| ٣٤١ |
(وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)
هذا فيه معان وأوجه:
منها إنه يدل على إنه خشي الرحمن وإن لم يشاهده فكما آمن به بالغيب خشيه بالغيب، وهذا من تمام الإيمان ذلك أن الناس عادة يخشون من يشاهدهم ويشاهدونه ويعلمونه إنه مراقب أفعالهم فإن غاب عن أعينهم ذهبت الخشية منه، أما هذا فإنه يخشى الرحمن بالغيب لأنه يعلم أنه حاضر معه شاهد عليه يراقب أفعاله وإن غاب عن بصره.
ومن معاني هذا التعبير أيضاً إنه خشي عقاب الرحمن الذي حذر عباده يوم القيامة وهو غيب ومعنى خشية عقابه وهذا من معاني خشية الرحمن بالغيب أيضاً.
ومن معانيه أيضاً إنه يخشى الرحمن إذا غاب عن أعين الناس والمشاهدين له فكثير من الناس يفعلون أفعالاً إذا خلوا إلى أنفسهم لا يفعلونها إذا شاهدهم الناس، والمعنى إنه إذا أمن مراقبة الناس واطلاعهم عليه خشي الرحمن فلا يفعل إلا ما يرضيه.
فهذا كله من معاني خشية الرحمن بالغيب وباستكمالها تكون خشيته بالغيب، جاء في (التفسير الكبير): "وقوله (بالغيب) يعنى بالدليل وإن لم ينته إلى درجة المرئي المشاهد فإن عند الانتهاء إلى تلك الدرجة لا يبقى للخشية فائدة.
والمشهور أن المراد به بالغيب ما غاب عنا وهو أهوال القيامة، وقيل إن الوحدانية تدخل فيه" (1).
وجاء في (البحر المحيط): "(بالغيب) أي الخلوة عند مغيب الإنسان عن عيون البشر" (2).
وجاء في (روح المعاني): "(بالغيب) حال من المضاف المقدر في نظم الكلام... أي خشي عقاب الرحمن حل كون العقاب ملتبساً بالغيب أي غائباً عنه، وحاصله خشي العقاب قبل حلوله ومعاينة أهواله.
ويجوز أن يكون حالاً من فاعل (خشي) أي خشي عقاب الرحمن غائباً عن العقاب غير مشاهد له أو خشي غائباً عن أعين الناس غير مظهر الخشية لهم لأنها علانية قلما تسلم من الرياء (3).
قالوا وذكر اسمه (الرحمن) مع الخشية دون غيره من أسمائه الحسنى لأكثر من سبب منها:
1- إنه قد يسبق إلى الذهن أن الرحمن لا يعاقب لأن رحمته واسعة وإنها سبقت غضبه فيسبق إلى نفسه الرجاء
وينسى الخشية فذكر ذلك لئلا يغتر مغتر برحمته.
2- أن الرحمة تورث الاتكال فقرنه بالخشية لئلا يتكل على رحمته وينسى عقابه.
3- أن من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر ينبغي أن يكون الخوف منه أتم وذلك لئلا يقطع عنه نعمته.
4- وهناك أمر آخر وهو أن جو السورة تشيع فيه الرحمة وذكرها وقد بنيت السورة على العزة والرحمة كما ذكرنا في قوله تعالى (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) والعزيز ينبغي أن يخشى فقوله (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) جمع بين العزة والرحمة.
5- وفيه توجيه إلى أن الرحمة ينبغي أن تكون مقرونة بخشية الراحم فلا يصح الاتصاف بالرحمة وحدها، فالرحمة وحدها قد تكون ضعفاً وقد يكون الاتصاف بها ذماً ونقصاً، فهو توجيه إلى المربين ليجمعوا بين الرحمة والخشية من الراحم وبين الربوبية والخشية من الرب، وبين الرحمة والعقوبة، ولذا قال تعالى (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) – مريم (45) وقال (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) – الحجر (49 -50).
جاء في (التفسير الكبير): " وقوله (وخشى الرحمن) فيه لطيفة وهي أن الرحمة تورث الاتكال والرجاء، فقال مع إنه رحمن ورحيم فالعاقل لا ينبغي أن يترك الخشية فإن من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر فالخوف منه أتم، مخافة أن يقطع عنه النعم المتواترة.
و(تكملة اللطيفة) هي أن من أسماء الله اسمين يختصان به هما الله والرحمن كما قال تعالى (ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) حتى قال بعض الأئمة هما علمان: إذا عرفت هذا فالله ينبئ عن الهيبة والرحمن ينبئ عن العاطفية فقال في موضع (رجو الله) وقال ههنا (وخشي الرحمن) يعنى مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا عنه رجاءكم ومع كونه ذا رحمة لا تأمنوه" (4).
وجاء في (البحر المحيط):" و(خشي الرحمن) أي المتصف بالرحمة مع أن الرحمة قد تعود إلى الرجاء ولكنه مع علمه برحمته هو يخشاه خوفاً من أن يسلبه ما أنعم به عليه " (5).
وجاء في (روح المعاني):"و(خشي الرحمن) أي عقابه ولم يغتر برحمته عز وجل فإنه سبحانه مع عظيم رحمته أليم العذاب كما نطق به قوله تعالى (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ).
ومما قرر يعلم سر ذكر الرحمن مع الخشية دون القهار ونحوه (6).
وقد تقول: ولم قال ههنا (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) مع إنه قال في أكثر من موطن (ويخشون ربهم) من دون ذكر للغيب؟
والجواب أن كل تعبير مناسب لموطنه الذي هو فيه.
ذلك أن قوله (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) مطلق أي يخشونه خشية مطلقة على كل حال سواء كانت بالغيب أم لا، وقوله (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) مقيد أي أن الخشية تكون بالغيب أي عند غيبتهم عن عيون الناس وإيضاح ذلك إنه إذا كان المقصود بالغيب أن يخشى ربه وإن لم يشاهده أو أنه يخشى عذابه يوم القيامة فإن الخشية كلها داخلة فيه سواء قال (بالغيب) أم لم يقل، وإذا كان المقصود بالغيب بمعنى الغيبة عن عيون الناس فإن هذه الخشية تكون مقيدة وقوله (يخشون ربهم) من دون ذكر للغيب يكون مطلقاً عاماً أي سواء كان الخاشي أمام الناس أم لا.
