| ٣٥١ |
(أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ)
بعد أن ذكر من يستحق العبادة وسبب استحقاقه لها أفاد أنه ينبغي أن يوحدّه وأنه لا ينبغي له أن يتخذ إلهاً من دونه ولا معه أو يتخذ ذاتاً وسيلة لتقربه إليه.
أما إنه لا ينبغي له أن يتخذ إلهاً من دونه فذلك قوله (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً .)
ولا أن يتخذوا ذاتاً لتقربه إليه لأنه ذكر أنه لا تغني شفاعتهم شيئاً فلا يصح على ذلك أن يتخذوا ذاتاً لتقربه إليه.
وبهذا يكون دعاهم إلى التوحيد الخالص من دون شركاء أو شفعاء أو وسطاء.
وهو وإن أنكر على أن يتخذ آلهة من دون الله يقصد بذلك عموم من يصل إليه الخطاب من الناس، فلا ينبغي أن يتخذ أحد إلهاً من دونه. وما ذكره بحق نفسه لا وهو لم يفطره وحده وإنما يعم جميع المكلفين، فإنه قال (وَمَالِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) وهو لم يفطره وحده بل فطر المخلوقات جميعاً.
وقال (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ)… وهذا الأمر لا يخصه وحده بل إن أراد الله غيره بذلك فالأمر كذلك.
لقد أخرج هذا الكلام مخرج الاستفهام الإنكاري وليس مخرج الخبر. فإنه بعد أن ذكر ما ذكر قال (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً )أي يصح ذلك عقلاً؟ أيجوز اتخاذ غيره إلهاً.
ولا شك أن كل عاقل سيجيب قائلاً: لا، إنه لا يصح أن تتخذ إلهاً من دونه.
وهذا لا شك أقوى من الكلام التقريري الخبري الذي يقول: أنا لا أتخذ من دونه آلهة، وذلك لأنه كأنه قرار انفرادي رآه هو. في حين أن قوله ( أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً ) يستدعى إشراك الآخرين في الجواب واتخاذ القرار.
جاء في (التفسير الكبير): "ثم قال تعالى (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً ) ليتم التوحيد... فقال (وَمَالِيَ لَا أَعْبُدُ) إشارة إلى وجود الإله، وقال (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ) إشارة إلى نفي غيره فيتحقق معنى لا إله إلا الله. وفي الآية أيضاً لطائف:
(الأولى) ذكره على طريق الاستفهام فيه معنى وضوح الأمر. وذلك أن من أخبر عن شيء فقال مثلاً (لا أتخذ) يصح من السامع أن يقول له: لم لا تتخذ؟ فيسأله عن السبب.
فإذا قال: (أَأَتَّخِذُ) يكون كلامه أنه مستغن عن بيان السبب الذي يطالب به عند الإخبار كأنه يقول: أسْتشرك فدلني والمستشار يتفكر. فكأنه يقول: تفكر في الأمر تفهم من غير إخبار مني.
(الثانية) قوله (مِنْ دُونِهِ) وهي لطيفة عجيبة وبيانها هو أنه لما بين أنه يعبد الله بقوله (الَّذِي فَطَرَنِي) بين أن من دونه لا تجوز عبادته...
(الثالثة) قوله( أَأَتَّخِذُ) إشارة إلى أن غيره ليس بإله لأن المتخذ لا يكون إله(1) (كذا) ولهذا قال تعالى (مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) وقال (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) لأنه تعالى لا يكون له ولد حقيقة ولا يجوز... ولا يقال الله تعالى (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) في حق الله تعالى حيث قال (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) نقول ذلك أمر متجدد"(2).
ونريد أن نذكر أمراً بخصوص قوله تعالى (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) فإن الذي يبدو من الاستعمال في اللغة أنه إذا كان الشيء موجوداً أصلاً من غير انفكاك ولا اختيار فلا يقال (اتخذته) فلا يقال مثلاً (اتخذت فلاناً أباً) إذا كان أباه حقيقة. ولا يقال (اتخذته أخاً) إذا كان أخاه حقيقة. وإنما يقال ذلك لما يصح فيه التخلي والترك والاختيار كأن تقول (اتخذت فلاناً صديقاً لي) لأنك مختار في اختيار الأصدقاء.
وتقول (اتخذته أخاً وصاحباً) فيما أنت مختار فيه. ولا يصح أن تقول (اتخذت فلاناً خالقاً) أو اتخذت الكوكب خالقاً ولا اتخذت الله خالقاً لأنه هو الخالق وليس متخذاً لذلك لكنك قد تقول (اتخذته معبوداً) لأنك مختار في اتخاذ ما تعبد.
ونحوه قوله (فاتخذه وكيلاً) فإن لك أن تختار الوكلاء وأن تتخذ من تشاء فاتخذ الله وكيلاً تفلح.
وقد تقول: إن الله وكيل على كل شيء كما قال تعالى (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) - هود (12) ( وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) - الأنعام (102)، الزمر (62).
فنقول هذه وكالة قسرية وليست وكالة الاختيار والطاعة. ونظير ذلك العبودية، فإن العبودية لله قد تكون قسرية، كما قال تعالى (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) - مريم (93) وقوله (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ) -الفرقان (17) وهذه العبودية ليست من الطاعة ولا يتعلق بها ثواب.
وقد تكون عبودية اختيارية وذلك بأن يختار المرء أن يكون عبداً لله مطيعاً له وهذه هي التي يتعلق بها الثواب كما قال تعالى (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) - النساء (172) وقال (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) - الإنسان (6).
ونحوه الإلوهية والربوبية، فالله سبحانه هو إله الخلق كلهم وربهم شاءوا أم أبوا؛ قال تعالى (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) - الأنعام (164) و (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وقال (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) - البقرة (163) وقال ( إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) - الأنعام (19) وقال (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) - ص (65).
وهذه الربوبية والإلوهية قسرية شاء الخلق أم أبوا ولا يترتب عليها ثواب. وإنما يترتب الثواب والعقاب على من اتخذه إلهاً ورباً أو اتخذ غيره كما قال تعالى (أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً) - الأنعام (74) (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) - الفرقان (43) (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ - التوبة (31).
فالاتخاذ أمر اختياري يفعله المتخذ وهو غير الأمر الكائن أصلاً من غير اتخاذ وذلك نحو (هذا ولدي) و (هذا اتخذته ولداً لي)، والله أعلم.
(إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ
استعمل الفعل المضارع فعلاً للشرط فقال (إِنْ يُرِدْنِ) واستعمل الماضي في مكان آخر فقال (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ) - الزمر (38).
وعند النحاة إن الماضي في الشرط يفيد الاستقبال. جاء في (التفسير الكبير): "قال ههنا (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ) وقال في الزمر (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ) فما الحكمة في اختيار صيغة الماضي هنالك واختيار صيغة المضارع ههنا، وذكر المريد باسم الرحمن هنا وذكر المريد باسم الله هناك؟
نقول: أما الماضي والمستقبل فإن (إِنْ) في الشرط تصير الماضي مستقبلاً وذلك لأن المذكور ههنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله (أَتَتَّخِذُ) وقوله (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ)، والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله (أَفَرَأَيْتُم) وكذلك في قوله تعالى (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ) لكون المتقدم عليه مذكوراً بصيغة المستقبل وهو قوله (مَّن يُصْأن الكفار كانوا يخوفون النبي (صلى الله عليه وسلم)بضر يصيبه من آلهتهم فكأنه قال: صدر منكم التخويف وهذا ما سبق منكم، وههنا ابتداء كلام صدر من المؤمن للتقرير، والجواب ما كان يمكن صدوره منهم فافترق الأمران"(3).
والذي يترجح عندنا أن الفعل المضارع مع الشرط كثيراً ما يفيد افتراض تكرر الحدث بخلاف الفعل الماضي فإنه كثيراً ما يفيد وقوع الحدث مرة(4) كما قال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) - النساء (93). وقال (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ )- النساء (92) فجاء مع القتل العمد بالفعل المضارع لأنه يفترض فيه تكرر الحدث، إذ كلما سنحت للقاتل فرصة قتل مؤمناً بخلاف قتل الخطأ فإنه لا يفترض تكرره.
ونحو ذلك قوله تعالى (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) - المائدة (17) فجاء بفعل الإرادة ماضياً (إِنْ أَرَادَ) لأن هذه الإرادة تكون مرة واحدة ولا تتكرر فإنه إذا أهلكه فلقد انتهى الأمر.
ونحوه قوله تعالى (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا )- البقرة (233) فإن هذا لا يتكرر فإذا انفصلا فقد انتهى الأمر.
ونحوه قوله تعالى (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) – الإسراء (16) ونحوه قوله تعالى (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا) - الأحزاب (50) وهذه الإرادة لا تتكرر وإنما تكون مرة واحدة. في حين قال (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا) - آل عمران (145) فجاء بفعل الإرادة مضارعاً لأن إرادة الثواب تتكرر.
ومثله قوله تعالى (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) - الأنفال (62) فإن إرادة الخديعة تتكرر.
ومثله قوله تعالى: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) - الأنفال (71) فإن إرادة الكفار خيانة الرسول قد تتكرر فجاء بالفعل مضارعاً.
فنقول إن استعمال الفعل المضارع في سورة يس في قوله تعالى (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ) إشارة إلى أنه كان يتوقع تكرر وقوع الضرر عليه من قومه وأنهم لا يكفون عن إلحاقه به ما دام بينهم.
وقد تقول: ولم قال ههنا (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ) فأسند الإرادة إلى الرحمن، وقال في الزمر (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ) فأسند الإرادة إلى الله؟
فنقول إن القائل في سورة يس يتوقع وقوع الضرر عليه وتطاوله كما ذكرنا فذكر اسم الرحمن كأنه يلوذ به ويعتصم وهو بمثابة سؤاله الرحمة بخلاف ما في الزمر فإنه ليس الأمر كذلك ولا يتوقع نحو هذا.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه حسن ذكر اسم (الرحمن) مع الشفاعة في سورة يس فقال (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا) لأن الشفيع إنما يستدر رحمة من يشفع عنده، والمتصف بالرحمة قد يقبل شفاعة من ليس له جاه كبير عنده أمل هؤلاء الآلهة فلا تنفع شفاعتهم حتى مع الرحمن إذ ليس لهم جاه البتة. وهذا أبلغ في إسقاط وجاهة هؤلاء.
ثم من ناحية ثالثة أنه ورد اسم (الرحمن) في سورة يس أربع مرات ولم يرد في سورة الزمر ولا مرة واحدة. وورد اسم (الله) في سورة الزمر تسعاً وخمسين مرة وورد في سورة (يس) ثلاث مرات فقط، فناسب ذلك اسم (الله) في الزمر و (الرحمن) في يس.
وقد علل الفخر الرازي ذكر اسم (الرحمن) في يس واسم (الله) في الزمر بقوله:
"وأما قوله هناك (إن أرادني الله) فنقول: قد ذكرنا أن الاسمين المختصين بواجب الوجود الله والرحمن كما قال تعالى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ والله للهيبة والعظمة والرحمن للرأفة والرحمة. وهناك وصف الله بالعزة والانتقام في قوله (أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ) وذكر ما يدل على العظمة بقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) فذكر الاسم الدال على العظمة. وقال ههنا ما يدل على الرحمة بقوله (الَّذِي فَطَرَنِي) فإنه نعمة هي شرط سائر النعم فقال: (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ)"(5).
وقد تقول:
لقد قال في سورة يس (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ.)
وقال في الزمر (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ )(38).
فذكر الضرر في يس ولم يذكر الرجمة إذ لم يقل (وإن لم يردني برحمة لا يمسكوا رحمته) في حين ذكر في الزمر الضر والرحمة فقال (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ... أو أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ) فما سبب ذاك؟
والجواب والله أعلم أن ذلك لأكثر من سبب:
منها أن صاحب يس كان يتوقع الضر من أهل قريته ولم يكن يتوقع منهم شيئاً من لين أو رحمة. بل ربما كان يتوقع القتل لأن الجو كان متأزماً كله تهديد ووعيد.
وقد انتهى الأمر بقتله. فلا يناسب ذكر الرحمة.
ومن ذلك أم ذكر اسم (الرحمن) أغنى ههنا عن ذكر (وإن يردني برحمة) فإن الرحمن يريد الرحمة وهو لا يريدها فقط وإنما يحققها وإلا فليس برحمن فاكتفى بذكر صفته عن أن يقول (وإن يردني برحمة) بخلاف ما في الرمز فإنه ذكر اسم ((الله) وبم يذكر له وصفاً فناسب ذلك أن يذكر الضر والرحمة تصريحاً.
وعلى هذا فقد ذكر الأمران في يس على نحو آخر يناسب المقام والله أعلم.
وقد تقول: لقد قال في يس (لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) فأستعمل ضمير الذكور العقلاء في (شَفَاعَتُهُمْ) وفي (يُنْقِذُونِ).
وقال في سورة الزمر: (هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ) و(هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ) بضمير الإناث، فما الفرق؟
والجواب أن ضمير الإناث يستعمل للإناث ويستعمل لجمع غير العاقل مذكراً كان أو مؤنثاً فنقول (الجبال من شاهقات) والجبال جمع جبل وهو مذكر غير عاقل عير أننا نستعمل له ضمير الإناث قال تعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ )- البقرة (197).
فقال في الأشهر (فيهن) والأشهر جمع شهر والشهر مذكر غير عاقل فاستعمل لها ضمير الإناث.
فضمير الإناث يستعمل للإناث ولجمع غير العاقل مطلقاً.
