزيل إبهامه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن" (2). {أَحَدٌ} كلمة تأتي على ضربين: الأول: أن يراد بها عموم العقلاء ومن يصح خطابه، فتلزم الإفراد والتذكير، وتقع بعد النفي والاستفهام والشرط وفي غير الموجب عمومًا. وهي تقع على المفرد والمثنى والجمع، المذكر والمؤنث نحو (ما في الدار أحد) أي ما فيها شخص عاقل، وقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} [التوبة: 6]، وقال: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] فاستعملها للجمع. وقال: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} [الأحزاب: 32] فأوقعها على المؤنث. وهمزة (أحد) هذه أصلية عند أكثر أهل اللغة. والضرب الآخر: من ضربي كلمة (أحد) أنها تكون بمعني (واحد) وأجمعوا على أن همزتها منقلبة عن واو وأصلها (وحد)، غير أن هناك فرقًا بين (وحد) و (أحد) في المعنى والاستعمال. فـ (وَحَد) تستعمل للعاقل وغيره، فتقول: (رجل وَحَد) أي لا يعرف أصله، وتقول: درهم وَحَد، ووحش وَحَد. أما (أحد) فلا تستعمل إلا للعقلاء، فإذا استعملتها في الإثبات من غير أضافة ولا تبيين بمن فهي خاصة بالله تعالى، فلا يقال: رجل أحد. جاء في (روح المعاني): "(أحد) المستعمل في الإثبات على ثلاثة أوجه: الأول: أن يضم إلى العشرات نحو أحد عشر وأحد وعشرون. والثاني: أن يستعمل مضافًا أو مضافًا إليه بمعنى الأول، كما في قوله تعالى: {أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} [يوسف: 41] وقولهم: يوم الأحد، أي يوم الأول. والثالث: أن يستعمل مطلقًا وصفًا، وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى. وهو وإن كان أصله (وحدًا) إلا أن (وحدًا) يستعمل في غيره سبحانه" (3). وجاء في (لسان العرب): "أحد: في أسماء الله تعالى (الأحد) وهو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر ... وقولهم: (ما في الدار أحد) فهو اسم لمن يصلح أن يخاطب، يستوي فيه الواحد والجمع، والمؤنث والمذكر" (4). وجاء فيه أيضًا: "وأما اسم الله عز وجل (أحد) فإنه لا يوصف شيء بالأحدية غيره، لا يقال: رجل أحد ولا درهم أحد، كما يقال: رجل وحدً أي فرد: لأن (أحدًا) صفة من صفات الله عز وجل التي استخلصها لنفسه ولا يشركه فيها شيء" (5). وقد تقول: ولم لم يستعمل (واحدًا) ههنا؟ الجواب أن ذلك لعدة أمور منها: 1- أن كلمة (أحد) خاصة بمن يعقل ومن يصح خطابه على العموم ولا تستعمل لغير العاقل، أما كلمة (واحد) فتستعمل للعاقل وغيره، فتقول: (كتاب واحد وقلم واحد)، فإذا سألك سائل (هل رأيت أحدًا في الدار؟) فإن لم يكن فيها إنسان قلت: لا. وإن كان فيها إنسان قلت: نعم، ولا يصح أن تقول: (نعم) إن لم يكن فيها إلا دابة كالثور والبعير وعموم ما لا يعقل. جاء في (ملاك التأويل): "وأما الفرق من جهة المعنى فأن واحدًا يقع على كل مفرد بما هو مفرد كان مما ينصف بالعقل والعلم أو لا يتصف، تقول: رجل واحد وحجر واحد وجمل واحد. وهذا خلاف حكم (أحد) فإنه لا يقع إلا لأولي العلم والعقل من الملائكة والإنس والجن" (6). فاستعمل هنا (أحدًا) ولم يستعمل (واحدًا) للدلالة على أنه (حي عالم واحد) فجمعت كلمة (أحد) هذه المعاني كلها. واستعمالها هنا أنسب من كلمة (واحد) ذلك أن بعدها {اللَّهُ الصَّمَدُ} أي المقصود في الحوائج. ولا بد أن يكون المقصود في الحوائج عالمًا بمن يقصده. ثم قال بعده: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وهذه من خواص الأحياء، فكلمة (أحد) أنسب ههنا من كل وجه. وقد تقول: ولكن القرآن استعمل كلمة (واحد) لله تعالى.فنقول: نعم إنه استعملها لما يقابل الاثنين والثلاثة وعموم التعدد فقلب: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: 73]، فكان استعمال كل لفظة في مكانها أنسب. 2- إن الواحد يدخل في الأحد، والأحد لا يدخل في الواحد، ذلك أن كلمة (أحد) يدخل فيها معنى الواحد، فعندما تقول: (الله أحد) دل على أنه واحد، ودل على أمور أخرى مع الوحدانية كالحياة والعلم، وأما الأحد فلا يدخل في الواحد؛ لأن كلمة (أحد) تدل على كلمة واحد وعلى صفات أخرى معها، فكان استعمال (أحد) أنسب ههنا. 3- "إنك إذا قلت: (فلان لا يقاومه واحد) جاز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان. بخلاف الأحد، فإنك لو قلت: (فلان لا يقاومه أحد) لا يجوز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان" (7). 4- إن (أحد) صفة مشبهة على وزن (فَعَل) مثل بَطَل وحَسَن، أما (واحد) فعلى زنة اسم الفاعل من (وَحَد).والصفة المشبهة أثبت من اسم الفاعل، فأحد أثبت من (واحد) وأدوم، فالواحد قد تزول وحدانيته إذا كان له نظير، فتقول: كنت واحدًا فصرنا اثنين، وكان واحدًا فصاروا جمعًا، وقد يبقى على وحدانيته إذا لم يكن له نظير.أما (أحد) فهي تدل على الثبات والدوام، ووحدانيته لا تتغير ولا تزول، فجاء بالصيغة الدالة على دوام الأحدية وعدم تغيرها، وهذا مناسب لقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}.وقد جمع ربنا سبحانه لنفسه الوحدانية المطلقة على كل حال، فسمى نفسه واحدً وأحدُا، كما سماها عالمًا وعلميًا، وغافرًا وغفورًا. فحالته على كل حال هي الوحدانية، وهي لا تزول على أي حال من الأحوال.قال تعالى: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]، وقال: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]، وغير أنه يختار الواحد في مقام والأحد في مقام آخر، وكل هو مناسب لموضعه. 5- إن كلمة (أحد) الواقعة في الإثبات خاصة بالله تعالى، وهي تفيد الوحدانية في الذات والصفات، فهو متفرد في ذاته ومتفرد في صفاته لا يشركه فيها غيره، أما الواحد فهي خاصة بالذات، جاء في (البحر المحيط): "وأحد بمعنى واحد، أي فرد من جميع الجهات الوحدانية، أي في ذاته وصفاته لا يتجزأ، وهمزة أحد بدل من واو" (8).وجاء في (تفسير البيضاوي): "أحد: يدل على مجامع صفات الجلال، كما دل (الله) على جميع صفات الكمال" (9).فهي تدل على الوحدانية في الذات والتنزيه في الصفات، فصفاته صفات كمال لا يشركه فيها أحد، فأثبت له كلمة (أحد) الوحدانية في الذات والصفات، ونفت عنه الشرك في الذات والصفات، وهي هنا أنسب من كلمة (واحد) لأن المقام مقام توحيد وتنزيه لله.فاتضح أن كلمة (أحد) لها دلالتان: أنه واحد وهي تفيد التوحيد، وأنه لا نظير له في صفاته، وهي تفيد التنزيه. 6- أن كلمة (أحد) أقدم كلمة (واحد) في الاستعمال وأسبق وجودًا منها في اللغات السامية كما تدل الأبحاث الحديثة، وقد كانت تستعمل بمعنى الواحد، وقد استعملت بمعنى الأول أيضًا في بعض اللغات. جاء في (التطور النحوي) "فأحد سامية الأصل وواحد مشتقة منها" (10). ويقال للواحد المذكر في العربيات الجنوبية (أحد)، وللمؤنث (أحدت) (11)، وفي اللحيانية (أحد) للواحد والمذكر، و(إحدى) للواحدة (12). وفي لغة النبط (حد) بمعنى "أحد، وبمعنى الأول والواحد" (13).فلفظة (أحد) أقدم من لفظة (واحد)، فاستعملها للدلالة على أن الله قديم لم يلد ولم يولد وليس قبله شيء، فناسب بين قدم اللفظة والمقام.وقد فسر الضمير (هو) باسمه العلم مخبرًا عنه بالأحدية فقال: {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ولم يستعمل اسمًا آخر مما يحتمل المشاركة في الصفة فأراد أن يصفح عن ذاته العلية باسمه الذي لا يشركه فيه أحد غيره. فلم يقل: (هو الرحمن أحد) أو هو الرزاق أو الحي او العالم أو ما إلى ذلك، ولو قال ذلك لم ينص ذلك على أن المقصود به الله، فجاء بما يزيل كل وهم ولبس وخاطره شرك. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 75 إلى ص 81. (1) انظر الكشاف 3/367. (2) روح المعاني 30/269. (3) روح المعاني 30/272. (4) لسان العرب 4/36. (5) لسان العرب 4/464. (6) ملاك التأويل 2/961. (7) التفسير الكبير 32/178، وانظر تفسير فتح القدير 5/502. (8) البحر المحيط 8/528. (9) أنوار التنزيل 814. (10) التطور النحوي 79. (11) تاريخ العرب قبل الإسلام 7/115. (12) تاريخ العرب قبل الإسلام 7/169. (13) تاريخ العرب قبل الإسلام 7/365. الوقفة كاملة