وعلى هذا يكون قوله (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) هي حالة من حالات الخشية العامة وهي جزء منها فتلك خشية عامة مطلقة سواء كانت أمام الناس أم لا وهذه مقيدة، فالخشية العامة هي الخشية بالغيب وزيادة.
فإذا كان المقام يقتضي ذكر الخشية العامة من دون تقييد ذكرها مطلقة ولم يقيدها وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) – الأنبياء (48 -49)
وقال: (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) - فاطر 18
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) – الملك 1
وقال: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) – ق 32 – 33
وقال: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) – يس11
فهذه كلها ذكر فيها الخشية بالغيب.
في حين قال:
(وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) – الرعد 21.
وقال (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) – الزمر (23) فلم يذكر الخشية بالغيب وإنما أطلقها في الموطنين.
أما أية الزمر فإن الأمر فيها واضح إذ لا داعي فيها للتقييد فإنه قال (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) واقشعرار الجلود ولينها ولين القلوب أمر غائب عن الآخرين ولا يشعر به إلا صاحبه أما الآخرون فلا يعلمونه، ولا يختلف الأمر سواء كان ذلك وحده أم مع الآخرين فلا داعي لتقييد الخشية بالغيب.
وأما أية الرعد فإننا نذكر السياق الذي وردت فيه، قال تعالى:
(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) – الرعد 19-24
ومن النص يظهر ما يأتي:
1- إنه وصفهم بأنهم أولو الألباب وقصر عليهم التذكر فقال (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) والمعنى إنه لا يتذكر إلا أولو الألباب.
2- ذكر أنهم يوفون بعهد الله وهو وصف عام يشمل الالتزام بجميع الفروض وتجنب المعاصي (7).
3- وأنهم لا ينقضون الميثاق.
4- يصلون ما أمر الله به أن يوصل.
5- يخشون ربهم
6- يخافون سوء الحساب
7- إنهم صبروا ابتغاء وجه ربهم.
8- أقاموا الصلاة
9- أنفقوا مما رزقهم الله سراً وعلانية، وهذا يدل على الخشية بالغيب والزيادة.
10- يدرؤون بالحسنة السيئة.
وذكر جزاءهم على النحو الآتي:
1- أن لهم عقبى الدار وهي جنات عدن يدخلونها هم.
2- ويدخلها معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.
3- والملائكة يدخلون عليهم من كل باب.
4- يحبونهم بقولهم سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
وإذا نظرنا في جميع الآيات التي ورد فيها قوله يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وجدنا أنها تشمل جزءاً مما ذكر في آيات الرعد.. فكما أن الخشية بالغيب جزء من الخشية العامة المطلقة أدرج في مواطن الخشية بالغيب جزءاً مما ذكر في الخشية العامة، فناظر بينهما في الإطلاق والتقييد، والجزئية والكلية، وأليك إيضاح ذلك:
1- ذكر في سورة الأنبياء إنه مما آتى موسى وهارون:
1. ذكراً للمتقين.
2. الذين يخشون ربهم بالغيب
3. من الساعة مشفقون
فما في أية الأنبياء جزء مما ذكر في آيات الرعد، والخشية في الرعد تشمل الخشية بالغيب وزيادة.
2- ذكر في أية فاطر أمرين:
1. يخشون ربهم بالغيب
2. أقاموا الصلاة
3- ذكر في أية الملك:
1. يخشون ربهم بالغيب
4- ذكر في سورة ق:
1. أزلفت الجنة للمتقين.
2. وهم كل أواب.
3. حفيظ.
4. من خشي الرحمن بالغيب.
5. جاء بقلب منيب.
ومن الملاحظ في آيات (ق) هذه أنه لم يذكر أعمالاً بدنية ظاهرة كالصلاة والإنفاق ودرء السيئة بالحسنة وغيرها، وأن الجزاء أقل مما في الرعد.
5- ذكر في سورة يس:
1. اتبع الذكر.
2. خشي الرحمن بالغيب.
وقوله (اتبع الذكر) أمر عام يشمل عموم الإتباع، ونظيره في آيات الرعد (الذين يوفون بعهد الله) فإنه يشمل جميع ما عهد الله في كتبه، فما ذكر في الرعد أكثر تفصيلاً وقد شمل ما في آية يس تفصيلاً على جهة الإحسان في الإتباع وليس مجرد الإتباع.
يوضح ذلك أن الله تعالى قال في صفات المتقين (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) وهذا إتباع.
وقال ههنا (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) وهذا من الإحسان في الاتباع وليس مجرد الاتباع.
وقال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) وهذا إتباع، وقال (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وهذا أمثل في الإتباع وأحسن، وقال ههنا (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) وهذا أعلى وأكمل وأمثل في الإتباع وأحسن مما قبله ذلك إنه لم يعف فقط وإنما درأ السيئة بالحسنة.
ثم إن الجزاء في آيات الرعد أعلى مما ذكر في سورة يس فقد قال في سورة يس (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) وذكر في سورة الرعد أن لهم عقبى الدار جنات عدن ....الخ
وهذا أعلى مما ذكر في سورة يس فإنه ذكر في سورة يس الأجر ولم يذكر الجنة والأجر لا يعنى الجنة نصاً وإنما هو الجزاء على العمل ويكون الأجر على حسب العمل، قال تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) - النساء (66-68).
فالأجر العظيم هنا لا يعنى الجنة وإنما هو الثواب على العمل ولذلك قال بعدها: (وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا).
وقال (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) – المزمل 20.
إذ لا يصح أن يقال هنا أن الأجر هو الجنة، ألا ترى أنه لا يقال (هو خيراً وأعظم جنة)؟ فما ذكر في آيات الرعد من الصفات والجزاء أعلى وأكمل.
من هذا يتضح أم قوله (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أعم وأشمل من قوله (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ).
قد تقول: إنك تعنى أن الذين قيل فيهم قوله (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أعلى وأمثل ممن فيهم (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) ونحن لا يبدو لنا هذا الأمر.