وكذلك جمع المؤنث السالم فإنه يستعمل جمعاً للمؤنث بشروطه ويستعمل أيضاً لجمع المذكر غير العاقل اسماً أو وصفاً نحو (جبال شاهقات) و (شاهقات) وصف لمذكر غير عاقل و (أنهار جاريات) وجاريات وصف لأنهار مفردها نهر وهو مذكر غير عاقل.
والاسم المذكر غير العاقل قد يجمع جمع مؤنث سالماً إذا لم يسمع له جمع تكسير نحو حمّامات جمع حمام واصطبلات جمع اصطبل.
وأما ضمير جماعة الذكور نحو (الأهم) و (الواو) في نحو (يمشون) بجماعة الذكور العقلاء أو ما نزل منزلتهم.
وبعد بيان هذا الأمر نعود إلى الآيتين:
قال تعالى في الزمر ( اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ.)
ومن النظر في هذه الآية يتضح ما يأتي:
1- قال (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) فجعل آلهتهم لا تعقل وذلك أنه استعمل لها (مَا) فقال (مَا تَدْعُونَ). و(مَا) تستعمل في العربية لذات ما لا يعقل.
2- جاء بضمير الإناث (هن) فقال (هل هن) وهذا الضمير إما أن يكون للإناث يستعمل لجمع غير العاقل مذكراً أو مؤنثاً كما ذكرت. فجعلهم غير عقلاء، وهو متناسب مع (مَا) التي هي لغير العاقل.
3- جاء بجمع المؤنث السالم وهو كما ذكرنا إما أن يكون للإناث أو لصفات الذكور غير العقلاء فجعلهم غير عقلاء.
4- هذه الآية في المجتمع الجاهلي والخطاب للرسول (صلى الله عليه وسلم)وقد قال تعالى فيهم (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) - النساء (117).
فذكر أن ما يدعون من دون الله إنما هي إناث. وقد روي عن الحسن "أنه كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان... وقيل كان في كل صنم شيطانة"(6).
"وقيل كانوا يقولون في أصنامهم هي بنات الله"(7).
وكانوا يسمون كثيراً منها بأسماء مؤنثة كاللات والعزى ومناة(8). فناسب التأنيث من كل جهة، من جهة أنها غير عاقلة ومن جهة أن لها أسماء مؤنثة أو يرون أنها إناث.
وقال في يس (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ.)
فاستعمل ضمير العقلاء ذلك لأنه قال (لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ) والشفيع لابد أن يكون عاقلاً وإلا فكيف يشفع؟ ولذلك قال في الزمر (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ) - (43) فجاء بضمير جماعة الذكور للدلالة على أن لا يكون الشفيع إلا عاقلاً.
ثم نفى الشفاعة مع عدم العقل فقال: (قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ)؟
فاستعمل ضمير العقلاء مع الشفاعة.
ثم قال شَيْئًا (وَلَا يُنْقِذُونِ) والمنقذ لابد أن يكون عاقلاً أيضاً وإلا فكيف ينقذ؟
ولذلك قال في سورة يس (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) فاستعمل ضمير جماعة العقلاء وهو قوله (لَا يَسْتَطِيعُونَ) و (وَهُمْ) لأن الناصر لابد وأن يكون عاقلاً وهو كالمنقذ.
وهذه الآية نظيرة الآية السابقة.
فناسب كل ضمير مكانه اللائق به.
وهناك أمر آخر في الآية وهو أنه قال (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا) فأدخل الباء على الضر ولم يقل (إن يردن الرحمن بي ضراً) وكلاهما تعبير فصيح. تقول (أراد به رحمة) و (أراده برحمة). قال تعالى: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) - الأحزاب (17) فأدخل الباء على ضمير المخاطبين فما الفرق؟
جاء في (التفسير الكبير): قال إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ ولم يقل (إن يرد الرحمن بي ضراً) وكذلك قوله تعالى (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ) ولم
يقل: (إن أراد اللي بي ضراً). نقول:
الفعل إذا كان متعدياً إلى مفعول واحد تعدي إلى مفعولين بحرف كاللازم يتعدى بحرف في قولهم ذهب به وخرج به. ثم إن للمتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف ما هو أولى بوقوع الفعل عليه ويجعل الآخر مفعولاً بحرف. فإذا قال القائل مثلاً: كيف حال فلان؟ يقول: اختصه الملك بالكرامة والنعمة.
فإذا قال كيف كرامة الملك؟ يقول: اختصها بزيد. فيجعل المسئول عنه مفعولاً بغير حرف لأنه هو المقصود.
إذا علمت هذا المقصود فيما نحن فيه بيان كون العبد تحت تصرف الله يقلبه كيف يشاء في البؤس والرخاء. وليس الضر بمقصود بيانه. كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة بناء على إيمانه بحكم وعد الله. ويؤيد هذا قوله من قبل (الَّذِي فَطَرَنِي) حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فكذلك جعلها مفعول الإرادة وذكر الضر وقع تبعاً.
وكذلك القول في قوله (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ) المقصود بيان أنه يكون كما يريد الله وليس الضر بخصوصه مقصوداً بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال تعالى (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) يعني هو تحت إرادته. ويتأيد ما ذكرناه بالنظر في قوله تعالى (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا) حيث خالف هذا النظم وجعل المفعول من غير حرف السوء وهو كالضرر والمفعول بحرف هو المكلف.
وذلك لأن المقصود ذكر الضر للتخويف وكونهم محلاً له. وكيف لا وهم كفرة استحقوا العذاب بكفرهم فجعل الضر مقصوداً بالذكر لزجرهم.
فإن قيل: فقد ذكر الله الرحمة أيضاً حيث قال (أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً).
نقول: المقصود ذلك ويدل عليه قوله تعالى من بعده (وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) وإنما ذكر الرحمة تتمة للأمر بالتقسيم الحاصر.
وكذلك إذا تأملت في قوله تعالى (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا) فإن الكلام أيضاً على الكفار وذكر النفع وقع تبعاً لحصر الأمر بالتقسيم"(9).
والذي يبدو لي غير ذلك فإن الذي يظهر من التعبير القرآني أن ما تتصل به الباء هو الذي عليه السياق وهو مدار الكلام وهو الأهم فيه.
قال تعالى: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) - الأحزاب (17).
فقد اتصلت الباء بضمير المخاطبين (بِكُمْ) لا بالسوء. والكلام يدور على المخاطبين والسياق عليهم وذلك من الآية الثانية عشرة حتى الآية العشرين.
قال تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًاقُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا) - الأحزاب (12 – 20).
فقد اتصلت الباء بضمير المخاطبين لأن الكلام يدور عليهم.
وقال: (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) - الفتح (11).
وقد اتصلت الباء بضمير المخاطبين أيضاً وذلك أن الكلام والسياق يدوران عليهم قال تعالى: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) - الفتح (11 – 16).
وقال (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) - الأنبياء (70).
واتصلت الباء بضمير الغيبة (بِهِ) ولم تتصل بالكيد. والكلام على سيدنا إبراهيم عليه السلام وذلك في أكثر من عشرين آية (من الآية 51 – 72).
في حين قال ( قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) الزمر (38).
فقد اتصلت الباء ههنا بالضر والرحمة ولم تتصل بالضمير فقد قال (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ... أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ) ولم يقل (إن أراد بي ضراً أو أراد بي رحمة) وذلك أن الاهتمام والعناية بالضر والرحمة ويدلك على ذلك أنه عقب على ذلك بكشف الضر وإمساك الرحمة فقال (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ).
والسياق إنما هو في ذلك والاهتمام به فقد قال تعالى (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ...) فالكلام على المعتقدات لا على الأشخاص.
وقال (وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ) - يونس (107) فقد اتصلت الباء بالخير لا بضمير الخطاب فقال ( وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ) ولم يقل (وإن يرد بك خيراً) وذلك أن الكلام إما هو في هذا الأمر والسياق عليه قال تعالى (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) - يونس (107).
فالكلام على الضر والخير وما يتعلق بكشفهما أو ردّهما لا على الأشخاص ولذلك قال (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ).
فليس أحد يكشف الضر إلا هو ولا أحد يملك أن يردّ خيره تعالى ولذلك عقب بقوله (فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ).
وقد قال قبل هذه الآية (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ) فالكلام في النفع والضر كما ترى وإيصالهما أو دفعهما.
وفي هذه السورة أعني سورة يس وصل الباء بالضر فقال (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) ولم يقل (إن يرد الرحمن بي ضراً) وذلك أن الكلام على الضر وهو مدار الاهتمام ولذلك عقب بكشف الضر وإزالته فقال (لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) أي لا يدفعون الضر عني ولا ينقذونني منه.
فاتضح بذلك أن الباء تتصل بما هو أهم في السياق وعليه الكلام والله أعلم.
(لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون)
بيّن أن آلهتهم ليس لها جاه ولا قدرة.
فكونها لا تنفع شفاعتها شيئاً معناه أنه ليس لها جاه.
وكونها لا تنفذ من يعبدها ويلتجئ إليها معناه أنها ليس لها قدرة.
فكيف يعبدون آلهة هذه صفتها؟!
ثم إنه بيّن أنها بمجموعها ليس لها مكانة ولا جاه، وأنها بمجموعها ليس لها قدرة. فلو أن آلهتهم جميعاً شفعت عند الله لم تغن شفاعتهم شيئاً.
ولو أنها جميعها أرادت أن تنقذه لم تستطع.
فما أتفه وما أضعف هذه الآلهة.
لقد قدم الشفاعة على القدرة لأن هذا هو الترتيب الطبيعي في الحياة فإن من استعان بشخص على آخر يشفع أولاً عنده فإن لم يُجدِ ذلك نفعاً لجأ إلى القوة وليس العكس. جاء في (التفسير الكبير): "ثم قال (لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) على ترتيب ما يقع من العقلاء. وذلك لأن من يريد دفع الضر عن شخص أضرّ به شخص يدفع بالوجه الأحسن فيشفع أولاً فإن قبله وإلا يدفع فقال (لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ) ولا يقدرون على إنقاذي بوجه من الوجوه"(10).
وجاء في (روح المعاني): "وهو ترقّ من الأدنى إلى الأعلى بدأ أولاً بنفي الجاه وذكر ثانياً انتفاء القدرة وعبر عنه بانتفاء الإنقاذ لأنه نتيجته!" (11)
فاستبان من هذه الآيات أن الله مستحق للعبادة من كل وجه:
1- أنه فطر الخلق.
2- وأنه يرسل الرسل إليهم ليرشدوهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم.
3- إليه المرجع والمصير فيعاقب المسيء ويكافئ المحسن.
4- أنه رحيم بعباده (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ).
5- أنه قوي مقتدر ليس لقدرته حدود.
6- وأن ما يدعون من دونه ليس لهم جاه وليس لهم قدرة وإن اجتمعوا.
جاء في (التفسير الكبير): "وفي هذه الآيات حصل بيان أن الله تعالى معبود من كل وجه.
إن كان نظرا إلى جانبه فهو فاطر ورب مالك يستحق العبادة سواء أحسن بعد ذلك أو لم يحسن.
وإن كان ناظراً إلى إحسانه فهو رحمن.
وإن كان نظراً إلى الخوف فهو يدفع ضره.
وحصل بيان أن غيره لا يصلح أن يعبده بوجه من الوجوه فإن أرادني مراتبه أن يعد ذلك ليوم كريهة وغير الله لا يدفع شيئاً إلا إذا أراد الله وإن يرد فلا حاجة إلى دافع"(12).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 73 إلى ص 86:
1- كذا في المطبوع والصواب: إلهاً.
2- التفسير الكبير 26/57
3- التفسير الكبير 26/59
4- أنظر معاني النحو 4/436.
5- التفسير الكبير 26/59.
6- روح المعاني 5/148، الكشاف 1/424
7- الكشاف 1/424.
8- فتح القدير 1/478.
9- التفسير الكبير 26/58.
10- التفسير الكبير 26/59
11- روح المعاني 22/227
12- التفسير الكبير 26/59.
الوقفة كاملة
|
| ٣٥٢ |
(إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)
أعلن إيمانه في هذا الجو المكفهر بكل صراحة وصدع بالحق من دون مواربة وأعلن أنه بدأ بنفسه وسبقهم إلى ما يدعوهم إليه ولم ينتظر من أحد أن يسبقه فيشجعه ويقوي قلبه ويشد عضده. وفي ذلك محض الإيمان ومحض الإخلاص.
ثم أنظر قوة إيمان هذا الرجل الذي تحدى قومه في ذلك الوقت الذي لا يطيقون فيه أن يسمعوا الرسل فهددوهم بالرجم إن لم يكفوا عن الدعوة.
فقال: ها أنا آمنت بربكم فاسمعون.
وقوله (فَاسْمَعُونِ) يدل على أنه أعلن إيمانه بصوت ظاهر مسموع غير خفي ولا متلجلج يسمعه كل أحد. وهذا يدل على أنه غير مبال بما سيحصل له من الرجم والتعذيب وما هو أكثر من ذلك.
واختيار (إِنِّي آَمَنْتُ) على (أنا آمنت) لما في ذلك من التوكيد والقوة. وقوله (بِرَبِّكُمْ) دون (بربي) مع أنه قال قبلها (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) ليبين أن ربهم هو ربه وهو الذي فطره وإليه يرجعون فهو ربه وربهم.
وقيل إن الخطاب بقوله (بِرَبِّكُمْ) للرسل، أي آمنت بربكم الذي تدعون إليه. والحق أن الخطاب للجميع فرب الرسل هو ربه ورب قومه وهو قد أعلن ذلك على الملأ وطلب من قومه إتباع الرسل والإيمان بما يدعوه إليه.