٣٦٤٦ {اللَّهُ الصَّمَدُ (2)} الصمد: فعل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، مثل سلب بمعنى مسلوب، وجلب بمعنى مجلوب، وهَمَل بمعنى مهمل، وهو السيد المصمود إليه الحوائج، أي المقصود (1). جاء في (تفسير الــرازي): "الصمد: السيد المصمود إليه في الحوائج ... والقول الثاني: أن الصمد هو الذي لا جوف له ... الباقي بعد فناء خلقه ... هو الذي لا عيب فيه ... لا تعتريه الآفات ... هو الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يلد إلا سيورث، ولا شيء يولد إلا وسيموت" (2). وجاء في (البحر المحيط): "الصمد: فَعَل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج ويستقل بها" (3). وجاء في (لسان العرب): "صمده يصمده صمدًا، وصمد إليه، كلاهما قصده ... والصمد بالتحريك: السيد المطاع الذي لا يقضى دونه أمر، وقيل: الذي يصمد إليه في الحوائج، أي يقصد ... وقيل هو المصمت الذي لا جوف له، وهذا لا يجوز على الله عز وجل ... وقيل: الصمد: السيد الذي ينتهي إليه السؤدد، وقيل: الصمد: السيد الذي انتهى سؤدده ... وقيل الصمد: الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل: هو الذي يصمد إليه الأمر فلا يقضي دونه، وهو من الرجال الذي ليس فوقه أحد" (4). وهو (الصمد) بكل هذه المعاني، فهو المصمود إليه المقصود في الحوائج، وذلك يدل على أنه الغني وأنه ليس فوقه أحد. وهو المصمت الذي لا جوف له، وهذا يدل على أنه لا يأكل ولا يشرب وعلى أنه لم يلد ولم يولد، ويدل على أنه ليس فيه جهة ضعف، فإنه ذو القوة المتين. والأجوف ضعيف "وفي حديث خلق آدم عليه السلام: فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك. الأجوف الذي له جوف ولا يتمالك أي لا يتماسك ... ورجل مَجُوف ومجوَّف: جبان لا قلب له كأنه خالي الجوف من الفؤاد" (5). ويدل على أنه لا عيب فيه ولا تعتريه الآفات، وهو الدائم الباقي بعد فناء خلقه. فهو بالمعنى الأول – أي المقصود في الحوائج – مرتبط بقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} فإنه لو كان له نظير لم يكن هو المقصود دون غيره. ومرتبط بالمعوذتين بعد هذه السورة، فإن الذي يخاف شيئًا ويحذره مما لا يملك دفعه فليلتجئ إلى الله ويصمد إليه فإنه هو الذي يكفيه. وهو بالمعنى الثاني مرتبط بقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن قوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} بمعانيه المختلفة يفيد إثبات صفات الكمال والتنزيه لله تعالى ونفي صفات النقص والتعطيل. فإن هذا الوصف يدل على أنه حي عالم قادر غني، لأنه لا يقصد إلا الحي العالم بما يطلب منه، والغني القادر على إعطاء ما يطلبه خلقه منه وأنه رحمن رحيم يجيب الدعاء، ولذلك كان مقصودًا في الحوائج، وأنه لو لم يكن رحمن رحيمًا لم يستجب لأحد. فهذه الآية تلخيص للسورة في صفات الإثبات والنفي. وقد تقول: ولِمَ لم يقل: لله المقصود أو المتجه إليه ونحو ذلك؟ والجواب: أن (الصمد) له أكثر من معنى من معاني الكمال، وهو الصمد بكل هذه المعاني، فلو قال: (المقصود) أو الملتجأ إليه ونحو ذلك لم يؤو هذه المعاني، فالمقصود أو الملجأ هو معنى من معاني الصمد. ثم نلاحظ أنه لم يقيد الصمدية بشيء، فهو لم يقل المصمود إليه بكذا أو بكذا، ولا من جهة دون أخرى بل هو الصمد المقصود على الإطلاق من جميع العباد، وفي كل شيء يطلبه العبد غير مقيد بشيء دون شيء. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لو قيد صمديته لتقيدت بمعنى دون آخر، فأطلقها لإطلاق المعنى والله أعلم. وقد تقول: ولِمَ لم يقل: (المصمود إليه)؟ فنقول إن كلمة (الصمد) على صيغة (فَعَل) وهي أثبت وأدوم من مفعول. ثم إن المصمود إليه قد يكون لما صمد إليه مرة واحدة، بينما (الصمد) صفة مطلقة. ثم إن كلمة (الصمد) تكون صفة واسمًا، وهو الصمد بكل معاني هذه الكلمة، فلو قال: (المصمود إليه) لتحدد المعنى بشيء واحد. وقد تقول: ولم جاء بكلمة (أحد) نكرة و (الصمد) معرفة؟ والجواب: أن أحديته مجهولة لأكثر الناس، وبخاصة العرب، فإنهم لا يقرون بالوحدانية بل يجعلون لله شركاء، بخلاف صمديته فإنها معلومة لهم ويقرون بها، قال تعالى: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53]، وقال: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الإسراء: 67]، وقال: {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 88 - 89]. فجاء بما لا يعملونه، بل وينكرونه، وهو الأحدية بالنكرة، بخلاف ما عرفوه وعلموه. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه جاء بالصمد معرفة على سبيل الحصر، فإنه لا مقصود غيره على الحقيقة، فلو قال (الله صمد) لكان المعنى أن الله مقصود، ولم يقصر القصد عليه بل ربما كان هناك مقصودون آخرون، فلما قال: {اللَّهُ الصَّمَدُ} تعين أنه لا مقصود على الحقيقة سواه. جاء في (تفسير الرازي) عن تنكير (أحد) وتعريف (الصمد): "وأما الصمد فهو الذي يكون مصموداً إليه في الحوائج، وهذا كان معلومًا للعرب، بل لأكثر الخلق على ما قال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] وإذا كانت الأحدية مجهولة مستنكرة عند أكثر الغلق، وكانت الصمدية معلومة الثبوت عند جمهور الخلق، لا جرم جاء لفظ (أحد) على سبيل التنكير، ولفظ (الصمد) على سبيل التعريف" (6). وجاء في تفسير (الكشاف): "الصمد: فَعَل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج. والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه، وهو الغني عنهم" (7). وجاء في (روح المعاني): "إن التعريف لإفادة الحصر، كقولك: (زيد الرجل)، ولا حاجة إليه في الجملة السابقة" (8). وقد بدأ بإثبات الأحدية أولًا ثم الصمدية بعدها؛ لأن التوحيد رأس المسائل الاعتقادية في الإسلام وعليه مدار هذا الدين، والذي يريد أن يدخل فيه عليه أن يشهد أن لا إله إلا الله أولًا. وقد أخبرنا ربنا أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، والتوحيد مقدمة لما بعده، فمن آمن بالله وحده وكفر بما عداه آمن بأنه الصمد وأنه هو الملجأ وأنه المستعان، ولا شك أن المقصود من الجميع لا يكون إلا واحدًا، فبدأ بما هو أولى وما تقتضيه طبيعة الاعتقاد والترتيب المنطقي. ولم يجمع بين الوصفين في آية واحدة، فلم يقل: (قل هو الله أحد الصمد) وذلك لأهمية كل منهما في الاعتقاد، فجعل كلًا منهما مسألة مستقلة، وليفرق بين ما هو معلوم ومجهول كما سبق تقريره. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 81 إلى ص 86. (1) انظر الكشاف 3/367، والبحر المحيط 8/527. (2) التفسير الكبير 32/181 – 182. (3) البحر المحيط 8/528. (4) لسان العرب 4/246. (5) لسان العرب (جوف) 10/378 – 379. (6) التفسير الكبير 32/182 – 183، وانظر أنوار التنزيل 814. (7) الكشاف 3/367. (8) روح المعاني 30/274. الوقفة كاملة
٣٦٤٧ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)} قال: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)} ولم يقل: (الذي لم يلد ولم يولد) ذلك أنه أراد أن يخبرهم بذلك ويعلمهم بما جهلوه، ولو قال: (الذي لم يلد ولم يولد) لكان المعنى أنهم يعلمون ذاك والحقيقة أنهم لا يعلمون ذاك، فكانوا يقولون: إن الله قد ولد، وأن الملائكة بناته سبحانه، قال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57]، وقال: {أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الصافات: 152- 151]. وكذلك يقول اليهود والنصارى، فإن اليهود يقولون: إن عزيرًا ابن الله، والنصارى يقولون: إن المسيح ابن الله، وما إلى ذلك من الملل الأخرى. فكان ما قاله أنسب. وقدم (لم يلد) على (لم يولد)، مع أن الذي يتبادر إلى الذهن أن الأولى تقديم (لم يولد) على (لم يلد). والحق أن تقديم ما قدم إنما كان لسبب، ذلك أنه رد على ما كان يعتقده مشركو العرب وأصحاب الملل الأخرى من أهل الكتاب وغيرهم من أن الله ولد أبناء أو بنات، ولم يكونوا يقولون: إن الله أبًا، فقدم ما كان أهم. وقد تقول: ولم قال: {لَمْ يَلِدْ}بالماضي؟ والجواب: أن هذا رَدٌ على من قال: ولد الله، وهو ماض. ومن المعلوم أن أصحاب الملل والديانات الضالة قالوا: إن الله ولد ولدًا، وسموا له هؤلاء الأولاد، ولم يقولوا: سيلد، فرد عليهم ذلك. وإذا كان لم يلد في الماضي فهو لا يلد في المستقبل؛ وذلك لأنه صمد لا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء لأنه مصمت، ولأنه ليس له كفء فلا تكون له صاحبة؛ لأنها ليست كفؤا له، قال تعالى: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101]. كما تنفي الصمدية الولد تنفي اتخاذ الولد أيضًا، أي أن يتخذ من مخلوقاته ولدًا؛ لأنه ليست به حاجة إلى ذلك، وإنما كل الخلق محتاجون إليه، فاسمه (الصمد) ينفي الولد وينفي اتخاذ الولد. {وَلَمْ يُولَدْ} أي لم يخرج من شيء، ولأنه لو كان ذلك لكان معدومَا قبل أن يولد، والإله لا يكون معدومًا. ولأنه لو كان مولودًا لكان محتاجًا إلى والده فلم يكن صمدًا، فقوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} ينفي أن يكون والدًا وأن يكون مولودًا. ولو كان مولودًا لم يكن متفردًا بالوحدانية، ولكان معه شريك وهو أبوه. فقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ينفي أن يكون والدًا وأن يكون مولودًا، فإنه لو كان والدًا يكن متفردًا بالوحدانية، وكذلك لو كان مولودًا. فقوله: {اللَّهُ أَحَدٌ} ينفي أن يكون والدًا وأن يكون مولودًا، وقوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} ينفي ذلك أيضًا. جاء في (الكشاف): وقوله: {وَلَمْ يُولَدْ} وصف بالقدم والأولية. وقوله: {لَمْ يَلِدْ}: نفي للشبه والمجانسة" (1). وجاء في (تفسير البيضاوي): "لم يلد: لأنه لم يجانس ولم يفتقر إلى ما يعينه أو يخلف عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه. ولعل الاقتصار على لفظ الماضي لوروده ردًا على من قال: الملائكة بنات الله، أو المسيح ابن الله، أو ليطابق قوله: {وَلَمْ يُولَدْ} وذلك لأنه لا يفتقر إلى شيء ولا يسبقه عدم" (2). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي في قوله: "{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} فيه سؤالات: السؤال الأول: لم قدم قوله: {لَمْ يَلِدْ} على قوله: {وَلَمْ يُولَدْ} مع أن في الشاهد يكون مولودًا ثم يكون والدًا؟ الجواب: إنما وقعت البداءة بأنه لم يلد؛ لأنهم ادعوا أن له ولدًا، وذلك لأن مشركي العرب قالوا: (الملائكة بنات الله)، وقالت اليهود: عزيز ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، ولم يدع أحد أن له والدًا. فلهذا السبب بدأ بالأهم فقال: {لَمْ يَلِدْ} ثم أشار إلى الحجة فقال: {وَلَمْ يُولَدْ} كأنه قيل: الدليل على امتناع الولدية اتفاقنا على أنه ما كان ولدًا لغيره. السؤال الثاني: لماذا اقتصر على ذكر الماضي فقال: {لَمْ يَلِدْ} ولم يقل: (لن يلد)؟ الجواب: إنما اقتصر على ذلك لأنه ورد جوابًا عن قولهم: ولد الله. والدليل عليه قوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ} فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم وهم إنما قالوا ذلك في الماضي لا جرم وردت الآية على وفق لهم. السؤال الثالث: لم قال ههنا: {لَمْ يَلِدْ} وقال في سورة بني إسرائيل: {لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدً}؟ الجواب: إن الولد يكون على وجهين:أحدهما: أن يتولد منه مثله وهذا هو الولد الحقيقي. والثاني: أن لا يكون متولدًا منه، ولكنه يتخذه ولدًا ويسميه هذا الاسم وإن لم يكن ولدًا له في الحقيقة. والنصارى فريقان: منهم من قال: عيسى ولد الله حقيقة، ومنهم من قال: إن الله اتخذه ولدًا تشريفا له، كما اتخذ إبراهيم خليلًا تشريفًا له. فقوله: {لَمْ يَلِدْ} فيه إشارة إلى نفي الوالد في الحقيقة، وقوله: {لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدً} إشارة إلى نفي القسم الثاني، ولهذا قال: {لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} لأن الإنسان قد يتخذ ولدًا ليكون ناصرًا ومعينًا له على الأمر المطلوب، ولذلك قال في سورة أخرى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ} [يونس: 68] وإشارة إلى ما ذكرنا أن اتخاذ الولد إنما يكون عند الحاجة ... وإذا كان كذلك فالأحدية والصمدية يوجبان نفي الولدية والمولودية" (3). الوقفة كاملة
٣٦٤٨ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} الكفو: النظير والمثل، فنفى أيكون له نظير ولا مثل. وكان الأصل أن يقول: ولم يكن أحد كفوًا له، ولكنه قدم الجار والمجرور لأهميته؛ لأن المطلوب نفي النظير عنه بالذات؛ لأن الكلام إنما هو عليه، فقدم ما عليه مدار الكلام وهو الله، والضمير إنما يعود عليه. ثم قدم الكفو لأن المراد نفيه وأخر (أحد) فكان ترتيب الكلام على ما يقتضيه المعنى. ولو قال: (لم يكن أحد كفوًا له) لكانت الأهمية تنصب على (أحد). ولما كان الكلام على (الله) ونفي النظير عنه قدم ضميره، وكما قدم الضمير في بداية السورة على العلم فقال: {هُوَ اللَّهُ} قدم الضمير على الكفو. ثم إن هذا من باب تقديم المعمول على عامله، فإن الجار والمجرور (له) متعلق بـ (كفوًا). وتقديم المعمول على عامله يفيد القصر في الغالب ويفيد الاهتمام. وههنا يفيدهما معًا، ذلك أنه نفى الكفاءة له حصرًا، وأما غيره فيتكافؤون، وهذا المعنى لا يفيده التأخير. هذا علاوة على الاهتمام، فإن الكلام على الله سبحانه وصفاته، فكان أولى بالتقديم من كل ناحية. وقد تقول: ولكنه لو قال (لم يكن أحد له كفوًا) لكان أيضًا من باب تقديم الجار و المجرور على متعلقه، ولأفاد القصر. أقول: لو فعل ذلك لم يكن نصًا في معنى القصر، ذلك أن المعنى يحتمل أن (له) متعلق بمحذوف صفة لأحد، فيكون المعنى (لم يكن أحد له) (كفوًا)، كما تقول: ليس في الدار أحد من أهلها، فقد نفيت أن يكون فيها أحد من أهلها، وقد يكون فيها من غير أهلها، فنفيت أن يكون أحد له، أي تابع له، كفوًا، وأما من لم يكن له فقد يكون كفوًا. وذلك كما تقول: (ليس أحد في المدينة أفضل منه) فقد نفيت الأفضلية عمن هو من أهل المدينة دون غيرها، ويحتمل الكلام أيضًا معنى التعلق بـ (كفوًا) فيفيد الحصر، لكن من جهة أخرى لا يفيد أنه المهم وأنه مدار الكلام، فكان ما قاله هو الأولى. جاء في (تفسير الكشاف): "فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم ... فما باله مقدمًا في أفصح الكلام وأعربه؟ قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأحراه" (4). إن الاحتمالات التعبيرية في نحو هذا الكلام على النحو الآتي: لم يكن أحد كفوًا له. لم يكن أحد له كفوًا. لم يكن كفوًا أحد له. لم يكن كفوًا له أحد. لم يكن له أحد كفوًا. لم يكن له كفوًا أحد. فقولنا: (لم يكن كفوًا له) نفى الكفاءة له، ولم يذكر الكفاءة بالنسبة إلى غيره، فقد يتكافؤون أو لا يتكافؤون، كما نقول: (لم يكن أحد راغبًا عنك). أما الأهمية فقد ذكرناها آنفًا. وقولنا: (لم يكن أحد له كفوًا) يحتمل أن الجار والمجرور (له) صفة لأحد، ويحتمل تعلقه بـ (كفوًا)، فإن علقته بمحذوف صفة لأحد كان المعنى أن من كان له فليس كفوًا، بخلاف من كان لغيره. ويحتمل التعلق بـ (كفوًا) فيفيد القصر. ولا يفيد هذا التعبير أن الأهمية الأولى هي لنفي الكفاءة عن الله كما سبق أن ذكرنا. أما التقدير الأول فهو لا يصح أن يراد، أي أن يكون (له) صفة لأحد. وقولنا: (لم يكن كفوًا أحد له) يحتمل أن الجار و المجرور متعلقان بـ (كفوًا) وهو تعبير ضعيف، بل مردود عند أكثر النحاة؛ لأنه فصل بين العامل والمعمول بأجنبي، والعامل (كفوًا)، والمعمول (له)، والأجنبي (أحد) لأنه اسم كان. ويحتمل أن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لأحد، فيكون المعنى نفي الكفاءة عمن كان له دون غيره كما سبق أن ذكرنا، وهو مردود. وهذا التعبير في كل أحواله ضعيف لا يؤدي المعنى المراد. وقولنا: (لم يكن كفوًا له أحد) يفيد نفي الكفاءة له من غير قصر، ويؤكد أن كلهم غير أكفاء له، كما تقول: (لم يكن راغبًا عنك أحد) فهذا يفيد نفي الرغبة عنه على وجه الاهتمام لتقدم الخبر، ولا يتضمن معنى بالنسبة إلى الآخرين، فقد يكونون أكفاء فيما بينهم أو غير أكفاء. ويحتمل معنى آخر وهو أن الجار والمجرور كانا صفة لأحد، أي أن أصل الكلام (لم يكن كفوًا أحد له) فقدم الجار والمجرور على موصوفه فأصبح حالًا، فيكون قريبًا من معنى الوصف الذي ذكرناه، وهذا المعنى لا يصح ولا يجوز. وقولنا: (لم يكن له أحد كفوًا) يحتمل معنيين: أولهما: أن يكون الجار والمجرور كان صفة لأحد في الأصل، ثم قدم فأصبح حالًا على ما بينا في العبارة السابقة. وهذا المعنى لا يصح. ويحتمل أنه متعلق بكفواً وقد فصل بينهما بــ (أحد) وقد وقعت الكفاءة في آخر