فنقول: هذا أشمل لأنه يشمل الخشية بالغيب وغيرها، وقد تكون الخشية بالحضور أعلى من الخشية بالغيب عن الناس ذلك أن قسماً من الناس ضعاف النفوس لا يحبون أن يتهموا بالتدين والرجعية والجمود أو بالتعقيد فيتهاون ويعمل أمام الملأ أعمالاً لا ترتضيها نفسه ولو خلى بينه وبين نفسه لم يفعلها، فمثلاً: إن هناك من يقول: أنا لست صائماً تدينا وإنما لأمر يتعلق بالصحة لأنه يخجل أن يقول: أنا صائم تديناً، وآخر يقول: أنا لا أمتنع عن الخمر تديناً ولكن لأنها مذهبة للعقل والصحة.
وهناك آخرون يفعلون أفعالاً محرمة بدافع المجاملة ونفوسهم تشعر بالإثم والحرج ولو تركوا وأنفسهم لم يفعلوها كشرب الخمر أو غيره من المعاصي كما فالتعالي عن قسم من أهل النار(وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) – المدثر (45)، وعن آخر يقول لصاحبه (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) – الزخرف _38)، ونحو ذلك.
فإظهار الخشية من الله أمام هؤلاء أكمل وأمثل وأعلى من الخشية بالغياب عن عيون الناس لأن فيها إظهاراً وتعظيماً لشعائر الله وتقوية لضعفاء الدين وقمعاً للذين يجاهرون بمحاربة الله ورسوله.
وعلى هذا تكون الخشية المطلقة أشمل وأكمل، ومعنى الخشية المطلقة: الخشية بالغيب والخشية بالمشاهدة.
ثم لنلاحظ من ناحية آخري في قوله تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) أنه ذكر نوعين من العبادة: عبادة ظاهرة وهي قوله تعالى (اتبع الذكر) وعبادة قلبية وهي قوله (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)، وذكر نوعين من الجزاء: المغفرة والأجر الكريم.
والمغفرة هي ما يتعلق بالذنوب.
والأجر الكريم ما يتعلق بالعمل الصالح.
فشمل ذلك كل أنواع العمل سواء كان سيئاً أم صالحاً.
فالعمل السيئ مغفور لهؤلاء، والعمل الصالح مكافأ عليه بالأجر الكريم وهو أحسن تقسيم وأنسبه.
جاء في (البحر المحيط): "ولما أجدت فيهم النذارة بشرة بمغفرة لما سلف وأجر كريم على ما أسلف من العمل الصالح وهو الجنة" (8)
وجاء في (روح المعاني): "(فبشره بمغفرة) عظيمة لما سلف وقيل لما يفرط منه، و(أجر كريم) حسن لا يقادر قدره لما أسلف" (9)
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص32 إلى ص40.
- التفسير الكبير 26/47
2- البحر المحيط 7/325
3- روح المعاني 22/217
4- التفسير الكبير 26/47 – 48
5- البحر المحيط 7/326
6- روح المعاني 22/217
7- البحر المحيط 5/382
8- البحر المحيط 7/325
9- روح المعاني 22/317
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٢ |
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ )
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى )
قالوا إن أصول الإيمان ثلاثة:
التوحيد والرسالة والحشر (1)، وقد ذكرها كلها في هذه الآيات، فإن الرسالة تقتضي مرسلاً وهذا يدل على التوحيد وقد نص على ذلك بقوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ).
وقد ذكر الرسالة بقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ).
وقوله (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) يدل على الحشر.
وارتباط هذه الآية بما قبلها واضح ذلك أن عاقبة الإنذار والتبشير اللذين ذكرهما قبل هذه الآية بقوله (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ) و( ِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) إنما تكون في الحياة بعد الموت فكان ذكرها ترغيباً وترهيباً وهو أنسب شيء.
جاء في (التفسير الكبير): "في الترتيب وجوه.
أحدهما أن الله تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمناً مسلماً ذكر أصلاً آخر وهو الحشر.
وثانيها وهو أن الله تعالى لما ذكر الإنذار والبشارة بقوله (فبشره بمغفرة) ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال: إن لم ير في الدنيا فالله يحيى الموتى ويجزي المنذرين ويجزي المبشرين.
وثالثها إنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى" (2).
وجاء في (روح المعاني): " (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) الخ تذييل عام للفريقين المصممين على الكفر والمشفقين بالإنذار ترهيباً وترغيباً ووعيداً ووعداً" (3).
وقد أكد الضمير المتقدم بــ(إن) مع ذكر ضمير الفصل (نحن) لإفادة القصر وللتقوية ذلك أن الله وحده هو الذي يحيى الموتى لا غيره ولا يشاركه في هذا أحد فقدم الضمير لذلك وأعنى الضمير المؤكد بـ (إن)، وكان الأصل أن يقال من غير توكيد: نحن نحيى الموتى، ولكنه أكد الضمير بــ (إن) وجاء بضمير الفصل توكيداً وتقوية ذلك أن الكفار لا يقرون بالحشر ولا يؤمنون بالحياة بعد الموت وكانوا يقولون: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) – الجاثية (24)، فأكد هذا الحكم بـ(إن) وبضمير الفصل، فأفاد هذا التعبير حصراً وتوكيداً.
جاء في (روح المعاني): "وتكرير الضمير لإفادة الحصر أو للتقوية... وضمير العظمة للإشارة إلى جلالة الفعل، والتأكيد للاعتناء بأمر الخبر أو لرد الإنكار فإن الكفرة كانوا يقولون (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) أي إنا نحن نحيى الأموات ببعثهم يوم القيامة" (4).
وقد تقول: ولم لم يؤكد باللام أيضاً كما فعل في موطن آخر فقد قال في سورة الحجر: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) -23؟
والجواب أن كل موطن يقتضي ما ذكر...
فإنه في سورة الحجر من مظاهر قدرته وفصل فيها مالم يذكره في سورة يس، فقد قال في سورة الحجر(وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) – 16-23.
في حين لم يذكر شيئاً من ذلك في سورة يس، فاقتضى ذلك أن يذكر اللام توكيداً ومناسبة لمقام التفصيل، فناسب الإيجاز الايجاز والتفصيل التفصيل.
هذا من ناحية، ومن ناحية آخري إنه فصل في ذكر الحشر في سورة الحجر مالم يفصله في سورة يس، فقد قال في الحجر (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) – (23- 25).
في حين لم يزد في سورة يس على قوله (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) ثم ينتقل إلى موضوع آخر، فناسب مقام الحشر وذكره بصورة أوسع مما في يس أن يزيد في توكيده.