وعلى أية حال فهو صدع بالحق وجهر به ولم يبال بما سيحصل له من جراء إعلانه إيمانه هذا.
قيل: وقوله (آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) أولى من قوله (آمنت بربي) لأن كل شخص إنما هو مؤمن بربه فيقول له المقابل: وأن آمنت بربي أيضاً.
فقوله (آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) يدل على أنه الرب الذي يدعو إليه الرسل. ولو كان المقصود ربهم الذي يعبده قومه لما كان في قوله (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ… ) داع. وذكر الإيمان بالرب دون بقية الأسماء الحسنى له أكثر من مناسبة فقد مر قول الرسل (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) فقال (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ).
وقوله (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) والرب هو الذي يهدي من الضلال لأن الرب هو المربي والمرشد والمعلم. والهداية من أبرز صفات الرب ولذلك كثيراً ما تقترن الهداية باسم الرب وذلك نحو قوله تعالى (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) - طه (49، 50) وقوله (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) - الأنعام (161).
فناسب ذلك ذكر الرب.
وهناك أمر آخر حسّن ذكر الرب وهو قوله (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً) أي لا أتخذ من دونه إلهاً أي معبوداً. وقال ههنا (إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) فجعله هو الإله وهو الرب فهو إلهه وربه وبذلك جمع له بين الإلوهية والربوبية.
جاء في (التفسير الكبير): "في المخاطب بقوله (بربكم) وجوه:
(أحدهما) هم المرسلون. قال المفسرون: أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين وقال: إني آمنت بربكم فاسمعوا قولي واشهدوا لي.
و(ثانيهما) هم الكفار كأنه نصحهم وما نفعهم، قال فأنا آمنت فاسمعون.
و(ثالثهما) بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم، كما قلنا في قول الواعظ حيث يقول: يا مسكين ما أكثر أملك وما أنزر عملك، يريد به كل سامع يسمعه. وفي قوله (فَاسْمَعُونِ) فوائد:
(أحدها) أنه كلام متروّ متفكر حيث قال (فَاسْمَعُونِ) فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر.
و(ثانيها) أنه ينبه القوم ويقول: إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا: لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرت لآمنا معك.
و(ثالثها) أن يكون المراد السماع الذي بمعنى القبول. يقول القائل: نصحته فسمع قولي أي قبله.
فإن قلت: لم قال من قبل (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وقال ههنا (آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) ولم يقل آمنت بربي؟
نقول: قولنا الخطاب مع الرسل أمر ظاهر. لأنه لما قال (آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه. ولو قال (بربي) لعلهم كانوا يقولون: كل كافر يقول: لي رب وأنا مؤمن بربي.
وأما على قولنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان للتوحيد. وذلك لأنه لما قال (أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) ثم قال (آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) فهم أنه يقول: ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو قال: آمنت بربي. فيقول الكافر: وأنا أيضاً آمنت بربي ومثل هذا قوله تعالى (اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ(1).
وجاء في (البحر المحيط): "ثم صرح بإيمانه وصدع بالحق فقال مخاطباً لقومه إني آمنت بربكم أي الذي كفرتم به فاسمعون أي اسمعوا قولي وأطيعون فقد نبهتكم عل الحق وإن العبادة لا تكون إلا لمن منه نشأتكم وإليه مرجعكم. والظاهر أن الخطاب بالكاف والميم وبالواو هو لقومه والأمر على جهة المبالغة والتنبيه... وقيل الخطاب في (بِرَبِّكُمْ) وفي (فَاسْمَعُونِ) للرسل"(2).
وجاء في (روح المعاني): "الظاهر أن الخطاب لقومه شافههم بذلك وصدع بالحق إظهاراً للتصلب في الدين وعدم المبالاة بما يصدر منهم...
وإضافة الرب إلى ضميرهم لتحقيق الحق والتنبيه على بطلان ما هم عليه من اتخاذ الأصنام أرباباً أي إني آمنت بربكم الذي خلقكم.
(فَاسْمَعُونِ) أي فاسمعوا قولي فإني لا أبالي بما يكون منكم على ذلك.
وقيل مراده دعوتهم إلى الخير الذي اختاره لنفسه"(3).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 86 إلى ص 89:
1- التفسير الكبير 26/59.
2- التفسير الكبير 26/59 – 60.
3- البحر المحيط 7/329.
الوقفة كاملة
|
| ٣٥٣ |
(وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ)
أي لم يحتجْ إلى إنزال جند من السماء ليهلكهم(1) فهم أتفه من ذلك.
وقوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) يعني أنه ما كان يصح في حكمتنا وتقديرنا أن ننزل عليهم جنداً من السماء ولا ينبغي ذلك(2) لأنهم أقل شأناً من هذا.
وقيل أيضاً أن المعنى "أننا ما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم بل نبعث عليهم عذاباً يدمرهم"(3).
وعلى هذا يكون معنى قوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) أنه لا ينبغي أن ننزل على هؤلاء جنداً من السماء لإهلاكهم وإنا لم نكن نفعل ذلك فيما مضى.
فيكون المعنى نفي الإنزال على وجه العموم بدءاً من الماضي إلى هؤلاء القوم.
وأما إنزال الجند لنصرة رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) في بدر والأحزاب فذلك إنما كان تعظيماً لشأن سيدنا (صلى الله عليه وسلم)، وهو لا يشمله قوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) فإن ذلك متعلق بالأمم الماضية.
جاء في التفسير الكبير: "(وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) أية فائدة فيه مع أن قوله (وَمَا أَنْزَلْنَا) يستلزم أنه لا يكون من المنزلين؟
نقول: قوله (وَمَا كُنَّا) ما كان ينبغي لنا أن ننزل لأن الأمر كما كان يتم بدون ذلك فما أنزلنا وما كنا محتاجين إلى إنزال. أو نقول (وَمَا أَنْزَلْنَا، وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) في مثل تلك الواقعة جنداً في غير تلك الواقعة. فإن قيل فكيف أنزل الله جنوداً في يوم بدر وفي غير ذلك حيث قال (وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) ؟ نقول ذلك تعظيماً لمحمد (صلى الله عليه وسلم) "(4).
وذهب قوم إلى أن (مَا) في قوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) ليست نافية وإنما هي اسم موصول معطوف على (جُنْدٍ) أي ما أنزلنا على قومه من جند من السماء والذي كنا ننزله على الأمم من أنواع العذاب. ورده أبو حيان بأن ذلك يعني عطف المعرفة على النكرة المجرورة بمن الزائدة وهو لا يصح. جاء في (البحر المحيط): "وقالت فرقة (مَا) اسم معطوف على جند. قال ابن عطية أي من جند ومن الذي كنا منزلين على الأمم مثلهم. انتهى.
وهو تقدير لا يصح لأن (مِنْ) في (مِنْ جُنْدٍ) زائدة، ومذهب البصريين غير الأخفش أن لزيادتها شرطين:
أحدهما أن يكون قبلها نفي أو نّهي أو استفهام.
والثاني أن يكون بعدها نكرة.
وإن كان كذلك فلا يجوز أن يكون المعطوف على النكرة معرفة. لا يجوز (ما ضربت من رجل ولا زيد) وأنه لا يجوز (ولا من زيد). وهو قدر المعطوف بـ (الذي).
وهو معرفة فلا يعطف على النكرة المجرورة بـ (من) الزائدة"(5).
ورد أبو حيان فيه نظر فإن العطف في نحو هذا غير جائز غير أنه لا يعطف على اللفظ وإنما يعطف على الموضع. فإنه لا يصح أن نقول (ما جاءني من امرأة ولا محمودٍ) بجر محمود وإنما نقول برفع محمود. ولا يصح أن نقول (ما رأيت من امرأةٍ ولا خالدٍ) بجر خالد وإنما نقول (ما رأيت من امرأة ولا خالداً) بالنصب لأنه لا يمكن توجه العامل إلى المعرفة.
جاء في (المغني) في بحث (العطف على اللفظ): "وشرطه إمكان توجه العامل إلى المعطوف فلا يجوز في نحو (ما جاء من امرأة ولا زيد) إلا الرفع عطفاً على الموضع لأن (من) الزائدة لا تعمل في المعارف"(6).
ونحو هذا يكون العطف على اسم لا النافية للجنس. فإن اسم (لا) هذه لابد أن يكون نكرة فإن عطفت عليه معرفة تعين رفعه لأن (لا) لا تعمل في المعارف نحو (لا امرأة فيها ولا زيدٌ) بالرفع فإنه لا يصح في (زيد) النصب أو بناؤه على الفتح(7).
وعلى هذا فما المانع في الآية أن تكون (مَا) معطوفة على الموضع فتكون (جند) مجرورة و(ما) منصوبة مثل (ما رأيت من امرأة ولا زيدا)؟
والمعنيان صحيحان يحتملهما التعبير ويتسع لهما معاً فيكون ذلك من التوسع في المعنى.
وقد أسند الإنزال إلى نفسه فقال (وَمَا أَنْزَلْنَا) ليدل على أنه هو الذي أنزل العقوبة فهو الذي أرسل الرسل وهو الذي عززهم بثالث وقد أسند ذلك إلى نفسه فقال (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) فناسب أن يسند الإنزال إلى نفسه أيضاً ليدل على أن الجهة المرسلة والمعاقبة واحدة لا يليق أن يكون هو المرسل والمعاقب غيره. جاء في (التفسير الكبير) في قوله (وَمَا أَنْزَلْنَا): "قال ههنا (وَمَا أَنْزَلْنَا) بإسناد الفعل إلى نفسه.
وقال في بيان حال المؤمن (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) بإسناد القول إلى غير مذكور، وذلك لأن العذاب من باب الهيبة فقال بلفظ التعظيم. وأما في (ادْخُلِ الْجَنَّةَ) فقال: (قِيلَ) ليكون هو كالمهنأ بقول الملائكة حيث يقول له كل ملك وكل صالح يراه ادخل الجنة خالداً فيها"(8).
وقال (عَلَى قَوْمِهِ) بإضافة القوم إلى ضمير الرجل القتيل ذلك أن هذا الرجل أضافهم إلى نفسه فقال لهم (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) فهم قومه وقد دعاهم بـ (قومِ) ليتعطفهم ويدعوهم إلى ما يحييهم فقتلوه فقتلهم ربه سبحانه.
وقال (مِنْ بَعْدِهِ) ولم يقل (بَعْدِهِ) للدلالة على أنه أنزل العذاب عليهم بعده مباشرة ولم يمهلهم. فإن (مِنْ) تفيد ابتداء الغاية. ولو قال (وما أنزلنا على قومه بعده) لأحتمل الزمن القصير والطويل فجاء بمن ليدل على أنه عاجلهم بالعقوبة من دون إمهال.
جاء في (البحر المحيط): "وقوله (مِنْ بَعْدِهِ) يدل على ابتداء الغاية أي لم يرسل إليهم رسولاً ولا عاتبهم بعد قتله بل عاجلهم بالهلاك"(9).
وقال (مِنْ جُنْدٍ) فجاء بمن الدالة على الاستغراق ليدل على أنه لم ينزل جنداً قلّوا أو كثروا.
فقد استغرق نفي الإنزال كل الجند ولو لم يذكر (مِنْ) لاحتمل نفي إنزال الجنس ونفي الوحدة فقد يحتمل أنه أنزل جندياً أو جنوداً كما يحتمل أنه لم ينزل أصلاً.
واختار كلمة (جُنْدٍ) على (مَلَك) لأنه في مقام العقوبة والمحاربة فكان اختيار لفظ جند أنسب. فإن قومه حاربوا الله ورسوله فحاربهم الله سبحانه من غير جند. واختار الجند على الجنود فقال (مِنْ جُنْدٍ) ولم يقل (من جنود) ذلك أن الجنود جمع جند، فإن (الجند) يجمع على أجناد وجنود(10). ونفي الجند يعني نفي الجنود أما نفي الجنود فلا يعني نفي الجند. ذلك أن نفي الواحد مع (مِنْ) الاستغراقية يعني نفي الجنس كله بخلاف نفي الجمع. فإنه إذا قال (ما أنزلنا من جند) فإن هذا ينفي إنزال الجند والجنود. ونحوه إذا قل (ما حضر من رجال) فإنك نفيت الجمع ولكن لم تنف الواحد أو الاثنين فقد يكون حضر رجل أو رجلان. أما إذا قلت (ما حضر من رجل) فقد نفيت الجنس على سبيل الاستغراق سواء كان واحداً أم مثنى أم جمعاً فلم يحضر أحد. فقوله (مِنْ جُنْدٍ) نفى إنزال الجند والجنود ولو قال (من جنود) لم ينف إنزال الجند فكان ما ذكره أعم واشمل.
هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن (الجند) اسم جنس جمعي مفرده جندي فالياء للواحد وحذفها يفيد الجنس مثل رومي وروم(11) وزنجي وزنج.
أما الجنود فهو جمع تكسير. ومن المعلوم أن اسم الجنس يقع على القليل والكثير فهو يقع على الواحد والاثنين والجمع. فإنك إذا عاملت رومياً واحداً أو روميين جاز لك أن تقول عاملت الروم أما الجمع فلا يصح فيه ذلك وإنما يقع على الجمع فقط(12).
فقوله (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) نفى الواحد والاثنين والجمع لأنه نفى اسم الجنس الجمعي ولو جاء بالجنود لم ينف الواحد والاثنين فكان ما ذكره أولى من كل وجه.