الكلام، فهي على هذا ليست مهمة، في حين أن السياق في نفي الكفاءة له، فهي المقصود بالنفي، ولذا يكون الأولى العدول عن هذا التعبير. وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} يفيد نفي الكفاءة له على سبيل الصقر وإثبات الكفاءة لغيره فيما بينهم، فيكون المعنى: ليس لله كفء على جهة القصر ولكن من عداه أكفاء. وهو كما تقول: (لم يكن عنك راغبًا أحد) فقد نفيت الرغبة عنه على سبيل القصر وأثبت الرغبة عن غيره، وكما تقول: (ما نام زيد في الدار) فقد نفيت النوم في الدار ولم تثبت النوم في غيره، فقد يكون نام في غيره أو لا، وإذا قلت: (ما في الدار نام زيد) فقد نفيت النوم في الدار وأثبت النوم في غيره. وفي الآية يكون المعنى أن الكفاءة لله منفية وهي مثبتة لغيره، فتكون كسبت معنيين: نفي الكفاءة له وإثباتها لغيره، فيكون هو الإله حصرًا، أم غيره فلا يكون إلهًا. وهذا التعبير سالم مما يؤخذ على غيره من احتمالات الوصيفة والحالية، فهو أولى تعبير وأحسنه في هذا المقام، والله أعلم. وقد تقول: ولم نفى ذلك بصيغة الماضي فقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} والجواب: أنه إذا لم يكن له كفوٌ في الماضي فليس له كفوٌ في المستقبل قطعًا، لأن هذا الكفء إما أن يكون كان موجودًا في الماضي أو لا. فإن كان موجودًا في الماضي وليس كفوًا فلا يكون في المستقبل كفوًا؛ لأن ذلك لا يكون إلا لسبب، وهذا السبب لا يكون إلا إذا كان أقوى من الإله بحيث يضعفه ويقوي ذاك، والسبب لا يوجد إلا إذا أوجده الإله، وهذا لا يكون. وإما أن لا يكون موجودًا وإنما سيوجد في المستقبل، وهذا لا يكون كفوًا أصلًا؛ لأنه كان معدومًا فأوجده سبب، والأسباب وضعها الإله. إن هذه الآية تلخيص للسورة وتثبيت لمعانيها، ذلك أن قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } يفيد تفرده بالوحدانية في ذاته وصفاته لا يشاركه فيها أحد، وهذا يعني أنه لا نظير له وأنه ليس له كفؤًا أحد. وقوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} أفاد أنه المقصود من جميع الخلق دون غيره لا يشاركه في هذه الصمدية أحد، وهذا يدل على أنه لا نظير له، وأنه لو كان له نظير لكان مصموداً إليه معه، فدل ذلك على أنه ليس له كفوًا أحد بمعنى الصمدية كلها. وقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} باين جميع المخلوقات، إذ دل على أنه القديم لا أول له ولا آخر، فدل على أنه ليس له كفوًا أحد. ثم انظر إلى ما في السورة من لطائف. 1- أنه قال في القراءة المتواترة (كفوًا) وهو إبدال عن (كفء)، وذلك إن هذه الصورة التعبيرية لا نظير لها في العربية كما هو معلوم، إذ لا يكون في الأسماء المعربة في العربية اسم في آخره واو لازمة فبلها ضمة.وإذا حصل ذلك قلبت الواو ياء قبلها كسرة كالتسامي والتداعي، ولكن جاز هذا في الأمر العارضة لإبدال كما في هذا، فجاءت على خلاف الأسماء المعربة في العربية ومما لا نظير له في الأسماء المعربة، فجاء بكلمة لا نظير لها في العربية لمن ليس له نظير فكان تناسب بين المفردة والمعنى، ولو جاء بأي كلمة أخرى لم تؤد هذا الأمر. 2- جاء بكلمة (أحد) في الإثبات وهو قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } لما ليس له نظير في صفات الإثبات، وهو وصف خاص بالله تعالى كما أسلفنا. وجاء بها أيضًا في صفات النفي فقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وهي من الألفاظ الدالة على العموم، فنفى عنه النظير على وجه العموم، فجاء في صفات الأثبات بـ (أحد) الخاصة بالله، وجاء بنفي الكفاءة والمماثلة بـ (أحد) الدالة على العموم، فجاء بها نفيًا وإثباتًا. 3- جمع بين الاسم وضميره فقال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وهو مما يدل على التعظيم والتفخيم في كل أحوالها الإعرابية والتفسير. 4- ارتباط الآيات ببعضها: قوله: {اللَّهُ أَحَدٌ} يعني أنه لم يلد ولم يولد؛ لأنه لو كان يلد أو يولد لم يكن منفردًا بالوحدانية. وكذلك يعني أنه لم يكن له كفوًا أحد؛ لأنه لو كان له كفو لم يكن منفردًا بالوحدانية. وقوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} يفيد أنه لم يلد ولم يولد من ناحيتين: أ- من ناحية أنه مصمت صلد لا جوف له، لا يخرج منه شيء ولا يدخل فيه شيء. ب- من ناحية أنه المقصود فليست به حاجة إلى ولد ولا اتخاذ ولد، ولو كان مولودًا لم يكن الصمد؛ لأنه كان هناك مقصود فبله. وقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} يفيد أنه متفرد بالوحدانية ليس معه أحد، فلو كان والدًا مولودًا لم يكن واحدًا، بل كان له شريك، وهذا معنى {اللَّهُ أَحَدٌ}. ويفيد أنه الصمد بمعنى الصمدية كلها. ويعني أنه (لم يكن له كفوًا أحد) أي ليس له نظير بخلاف العباد. ولأنه ليس له نظير أو مكافئ لم تكن له صاحبة؛ لأنه لو كانت له صاحبة لكانت مكافئة له. وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} معناه {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، وأنه الصمد، فليس له نظير أو مكافئ؛ لأنه هو المقصود وكل الخلق محتاجون إليه. ومعناه أنه {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وهذا يعني نفي النظير. إن هذه السورة فيها إثبات صفات الكمال ونفي صفات النقص، فصفات الكمال هي الوحدانية، وأنه القائم بحاجات خلقه، فهو إلههم وربهم. ونفي صفات النقص من كونه والدًا أو مولودًا، ونفي أن له نظيرًا، والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 86 إلى ص 96. (1) الكشاف 3/367. (2) أنوار التنزيل 814. (3) التفسير الكبير 32/183 – 184. (4) الكشاف 3/367. الوقفة كاملة
٣٦٤٩ ذكر أن سبب نزول هذه السورة أنه لما مات القاسم بن رسول الله، ثم مات عبد الله، قال أعداؤه: قد انقطع نسله فهو أبتر، ذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا مات الذكور من أولاد الرجل قالوا: قد بير فلان، فأنزل الله {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} (1). ولا يعنينا القائل من هو، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم. ومن لطائف هذه السورة أنها كالمقابلة للسورة المتقدمة، أعني سورة (الماعون) "وذلك لأن السورة المتقدمة وصف الله تعالى المنافق بأربعة أمور:(أولها) البخل، وهو المراد من قوله: {يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (الثاني) ترك الصلاة، وهو المراد من قوله: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . (الثالث) المراءاة في الصلاة، وهو المراد من قوله: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} (والرابع) المنع من الزكاة، وهو المراد من قوله: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعًا: فذكر في مقابلة البخل قوله {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} أي إنا أعطيناك الكثير، فأعط أنت الكثير ولا تبخل. وذكر في مقابلة {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} قوله: (فصل) أي دم على الصلاة. وذكر في مقابلة {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} قوله: (لربك)، أي ائت بالصلاة لرضا ربك لا لمراءاة الناس. وذكر في مقابلة {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} قوله: (وانحر) وأراد به التصدق بلحم الأضاحي، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة" (2). وفي مقابل التكذيب بالدين الوارد في السورة المتقدمة وهو قوله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} ذكر قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ذلك أن من أشهر معاني الكوثر أو أشهر معنى له أنه نهر في الجنة كما ورد في الحديث الصحيح، وهذا يقتضي الإيمان بيوم الدين. جاء في (روح المعاني): "ولم يذكروا مقابل التكذيب بالدين، وقال الشهاب الخفاجي: إن الكوثر بمعنى الخير الكثير الشامل للأخروي، يقابل ذلك لما فيه من إثباته ضمنًا، وكذا إذا كان بمعنى النهر والحوض، والأمر على تفسيره بالإسلام وتفسير الدين به أيضًا في غاية الظهور" (3). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 97 إلى ص 99. (1) انظر فتح القدير 5/489 – 491، روح المعاني 30/248. (2) التفسير الكبير 32/117، وانظر البحر المحيط 8/519، الإتقان 2/112. (3) روح المعاني 30/246. {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) } إن هذه الآية كأنها إنجاز ما وعد الله به رسوله في سورة الضحى، وهو قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}، فقد وعده في سورة الضحى أن يعيطه ربه في المستقبل، فكأنه أنجز في هذه السورة ما وعده به، قال هناك: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5]، وقال هنا: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} والتوكيد بـ(إن) في مقابل التوكيد باللام في قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ}. لقد أسند الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه فقال: (أعطيناك) وجعله مسندًا إلى الضمير المتقدم المؤكد بإن (إنا). وبناء الفعل على الاسم المتقدم كثيرًا ما يفيد الاختصاص. وقد يفيد الاهتمام دون الاختصاص وذلك كقوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193] فهو لم يقصر السماع عليهم، كقولك: (إن محمدًا نجح) فهو لا يفيد اختصاص النجاح به. والاختصاص نحو قوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [النجم: 45] وهذا يفيد الأمرين معًا، فهو يفيد الاختصاص والاهتمام معًا، وقد أكد ذلك بإن فقال: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ} ولم يقل: نحن أعطيناك. إن إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المفيد للتعظيم وتوكيده يفيد أنه لا يستطيع أحد أن ينزع هذا العطاء منه و هو الله الذي اختصه بهذا العطاء الكثير ؟! ثم إن العطاء الكثير جدًا يقتضي التوكيد دون العطاء القليل، جاء في (روح المعاني): "وبنى الفعل على المبتدأ للتأكيد والتقوى، وجوز أن يكون للتخصيص ... وفي تأكيد الجملة بـ (إن) ما لا يخفى من الاعتناء بشأن الخبر" (1). {أَعْطَيْنَاكَ} قال: (أعطيناك)، ولم يقل: (آتيناك)، وهناك فرق بين الإعطاء والإيتاء. إن كلمتين (أعطى) و(آتى) متقاربتان لفظًا ومعنى، فإن أصل (آتى): (أأتى) بهمزتين، ثم أبدلت الهمزة الساكنة ألفًا لسبب صرفي معلوم. فالهمزة الساكنة تقابل العين، والتاء تقابل الطاء، فالفرق بين (أأتى) و(أعطى) من الناحية الصوتية ليس كبيرًا، فإن الهمزة تقابل العين، وكلاهما من حروف الحلق، غير أن الهمزة أقوى من العين (2) كما يقول النحاة. والتاء والطاء وأختهما الدال من مخرج واحد وهو طرف اللسان وأصول الثنايا (3). غير أن التاء حرف مهموس والطاء حرف مجهور، والطاء أعلى الثلاثة صوتًا (4). إن من صفات الحرف المهموس أنه يتهيأ لك أن تنطق به ويسع منك خفيًا وظاهرًا، أما الحرف المجهور فإنه لا بد أن تجهر به، ولا يتهيأ النطق به إلا كذلك (5). إن استعمال الفعلين في العربية موافق لبنائهما الصوتي. فأنه لما كانت الهمزة أقوى من العين استعمل الفعل (آتى) لما هو أقوى وأوسع، كإيتاء المال والملك والحكمة والآيات الدالة على صدق الأنبياء وغير ذلك، وذلك نحو قوله تعالى: {وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54]، وقوله: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الإسراء: 101]. ولما كانت التاء حرفًا مهموسًا وهو يسمع مجهورًا وخفيًا استعمل لما هو ظاهر ولما هو خفي، فمن الظاء إيتاء المال كقوله تعالى: {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} [البقرة: 177]، ومن الخفي إيتاء الحكمة والرشد والرحمة، قال تعالى: {آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} [الكهف: 65]. في حين أنه لما كانت الطاء حرفًا مجهورًا أعلى وأظهر من التاء استعمل الفعل لما هو ظاهر، ويكاد أن يكون مختصًا بالأموال. ويمكن أن نقول أيضًا: إن الفعل (أعطى) أظهر من النطق من (آتى)، فكان استعماله في الأمور الظاهرة أكثر و أظهر، فكان بناء الكلمة الصوتي موافقًا للمعنى الذي استعملت له إلى حد كبير. والآن بعد أن بينا الفرق بينهما من الناحية الصوتية وأثر ذلك في المعنى بصورة موجزة نبيين الفرق بينهما في الاستعمال. إن (الإيتاء) – كما بينا – أوسع استعمالًا من (الإعطاء)، فهو يستعمل في الأشياء المادية والمعنوية، ويستعمل غالبًا في الأمور العظيمة ولما لا يحسن فيه استعمال الإعطاء. أما الإعطاء فهو يستعمل غالبًا لما يفيد التمليك، قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} [الأنبياء: 51]، وقال: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} طه: 99]، وقال: {رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ} [الأحزاب: 68]، وقال: {فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} [الأعراف: 38] وأنت ترى أنه لا يقال في نحو ذلك: (أعطى) وما تصرف منه. ونحو ذلك قوله تعالى: {آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} [الكهف: 96]، وقوله: {آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96] فإنه لا يحسن أن يقال: (أعطوني زبر الحديد) فإن الإعطاء هنا يفيد التمليك دون (آتوني). ونحوه قوله تعالى: {وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59]، فإنه لا يحسن أن يقال: (أعطينا ثمود الناقة). ونحوه قوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] فإنه ليس بمعنى (ما أعطاكم). والإيتاء قد يكون للأمور المادية أيضًا كما ذكرنا، وذلك كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، وقوله: {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] وقوله: {وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ} [النور: 33]. ويكون الإيتاء غالبًا للأمور العظيمة، كقوله تعالى: {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 251]، وقوله: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه:99]، وقوله: {وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54]، وربما استعمل للقليل أيضًا كقوله تعالى: {فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} [النساء: 53]. أما الإعطاء فيكون للأمور المادية غالبًا، وهو ما غلب في الاستعمال القرآني، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} [الليل: 5 - 6]، وقال: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} [التوبة: 29]، وقال: {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: 58]، وقال: {وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} [النجم: 34] فاتضح أن الإيتاء يكون بمعنى الإعطاء، وقد يكون لما لا يحسن فيه الإعطاء. والفرق الآخر بين الإيتاء والإعطاء: أن الإعطاء يوجب التمليك دون الإيتاء (6)، فإنك إذا أعطيت أحدًا شيئًا فقد ملكته إياه دون الإيتاء، فإنه قد لا يكون تمليكًا وذلك كقوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7]، وقوله: {وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59]. وقد يشمل الإيتاء النزع دون العطاء، قال تعالى: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } [آل عمران: 26]. ولما كان العطاء تمليكًا فهو يجب الاختصاص، أي أن لصاحبه أن يتصرف فيه كما يشاء، فله أن يعطي منه ما يشاء أو يمسكه، ولذا لما دعا سليمان قائلًا: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35] قال له تعالى: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39]، ولم يقل: (هذا إيتاؤنا) فأطلق له التصرف فيه، في حين لا يصح فيما آتاه الله من الكتاب والعلم أن يمسكه وإنما عليه أت يعلمه ويبينه، وقد سمى الله ذلك إيتاء لا إعطاء، قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]، وقال: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه: 99] وقد حذر الله من كتم شيئًا من ذلك بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159]. جاء في (تفسير الرازي): "الإعطاء يستعمل في القليل والكثير، قال الله تعالى: {وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} [النجم: 34]، أما الإيتاء فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم، قال الله تعالى: {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 251] {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} [سبأ: 10]" (7). وجاء فيه أيضًا: "فإن قيل: أليس قال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي}؟ قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أن الإعطاء يوجب التمليك، والملك سبب الاختصاص، والدليل عليه أنه لما قال سليمان: {وَهَبْ لِي مُلْكًا} فقال: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ} ... أما الإيتاء فإنه لا يفيد الملك، فلهذا قال في القرآن: {أَتَيْنَاكَ} فإنه لا يجوز للنبي أن يكتم شيئًا منه. الثاني: أن الشركة في القرآن شركة علوم ولا عيب فيها، أما الشركة في النهر فهي شركة في الأعيان وهي عيب" (8). وجاء في (روح المعاني): "وفي إسناد الإعطاء إليه دون الإيتاء إشارة إلى أن ذلك إيتاء على جهة التمليك، فإن الإعطاء دونه كثيرًا ما يستعمل في ذلك، ومنه قوله تعالى لسليمان عليه السلام: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ} بعد قوله: {وَهَبْ لِي مُلْكًا} ... الإيتاء لا يستعمل إلا في الشيء العظيم كقوله تعالى: {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ}، والإعطاء يستعمل في القليل والكثير كما قال الله تعالى: {وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} (9). يتبين مما مر: 1- أن الإيتاء أوسع استعمالًا من الإعطاء، وهو يستعمل في الشيء العظيم، أما الإعطاء فإنه يستعمل في القليل والكثير. 2- أنه قد يستعمل فيما لا يحسن فيه الإعطاء. 3- أن الإعطاء يوجب التمليك دون الإيتاء. 4- أن الإيتاء قد يشمله النزع بخلاف الإعطاء فإنه تمليك. 5- لما كان الإعطاء تمليكًا كان سببًا للاختصاص، أي لصاحبه أن يتصرف فيه كما يشاء من إعطاء أو إمساك. لقد قال: {أَعْطَيْنَاكَ} دون (آتيناك)، ذلك أن ربنا أراد أن يلمك نبيه الكوثر فقال: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}. ولو قال: (آتيناك) لاحتمل أن يفهم أن ذلك إيتاء آية لا إيتاء تمليك، كما قال تعالى: {وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} [الإسراء: 59]، وقال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87]، وقال: {آَتَانِيَ الْكِتَابَ} [مريم: 30]. والتمليك – كما هو معلوم – يفيد التخصيص، أي أنه ملك مختص بصاحبه ويتصرف فيه كما يشاء، بخلاف الإيتاء فإنه في الغالب لا يفيد الاختصاص. ويفيد أنه لا يشمله النزع، بخلاف الإيتاء فإنه قد يشمله النزع كما قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} [الأعراف: 175]، وكما قال في قارون {وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص: 76] ثم نزعها منه وخسف به وبداره الأرض، فالإعطاء ههنا أدل على التكريم من الإيتاء. وقال: {أَعْطَيْنَاكَ} ولم يقل: (سنعطيك)، إشارة إلى تحقق الوقوع وأن ذلك لا محالة. وقيل :إنه يدل على أن هذا الإعطاء كان حاصلًا في الماضي، وقيل: هو إشارة إلى تعظيم الإعطاء (10). ويجوز أن ذلك إشارة إلى ما بدأ به من الإعطاء، وأنه مستمر لا ينقطع إلى الآخرة. وقال: {أَعْطَيْنَاكَ} ولم يقل: أعطينا الرسول أو النبي أو العالم أو المطيع؛ لأنه لو قال ذلك لأشعر أن تلك العطية غير معللة بذلك الوصف، فلما قال: {أَعْطَيْنَاكَ} علم أن تلك العطية غير معللة بعلة أصلًا، بل هي محض الاختيار والمشيئة، كما قال: {نَحْنُ قَسَمْنَا} {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} " (11). {الْكَوْثَرَ} فَوْعَل: من الكثرة، وهو وصف يفيد المبالغة والإفراط فيها، "والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو القدر أو الخطر كوثرًا" (12). وقد فسر الكوثر تفسيرات كثيرة أهمها: 1- أنه نهر في الجنة، وقد صح ذلك عن رسول الله  2- أنه حوض في الجنة. 3- أولاده. 4- علماء أمته. 5- النبوة 6- القرآن وفضائله لا تحصى. 7- الإسلام. 8- كثرة الإتباع والأشياع. 9- الفضائل الكثيرة الني فيه. 10- رفعة الذكر. 11- العلم. 12- الخلق الحسن. 13- المقام المحمود الذي هو الشفاعة. 14- هذه السورة. 15- "إن المراد بالكوثر جمع نعم الله على محمد عليه السلام، وهو المنقول عن ابن عباس؛ لأن لفظ الكوثر يتناول الكثرة الكثيرة، فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها على الباقي، فوجب حملها على الكل. وروي أن سعيد بن حبير لما روى هذا القول عن ابن عباس قال له بعضهم: إن أناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي لأعطاه الله إياه" (13). جاء في (لسان العرب): "رجل كوثر: كثير العطاء والخير، والكوثر: السيد الكثير الخير ... وفي حديث مجاهد: أعطيت الكوثر وهو نهر في الجنة. وهو فوعل من الكثيرة، والواو زائدة، ومعناه: الخير الكثير" (14). يتضح مما مر: أن الكوثر يكون صفة للمبالغة نحو قولهم: (رجل كوثر) أي كثير العطاء والخير، ويكون ذاتًا موصوفة بكثرة الخير، كما ورد في اللسان (الكوثر: السيد الكثير الخير)، وعلى هذا يكون الكوثر صفة وموصوفًا. إن الذي يترجح عندنا أن الكوثر يعني جميع نعم الله على رسوله في الدنيا و الآخرة، وأن كل ما ذكر في تفسيره هو من الكوثر الذي أعطاه ربه إياه كما قال ابن عباس، ونهر الجنة الموعود به  هو الكوثر، وهو من الكوثر الذي وعده به. وقال: (الكوثر) ولم يقل: (الكثير) ذلك أن (الكوثر) يكون صفة تدل على الخير الكثير، ويكون ذاتًا موصوفة بالخير الكثير، بخلاف (الكثير) فإنها تفيد الكثرة فقط غير محددة بشيء فكلمة (الكوثر) تعني شيئين: 1- الكثرة. 2- الخير. فهي تعني الخير الكثير وليس الكثير فقط، وذلك يقال: (هو رجل كوثر) وتسكت، ولا يقال: (رجل كثير) وتسكت حتى تتم ذلك بقولك: هو كثير الخير أو كثير العطاء ونحو ذلك، وتقول: (أقبل الكوثر) أي السيد الكثير الحير، ولا تقول: (أقبل الكثير). ومن معانيه: النهر الموعود به، فيقال: (هو الكوثر) ولا يقال: (هو الكثير)، فالكوثر على هذا وصف اسم، وكلاهما يدل على الخير والكثرة، فالوصف معناه كثير العطاء والخير، والموصوف معناه: السيد الكثير الخير، وعلى هذا فالكوثر أولى من الكثير. ويقال: (الكثير) لهذا المعنى أيضًا على وزن (فَيْعَل) كصيرف وصيقل، غير أنه قال: (الكوثر) ولم يقل: (الكَثْيَر) لأن الواو أقوى من الياء فأعطى الأقوى لقوة الوصف والله أعلم. وقد حذف موصوفه ليفيد إطلاق الخير وعمومه فلا يفيد بشيء، فلم بقل: (مالًا كوثرًا)، ولا (ماء كوثرًا)، ولا (ذرية كوثرًا)، ولا غير ذلك. وفيه من المبالغة ما لا يخفى. حاء في (روح المعاني) "وفي حذف موصوفه ما لا يخفي من المبالغة" (15). ومن هذا يتضح أن الكوثر هو الخير المطلق والكثير الممتد من الدنيا إلى الآخرة، وهذا العطاء الواسع به حاجة إلى التوكيد فأكدة بـ (إن). وبه حاجة أيضًا إلى تعظيم معطيه، فجاء بضمير التعظيم وهو (نا) فقال: (إنا)، فأنت ترى أن المناسب هو ما ذكره من التوكيد ومن ضمير التعظم، جاء في (الكشاف): "الكوثر: فَوْعَل من الكثيرة وهو المفرط الكثرة، قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر ... وقيل: (الكوثر) نهر في الجنة ... وعن ابن عباس أنه فسر الكوثر بالخير الكثير ... والمعنى: أعطيتَ ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يعطه أحد غيرك، ومعطي ذلك كله أنا إله العالمين، فاجتمعت لك الغبطتان السنيتان: إصابة أشرف بإعطائه وشرفك وصانك من منن الخلق، مراغمًا لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفًا لهم في النحر للأوثان" (16). فانظر إلى ما في هذا التعبير من وجوه فنية: 1- توكيده بإن. 2- إسناد الفعل إلى ضمير العظمة (أعطينا). 3- جعله خبرًا للضمير المتقدم لغرض التوكيد والاختصاص. 4- استعمال (أعطينا) دون (آتينا). 5- تعديه الإعطاء إلى ضمير الخطاب دون وصف آخر كالرسول والمطيع ونحوه. 6- استعمال الكوثر دون الكثير. وقد جمع في هذه اللفظة وصف الخير وكل شيء موصوف بالخير. 7- حذف الموصوف للإطلاق. 8- اجتماع أعظم مكرمتين: المعطي العظيم وهو رب العالمين والعطاء العظيم وهو الكوثر، وكل منهما تكريم ما بعده تكريم، فكيف إذا اجتمعا؟ ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 99 إلى ص 110. (1) روح المعاني 30/246. (2) الخصائص 2/146. (3) شرح الرضي على الشافية 3/250. (4) انظر الخصائص 2/158. (5) شرح الرضي على الشافية 3/258. (6) التفسير الكبير 32/123، روح المعاني 30/246. (7) التفسير الكبير 32/123. (8) التفسير الكبير 32/123. (9) روح المعاني 30/246. (10) انظر روح المعاني 30/246، التفسير الكبير 32/122. (11) التفسير الكبير 32/122. (12) فتح القدير 5/489. (13) التفسير الكبير 32/124 – 128. (14) لسان العرب (كثر) 6/148. (15) روح المعاني 30/246. (16) الكشاف 3/362. الوقفة كاملة