ومن ناحية ثالثة أن الخطاب في سورة يس قبل وبعد الآية للرسول، ويبدأ ذلك بقوله (إنك لمن المرسلين .... لتنذر قوماً.. وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم.... إنما تنذر من اتبع الذكر... فبشره بمغفره) ثم تأتى الآية بعدها (وأضرب لهم مثلاً ..)
في حين أن الخطاب في الحجر لعموم الخلق كما هو ظاهر، ولا شك أن عموم الخلق بهم حاجة إلى تأكيد الحشر أكثر من الرسول (صلى الله عليه وسلم) فناسب ذلك الزيادة في التأكيد في آية الحجر من كل وجه والله أعلم.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص40 إلى ص42.
1- أنظر التفسير الكبير 26/48، البحر المحيط 7/325
2- التفسير الكبير 26/48
3- روح المعاني 22/218
4- روح المعاني 22/218
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٣ |
(وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ)
أي نكتب ما قدموا من الأعمال الصالحة وغيرها.
(وآثارهم) أي ما أبقوه بعدهم من أعمال البر أو غيرها من أعمال السوء، فإن الإنسان قد يعمل عملاً فيه فائدة للمسلمين يبقى بعده كتأليف كتاب أو بناء مسجد أو تأسيس مدرسة تعلم الناس أمور دينهم أو تأسيس جماعة تدعو إلى الله أو سن سنة حسنة فتكتب له حسنات بقدر ما ينتفع بها حيث انتفع بها.
أو بالعكس فإنه قد يعمل عملاً فيه إضرار بالمسلمين من سن مظلمة أو ابتداع بدعة سيئة أو نشر أفكار ضارة بالمسلمين أو معادية للإسلام أو إظهار معصية وما إلى ذلك من أعمال السوء فإنه تكتب عليه أوزار ذلك بقدر ما أحدثت من أضرار حيث أضرت فإنه ليست الأعمال وحدها هي التي تكتب بل تكتب آثار تلك الأعمال من خير أو شر، قال (صلى الله عليه وسلم) من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً).
جاء في (الكشاف): "(ونكتب ما) أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها وما هلكوا عنه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو حبيس حبسوه أو بناء بنوه من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك، أو سيء كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين وسكة أحدثها فيها تخسيرهم وشيء أحدث فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاه وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها، ونحوه قوله تعالى ( يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) أي قدم من أعماله وأخر من أثاره، وقيل هي آثار المشائين إلى المساجد .... وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئا لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح" (1)
وجاء في (روح المعاني): "(ونكتب ما قدموا) ما أسلفوه من الأعمال الصالحة والطالحة.
(وآثارهم) التي أبقوها بعدهم من الحسنات كعلم علموه... وغير ذلك من وجوه البر ومن السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان... وغير ذلك من الشرور التي أحدثوها وسنوها بعدهم للمفسدين.
أخرج ابن أبى حاتم عن جرير بن عبد الله البجلي قال (قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً، ثم تلا (ونكتب ما قدموا وآثارهم)" (2).
وقد تقول: لقد قدم الله (إحياء الموتى) على كتابة ما قدموا وآثارهم فقال (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ ) مع أن كتابة ما قدموا وآثارهم قبل إحياء الموتى فلم ذلك؟
فنقول إن التقديم والتأخير لا يكون دائماً مبيناً على السبق في الزمان أو على الأشرف وإنما هو مبني على العناية والاهتمام وهذه تختلف بحسب السياق والمقام فقد يقدم المتأخر أحياناً أو بالعكس ولذا نجد في القرآن تقديم الركوع على السجود مرة وتقديم السجود على الركوع مرة آخري، وتقديم الحياة على الموت مرة وتقديم الموت على الحياة مرة آخري، ونجد تقديم المتقدم في الزمن مرة وتقديم المتأخر مرة آخري قال تعالى ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ) – النساء 163
فقدم عيسى على أيوب ويونس وغيرهما ممن ذكر وهو بعدهم جميعاً، وذكر سليمان قبل أبيه داوود، فليس التقديم والتأخير قائماُ على السبق في الزمان إذن وإنما مداره على العناية والاهتمام كما ذكرت، وأوجه العناية والاهتمام تختلف بحسب السياق.
وهنا قدم الإحياء على الكتابة لأنه أهم من عدة أوجه:
منها أنه المناسب لما قبله من الإنذار والتبشير فإن ذلك يكون في الحياة بعد الموت، ومنها أن كتابة ما قدموا من الأعمال إنما هي لما بعد الموت وإلا فلا قيمة للكتابة، فقدم الأهم لذلك.
ثم إنه رتب المذكورات بحسب الأهمية فإن أهم شيء فيما ذكر هو الإحياء بعد الموت ثم كتابة الأعمال التي تعرض على صاحبها في الحياة الثانية ثم كتابة الآثار وهي مستندة إلى ما قدم الأهم من ناحية آخري وهو ما لا يستطيع فعله إلا الله وهو إحياء الموتى ولذا جاء به بأسلوب القصر المؤكد ليدل على إنه لا يفعله إلا الله، وأما الكتابة فإنه يمكن أن يفعلها المخلوقون وإن لم تكن بنفس الدرجة من الدقة والإحاطة، ولذا قال تعالى ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ ) ولم يقل (وإنا نحن نكتب ما قدموا).
ثم من ناحية آخري قدم فعل الله على ما يفعله غيره، والإحياء فعل الله وأما الكتابة فهي فعل الملائكة الموكلين بها بأمره كما أخبر ربنا ( وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) الزخرف 80( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) – ق18.
ثم إنه قدم إحياء الموتى لأن السورة مبنية على ذلك وأن جوها يشيع فيه ذكر الحياة بعد الموت، قال تعالى ( وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) – يس32
وهذا في الحياة الأخرى.
وقال ( الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ )(33)، وهذا إحياء بعد الموت.
وقال ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )(48) أي الحشر .
وقال ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) 51-53.
ثم ذكر مشهداً من مشاهد الحياة الآخرة في الجنة ومشهداً في النار.
وتختم السورة بقوله ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ )78-79 فالسورة يشيع فيها ذكر الحياة بعد الموت فناسب تقديمه على الكتابة عن كل وجه.