واختار (مَا) للنفي على (لم) فلم يقل ولم (ننزل) وذلك لأن (مَا) أقوى في النفس من (لم)(13). وقد أكد النفي أيضاً بذكر (من) الاستغراقية المؤكدة، فأكد النفي باستعمال الحرف (مَا) واستعمال (من) الاستغراقية. وهناك أمر آخر حسّن ذكر (مَا) دون (لم) وهو ذكر (من) الاستغراقية فإن القرآن لم يأت البتة بمن الاستغراقية مع (لم) بخلاف (مَا).
وقال (مِنَ السَّمَاءِ) ولم يقل (من السماوات) لأن السماء أعم وأشمل من السماوات فهي تشمل السماوات وتشمل أيضاً الجو والسحاب وما علاك على وجه العموم فهي تشمل السماوات وزيادة(14)، فكان ذلك أشمل وأعم. كما ناسب ذكر (من) الاستغراقية ذكر السماء فإن كليهما للاستغراق والعموم.
وقد تقول: وما الحاجة إلى ذكر (السَّمَاءِ) وهو لم ينزل عليهم جنداً أصلاً لا من الأرض ولا من السماء؟
فتقول: أنه ذكر أنه لم ينزل عليهم جنداً من السماء وإنما أهلكهم بصيحة منها. فالسماء هي مبدأ إنزال العذاب لكن ليس بالجند وإنما بالصيحة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لو لم يذكر السماء لكانت الآية على النحو الآتي: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ).
وهذا المعنى لا يصح لأن قوله (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) ينفي إنزال الجنود على أية حال سواء كان من السماء أم من غيرها. في حين أن الله سبحانه أنزل جنوداً وأقواماً على آخرين فحاربوهم ودفع بعضهم ببعض وعاقب بعضهم ببعض.
وكل إتيان من مكان عال فهو نزول أو إنزال. وكل حرب حصلت بين قومين أو أقوام وانحدر أحدهما من مكان عال فهو نزول. وقد يعذب الله بعض الناس ببعض ويدفع بعضهم ببعض ويبعث بعضهم على بعض كما قال تعالى (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ - الحج (40) وقال (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا) - الإسراء (5).
ولا يخلو ذلك من إنزال جند، وكان يأجوج ومأجوج ينزلون من الجبل فيفسدون في الأرض. فلو حذف (مِنَ السَّمَاءِ) لم يستقم المعنى ولم يصح.
هذا وأنه لو حذف أي قيد لم يصح المعنى فإن الآية هي:
(وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ)
1- فإنه لو حذف (عَلَى قَوْمِهِ) لم يصح المعنى لأن الله سبحانه أنزل جنوداً من السماء بعده وذلك لنصرة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم).
2- ولو حذف (مِنْ بَعْدِهِ) لم يصح المعنى لأن القصد هو معاقبة قومه بعد قتله فإن حذف الظرف لم يفهم أن العقوبة بسبب قتله. والمراد بيان ذلك.
3- ولو حذف (مِنْ جُنْدٍ) لم يصح المعنى لأنه لا يعلم المنفي على وجه التحديد. ولكان النفي عاماً وهو لا يصح إذ سيكون التعبير (وما أنزلنا على قومه من بعده من السماء وما كنا منزلين) وهو نفي لإنزال الجنود ولكل أنواع العذاب من السماء بل هو نفي لكل إنزال من السماء سواء كان خيراً أم شراً وهو لا يصح ولا يستقيم وإذا قيدنا المنزل بالعذاب لم يصح أيضاً إذ سيكون المعنى (وما أنزلنا على قومه من بعده عذاباً من السماء وما كنا منزلين) وهو لا يصح لأن الله سبحانه أنزل عليهم وعلى من قبلهم عذاباً من السماء ولكن ليس جنداً كما أخبر ربنا سبحانه.
فقد قال في قوم موسى (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) - البقرة (59). وقال في قوم لوط (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) - العنكبوت (34).
وأرسل على قومه وعلى من قبلهم الصيحة من السماء. والسماء كلمة عامة تشكل كل ما علا سواء كان سحاباً أم غيره. وقد فسر ربنا الرجز النازل على قوم لوط من السماء بأنه الصيحة وإرسال الحجارة، قال تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) الحجر (73، 74) فلا يصح الحذف.
4- ولو حذف (مِنَ السَّمَاءِ) لم يصح لما ذكرناه.
فكان أعدل الكلام كلام ربنا سبحانه.
جاء في (التفسير الكبير): "قال (مِنَ السَّمَاءِ) وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل إليهم جنداً من الأرض فما فائدة التقييد؟
نقول الجواب على وجهين:
(أحدهما) أن يكون المراد: وما أنزلنا عليهم جنداً بأمر من السماء فيكون للعموم.
(وثانيهما) أن العذاب نزل عليهم من السماء فبين أن النازل لم يكن جنداً لهم عظمة وإنما كان ذلك بصيحة أخمدت نارهم وخربت ديارهم"(15).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 95 إلى ص 101:
1- أنظر التفسير الكبير 26/61، فتح القدير 4/356
2- أنظر الكشاف 2/586، التفسير الكبير 26/62، روح المعاني 23/12، فتح القدير 4/356
3- تفسير ابن كثير 3/569
4- التفسير الكبير 26/62
5- البحر المحيط 7/331 – 332 وأنظر روح المعاني 23/2
6- مغني اللبيب 2/473
7- أنظر شرح الأشموني 2/12
8- التفسير الكبير 26/61
9- البحر المحيط 7/331
10- المصباح المنير (جند) 1/111
11- أنظر المصباح المنير (جند) 1/111
12- أنظر شرح الرضي علي الشافية 2/178
13- أنظر معاني النحو 4/570
14- أنظر التعبير القرآني (42 – 43).
15- التفسير الكبير 26/61.
الوقفة كاملة
|
| ٣٥٤ |
(إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ)
أي ما كانت العقوبة أو الأخذة إلا صيحة واحدة(1) واسم كان ضمير مستتر ونفي بإنْ ولم ينف بـما، ذلك لأن (إن) أقوى من (ما)(2) ولذلك كثيراً ما تقترن بـإلا لإفادة القصر. ويتبين من مواطن اجتماعهما. قال تعالى (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ)- يوسف (31) فإثبات الملكية ليوسف يحتاج إلى قوة ولذلك نفى بـما أولاً ثم نفى بإنْ وإلا لما هو أقوى. ونحو ذلك ما ذكرناه في قوله (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) فنفى أولاً بـما ثم نفى وأثبت بـإنْ وإلا. ونحوه ما مرّ قريباً وهو قوله تعالى (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً9 فنفى بمَا أولاً ثم نفى وأثبت بـإنْ وإلا.
وقوله (واحدة) نعت مؤكد وقد أفاد أمرين:
بيان بالغ قدرة الله، وبيان هوانهم وضعفهم فإنهم لم يحتاجوا إلى أكثر من صيحة واحدة.
وأضمر اسم كان لظهوره ووضوحه فإنه دل عليه القيام وإن لم يجر له ذكر.
وجاء بالفاء وإذا الفجائية للدلالة على سرعة هلاكهم. فإن الفاء تفيد الترتيب والتعقيب.
وإذا تفيد المفاجأة وجاء بهما معاً للدلالة على سرعة المفاجأة بحيث لم تكن بين الصيحة وخمودهم مهلة.
ولا يؤدي أي حرف هذا المؤدى فلو جاء بثم فقال (ثم إذا هم خامدون) لدلّ على أن خمودهم إنما حصل بعد مدة من الصيحة نظير قوله تعالى (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) - الروم (20).
ولو جاء بالواو لم يدل ذلك على التعقيب أيضاً ولم يدل أن ذلك إنما كان بسبب الصيحة فإن الواو لا تفيد السبب بل تفيد الإتباع. فجاء بالفاء للدلالة على معنيين السبب والسرعة ولا يؤدي أي حرف مؤداها.
جاء في (التفسير الكبير): "وقوله (وَاحِدَةً) تأكيد لكون الأمر هيناً عند الله.
وقوله (فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) فيه إشارة إلى سرعة الهلاك فإن خمودهم كان مع الصيحة وفي وقتها لم يتأخر"(3).
وجاء في (البحر المحيط) في قوله (فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ): "أي فاجأهم الخمود إثر الصيحة لم يتأخر"(4). وجاء في (روح المعاني): "وإن نافية وكان ناقصة واسمها مضمر وصيحة خبرها أي ما كانت هي
أي الأخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة...
و (إذا) فجائية وفيها إشارة إلى سرعة هلاكهم بحيث كان مع الصيحة وقد شبهوا بالنار على سبيل الاستعارة المكنية"(5).
وقال (خَامِدُونَ) إشارة إلى سرعة هلاكهم وانطفاء حياتهم كانطفاء السراج.
واختيار هذا الوصف أحسن اختيار. فإنه مأخوذ من خمود النار وهو سكون لهبها وذهاب حسيسها يقال: "خمدت النار تخمد خموداً سكن لهبها ولم يطفأ جمرها.
وهمدت هموداً إذا أطفئ جمرها البتة. وأخمد فلان ناره وقوم خامدون لا تسمع لهم حساً. جاء في التنزيل العزيز (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ).
قال الزجاج: "فإذا هم ساكتون قد ماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد الهامد"(6).
وفي (القاموس المحيط): "خمدت النار كنصر وسمع خمداً وخموداً سكن لهبها ولم يطفأ جمرها"(7). وفي (المصباح المنير): "خمدت النار خموداً من باب قعد ماتت فلم يبق منها شيء قيل سكن لهبها وبقي جمرها"(8).
وفي (أساس البلاغة): "نار خامدة وقد خمدت خموداً سكن لهبها وذهب حسيسها"(9).
يتضح مما مر أن الفعل خمد يحمل المعاني الآتية:
1- يقال خمدت النار أي سكن لهبها ولم يطفأ جمرها.
2- وقيل أيضاً خمدت النار إذا ماتت ولم يبق منها شيء.
3- ويقال خمد القوم إذا سكتوا فلم يسمع لهم حساً.
4- وخمد القوم سكتوا وماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد الهامد.
5- أما همود النار فهو انطفاؤها وعدم بقاء أثر منها.
جاء في (لسان العرب): "همدت النار تمهد هموداً طفئت طُفوءاً وذهبت البتة فلم يبن لها أثر...
الأصمعي: خمدت النار إذا سكن لهبها وهمدت هموداً إذا طفئت البتة"(10).
وجاء في (القاموس المحيط): "الهمود الموت وطفوء النار أو ذهاب حرارتها"(11).
وجاء في (المصباح المنير): "همدت النار هموداً من باب قعد ذهب حرها ولم يبق منه شيء"(12).
واختيار الخمود على الهمود أنسب من عدة نواح منها:
1- أن في ذلك إشارة إلى سرعة سكونهم وانقطاع حركتهم فإن الخمود أسرع من الهمود ذلك أن إطفاء السراج والشعلة إنما يكون في أسرع وقت.
جاء في (التفسير الكبير): "والخمود في أسرع زمان فقال (خامدين) بسببها فخمود النار في السرعة كإطفاء سراج أو شعلة"(13).
2- وبيان أن حركتهم وأصواتهم قد خمدت فلا تسمع لهم حساً وذلك بعد التوعد والتهديد والضجيج والصخب الذي ملأ القرية وبعد البطش والتنكيل بالرجل الناصح. بعد كل ذلك إذا هم ساكتون خامدون لا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزاً.
3- ثم إن اختيار الخمود مناسب لقوله (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) وذلك أنه إذا كان في موضع ما ضجيج وصياح وصخب فإنه لا يسكته إلا صوت أو صيحة أعلى منه فصاح بهم صيحة أسكتتهم وأخمدتهم.
4- إن في اختيار الخمود على الهمود إشارة إلى البعث بعد الموت فإن الخمود لا يعني الفناء وإنما يعني ذهاب اللهب والحرارة وبقاء الجمر فكأن ذلك إشارة إلى مفارقة الأرواح للأبدان وليس فناءها. جاء في (روح المعاني): "ولعل في العدول عن (هامدون) إلى (خَامِدُونَ) رمزاً خفياً إلى البعث بعد الموت"(14).
5- اختيار الخمود على الهمود فيه صورة فنية أخرى. وهي صورة الجمر الذي يغطيه الرماد وهي شبيهة بحالة الجثة التي يعلوها تراب القبر وفيها إشارة إلى أنهم يخترقون بالنار في داخلها وإن كان لا يظهر ذلك للناظرين.
6- ومن معاني الخمود الموت أيضاً كالهمود. فأعطى الخمود معنى الهمود مع معان أخرى لا يؤديها الهمود كسرعة الهلاك والسكوت بعد الصيحة والرمز الخفي إلى البعث بعد الموت وأن ظاهرهم ساكن بارد وحقيقتهم نار تحرق.
فكان اختيار الخمود أولى والله أعلم.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 101 إلى ص104:
1- الكشاف الكبير 26/61
2- أنظر معاني النحو 4/576
3- التفسير الكبير 26/62
4- البحر المحيط 7/332
5- روح المعاني 23/02
6- لسان العرب (خمد) 4/144
7- القاموس المحيط (خمد) 1/292
8- المصباح المنير (خمد) 1/181
9- أساس البلاغة (خمد) 250
الوقفة كاملة
|
| ٣٥٥ |
(وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ)
بعد أن ذكر الحب وهو الأهم ذكر الجنات من النخيل والأعناب وهما دون الحب بالنسبة إلى طعام الناس.
والمقصود بالنخيل والأعناب هما الشجر وليس الثمر ولذلك قال فيما بعد (لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ) ولم يقل (ليأكلوا منه) ثم إن قوله (جَنَّاتٍ) يدل على ذلك أيضاً.