٣٦٥٠ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) } جعل شكر نعمة الإعطاء قسمين: قسمًا خاصًا بالله تعالى وهو الصلاة، وقسمًا للعباد وهو النحر، ومن هذا يتضح أن الإحسان إلى عباد الله من شكر النعم. {فَصَلِّ} الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها (1). " أي فدم على الصلاة لربك الذي أفاض عليك ما أفاض من الخير خالصًا لوجهه عز وجل، خلاف الساهين عنها المرائين فيها أداء لحق شكره تعالى على ذلك. فإن الصلاة جامعة لجميع أقسام الشكر، ولذا قيل: (فصل) دون (فاشكر)" (2). وقد اختلف في المراد بالصلاة، فقال قوم: إن المراد بالصلاة صلاة العيد، وإن المراد بالنحر نحر الأضحية فيه، وقد كانوا يقدمون الأضحية على الصلاة، فنزلت هذه الآية آمرة بالصلاة والنحر (3). وقيل: إن المراد بالصلاة الصلاة المكتوبة (4). وقيل: إن المراد هو جنس الصلاة المكتوبة والناقلة (5). وهو الراجح فيما يبدو، إذ المطلوب أن تكون الصلاة عمومًا لله وحده لا لغيره. {لِرَبِّكَ} أي اجعل صلاتك خالصة لربك، فإن المشركين كانوا يصلون لغير الله، فأمره أن يصلي لله وحده، جاء في (تفسير الرازي): "أراد بالصلاة جنس الصلاة؛ لأنهم كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله، فأمره أن لا يصلي ولا ينحر إلا لله تعالى" (6). وجاء في (تفسير ابن كثير): "أي كلما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته، فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 – 163] ... وهذا بخلاف ما كان عليه المشركون من السجود لغير الله والذبح على غير اسمه، كما قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] (7). فاتضح من هذا أن قوله: {لِرَبِّكَ} يعني الإخلاص ودفع الرياء، وهو في مقابل ما ذكره في سورة الماعون من قوله: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} [الماعون: 6] جاء في (تفسير الرازي): "كأنه تعالى يقول: ذكر في السورة المتقدمة أنهم كانوا يصلون للمراءاة فصل أنت لا للرياء لكن على سبيل الإخلاص" (8). وكان الأصل أن يقول بعد قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}: (فصل لنا) ولكن التفت فقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} وفي هذا الالتفات عدة فوائد منها: أنه أفاد أن الصلاة تكون للرب وحده لا للمعطي على سبيل الإطلاق، فإن المتصف بالعطاء يستحق الصلاة إلا الله. لو قال (فصل لنا) لربما أوهم أنه استحق الصلاة لكونه معطيًا، فأزال الالتفات هذا الوهم. ومنها: أن ضمير العظمة (نا) يشترك مع ضمير المتكلمين وليس في السورة ما يدفع هذا الاشتراك، فعدل عن هذا التعبير إلى قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ }لينص على أن هذا ضمير العظمة وليس ضمير الاشتراك. والملاحظ في القرآن الكريم أنه لم يأت بضمير العظمة في موطن إلا ذكر قبله أو بعده ما يدفع وهم الاشتراك، فيذكر اسم الله أو الرحمن أو غيرهما مما يدل على أنه الله ولا يدع ذلك للعقل وحده. وهذا على سبيل الاستغراق ولك يشذ عن ذلك أي موطن، ومن ذلك على سبيل المثال: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 106 – 107]. وقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 155 - 156]. وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]. وقوله: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) … وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 1 - 8] وقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ..... أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 4 - 8] وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) ...... تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 1 - 4] وقوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وغير ذلك وغيره. واختار لفظ (الرب) وإضافته إلى ضمير الخطاب فيه من التكريم ما لا يخفي، فإن اختيار كلمة (الرب) مناسب للعطاء الذي أعطاه إياه، وإضافته إلى ضمير الخطاب فيه من التخصيص ما هو ظاهر، إن هذه السورة مختصة بالرسول  ولذا كانت كلها مبنية على خطابه: {إِنَّا أَعْطَيْنَاك .... فَصَلِّ لِرَبِّكَ .... إِنَّ شَانِئَكَ}. جاء في (تفسير الرازي): "كان الأليق في الظاهر أن يقول: (إنا أعطيناك الكوثر، فصل لنا وانحر) لكنه ترك ذلك إلى قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} لفوائد: (إحداها) أن وروده على طريق الالتفات من أمهات أبواب الفصاحة. (وثانيها) أن صرف الكلام من المضمر إلى المظهر يوجب نوع عظمة ومهابة، ومنه قول الخلفاء لمن يخاطبونهم: يأمرك أمير المؤمنين، وينهاك أمير المؤمنين. (وثالثها) أن قوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاك} ليس في صريح لفظه أن هذا القائل هو الله أو غيره. وأيضًا كلمة (إنا) تحتمل الجمع كما تحتمل الواحد المعظم نفسه، فلو قال: صل لنا [لبقي] ذلك الاحتمال، وهو أنه ما كان يعرف أن هذه الصلاة لله وحده أم له ولغيره على سبيل التشريك، فلهذا ترك اللفظ وقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} ليكون ذلك إزالة لذلك الاحتمال وتصريحًا بالتوحيد في الطاعة والعمل لله تعالى. (المسألة السابعة) قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} أبلغ من قوله (فصل لله) لأن لفظ الرب يفيد التربية المتقدمة المشار إليها بقوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } ويفيد الوعد الجميل في المستقبل أنه يربيه ولا يتركه" (9). {وَانْحَرْ} والنحر: هو نحر الهدي والنسك والضحايا من الإبل. وقال: {وَانْحَرْ} ولم يقل: (اذبح) لأن النحر خاص بالإبل، أما الذبح فهو عام يشمل كل ما يذبح من الإبل والبقر والغنم وعموم ما يذبح، فطلب منه أن ينحر البُدْن (10). وهي خيار أموال العرب، ويتصدق بها على المحتاجين. جاء في (روح المعاني): "وانحر البدن التي هي خيار أموال العرب باسمه تعالى وتصدق على المحاويج. خلافًا لمن يدعهم ويمنع منهم الماعون" (11). والنحر هو المناسب للعطاء الكثير، فلما أعطاه الكوثر ناسب أن يتصدق بالكثير شكرًا لله تعالى. وقيل: النحر: هو وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر في الصلاة (12). والأول أرجع لأسباب منها: 1- أن استعمال كلمة النحر في نحر الإبل أشهر استعمالها في وضع اليمنى على النحر أو غير ذلك مما فسرت به. 2- أن تفسير النحر بوضع اليد اليمنى على اليسرى يروى عن على، وهو لا يصح عنه (13). 3- أن تفسير (انحر) بوضع اليمنى على اليسرى هو من هيئات الصلاة، وهي داخلة في قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} فلم يعط العطف معنى جديدًا، فوجب أن يكون المراد من النحر غير هذا المعنى. 4- أن القوم كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه أن تكون صلاته ونحره له. 5- أن الله تعالى كلما ذكرنا الصلاة ذكر الزكاة بعدها، فيكون النحر بمعنى نحر البدن أولى. 6- أن قوله: (فصل) إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وقوله: (انحر) إشارة إلى الشفقة على خلق الله، وجملة العبودية لا تخرج عن هذين الأصلين (14). وقد تقول: ولم اختار النحر هنا فقال: {وَانْحَرْ} دون أن يقول: (فصل لربك وتصدق) أو (آت الزكاة) أو نحو ذلك؟ والجواب: أن اختيار النحر ههنا أولى من وجوه: منها أن الصدقة تشمل القليل والكثير، في حين أن المناسب للعطاء الكثير أت يتصدق بأعز الأموال وأكرمها عندهم شكرًا لله. أما إيتاء الزكاة فإنه  لم يملك نصاب الزكاة فلم تجب عليه – كما قيل – " (15). ثم إنه لو قال: (وآت الزكاة) لم كان هذا مختلفًا عن أمر عامة المسلمين بها، قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] فلا يكون ذلك شكرًا خاصًا على ما أعطاه ربه من الكوثر. ومن ناحية أخرى أن الزكاة تجب مرة في العام، في حين أنه هنا أطلق النحر ولم يخصصه بوقت دون وقت. ثم إن قوله: {وَانْحَرْ} معناه التصديق بلحم ما يذبح منها، وهو مقابل قوله تعالى في السورة المتقدمة: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 7]؛ فإن من معاني {الْمَاعُونَ} الإناء الذي يوضع فيه الطعام. إن المذكور في السورة السابقة يمنع الماعون، والرسول يتصدق بما يوضع في الماعون، فكان ما ذكره أولى. وقد تقول: ولم لم يقل: (فصل لربك وضح) من الضحية؟ والجواب: أن ما ذكره أنسب من وجوه، منها: إن قوله: (ضح) يعم كل ما يصح أن يضحى به من الإبل والبقر والغنم، فلو ضحى بشاة كان مطيعًا وكانت مجزئة في هذا الأمر. في حين أنه طلب منه أن يتصدق بأكرم الأموال وأعزها عندهم وهي الإبل، وهو المناسب لما أعطاه، فكان هذا أولى. ثم إن الضحية مختصة بوقت دون وقت، فإن الضحايا تكون في أيام عيد الأضحى، وهي أربعة أيام في العام. في حين أن قوله: (انحر) مطلق غير مقيد بوقت دون وقت، فهو أوسع في الصدقة وأنفع لعباد الله. ثم إن قوله: (انحر) يشمل عموم ما ينحر لله تعالى من هدى أو ضحية أو صدقة أو غيرها من النسك، فكان أولى. جاء في (تفسير الرازي): "في الآية سؤلان: أحدهما: أن المذكور عقب الصلاة هو الزكاة، فلم كان المذكور ههنا هو النحر؟ والثاني: لِمَ لمْ يقل: ضح حتى يشمل جميع أنواع الضحايا؟الجواب عن الأول: أما على قوله من قال: المراد بالصلاة صلاة العيد فالأمر فيه ظاهر. وأما على قول من حمله على مطلق الصلاة فلوجوه: أحدها: أن المشركين كانت صلواتهم وقرابينهم للأوثان، فقيل له، اجعلهما لله. وثانيها: أن من الناس من قال: إنه عليه السلام ما كان يدخل في ملكه شيء من الدنيا بل كان يملك بقدر الحاجة، فلا جرام لم تجب الزكاة عليه، أما النحر فقد كان واجبًا عليه ... وثالثها: أن أعز الأموال عند العرب هو الإبل، فأمر بنحرها وصرفها إلى طاعة الله تعالى ... والجواب عن الثاني: أن الصلاة أعظم العبادات البدنية فقرن بها أعظم أنواع الضحايا" (16). وقد تقول: ولم قدم الصلاة على النحر؟ والجواب: أن ذلك لأوجه:منها: أن الصلاة أهم من النحر وأكبر عند الله، فهي ركن من أركان الإسلام، وهي أكبر العادات عند الله تعالى. ومنها: أن الصلاة أعم من النحر، والقيام بها أكثر من النحر، فإن المفروض منها فقط خمس مرات في اليوم والليلة عدا النوافل، فأين النحر من ذلك؟ ثم إن الصلاة حق الله، وإن النحر حق العباد. وحق الله مقدم على حقوق العباد. ثم إن هذه الآية نظيرة ما اجتمعت فيه الصلاة والصدقة من آيات القرآن الكريم فإنه يقدم الصلاة عليها، نحو قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [المائدة: 55]، وقوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]. ثم إنه قيل: إن المقصود بالصلاة صلاة العيد، والنحر: هو الهدي والنسك والضحايا، وقدمت الصلاة على النحر لأنه كان ينحر قبل الصلاة فأمره أن يصلي وينحر (17). جاء في (تفسير ابن كثير): "إن المراد بالنحر ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله  يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول: (من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له)" (18). وقيل: إن هذا قول ضعيف؛ لأن العطف بالواو لا يوجب الترتيب (19). وقيل: بل "دلت الأدلة على وجوب تقديم الصلاة على النحر لا لأن الواو توجب الترتيب، بل لقوله عليه السلام: ابدؤوا بما بدأ الله به" (20). والظاهر – والله أعلم – أن المراد مطلق الصلاة ومطلق النحر، سواء كان في العيد أم في غيره، وهو أدل على الشكر؛ لأن ذلك غير مقيد بأيام مخصوصة في السنة، وإذا وافق ذلك في العيد كانت الصلاة قبل النحر والله اعلم. وقد تقول: ولم قال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} ولم يقل: (فصل لربك وانحر له) فاكتفى بمتعلق واحد؟ والجواب: من وجوه منها: 1- أن المتعلق الأول يغني عن الثاني، فإنه مفهوم من المعنى. 2- أن الصلاة أهم من النحر لأنها لا تسقط، بخلاف النحر فإنه يكون مع الوجد، فجعل المتعلق بما هو أهم. 3- أن الصلاة لا تكون إلا عبادة، ولا تكون إلا لله، ولا تكون لغير ذلك بحال من الأحوال. أما النحر فإنه قسمان: قسم للعبادة، ولا يكون لغير الله البتة، فإنه حرام وأكله حرام ينص القرآن، وهو مما أهل لغير الله به الذي حرم بنص القرآن، وقد جاء الحديث الصحيح عن الإمام على بن أبي طالب أنه سمع النبي  يقول: (لعن الله من ذبح لغير الله)، قالوا: "المراد به أن يذبح لغير الله تعالى، كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى عليهما السلام أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو كافرًا" (21). وقسم يذبح للأكل لا للعبادة، كما هو شأن الجزارين، ومن يذبح لغرض الأكل فهذا تكفي في التسمية، بل أبيح الأكل مما لا نعلم أنه ذكر اسم الله عليه، ويكفي أن نسمي نحن عليه، كما في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنا "إن قومًا قالوا: يا رسول الله إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوا" وبهذا استدل بعضهم على أن التسمية على الذبيحة ليست شرطًا. ومما يدل على عدم الاشتراط قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} فأبح الأكل من ذبائحهم مع وجود الشك في أنهم سموا أم لا (22). وقد ذهب قسم غير قليل من الفقهاء منهم ابن عباس وأبو هريرة وطاووس والشافعي ومالك وأحمد إلى أن التسمية سنة، فمن تركها عندهم عمدًا أو سهوًا لم يفدح في حل الأكل (23). ولذا اختلف النحر عن الصلاة ولم يجعلهما بمرتبة واحدة، فإنه قد لا يكون عبادة بخلافها، فذكر (لربك) مع الصلاة دون النحر، فألزمه أن تكون الصلاة لربه، ولم يلزمه بألا ينحر إلًا للشعيرة، فقد ينحر لغير الشعيرة والله أعلم. فانظر إلى طرف من أسرار التعبير في الآية: 1- أنه بدأ بالفاء فقال: {فَصَلِّ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ لأن ما قبلها جدير بالشكر. 2- اختار الصلاة دون غيرها منا الطاعات لأنها أهمها. 3- قال: {لِرَبِّكَ} طلبًا للإخلاص له لا لغيره سبحانه ولا رياء. 4- قال: {لِرَبِّكَ} ولم يقل: (لنا) للدلالة على أن الله هو الذي يصلى له لا للمعطي على العموم. 5- اختار كلمة (الرب) دون غيرها من أسماء الله الحسنى لما فيها من معنى التربية والتعهد والعناية. 6- أضاف الرب إلى ضمير الخطاب للدلالة على التكريم ولما في ذلك من العناية بشأنه. 7- جاء بكلمة (الرب) بعد ضمير التعظيم لرفع توهم الاشتراك. 8- ذكر النحر دون الذبح للدلالة على عظيم الشكر، فإن النحر مختص بالإبل. 9- ذكر النحر دون الزكاة أو الضحية للدلالة على العموم والاتساع في الأوقات، ولعدم تخصيصه بالنصاب أو بوقت من أوقات السنة. 10- جمع بين الصلاة والنحر للدلالة على أن الشكر قسمان: قسم لله وقسم لعباده. 11- قدم الصلاة على النحر لأهمية الصلاة، ولأنها تكون في سائر الأوقات، وهي عبادة يومية تكون في اليوم والليلة على الدوام ولا تسقط بحال. 12- اكتفى بالمتعلق {لِرَبِّكَ} مع الصلاة دون النحر؛ لأن ذلك مفهوم، ولأن الصلاة عبادة على وجه الدوام. أما النحر فقد يكون للعبادة والنسك، وقد يكون لغيره. إلى غير ذلك من الأسرار التعبيرية. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 110 إلى ص 122. (1) فتح القدير 5/489. (2) روح المعاني 30/246، وانظر أنوار التنزيل 812. (3) البحر المحيط 8/52، التفسير الكبير 32/130. (4) فتح القدير 5/489. (5) تفسير ابن كثير 4/558، الكشاف 3/362، التفسير الكبير 32/130، فتح القدير 5/489. (6) تفسير الرازي 32/130. (7) تفسير ابن كثير 4/558. (8) التفسير الكبير 32/131. (9) التفسير الكبير 32/131. (10) البُدْن: جمع بَدَنة، وهو ما يضحى به وينسك من الإبل. (11) روح المعاني 30/246، وانظر أنوار التنزيل 812، فتح القدير 5/489. (12) تفسير ابن كثير 4/558، الكشاف 3/362، التفسير الكبير 32/129. (13) تفسير ابن كثير 4/558. (14) انظر التفسير الكبير 32/129 – 130. (15) انظر التفسير الكبير 32/132. (16) التفسير الكبير 32/131 – 132. (17) البحر المحيط 8/520. (18) تفسير ابن كثير 4/559. (19) التفسير الكبير 32/130. (20) التفسير الكبير 32/130. (21) نيل الأوطار 8/145. (22) نيل الأوطار 8/145 – 146. (23) نيل الأوطار 8/240. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 3641 إلى 3650 من إجمالي 26698 نتيجة.