جاء في (التفسير الكبير): "الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال: (نحيى ونكتب) ولم يقل (نكتب ما قدموا ونحييهم)؟
نقول: الكتابة معظمة لأمر الإحياء لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم، والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياء وإعادة لا يبقى لها أثر أصلا، فالإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره، فلهذا قدم الإحياء ولأنه تعالى لما قال (إنا نحيى) وذلك يفيد العظمة والجبروت والإحياء عظيم يختص بالله والكتابة دونه فقرن بالتعريف الأمر العظيم وذكر ما يعظم ذلك العظيم" (3) وقال (نكتب) ولم يقل (نعلم) لغرض الاهتمام بها وتوثيقها وإطلاع صاحبها عليها بصغيرها وكبيرها، فإن الإنسان قد يعلم أشياء ولا يكتبها فإن كانت مهمة دونها.
وقال (أحصيناه) ولم يكتف بالكتابة لأن الكتابة وحدها قد لا تكون كافية، فإن كتبت أشياء ولم تحصها فربما ضاعت أو تلفت فإن الإحصاء يحدد عدد المكتوب فلا يضيع منه شيء، ولم يكتف بإحصائها بل جعلها في موضع واحد وهو الإمام المبين وهو اللوح المحفوظ – كما قيل – وسمى إماماً لأن الملائكة تتبعه وتنفذ ما فيه فهو الإمام لها.
وقال (نكتب) بالمضارع و(أحصيناه) بالماضي لأن الإحصاء في الإمام المبين سابق على الكتابة، فإن الكتابة تكون لما يفعله المكلفون وهي متأخرة عما كتبه الله في اللوح فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين.
جاء في (التفسير الكبير):"وقوله (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) يحتمل وجوهاً:
أحدهما أن يكون ذلك بياناً لكون ما قدموا وآثارهم أمراَ مكتوباً عليهم لا يبدل فإن القلم جف.
وثانيها أن يكون ذلك مؤكداً لمعنى قوله (ونكتب) لأن من يكتب شيئا في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين، وهذا كقوله ( عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى).. وقوله (أحصيناه) أبلغ من كتبناه لأن من كتب شيئاً مفرقاً يحتاج إلى جمع عدده فقال هو محصى فيه وسمى الكتاب إماماً لأن الملائكة يتبعونه فما كتب فيه من أجل ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه وقيل هو اللوح المحفوظ" (4).
وقال ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ ) ينصب (كل) ولم يقل (وكل شيء) بالرفع ذلك أن المعنى بنصب (كل) أننا أحصينا كل شيء في كتاب مبين .
وأما بالرفع فيحتمل معنيين:
المعنى الأول وهو ما ذكرناه بالنصيب فيكون (كل)مبتدأ وجملة (أحصيناه)خبراً له.
والمعنى الآخر أن تكون جملة (أحصيناه) نعتاً لشيء والخبر (في إمام مبين) فيكون المعنى (إننا كل شيء أحصيناه) (في إمام مبين) أي أن الشيء الذي أحصناه إنما هو في إمام مبين ومعنى ذلك أن الأشياء على قسمين: قسم محصى وهو في إمام مبين، وقسم غير محصى وهو ليس كذلك، وهذا المعنى باطل لا يمكن أن يراد.
فجاء بالعبارة ذات الدلالة القطعية التي لا تحتمل دلالة آخري.
إن هذه الآيات من سورة يس بينت المقصد من هذه السورة وعليها بنيت فكأنها تلخيص للسورة وبقية السورة تبين لها . وقد ارتبطت آيات السورة بهذه الآيات ارتباطا متينا واضحاً.
فقد أجاب القسم بقوله ( إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) أي إنك واحد منهم، وقد طبعت السورة بهذا الطابع وقد بنيت على هذا الأمر فقد ضرب له مثلاً بأصحاب القرية إذ جاءها المرسلون وذكر قصتهم معهم.
وقال ( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) 30 فهذا يدل على كثرة الرسل وإنه واحد منهم.
وذكر تصديق المكذبين لرسلهم في الآخرة ( هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) 52.
وقد ذكر في موطن آخر من السورة أن ما عهده الله إلى بنى آدم على لسان رسله هو صراط مستقيم ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) 60-61 فأنظر كيف وصف الرسول في أول السورة إنه على صراط مستقيم ويأتي في بحر السورة أن هذا هو عهده
إلى بنى آدم.
ثم قال ( تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) وكما بنيت السورة على ما ذكرت من أمر المرسلين وشاع فيها ذلك بنيت أيضاً على العزة والرحمة وشاع ذلك فيها كما سبق أن ذكرنا في تفسير قوله ( تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ).
ثم ذكر الغرض من هذا التنزيل وهو الإنذار فقال ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا) وقد شاع أيضاً جو الإنذار فيها، وهو التحذير من مغبة التكذيب لرسل الله سبحانه وذلك بما يذكره من العقوبات في الدنيا والآخرة وذلك من نحو قوله تعالى (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ وهذا كله إنذار وتخويف.
ونحو قوله ( وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ )
وقوله (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ)
وقوله ( إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ).
وذكر مشهداً من مشاهد جهنم وفيه تحذير أي تحذير.
ومن ذلك قوله (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ)
وهذا كله تحذير وإنذار لمن كان له قلب.
ثم ذكر القوم الذين سينذرهم وموقفهم من هذا الإنذار وإنهم سواء عليهم الإنذار وعدمه فهم لا يؤمنون على أية حال.
وبين لنا في السورة فيما ضرب من مثل وذكره أن هذا حال أكثر الأقوام الماضية وأن موقفهم من إنذار الرسل واحد ليتأسى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليعلم أن هذا ليس موقف قومه وحدهم فقد ضرب له مثلاً بأصحاب القرية وموقفهم من رسلهم وذكر عاقبتهم ومآلهم ثم بين أن هذا شأن عباد الله على العموم ( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) 30) ثم ذكر فيما بعد مؤكداً هذا المعنى (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) 46
ثم ذكر أن الشيطان أضل خلقاً كثيراً من بنى آدم ( وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) 62.
ثم ذكر في خواتم السورة أن الله خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين.
وهذه الآية تؤكد ما بينه وقرره من حال الإنسان وموقفه من الله ورسالاته، ثم ذكر أن جزاء من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب مغفرة وأجر كريم، وشاع هذا الأمر في السورة وقرره في أكثر من موطن فذكر عاقبة الذين آمن بالرسل من أصحاب القرية وإنه قيل له ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ فذكر المغفرة والإكرام وهما ما ذكره في قوله فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ )،ثم ذكر أصحاب الجنة ونعيمهم 56-58.