وقدم شجرة النخيل على العنب لأنها أفضل منها. فإن فوائد النخلة كثيرة ولا يخلو أي جزء منها من فائدة. ولا تقاس شجرة العنب بالنخلة من حيث الفائدة فشجرة العنب ضئيلة الفائدة بخلاف ثمرها. جاء في (التفسير الكبير): "في المواضع التي ذكر الله الفواكه لم يذكر التمر [بل ذكره](1) بلفظ شجرته وهي النخلة ولم يذكر العنب بلفظ شجرته بل ذكره بلفظ العنب والأعناب ولم يذكر الكرم وذلك لأن العنب شجرته بالنسبة إلى ثمرته حقيرة قليلة الفائدة والنخل بالنسبة إلى ثمرته عظيمة جليلة القدر كثيرة الجدوى. فإن كثيراً من الظروف منها يتخذ وبلحائها ينتفع ولها شبه بالحيوان فاختار منها ما هو الأعجب منها(2).
وقد تقول: ولكنه قدم العنب على النخل في موطن آخر من القرآن الكريم وهو قوله تعالى (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) عبس (24 – 31).
فنقول: لم يتقدم العنب على النخل في القرآن إلا في موطنين:
أحدهما في آيات عبس هذه.
والموطن الآخر في سورة الرعد وهو قوله تعالى (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)الرعد (4).
أما آيات عبس فإنه ذكر فيها الأطعمة فقد قال (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) ثم ذكر عدداً منها فذكر الحب والعنب والزيتون. أما النخل فإنه ليس بطعام وإنما هو اسم للشجرة التي تحمل التمر في حين أن المذكور قبلها هو الثمر. فكل من العنب والزيتون ثمر، والحب طعام أما النخل فهو شجر. فلما قال (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) قدم الأطعمة وأخر الشجر ولذا جعل النخل بجنب الحدائق فقال (ونخلاً وحدائق غلباً).
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أنه رتب المذكورات بحسب الكثرة. فالحب أكثر المذكورات وجوداً وإنتاجاً في العالم. ثم العنب وهو أقل من الحب وأكثر من الزيتون. إن العنب ينبت في أجواء متباينة تبايناً كبيراً وإنتاجه في العالم أضعاف إنتاج الزيتون.
ثم ذكر الزيتون وهو أقل من العنب.
ثم النخل وهو أقل، وإنتاجه في العالم أقل بكثير من الزيتون. وهو لا يثمر إلا في أجواء خاصة وليس منتشراً في الأرض انتشار الزيتون.
فرتب الأطعمة فإنه ذكر فيها المتجاور من النبات واختلافه في الأكُل فبدأ بجنات الأعناب ثم انتهى إلى أقرب المتجاور وهو النخل الصنوان الذي أصله واحد وهو أقرب من كل متجاورين.
فبدأ بجنات الأعناب وهي قطع متجاورة من البساتين، ثم ذكر ما هو أقرب تجاوراً وهو الزرع في الحقل الواحد أو الحقول المتقاربة.
والزرع أقرب إلى بعضه من أشجار العنب فإنه إذا كان في حقل واحد فهو أقرب إلى بعضه من الجنات المتعددة وإن كانت متجاورة. ثم إن نبتة الزرع أقرب إلى أختها من أشجار الكرم إذ أن أشجار الفاكهة ينبغي أن تتباعد عن بعضها ليكثر ثمرها ويحسن. والزرع لا يحتاج إلى مثل ما يحتاج إليه الشجر من المسافات.
ثم انتهى إلى النخل الصنوان وغيره. وهو أقرب من كل شيء إذ الصنوان هو النخل الذي يخرج من أصل واحد وهي الفسائل المتعددة التي تخرج من أصل النخلة وهذه أقرب من كل شيء إلى بعضها فهي أقرب المذكورات تجاوراً.
فرتبها بحسب التجاور فبدأ بالجنات وانتهى إلى الأشجار التي تخرج من أصل واحد وهي الفسائل التي تخرج من نخلة واحدة.
فكان التقديم بحسب ما يقتضيه السياق
وقال في الحب (فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) وقال في الثمر (لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ) بذكر لام التعليل
ذلك أن الناس يأكلون من الحب على الدوام وهم مستمرون على ذلك. أما الفاكهة فليست كذلك فهم لا يأكلون منها على الدوام وإنما يأكلونها في أوانها. ثم إن كثيراً من الناس ليس بوسعهم أن يأكلوا الفاكهة إلا في أوقات متباعدة. ففرق بين ما هم مستمرون على أكله وما ليس كذلك.
وهناك سؤال وهو أنه لماذا ذكر الأكل بعد ذكر الحب مباشرة فقال (وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) وأخر الأكل عن الثمار إلى ما بعد ذكر تفجير العيون ولم يجعلها بعد ذكر الجنات مباشرة فقال (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ)؟
قيل أن السبب في ذلك أن الحب لا يحتاج إلى العيون والأنهار الجارية وإنما قد يكفيه ماء السحاب بخلاف الجنات فإنها تحتاج إلى ماء مستديم لسقيها وذلك يكون من العيون والآبار والأنهار. فحاجة الجنات إلى العيون والماء المستديم أكثر من حاجة الحب. فالعيون أو مقامها هو الشرط الأول لقيام الجنات وهو مبدأ قيامها جاء في (التفسير الكبير): "لم أخر التنبيه على الانتفاع بقوله (لِيَأْكُلُوا) عن ذكر الثمار حتى قال (وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ) وقال في الحب (فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) عقب ذكر الحب، ولم يقل عقب ذكر النخيل والأعناب ليأكلوا؟
نقول: الحب قوت وهو يتم وجودة بمياه الأمطار ولهذا يُرى أكثر البلاد لا يكون بها شيء من الأشجار والزرع والحراثة لا تبطل هناك اعتماداً على ماء السماء وهذا لطف من الله حيث جعل ما يحتاج إليه الإنسان هو أعم وجوداً.
وأما الثمار فلا تتم إلا بالأنهار ولا تصير الأشجار حاملة الثمار إلا بعد وجود الأنهار فلهذا أخر"(3).
وقد تقول: ولم أخر ذكر تفجير العيون عن ذكر الحب والفاكهة مع أن الماء سابق لهما وهو شرط لوجودهما؟
والجواب أن ذلك لأكثر من سبب:
1- منها أنه قدم على المشروب وذلك لأن الطعام أهم والحصول عليه أعسر.
والناس يجهدون للحصول عليه بخلاف الشرب فإن الحصول عليه أيسر فقدم الطعام على المشروب.
وتقديم الطعام على المشروب هو الشائع في القرآن الكريم، فهو يقدم الطعام على الشراب إذا اجتمعنا، قال تعالى (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) البقرة (60).
وقال: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ )الشعراء (79). وقال: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ )ثم قال بعدها (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ) الواقعة (68) وكذلك ههنا.
2- ومنها أن السياق في إحياء الموتى فذكر الأرض الميتة وإحياءها وإخراج الحب والجنات منها دليلاً على ذلك. فإحياء الأرض وإخراج الحب والجنات دل ذلك من تفجير العيون.
3- أنه ذكر الأكل ولم يذكر الشرب، فقد قال في الحب (فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) وقال في الجنات (لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ). ولم يقل في العيون (ليشربوا منها) فلذلك قدم ما يؤكل وأخر ما لم يجر له ذكر. هذا إضافة إلى أنه ذكر تفجير لعيون لغرض الأكل وهو إحياء الأرض وإنشاء الجنات وليس للشرب. فقدم ما عليه مدار الكلام والسياق.
4- أنه قال (وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ) والضمير في (فِيهَا) يعود إما على الجنات أو يعود على الأرض.
فإن عاد على الجنات أي (وفجرنا في الجنات من العيون) كانت العيون متأخرة عن الجنات في الوجود لأن التفجير كان في الجنات فتكون الجنات سابقة لها. وعلى هذا تكون العيون متأخرة عنها في الوجود فناسب تأخيرها وتقديم ما قدم لسبقه.
وإن كان الضمير يعود على الأرض لا على الجنات أي (وفجرنا في الأرض من العيون) فالتفجير لا علاقة له بجنات النخيل والأعناب لأن التفجير سيكون في الجنات وغيرها. وقد يكون سابقاً للجنات أو متأخراً عنها.
5- إن الماء هو السبب الأول لإخراج الحب والجنات وليست العيون. فإن المهم هو توفر الماء لإنبات الزرع وإخراج الحب والجنات سواء كان ذلك عن طريق العيون أم عن غيرها. وإن أكثر الجنات في الأرض ليس فيها عيون ماء وإنما تسقى بالماء. أما تفجير العيون فيها فللزيادة في النعمة ولذا فالعيون لا ترتبط بالجنات.
فقد تكون في الجنات عيون ماء وقد لا تكون. وقد تتفجر عين في جنة من الجنات بعد مدة غير قليلة من وجودها فيكون ذلك زيادة في الخير كما قال تعالى (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ) لكهف (32 – 34) فذكر الجنتين وأن كلاً منهما أتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً ثم قال (وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا) مما يدل على أن التفجير كان في زمن متأخر زيادة في الاختبار والابتلاء إذ التفجير كان خلال الجنتين.
فلا ارتباط مكانياً أو زمانياً لازم بين الجنات والعيون. إذ قد تكون جنات وليس فيها عيون ماء. وقد تكون عيون وليس ثمة جنات.
ثم إن الجنات أهم وأفضل من عيون الماء لأنه بها غذاء الناس وطعامهم أما الماء فمقدور عليه في الغالب.
إن الشائع في التعبير القرآني أنه إذا اجتمعت الجنات والعيون قدم الجنات على العيون. قال تعالى ( أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) الشعراء (146 – 147).
وقال: (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) - الشعراء (57).
وقال: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)- الدخان (25).
وقال: ( أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) الشعراء (133 – 134).
وقال: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) نوح (12).
غير أنه يقدم الماء إذا أراد أن يبين أنه سبب الإنبات كما قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ)المؤمنون (18، 19).
وقال (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ)- ق (9).
وقال: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) الأنعام (99).
وقال: (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا)- النبأ (14 – 16).
وغير ذلك.
فحسن تقديم ما قدم من الحب من كل وجه والله أعلم.
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه قال (وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ) بتضعيف العين للدلالة على الكثرة فإن (فعّل) المضعف العين يفيد التكثير والمبالغة أما الفعل الثلاثي فلا يفيد التكثير. قال تعالى (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا )أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا) الإسراء (90،91).
فقال (تَفْجُرَ) بالتخفيف لأنه ينبوع واحد في حين قال (فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ) بالتضعيف لأنه ذكر أنهاراً لا ينبوعاً.
وقال تعالى (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) - القمر (12) وذلك أنه جعل الأرض عيوناً كلها.
وقد تقول: ولكنه قال: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا) بالتشديد.
فنقول إن ذلك يدل على كثرة الماء في هذا النهر وغزارته مما يدل على كثرة التفجير.
(وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ)
تحتمل أن تكون (مَا) نافية أي أن الثمر لم تعمله أيديهم وإنما هو من فعل الله كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) يس (71).
فالثمر لم تعمله أيدي الناس وإنما عملته يد القدرة الإلهية.
وتحتمل أن تكون اسماً موصولاً أيضاً والمعنى: (ليأكلوا من ثمره ومن الذي عملته أيديهم). والموصولة تكون على أكثر من معنى.
من ذلك أن المعنى ليأكلوا من ثمره ومما يعملون من الثمار من الشراب والدبس وغيرهما ومما يعمله الناس من الثمار.
وقيل: إن المعنى على الموصولة: ليأكلوا مما عملته أيديهم من الغرس والسقي والكد والقيام على أمرها حتى تنضج.
وقيل: إن المعنى يحتمل أيضاً أن يذكرنا أن الثمر على نوعين:
قسم لا يدخل فيه عمل الإنسان وإنما يخرجه الله من دون أن تعمل فيه يد الإنسان.
وقسم يتعب فيه الإنسان ويكد من غرس وتعهد وتأبير وما إلى ذلك فتعمل فيه يد الإنسان.
فذكر هنا نوعي الثمر: ما لم تعمل فيه أيديهم وما عملته أيديهم.
والوجه الأول أقوى في معنى الموصولة.
ويترجح عندي معنى النفي وكلاهما محتمل.
جاء في (الكشاف): (لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ) والضمير لله تعالى والمعنى: ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر. ومما (عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) في الغرس والسقي والآبار وغير ذلك من الأعمال إلى أن بلغ الثمر منتهاه وإبان أكله. وأصله (من ثمرنا) كما قال: وجعلنا، وفجرنا فنقل الكلام من المتكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات. ويجوز أن يرجع إلى النخيل وتترك الأعناب غير مرجوع إليها لأنه علم أنها في حكم النخيل فيما علق به من أكل ثمره.
ويجوز أن يراد من ثمر المذكورات وهو الجنات....
ولك أن تجعل (مَا) نافية على أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه"(4).
وجاء في (التفسير الكبير): "(مَا) في قوله وَمَا (عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) من أي الماءات هي؟
نقول: فيها وجوه.
(أحدها) نافية كأنه قال: وما عملت التفجير أيديهم بل الله فجر.
و (ثانيها) موصولة بمعنى (الذي) كأنه قال: والذي عملته أيدهم من الغراس بعد التفجير يأكلون منه أيضاً ويأكلون من ثمر الله الذي أخرجه من غير سعي من الناس...