ثم ختم هذه الآيات بقوله ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) وشاع في السورة أمر إحياء الموتى حتى صار طابعاً لها كما سبق أن ذكرنا.
فاتضح من هذا أن هذه الآيات هي المعاني التي بنيت عليها السورة وشاع فيها ذكرها والله أعلم.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص42 إلى ص49 .
1- الكشاف 2/583 وانظر البحر المحيط 7/325
2- روح المعاني 22/218
3- التفسير الكبير 26/49
4-التفسير الكبير 26/49-50
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٤ |
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ )
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا)
يحتمل هذا التعبير معنيين:
المعنى الأول أن المقصود اضربْ لأجلهم مثلاً أي بينه لهم واذكره لهم وقصّ عليهم قصة أصحاب القرية ليتعظوا وليعلموا أنك لست بدعا من الرسل وإنما أُرسل قبلك رسل وأنذروا قومهم وأن موقفهم من رسلهم كان التكذيب وإنكار الرسالات وأنهم أذوا رسلهم وعذبوهم فأهلكهم الله لعل قومك يتعظون.
والمعنى الآخر أن المقصود مثّل لنفسك حال قومك بأصحاب القرية واجعلهم مثلًا لهم أي شبّه حالهم بحال أصحاب القرية فإن حال قومك شبيه بحال أصحاب القرية وأن مثلّهم كمثلهم كما تقول مخاطبًا شخصًا: أنا أشبّه حالك بحال فلان إذ فعل كذا وكذا. وتقول لشخص: أنا أضرب لزيد مثلًا خالداً فإن كليهما قد خسر في تجارته، أي أجعله شبيهاً به.
وعلى كلا هذين المعنيين يرتبط المثل بما قبله أحسن ارتباط.
فإنه على المعنى الأول أي أن تضرب لهم المثل وتبينه لهم فإنه يقول له: بيّن لهم شأن أصحاب القرية وموقفهم من رسلهم فإنهم مثلهم في الاعتقاد والتكذيب.
وستكون عاقبتهم مثلهم إن أصرّوا على كفرهم وعنادهم لعلهم يتعظون ويرعوون.
وعلى المعنى الثاني يكون المقصود أن قومك ليسوا بدعاً من الأقوام فهماك أقوام مثلهم في التعنت والكفر وأنه سواء عليهم الإنذار وعدمه وأنه حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون وأنت لست وحدك تلاقي من العنت والإيذاء والتكذيب ما تلاقي فهؤلاء أصحاب القرية مثل قومك في موقفهم وعنادهم وإيذائهم رسلهم فقد أرسل إليهم ثلاثة رسل فكذبوهم وآذوهم فتصبّر وتأسّ بهم. وفي ذلك تصبي له وتأسية فيكون ضرب المثل له .
والمعنيان مرادان مرتبطان بما قبلهما أجل ارتباط وأحسنه. جاء في (التفسير الكبير) في قوله (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا) وفيه وجهان. والترتيب ظاهر على الوجهين.
الوجه الأول: هو أن يكون المعنى وأضرب لأجلهم مثلًا.
والثاني: أن يكون المعنى وأضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلًا.
أي مثَلهم عند نفسك بأصحاب القرية.
وعلى الأول نقول: لما قال الله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وقال (لِتُنْذِرَ) قال: قل لهم (ما كنت بدعا من الرسل) بل قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة.
وعلى الثاني نقول: لما قال الله تعالى إن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال النبي عليه الصلاة والسلام فلا تأس واضرب لنفسك وقومك مثلًا، أي مثّل لهم عند نفسك مثلًا حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا وصبر الرسل على القتل والإيذاء وأنت جئتهم واحدًا وقومك أكثر من قوم الثلاثة فإنهم جاءوا قرية وأنت بعثت إلى العالم"(1).
وجاء في (روح المعاني): "فالمعنى على الأول: أجعل أصحاب القرية مثلًا لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على التكذيب أي طبق حالهم بحالهم على أن (مثلًا) مفعول ثان لا ضرب و (أصحاب القرية) مفعول الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه.
وعلى الثاني اذكر وبين لهم قصة هي في الغرابة كالمثل. وقوله سبحانه (أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ) بتقدير مضاف أي مثل أصحاب القرية"(2).
وقال (إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ) ولم يقل (إذ جاءهم) لأنه أراد أنهم أتوهم في مكانهم لينذروهم. ولو قال (إذ جاءهم) لم يفد أنهم أتوهم إلى مكانهم بل يحتمل أنهم كانوا في مكان ما فأتاهم الرسل إليه. فقد يجتمع أهل قرية في مدينة ما ويأتيهم شخص إلى مكان اجتماعهم فيقال (جاء أهل القرية فلان وكلمهم) ولم يفد ذلك أنه ذهب إلى قريتهم بخلاف قوله (جاءها) فإنه يفيد أنهم ذهبوا إليهم في دارهم ليبلغوهم دعوة ربهم وينذروهم وفي هذا من الاهتمام بأمر التبليغ ما فيه. جاء في (روح المعاني): وقيل (إذ جاءها) دون (إذ جاءهم) إشارة إلى أن المرسلين أتوهم في مقرهم"(3).
وقال (جاءها) دون (أتاها) ذلك أن المجيء يكون لما فيه مشقة ولما هو أصعب من الإتيان(4). ويبدو أنه كان في المجيء إلى أهل القرية وتبليغهم مشقة وإيذاء وتهديد فاختار المجيء على الإتيان. ولذا قال تعالى (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا) - الفرقان () لأنه كان إتياناً سهلاً وذلك أنهم مروا بها وهم في طريقهم. وقال (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا) لأن إتيانها ودخولها كان ميسراً ولم يجدوا من أهلها مساءة أو مشقة فاستعمل (أتيا) دون (جاءا).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 50 إلى ص 52:
1- التفسير الكبير 26/50.
2- روح المعاني 22/22.
3- روح المعاني 22/220.
4- انظر المفردات في غريب القرآن 6 و102 وأنظر كتاب لمسات بيانية (قصة موسى في سورتي النمل والقصص).
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٥ |
(قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ9
(قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا
أي فكيف اختصكم الله بالوحي دوننا، ونحن بشر وأنتم بشر؟
وفي هذا القول تكذيب لهم وإنكار للنبوات على العموم. وقد فصل ما تضمنته هذه العبارة من تكذيب للمرسلين وإنكار للنبوات بقوله بعد (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ) فإن هذا القول يعني إنكار النبوات. وبقوله (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) وهو تكذيب لهم خاصة.
فذكر الأمر العام الذي يتضمن الأمرين، ثم ذكر كل أمر مما تضمنته العبارة.
وهذا الإنكار شأن كثير من الأمم السابقة فإنهم أنكروا أن ينزل الله على بشر من شيء جاء في (تفسير ابن الكثير) في قوله مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا: أي فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر فلم لا أوحي إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة.
وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله عز وجل (ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) أي استعجبوا من ذلك وأنكروه وقوله تعالى (قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ). وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله جل وعلا (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ )وقوله تعالى (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا() 1).
وقد تقول: ولم لم يكتف بقوله (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) وقد ذكرت أنه يتضمن معنى ما بعده؟
والجواب أنه ليس المقصود من قولهم هذا إثبات بشرية الرسل ينازعهم فيه أحد وإنما المقصود إنكار النبوات وتكذيبهم فأوضحوا المقصود وأبانوا عن معتقداتهم.
ودفعا لحجة الرسل الذين سيحتجون عليهم بقولهم: نعم نحن بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده فيختصه بالرسالة وإن كوننا بشراً لا يمنع من أن يوحى إلينا ربنا. وما إلى ذلك من الحجج التي تبين أنه لا مانع من أن يكون البشر رسولاً وأنه لو أرسل ربنا ملكاً لجعله رجلاً ولا لتبس عليهم الأمر أيضاً فأبانوا عن معتقداتهم بقولهم (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ). ثم بينوا رأيهم في هؤلاء الرسل فقالوا: إن أنتم إلا تكذبون.
وهذه العبارة الأخيرة تعني تكذيب الرسل وعدم الإيمان لهم حتى لو كان الرحمن أنزل شيئاً لأنهم كاذبون فيما يرون.
(وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ)
هذا القول يعني أنهم يؤمنون بالله. وينكرون النبوات. وهذا شأن كثير من المجتمعات البشرية التي حكي عنها في القرآن نحو قوله (لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً) وقوله (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا). ومثلهم قوم سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)فأنهم يؤمنون بالله وينكرون النبوات. قال تعالى ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) - العنكبوت (61).
وقال (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) - الأنبياء (3).
وقال: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ )- ق (2).
جاء في (روح المعاني): "وظاهر هذا القول يقتضي إقرارهم بالإلوهية لكنهم ينكرون الرسالة ويتوسلون بالأصنام(2).
قال الفخر الرازي: "وقوله (الرحمن) إشارة إلى الرد عليهم. لأن الله لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن؟ فقال أنهم قالوا: ما أتزل الرحمن شيئاً. وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئاً هو الرحمة الكاملة"(3).
وقد تقول: ولمن قال ههنا (وما أنزل الرحمن من شيء) فاسند الفعل إلى الرحمن وقال في سورة الملك (وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) - الملك (9).
وفي سورة الأنعام (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) - الأنعام (91) بإسناد الفعل إلى الله؟
فنقول: إن كل تعبير هو الأنسب في مكانه.
فأما سورة الملك فإنه يشيع فيها ذكر العذاب ومعاقبة الكفار فقد ذكر فيها مشهداً من مشاهد الذين كفروا في النار وسؤالهم عن النُذُر التي جاءتهم وذلك قوله (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) (5 – 11).
ثم حذر عباده من عقوبته وبطشه في الدنيا وألا يأمنوا عذابه من فوقهم أو من تحت أرجلهم وأن يعتبروا بما فعله ربنا في الأقوام الهالكة (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) (16- 18).
ثم حذرهم مرة أخرى وهددهم بقوله (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) (20، 21).
وعاد مرة أخرى فذكر إنكار الكفار ليوم النشور واستبعادهم له وحذرهم من عقوبات رب العالمين في الدنيا والآخرة فقال (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ)
وإزاء كل هذا التحذير والتخويف وذكر مشاهد العذاب لم يذكر بخصوص المؤمنين وجزاءهم إلا أية واحدة وهي قوله (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) - (12).
فلا يناسب إزاء كل التهديد والتحذير للكافرين وما أعده الله لعذابهم في جهنم أن يقرئه باسم الرحمن.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن القائلين لهذا القول إنما هم في أطباق النيران وأنهم ألقوا فيها فوجاً بعد فوج وقد اشتد غضب الله عليهم ولم تدركهم رحمته فلا يناسب ذكر الرحمن هنا أيضاً.
ثم أن الله جعل العذاب بمقابل الرحمة فقال (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) - الحجر (49، 50) ولما كان المشهد مشهد العذاب كان ذلك في مقابل الرحمة فلا يناسب هذا العذاب ذكر الرحمة وبخاصة أن هؤلاء كفروا بربهم فلا ترجى لهم رحمة ولا ينالهم من اسم الرحمن نصيب.
ومن ناحية أخرى إن القائلين في سورة يس إنما هم في الدنيا وهم يتقلبون في نعم الله ورحمته أما القائلون في سورة الملك فإنما هم في جهنم وقد ينسوا من رحمته سبحانه فناسب كل تعبير موطنه.
وأما سورة الأنعام فإنها يشيع فيها التحذير والتهديد والتوعد وليس فيها مشهد من مشاهد الجنة وإنما فيها صور غير قليلة من مشاهد النار.
كما أن السورة لم يرد فيها اسم (الرحمن) على طولها في حين ورد فيها اسم (الله) تعالى (87) سبعاً وثمانين مرة.
فناسب كل تعبير مكانه.
(شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ)
لقد واجهوهم بالتكذيب صراحة بعد أن ذكروا ذلك ضمناً بقولهم (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) وقولهم (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ).
وكان النفي والإثبات بما وإلا في قوله 0قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) وهنا بإنْ وإلا (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ.)