(المسألة الرابعة) على قولنا (مَا) موصولة يحتمل أن تكون وما عملته أي بالتجارة كأنه ذكر نوعي ما يأكل الإنسان بهما وهما الزراعة والتجارة. ومن النبات ما يؤكل من غير عمل الأيدي كالعنب والتمر وغيرهما ومنه ما يعمل فيه عمل صنعة فيؤكل كالأشياء التي لا تؤكل إلا مطبوخة. وكالزيتون الذي لا يؤكل إلا بعد إصلاح"(5).
وجاء في (روح المعاني): "( وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) (مَا) موصولة في محل جر عطف على ثمره... أي وليأكلوا من الذي عملوه أو صنعوه والمراد به ما يتخذ من الثمر كالعصير والدبس وغيرهما...
وقيل (مَا) نافية وضمير (عَمِلَتْهُ) راجع إلى الثمر"(6).
(أَفَلَا يَشْكُرُونَ)
أي ألا يستدعي ذلك شكر المنعم الذي أمدهم بهذه النعم الجليلة؟
قال ذلك بصيغة الاستفهام. ولم يقل (فليشكروا لي) بصيغة الأمر وذلك لأنه أراد أن يقول لهم: ألا يستوجب ذلك شكر ربهم؟
وهو عرض لطلب الشكر مع إنكار لعدم الشكر وفيه بيان أن عدم شكر المنعم قبيح. وجاء بالفاء الدالة على السبب لأن ما ذكره من النعم السابقة من الدواعي الموجبة للشكر، فالنعم سبب للشكر ومدعاة إليه.
جاء في (روح المعاني): " (أَفَلَا يَشْكُرُونَ) إنكار واستقباح لعدم شكرهم للمنعم بالنعم المعدودة بالتوحيد والعبادة. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي أيرون هذه النعم أو أيتنعمون بها فلا يشكرون المنعم بها"(7).
وقد تقول: لقد قال في موطن آخر (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ)الواقعة (70) فجاء بلولا الدالة على التحضيض وهو الطلب بحث وشدة وهنا جاء بما يفيد العرض مع استثارة النفوس لشكر النعم فما الفرق؟
فنقول: إن السياق في سورة يس هو في تعداد النعم وذكر الآيات والدلائل ومظاهر الرحمة بهم. أما في الواقعة فهو في مقام التحذير والتوعد والتهديد بالعقوبة وزوال النعمة. قال تعالى:
(نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) - (60 – 70 ).
فناسب هذا التهديد والتحذير الحض على الشكر والحث عليه.
فاتضح الفرق.
ثم من الملاحظ أنه أطلق الشكر ولم يقيده، فإن الشكر قد يكون للنعمة وقد يكون للمنعم، قال تعالى (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِي
إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) - النحل (114).
وقال: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) - النمل (19).
فهذا من شكر النعم.
وقد يكون الشكر للمنعم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) البقرة (172).
وقال: (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) سبأ (15).
وهنا أطلق الشكر ليتناول شكر النعمة وموليها.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 121 إلى ص 130:
1- أنظر البحر المحيط 7/334
2- الكشاف 2/587
3- جروح المعاني 23/7
4- زيادة يقتضيها السياق.
5- التفسير الكبير 26/67
6- التفسير الكبير 26/67 وأنظر روح المعاني 23/7 – 8
7- الكشاف 2 /587
الوقفة كاملة
|
| ٣٥٦ |
برنامج لمسات بيانية
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ
أي ألم يعلموا كثرة إهلاكنا للأمم الماضية فيتعظوا. و(كَمْ) خبرية تفيد التكثير.
والقرون جمع قرن وهو الأمة.
وفي الآية مسائل:
1- أنه قال أَلَمْ يَرَوْا. وفي مكان آخر قال أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا.
2- وقال ههنا قَبْلَهُمْ وقال في مكان آخر (من قبلهم).
3- وقال ههنا مِنَ الْقُرُونِ فجمع وقال في مكان آخر (من قرن) فأفرد.
4- وقال ههنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ فقدم الظرف على القرون.
وفي مكان آخر قدم القرون على الظرف فقال وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وقال وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
فما سر هذا الاختلاف؟
فنقول:
1- إن معنى (أَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) (ألم يتبين لهم). ومعنى (ألم تر) و (ألم يهد لك) متقاربان إلى حد كبير ولكن القرآن خص كل تعبير بموطن. فقد استعمل الرؤية في نحو هذا في موطنين وهما آية يس هذه. والموطن الآخر قوله تعالى في سورة الأنعام أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ - الأنعام (6).
واستعمل (أَلَمْ يَهْدِ) في موطنين أيضاً وهما قوله تعالى في سورة السجدة أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ - السجدة (26). وقوله في سورة طه أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى - (128).
والملاحظ أنه يستعمل فعل الرؤية في سياق ذكر العقوبات الدنيوية فيقول أَلَمْ يَرَوْا ولعل ذلك لأن عقوبات الدنيا يمكن أن ترى آثارها.
أما في سياق الآخرة وأحوالها وعقابها فيستعمل (أَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) ولعل ذلك والله أعلم أنه من باب الهداية العقلية والتبصر وهو ألصق بالهداية والتبين من الرؤية.
وإليك إيضاح ذلك.
فإنه بعد أن ذكر عقوبة أهل القرية في يس بقوله إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ قال أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ.
وقال في سورة الأنعام فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ - (5). فحذرهم. ثم ذكر الآية أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا.... بعدها وفيها قوله فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ثم يلفت نظرهم إلى ما أوقعه من عقوبات على الأمم المكذبة قبلهم وذلك نحو قوله وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ - (10، 11). فأنت ترى أن الآية ذكرت في سياق العقوبات الدنيوية فذكر (أَلَمْ يَرَوْا).
وأما قوله أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ فقد جاء في سياق أحوال الآخرة. قال تعالى أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ - السجدة (18 – 20).
وقال إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَأَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ... .
فقال (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) في سياق ذكر أحوال الآخرة.
وكذلك الحال في آية طه فقد قال تعالى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ....
فقال (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) في سياق أحوال الآخرة أيضاً ولم يذكر شيئاً من العقوبات الدنيوية.
3- وأما قوله (قَبْلَهُمْ) و (مِنْ قَبْلِهِمْ) فإن (مِنْ) تفيد ابتداء الغاية فتفيد الزمن الذي قبل المعنيّين بالضمير مباشرة فما قبله. وأما (قَبْلَهُمْ) فيفيد الزمن القريب والبعيد كما هو معلوم. فقوله (كم أهلكنا من قبلهم) فيه تهديد وتوعد أكبر من قوله (قَبْلَهُمْ) من دون (مِنْ) وذلك لأن إهلاك القريب أدعى إلى الموعظة والعبرة من إهلاك البعيد، وهو أشد تأثيراً في النفوس. فكلما كان الهالك أقرب زمناً إلى الشخص كان أدعى إلى الموعظة من ذوي الأزمان السحيقة. ولذلك هو يستعمل (مِنْ قَبْلَهُمْ) في مواطن التهديد والتوعد الشديد. وإليك بيان ذلك:
قال تعالى في سورة يس أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ.
وقال في السجدة أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ - (26، 27).
ولو نظرنا في سياق الآيتين لأتضح لنا أن التهديد في السجدة أكبر وأشد ما في يس وذلك من جملة نواح، منها:
1- أنه قال في السجدة (يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) أي يمرون ويمشون فيها ويبصرونها وذلك أدل على التوعد وأدعى للموعظة والعبرة. فإن دخول مساكن المهلكين والمشي فيها يبعث أثاراً عميقة في النفس. والتهديد بأن مصيرهم كمصير أولئك أوضح.
2- قال في السجدة إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ ولم يقل مثل ذلك في يس.
3- أنه عقب بعد ذلك بقوله أَفَلَا يَسْمَعُونَ تقريعاً لهم، أي لا يسمعون حديثهم وأخبارهم؟
4- ثم قال بعدها أَفَلَا يُبْصِرُونَ زيادة في التقريع.
5- وقد تهددهم وتوعدهم قبل هذه الآية بأن يذيقهم العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة بقوله وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
- (21) ولم يقل مثل ذلك في يس.
6- ذكر من آثار رحمة الله ونعمه عليهم في سورة يس من إخراج الحبوب وإنشاء الجنات وتفجير العيون ما لم يذكره في سورة السجدة فإنه لم يذكر في السجدة إلا إخراج الزرع الذي يأكل منه الأنعام والناس.
فكان المقام والسياق في السجدة يدل على التهديد والتوعد أشد مما هو في سورة يس فجاء بـــ (قَبْلَهُم) في يس و (مِنْ قَبْلِهِمْ) في السجدة.
ونحو ذلك قوله تعالى في سورة (ص): كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ - (3).
وقوله في سورة (ق): وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ - (36).
فقال في (ص): مِن قَبْلِهِم، وقال في (ق) قَبْلَهُمْ.
ومن النظر في السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين يتضح أن التوعد والتهديد في (ص) أشد مما في (ق)، فإنه في (ق) لم يزد على أن قال بهد هذه الآية إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ - (37) ثم انتقل إلى أمر آخر ثم إلى الحشر في الآخرة.
وأما في (ص) فإن السياق يختلف فقد ذكر من موجبات توعدهم ما لم يذكره في (ق). فقد قال بعد هذه الآية: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌأَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَاد مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌأَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ. من (4 – 8).
1- فقد ذكر أنهم قالوا: هذا ساحر كذاب.
2- وتعاهد الملأ على نصرة الآلهة وتواصلوا بذلك.
3- وقالوا إن ما أتى به الرسول إنما هو اختلاق وكذب.
4- وعجبوا كيف ينزل عليه الذكر من بينهم.
في حين لم يزد في (ق) على أنه قال بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) واستبعدوا البعث بقولهم أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3).
وليس في مثل تلك الخصومة والمواجهة.
وعلاوة على ذلك فقد توعهدهم بالعذاب بقوله بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ أي لم يذوقوه بعد وسيذوقونه.
ثم تهددهم مرة أخرى بقوله وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ - (15).
فالفرق بين المقامين واضح. فإن موقف الكفار من الرسول في (ص) أشد وكان تهديده لهم اشد فقال في (ص) (مِن قَبْلِهِم) وقال في (ق) (قَبْلَهُمْ).
فاتضح الفرق بين قوله كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ و مِن قَبْلِهِم.
وهناك أمر آخر حسّن قوله (قَبْلَهُمْ) في سورة يس إضافة إلى ما ذكرناه وهو أنه قال في ختام الآية أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وذلك ليدل على أن الأمم لا ترجع إلى الدنيا وإن تطاول عهدها بالفناء وابتعد زمانها وأن الأمم الهالكة جميعها لا تعود إلى الدنيا وليس ذلك مختصاً بما زمنه قريب منهم فإنه لم ترجع أمة أبيدت وأهلكت منذ أول الدنيا إلى الآن ولن ترجع إليها في المستقبل وإنما سيجمعها ربها ويرجعها إليه. وهذا أدعى إلى حذف (من) ليشمل جميع الأمم ابتداء من أول الدنيا.
3- وأما تقديم الظرف (قَبْلَهُمْ) على (الْقُرُونِ) أو تأخيره عنها بحسب القصد فإنه إذا أراد تهديد المشركين قدم (قَبْلَهُمْ) فيقول مثلاً أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ. وإن لم يرد ذلك قدم القرون على الظرف فيقول مثلاً وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ - الإسراء (17) أووَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا - يونس (13).
فتقديم ما يتعلق بهم وهو الزمن المضاف إليهم يعني تهديدهم بخلاف تأخيره فإنه لا يفيد ذاك. وكل ما ورد بقصد التهديد تقدم فيه الظرف على القرون نحو قوله أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ وقوله وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا وذلك في ثمانية مواطن من القرآن الكريم.
وقدم القرون على الظرف (قَبْلِهِم) في موطنين وهما:
قوله تعالى وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ - الإسراء (17).
وقوله وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا - يونس (13).
أما قوله تعالى وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ فليس الموطن موطن تهديد لقوم الرسول وإنما الكلام على من بعد نوح من القرون. قال تعالى مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًاوَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًاكُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا - (15 – 20).
فليس المقام مقام تهديد لقوم الرسول خاصة.
وأما قوله وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا فهو ليس تهديداً لهم أيضاً كما أنه ليس السياق أو المقام في ذلك. قال تعالى:
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ - (13، 14).
ويدل على أن المقام ليس مقام تهديد بالإهلاك قوله تعالى ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فالمقام في جعلهم خلائف من بعدهم لا في إهلاكهم.
فاتضح الفرق.
4- وأما إفراد القرون وجمعها بعد (كَم) فإن ذلك إنما يكون لغرض فإنه يفرد إذا كان يريد ذكر صفة القرن المهلك أو حالة من حالاته أو لأي سبب آخر يقتضيه السياق.
ويجمع إذا لم يرد ذلك وإنما يريد ذكر المجموع على العموم، أو يريد أن يبين أن هذه القرون المهلكة سيحييها ربها ويجمعها أو لأي سبب آخر يقتضيه السياق.
وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ - الأنعام (6).
فهو ذكر صفة القرن الذي أهلكه بقوله:
1- مكنّاهم في الأرض ما لم نكن لكم.
2- أرسلنا السماء عليهم مدراراً.
3- وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم.
ثم ذكر بعد ذلك أنه أنشأ بعده قرناً آخرين. فأهلك قرناً وأنشأ بعده قرناً آخر.
فناسب ذلك الإفراد.
وقال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا - مريم (74).
فوصف القرن المهلك بأنه أحسن أثاثاً وأحسن منظراً.
وقال في (ق) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ - ق (36).
فذكر صفة القرن بأنهم بطشاً من الكفرة في زمن الرسول وأنهم تقلبوا في البلاد.
وقال في (ص): كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ - ص (3).
أي فجأروا وصاحوا وصرخوا واستغاثوا.
فذكر حالتهم هذه عند الإهلاك.
وقد تقول: ربما كان هذا شأن المهلكين جميعاً.
فنقول: ليسوا كلهم كذلك بدليل قوله تعالى في سورة يس في أصحاب القرية إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ.
وقال في آخر سورة مريم وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا
والسياق يقتضي الإفراد ذلك أنه قال قبل هذه الآية وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًاإِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا - مريم (93 – 95).
فأنت ترى أن السياق في الإفراد فقد ذكر أنه سبحانه أحصى كل من في السماوات والأرض واحداً واحداً وعّدهم عدّا وأن كل واحد منهم سيأتيه يوم القيامة فرداً.
فناسب ذلك الإفراد. فأفرد القرن لذلك والله أعلم.
في حين قال: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ. – يس (31).
وقال: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ - السجدة (26).
وقال: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى - طه (128).
وقال:وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا - الإسراء (17).
فذكر القرون على العموم من دون تخصيص قرن منها أو مجموعة منها بأمر معين.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أنه قد يذكر القرون مجموعة في مقام ذكر الآخرة لأنه سيحييها ويجمعها فقال في سورة يس أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ. فذكر أنه سيجمعها كلها ويحضرها لديه سبحانه.
وقال في سورة السجدة: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ - السجدة (25، 26).
فذكر سبحانه أنه يفصل بينهم يوم القيامة.
وقال في سورة طه وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىأَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى - (124 – 128).
فأنت ترى أنه ذكر في القرون مجموعة في هذه الآيات في سياق ذكر الآخرة.
أو يكون السياق يقتضي الجمع لأمر آخر وذلك نحو قوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا فأنت ترى أنه ذكر القرون من دون وصف لها وقد أراد بيان كثرة القرون المهلكة المتطاولة من بعد نوج. ثم إن السياق لم يخل من إشارة إلى الآخرة. فقد جاء بعد هذه الآية.
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا - الإسراء (18 – 20).
وقد تقول: إن صيغتي الجمع والإفراد كافيتان في التفريق بينهما ولا حاجة إلى هذه الإطالة.
فنقول لولا ورودهما بعد (كم) الخبرية لم نكلف أنفسنا بتسويد سطر واحد ولكن المفرد بعد (كم) الخبرية لا يدل على الواحد وإنما يدل على الكثرة، فتقول (كم رجل أكرمت) لا يدل على أنك أكرمت رجلاً واحداً وإنما يدل على إكرام الكثير، فكان المفرد ههنا دالاً على الجمع فاقتضى التفريق بينهما. والله أعلم.
أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ
والمعنى ألم يروا أنهم لا يرجعون إليهم؟
وقدم الجار والمجرور (إِلَيْهِمْ) لإرادة الاختصاص أي لا يرجعون إليهم بل إلينا.
وفيه إمداح إلى الحشر والحياة بعد الموت. وأكد ذلك بالآية وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ. فقد أثبت الحشر ضمناً بتقديم الجار والمجرور وصرح بذلك في الآية بعدها.
ونفى بـــ (لَا) دون (لم) للدلالة على أن الرجوع إلى الدنيا مرة ثانية لا يكون أصلاً لا في زمن المخاطبين ولا في المستقبل. ولو نفاه بـــ (لم) لكان نفى الرجوع في الماضي دون المستقبل.
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ
لما بيّن أن المهلكين لا رجعة لهم إلى الدنيا ذكر أنهم كلهم راجعون إليه محضرون لديه. وفي الآية تنبيه على أن من أهلكه الله في الدنيا وعاقبه لا يتركه سدى بل سيرجعه إليه ويحاسبه ويعاقبه. جاء في (التفسير الكبير): "لما بين الإهلاك بين أنه ليس من أهلكه الله تركه. بل بعده جمع وحساب وحبس وعقاب"(1).
و (وَإِنْ) نافية و (لَمَّا) بمعنى (إلا).
و (كُلٌّ) مبتدأ وخبره (جميع). وليست (جميع) ههنا بمعنى (كل) وإنما معنى (جميع) ههنا (مجموعون) فهي فعيل بمعنى اسم المفعول. والمعنى أن كلهم مجموعون محضورون. و (جميع) قد تكون بمعنى مجموعين وبمعنى مجتمعين تقول: قوم جميع أي مجتمعون(2). وتقول: (الطلاب جميع) أي الطلاب مجتمعون. و (نحن جميع) أي مجتمعون فهذا كلام تام.
جاء في (الكشاف): "فإن قلت: كيف أخبر عن (كل) بجميع ومعناها واحد؟
قلت: ليس بواحد لأن كلا يفيد معنى الإحاطة وأن لا ينفلت منهم أحد.
والجميع معناه الاجتماع وأن المحشر يجمعهم. والجميع فعيل بمعنى مفعول يقال: حي جميع وجاءوا جميعاً(3).
والمقصود بـــ (مُحْضَرُونَ) أنهم محضرون للحساب، و (لَدَيْنَا) ظرف قدم على متعلقة (مُحْضَرُونَ) لإفادة الحصر بمعنى أن الإحضار لديه وليس لدى غيره. وهو نظير تقديم الجار والمجرور في قوله أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ.
و مُحْضَرُونَ إما خبر ثان أو نعت لـ (جَمِيعٌ) على المعنى ويصح إفراده حملاً على اللفظ فيقال (وإنْ كل لما جميع لدينا محضر) كما قال تعالى أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ - القمر (44).
وقد تقول: ولم حمل على المعنى في يس وحمل على اللفظ في القمر؟
فنقول: لما ذكر القرون المهلكة الكثيرة في يس ناسب أن يجمع فيقول أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُحْضَرُونَ.
أما في سورة القمر فإنهم فريق واحد أو جمع واحد وليس جموعاً كما قال تعالى بعدها سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فناسب ذلك الإفراد.
ثم إن الانتصار إنما هو وصف للفريق كله أو للجمع كله وليس لكل فرد. فيقول الفريق المنتصر أو الجيش المنتصر (نحن انتصرنا) أو (جيشنا انتصر). ولا يقول الجندي: أنا انتصرت. فالنصر وصف للمجموع لا لكل فرد على حدة فوحد الوصف لأنه وصف للفريق أو للجمع لا لأفراده واحداً واحداً. بخلاف الإحضار للحساب أمام الله فإن كل فرد سيحضر أمام ربه ويمثل للحساب كما قال تعالى وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا فناسب الجمع في يس من جهة أخرى.
وقد تقول: ولم قال إذن في سورة الشعراء وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ - الشعراء (56) فجمع ولم يفرد؟
والجواب أن ذلك لأكثر من سبب ويدلل عليه السياق قال تعالى فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ - (53 – 46).
فإن فرعون أرسل في المدائن المتعددة أناساً يحشرون الناس ويجمعونهم يبلغونهم قرار فرعون المذكور فهم جموع متعددة لا جمع واحد فناسب الجمع من جهة.
ومن جهة أخرى لم يقل (وإما لجميع حاذر) لأنه لم يرد أن يجعل الحذر وصف الفريق على العموم بل أراد أن يجعله وصفاً لكل لفرد فكل فرد بعينه ينبغي أن يكون حاذراً فهو ليس مثل (نحن جميع منتصر) الذي هو وصف الجمع لا وصف الأفراد.
فإن هذا وصف كل فرد في المجموع.
فناسب الجمع ههنا.
فأتضح أن كل تعبير هو أنسب في مكانه. والله أعلم.
الوقفة كاملة
|
| ٣٥٧ |
إِ(نْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)
أي ما أنتم إلا في ضلال ظاهر غير خاف على أحد، و(مبين) معناه مظهر لنفسه لا يحتاج أن يظهره أحد.
فإن الضلال على قسمين:
ضلال خفي لا يعلمه إلا ذوو البصيرة والعلم وهذا يحتاج إلى إيضاح وتبيين.
وضلال مبين أي مبين عن نفسه لا يحتاج إلى أن يظهره أحد أو يبينه شخص فإنه يبين نفسه بنفسه وهو أظهر من كل إظهار وأبين من كل تبيين، فجعلوا أمرهم بالإنفاق من الضلال المبين الظاهر الذي يظهر نفسه.
وقد أخرج الكلام على جهة القصر أي لستم إلا في الضلال ولستم في شيء آخر وهذا يختلف عن القول (أنتم في ضلال مبين) فإن ذلك أي القصر أكد فإنه يفيد أنهم ليسوا في غير الضلال، جاء في (التفسير الكبير) "قد ذكرنا أن قوله (إن أنتم إلا) يفيد ما لا يفيد قوله (أنتم في ضلال) لأنه قد يوجب الحصر وأنه ليسوا في غير الضلال.
(البحث الثالث) وصف الضلال بالمبين قد ذكرنا معناه إنه لظهوره يبين نفسه أنه ضلال أي في ضلال لا يخفي على أحد أنه ضلال" (1)
ثم نفي بــ(إن) ولم ينف بــ(ما) لأن (إن) أكد في النفي من (ما)" (2) ينظر معاني النحو 4/576 وما بعدها
وقال (في ضلال) فاستعمل (في) وهو حرف يفيد الظرفية أي ما أنتم إلا مغمورون في الضلال ساقطون فيه كمن يسقط في اللجة.
وقد لاحظ المفسرون أن القرآن يستعمل (على) في الهداية ويستعمل (في) في الضلال ونحوه فيقول (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) البقرة 5.
ويقول (إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) هود 28 فاستعمل (على) في هذا المعنى للدلالة على تمكنهم من الهداية، واستعلائهم على الطريق، في حين قال (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) –المؤمنون 54(وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) الأنعام 110 (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) التوبة 45 أي كأنهم ساقطون في ذلك لا يتبينون ما حولهم ولا هم متمكنون من أنفسهم ولذا قال تعالى (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) سبأ 24 فأستعمل (على) مع الهدى و(في) مع الضلال، جاء في (التفسير الكبير) "إن قوله (في ضلال) يفيد كونهم مغمورين فيه غائصين، وقوله في مواضع: على بينة وعلى هدى إشارة إلى كونهم راكبين متن الطريق المستقيم قادرين عليه ". (2)
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص170 إلى ص171
1- التفسير الكبير 26/85
2- التفسير الكبير 26/85
الوقفة كاملة
|
| ٣٥٨ |
(هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)
من المحتمل أن يكون هذا كلام الملائكة جواباً عن سؤالهم ويحتمل أن يكون هذا كلام المؤمنين أو أن يكون كلام الكافرين (1) فإنهم يعلمون أن المؤمنين كانوا يذكرون اليوم الآخر ويؤمنون به فذكر ما علموه عن ذلك، وقد حذف القائل ليعم الجميع الاحتمالات ويشمل كل من يصح منه القول.
فإن قيل: إن قول الكفار (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) سؤال عن الذي بعثهم، وقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) ليس جواباً عنه فكيف يصح ذلك؟ والجواب: أن قول الكفار (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) ليس سؤالاً حقيقياً عن الذي بعثهم وإنما هو سؤال تحسر وابتئاس وندم يدل على ذلك قولهم (يا ويلنا) فهم يعلمون على وجه اليقين أن الله هو بعثهم للحساب ولذا قالوا (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) .
فكان الجواب بما هو الأولي وهو تذكيرهم بالوعد الذي كان يوعدونه في الدنيا وما ذكرته الرسل وتقريعهم على ما فرط منهم ومع ذلك هو يتضمن الجواب عن الباعث وذلك قوله (هذا ما وعد الرحمن) أي أن الرحمن هو الذي بعثكم.
وهو نظير قولنا لرجل يقول متحسراً مبتئساً: كيف وصلت إلى هذه الحال؟ فنقول له: هذا بسوء عملك.
وهو ليس جواباً عن سؤاله، فإن سؤاله عن الحال والكيفية، والجواب كان عن السبب فهو في الحقيقة جواب عن سؤال (بأي شيء حصل؟) أو: لم حصل هذا؟
فعدل إلى ما هو الأولى بالجواب.
جاء في (الكشاف): "فإن قلت: من بعثنا من مرقدنا سؤال عن الباعث فكيف طابقه ذلك جواباً؟
قلت: معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم بالبعث وأنبأكم به الرسل إلا أنه جيء به على طريقة سيئت بها قلوبهم ونعيت إليهم أحوالهم وذكروا كفرهم وتكذيبهم وأخبروا بوقوع ما أنذروا به وكأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم السؤال عن الباعث إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع وهو الذي وعده الله في كتبه المنزلة على ألسنة رسله الصادقين" (2).
وجاء في (التفسير الكبير): "إن قلنا (هذا) إشارة إلى المرقد أو إلى البعث فجواب الاستفهام بقولهم (من بعثنا) أين يكون؟
نقول: لما كان غرضهم من قولهم (من بعثنا) حصول العلم بأنه بعث أو تنبيه حصل الجواب بقوله: هذا بعث وعد الرحمن به ليس تنبيهاً، كما أن الخائف إذا قال لغيره: ماذا تقول أيقتلنى لان؟
فله أن يقول (لا تخف) ويسكت لعلمه أن غرضه إزالة الرعب عنه وبه يحصل الجواب (3).
وجاء في (روح المعاني): "وكان الظاهر أن يجابوا بالفاعل لأنه الذي سألوا عنه بأن يقال الرحمن أو الله بعثكم لكن عدل إلى ما ذكر تذكيراً لكفرهم وتقريعاً لهم عليه مع تضمنه الإشارة إلى الفاعل، وذكر غير واحد أنه من الأسلوب الحكيم على أن المعنى لا تسألوا عن الباعث فإن هذا البعث ليس كبعث النائم وإن ذلك ليس مما يهمكم الآن وإنما الذي يهمكم أن تسألوا ما هذا البعث ذو الأهوال والأفزاع وفيه من تقريعهم ما فيه (4)
و(ما) في قوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) تحتمل أن تكون اسماً موصولاً أي هذا الذي وعده الرحمن، ويحتمل أن تكون مصدرية أي هذا وعد الرحمن.
أما الواو فتحتمل العطف على الجملة وتحتمل الحالية أي وقد صدق المرسلون فيما أخبروا به، وجوزوا أيضاً أن تكون الواو عاطفة على الصلة، فإن كانت (ما) مصدرية كان التقدير: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين.
وإن كانت اسماً موصولاً كان المعنى: هذا الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون، جاء في (الكشاف): "فإن قلت: إذا جعلت (ما) مصدرية كان المعنى هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق فما وجه قوله (وصدق المرسلون) إذا جعلتها موصولة؟
قلت: تقديره هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون من قولهم: صدقوهم الحديث والقتال ومنه: صدقني سن بكره" (5)
وهذه الآية نظير قوله في سورة الأحزاب (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ-) 22
‘ن هذه الآية بمقابل قوله (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
فهذا القول في الآخرة يقابل قولهم في الدنيا.
فقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) بمقابل قولهم (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ ).
وقوله (وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) بمقابل قولهم (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )
والسخرية والاستهزاء بقولهم (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ )يقابله الندم والحسرة بقولهم (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)
وقوله (يَقُولُونَ) في الدنيا يقابل قوله (قالوا) في الآخرة.
ثم إن اختيار لفظ (المرسلون) هو المناسب لما تردد في السورة من ذكر المرسلين.
ثم لننظر من ناحية آخري أن ثمة سؤالين قد ذكرا وهما:
السؤال الأول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟
والسؤال الآخر: من بعثنا من مرقدنا؟
وأن قوله تعالى (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) جواب عن السؤالين معاً
فقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) جواب من جهة عن السؤال الأول، فقد سألوا: متى هذا الوعد؟
فقال: هذا هو.
وجواب عن السؤال الآخر من جهة آخري فقد تضمن ذكر الباعث الذي بعثهم من المرقد وهو الرحمن.
ثم إن هذه الآية مرتبطة أيضاً بقول أصحاب القرية (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) .
فقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) رد على قولهم (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ) فوعد الرحمن إنما يكون فيما أنزل.
وقوله (وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) رد على قولهم (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ)
وهي مرتبطة أيضاً بقوله تعالى في أول السورة (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) .
فقد وعد الرحمن على لسان رسوله أن من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب له مغفرة وأجر كريم، ثم قال (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) وقال ههنا (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)
فإنه أحيا الموتى وبعثهم من مرقدهم وصدق رسوله فيما بلغ، هذا إضافة إلى أنه تردد ذكر الرحمن في الآيتين.
ثم لننظر من ناحية تعبيرية وهي أن كلمة (الوعد) في قوله (متى هذا الوعد) مصدر بمعني اسم المفعول أي الموعود به، جاء في (التفسير الكبير): "وقوله (متى هذا الوعد) أي متى يقع الموعود به" (6)، وقد فسر بيوم القيامة وبالعذاب (7).
فالمصدر الصريح في الآية بمعنى الذات.
وقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) إجابة عن المصدر وعن الذات، فإن كانت (ما) اسماً موصولاً فهي بمعنى الذات فتكون إجابة عن الوعد الذي هو بمعنى الذات.
وإن كانت (ما) مصدرية فقد أجاب بالمصدر المؤول وهو إجابة عن المصدر الذي هو الوعد، فجاء بـ(ما) ولم يأت بــ(الذي) ليشمل المعنيين معاً.
ثم إنه جمع بقوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) بين الوعد والصدق كما في قوله تعالى (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ) الأحقاف 16.
وأما اختيار لفظ (الرحمن) فله أكثر من سبب:
منها أنه إذا كان هذا قول المؤمنين فإنهم آثروا اسم الرحمن لأن هذا وقت رحمته التامة بهم يدخلهم في رحمته كما قال تعالى (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) آل عمران 107.
وإذا كان قول الكافرين فإنهم آثروا اسم الرحمن طمعاً في رحمته.
جاء في(روح المعاني): "في إيثارهم اسم الرحمن قيل إشارة إلى زيادة التقريع من حيث إن الوعد بالبعث من آثار الرحمة وهم لم يلقوا له بالاً ولم يلتفتوا إليه وكذبوا به ولم يستعدوا لما يقتضيه، وقيل آثره المجيبون من المؤمنين لما أن الرحمة قد غمرتهم فهي نصب أعينهم...
وقال ابن زيد: هذا الجواب من قبل الكفار على أنهم أجابوا أنفسهم حيث تذكروا ما سمعوه من المرسلين عليهم السلام أو أجاب بعضهم بعضاً، وآثروا اسم الرحمن طمعاً في أن يرحمهم وهيهات ليس لكافر نصيب يومئذ من رحمته عز وجل" (8)
هذا مع أنه من الملاحظ في القرآن الكريم أن اسم الرحمن كثيراً ما يذكر في مشاهد الآخرة وهذا منها.
قال تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ) – مريم 61.
وقال: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) - طه108
وقال: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) – طه 109.
وقال: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) يس52
وقال: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ) – النبأ 37.
وقال: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) – النبأ 38
وقال: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ) مريم 69.
وقال: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) مريم 85
وقال: (لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) مريم 87
وقال: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) مريم 93
وقال: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ) الفرقان 26
هذا إضافة إلى أنه تردد اسم الرحمن في السورة أربع مرات وأن جو الرحمة شائع فيها.
قال تعالى: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) يس 11.
وقال: (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ) يس 15
وقال: (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ) 23
وقال: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) 52
وقال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) 5)
وقال: (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) 58
وقال: (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ) 44
وقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) 45.
وقد تقول: لقد أسند الفعل (وعد) إلى (الله) في مواطن من القرآن الكريم.
وذلك كقوله تعالى (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) النساء 95
وقوله :(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) المائدة 9
وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) التوبة 68
وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) التوبة 72
وهنا أسند الفعل (وعد) إلى الرحمن فما الفرق؟
فنقول: إن كل سورة أسند فيها الفعل الماضي (وعد) إلى (الله) لم يذكر فيها اسم (الرحمن) وإن كانت طويلة كسورة النساء والمائدة والتوبة وغيرها من السور وذلك في عشر سور من القرآن الكريم.
وكل سورة أسند فيها الفعل (وعد) إلى (الرحمن) تكرر اسم الرحمن في السورة وذلك في سورتي مريم ويس، أما سورة مريم فقد تكرر فيها اسم الرحمن إحدى عشرة مرة وأما سورة يس فقد تكرر فيها اسم الرحمن أربع مرات، فناسب هذا الاختيار من كل وجه.
وقد تقول: وهل ثمة فرق بين ما أسند الوعد فيه إلى الله وما أسند إلى الرحمن؟
فنقول: إن ما أسند فيه الوعد إلى الله مخصص بالمؤمنين أو بالكافرين فيقول مثلاً (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ) أو (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ) فهو وعد خاص.
أما ما أسند فيه الوعد إلى الرحمن فهو وعد عام يشمل عموم العباد وذلك تحقيقاً للرحمة التي يحققها اسم الرحمن قال تعالى (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ) فقد ذكر أنه وعد عباده على الإطلاق مع أن المقصود بعباده هؤلاء من تاب وآمن وعمل صالحاً كما في الآية السابقة، قال تعالى ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ) مريم 60،61.
وقال في سورة يس (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)
فأطلق الوعد ولم يذكر الموعود من الخلق أهم المؤمنون أم الكافرون فهو وعد عام على الإطلاق فلم يذكر مفعولاً لوعد، أما إسناده إلى الله فهو مخصص دائماً وذلك في اثني عشر موضعاً من القرآن الكريم، فاتضح الفرق بينهما.
وسبحان قائل هذا الكلام.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص185 إلى ص192
1- ينظر الكشاف 2/560
2- الكشاف 2/590
3- التفسير الكبير 26/90
4- روح المعاني 23/33
5- الكشاف 2/590
6- التفسير الكبير 26/86
7- البحر المحيط 7/340
8- روح المعاني 23/33
الوقفة كاملة
|
| ٣٥٩ |
( وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ)
أي انفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة، ونحوه قوله تعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) –الروم 14 وقوله (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) -الروم 43 ، وقوله (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ) - يونس 28 (1)
وورود هذه الآية بعد قوله (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) من ألطف المناسبات ذلك أن السلام إنما يكون عند خلو المكان من المجرمين فإن كان فيه مجرمون فلا سلام فمازهم من فريق المؤمنين ومكانهم فعمهم السلام.
وقيل: إن معنى قوله (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ )انفردوا بعضم عن بعض فيكون لكل كافر بيت من نار يكون فيه لا يرى ولا يُرى (2(..
جاء في (التفسير الكبير): "(امتازوا) بعضم عن بعض على خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان الذي أشار إليه بقوله تعالى (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ) فأهل النار يكون لهم العذاب الأليم وعذاب الفرقة أيضاً ولا عذاب فوق الفرقة" (3)
قال في (روح المعاني): "ولعل هذا بعد زمان من أول دخولهم فلا ينافي عتاب بعضهم بعضاً الوارد في آيات آخر كقوله تعالى (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ) (4)
ويبدو إن صح هذا القول إن التمايز أول ما يكون بينهم وبين المؤمنين ثم يكون بينهم فيما بعد، والله أعلم
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء ص 210
1- ينظر الكشاف 2/591، تفسير ابن كثير 3/576.
2- ينظر الكشاف 2/591، روح المعاني 23/39
3- التفسير الكبير 26/95.
4- روح المعاني 23/39
الوقفة كاملة
|
| ٣٦٠ |
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
بعد أن خاطب المجرمين وأمرهم بالانفراد عن المؤمنين خاطب عموم بني آدم وذكرهم بما عهد إليهم من ترك عبادة الشيطان وأمرهم بعبادة الله وحده لأن عاقبة المجرمين تلك إنما كانت بسبب عبادة الشيطان وعدم طاعة الله.
ومعنى (ألم أعهد) - كما يقول المفسرون- ألم أوص، والعهد الوصية وعهد إليه إذا أوصاه (1).
والحقيقة أن ثمة اختلافاً بين العهد والوصية، فإن العهد أقوى من الوصية ذلك أن العهد يكون بمعنى الموثق واليمين يحلف بها الرجل (2).
والفرق بين الذي يعهد والذي يوصي أن العاهد هو صاحب الشأن أما الموصي فقد لا يكون صاحب الشأن فقد يقول لك صديقك: أوصيك بفلان خيراً، وأوصيك ألا تشارك فلاناً في تجارة وأوصيك باستشارة فلان وأخذ نصيحته، فهذه وصية من باب النصح وليس الموصي صاحب الشأن بخلاف ما لو قال: أعهد إليك أمر فلان أي أنزعه من عهدتي إلى عهدتك فتكون أنت مسؤولاً عنه.
ومعنى عهد إليه كلفه وحمله الأمر وجعله مسؤولاً عنه وليست وصي كذلك فالعاهد هو صاحب الشأن الذي بيده الأمر.
ومن هذا يتضح أن العهد أقوى من الوصية.
ولم يسند فعل العهد في القرآن الكريم إلى غير الله تعالى بخلاف فعل الوصية فإنه أسند إلى الله وإلى غيره، قال تعالى (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) البقرة 125
وقال: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) - طه 115
وقال: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ)
وقال: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ) - آل عمران 183
في حين قال: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) - البقرة 132
وقال: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) - النساء 12
وقال: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) - النساء 131
وقد أسند هذا العهد إلى نفسه - شأن غيره من أفعال العهد - لأهمية هذا الأمر وليحملوه محمل الجد والطاعة والعمل به على أتم حال. فلم يبن الفعل للمجهول ولم يسنده إلى الرسل فلم يقل (ألم ُعهد إليكم) أو (ألم يعهد إليكم رسلي) ذلك أن هذا الأمر إنما هو غاية ما خلق له الثقلان فإنهم لم يخلقوا إلا لعبادته سبحانه كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) - الذاريات 56
وعهده إليهم إنما جاء على ألسنة الرسل بما أنزله عليهم سبحانه (3)، ونداؤهم ببني آدم إشارة إلى عداوة الشيطان لأبيهم آدم وإخراجه من الجنة وذلك ليذكروا ويأخذوا حذرهم، ونظير ذلك أن تذكر شخصاً أوقع شخص آخر بأبيه مصيبة فادحة عمداً من شدة بغضه له ثم جاء يشارك ابنه في مال فينصحه ناصح محذراً فيقول له: يا ابن فلان، تذكيراً له وتحذيراً.
جاء في (روح المعاني): "والنداء بوصف البنوة لآدم كالتمهيد لهذا التعليل والتأكيد لعدم جريهم على مقتضى العلم فهم والمنكرون سواء" (4).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص211إلى ص212
1- ينظر الكشاف 2/59، التفسير الكبير 26/96
2- لسان العرب (عهد) 4/305
3- ينظر التفسير الكبير 26/96، روح المعاني 23/40، الكشاف 2/591
4- روح المعاني 23/40
الوقفة كاملة
|