ذلك أن (إنْ) أقوي في النفي من (ما) فوضع كل حرف في الموضع الذي يقتضيه ذلك أن قولهم (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) غير منكور وهو معلوم للجميع. أما قولهم (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) فهو موضوع النزاع فإنه الوصف الذي يلصقه أهل القرية بهم ويدفعه المرسلون عن أنفسهم. فإن كونهم بشراً لا يحتاج إلى إثبات أو دليل بخلاف إثبات الكذب. وأهل القرية لم يذكروا بشريتهم إلا ليصلوا إلى تكذيبهم فإن الغرض من قولهم (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) ليس إثبات البشرية لهم وإنما هو إثبات الكذب عليهم فناسب ذكر أقوى الحرفين فيما فيه قوة إنكار ويحتاج إلى إثبات.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 53 إلى ص 58
1- تفسير ابن كثير 3/576
2- روح المعاني 22/221.
3- التفسير الكبير 26/52.
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٦ |
((قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ)
بعد أن بالغ أصحاب القرية في تكذيبهم وردهم رداً غير جميل لم يتركهم رسل الله ولم يرحلوا عنهم وإنما أقسموا على صدقهم واستمروا على إبلاغهم دعوة ربهم قائلين ( رَبُّنَا يَعْلَمُ...) وفي هذا توجيه للدعاة أن لا يسأموا إذا جوبهوا بما يكرهون أو ردوا رداً غير جميل أو اتهموا باتهامات باطلة بل عليهم أن يعيدوا النصح والتبليغ.
وقولهم (ربنا يعلم) يجرى عند العرب مجرى اليمين ويجاب بما يجاب به القسم فقولك (علم الله) و (ربنا يعلم) وما إلى ذلك هو نوع من القسم في كلام العرب ولذا أجيب بما يجاب به القسم وهو الجملة الاسمية المؤكدة بإن واللام.
واختيار هذا التعبير أنسب شيء هنا فإنه إضافة إلى القسم الذي فيه فإنهم نسبوا العلم إلى الله فقالوا (ربنا يعلم ذلك) فإنهم أرسلوا بأمره وبعلمه. وهو ههنا أبلغ من مجرد القسم بأن نقول (والله) أو (وربنا) فإن أصحاب القرية قالوا إن الرحمن لم ينزل شيئاً وإنكم تكذبون فيما أدعيتم به. فرد عليه الرسل بأن ربنا يعلم صدقنا وإننا مرسلون إليكم.
وقيل إن من قال (يعلم الله ذلك) وهو غير صادق فيما يقول فقد كفر لأنه نسب إلى الله الجهل بخلاف اليمين الكاذبة.
واختيار (الرب) مع الرسالة أنسب شيء فإن الرب هو المربي والهادي والهداية هي المقصودة من الرسالة، ولذلك كثيراً ما يقترن الإرسال بالرب وذلك نحو قوله تعالى (لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا) - طه (134) وقوله (رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا) - القصص (47) وقوله (لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي) - الأعراف (79) وقوله (إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) – الزخرف (46).
وإضافته إلى ضمير المتكلمين (ربنا) يعني أن ربهم الذي خلقهم وله كمال الصفات هو الذب أرسلهم وأيدهم بالمعجزات. ولو قالوا (ربكم يعلم....) لاحتمل أن يقولوا لهم: إن ربنا لا يرسل الرسل. ثم إنهم اتخذوا أرباباً لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه فكيف ترسل الرسل؟
ثم إن ذلك يعني أن ربهم هو الذي أرسلهم إلى أهل القرية لأنه ربهم أيضاً ولو لم يكن ربهم لم يعنِه أمرهم, فإضافة الرب إلى ضمير المتكلمين له أكثر من مناسبة ودلالة.
وتقديم الرب على الفعل يفيد التوكيد والتقوية.
وتقديم الجار والمجرور (إليكم) يفيد التخصيص أي إنا أرسلنا إليكم على وجه الخصوص لنبلغكم رسالة ربنا.
وقال ههنا (لمرسلون) باللام وقال قبلها (مرسلون) بلا لام وذلك زيادة في التوكيد لزيادة الإنكار. فقد أكد العبارة الأولى بإن بعد التكذيب فلما زاد التكذيب والإنكار بثلاث جمل كل منها غاية في التكذيب والإنكار زاد في التأكيد. فقد قال في المرة الأولى (إنا إليكم مرسلون) وفي المرة الأخرى (ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون).
فأكد بالقسم وهو قوله (ربنا يعلم) وبالجملة الاسمية وهو تقديم (ربنا) على الفعل (يعلم) وبإن واللام. فكان كل تعبير هو المناسب للمقام.
جاء في (التفسير الكبير) في قوله تعالى قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ... إنه "إشارة إلى أنهم بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا، بل أعادوا ذلك وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين و (قالوا إنا إليكم لمرسلون) وأكدوا باللام لأن (يعلم الله) يجري مجرى القسم. لأن من يقول (يعلم الله) فيما لا يكون فقد نسب الله إلى الجهل وهو سبب العقاب كما أن الحنث سببه"(1).
وجاء في (روح المعاني): "استشهدوا بعلم الله تعالى وهو جار مجرى القسم في التأكيد والجواب بما يجاب به. وذكر أن من استشهد به كاذباً يكفر ولا كذلك القسم على كذب. وفيه تحذيرهم معارضة علم الله تعالى.
وفي اختيار عنوان الربوبية رمز إلى حكمة الإرسال كما رمز الكفرة إلى ما ينافيه بزعمهم. وإضافة (رب) إلى ضمير الرسل لا يأبى ذلك ويجوز أن يكون اختياره لأنه أوفق بالحال التي هم فيها من إظهار المعجز على أيديهم فكأنهم قالوا: ناصرنا بالمعجزات يعلم أنا إليكم لمرسلون.
وتقديم المسند إليه لتقوية الحكم أو للحصر أي ربنا يعلم لا أنتم لانتفاء النظر في الآيات عنكم...
وجاء كلام الرسل ثانياً في غاية التأكيد لمبالغة الكفرة في الإنكار جداً حيث إنه أتوا بثلاث جمل وكل منها دال على شدة الإنكار كما لا يخفى على من له أدنى تأمل"(2).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 58 إلى ص 60
1- التفسير الكبير 26/52
2- روح المعاني 22/222 وأنظر الكشاف 2/584.
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٧ |
(وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)
ذكروا أن مهمتهم هي البلاغ المبين حتى إن كذبوهم وأساءوا إليهم فإن هذا لا يثنيهم عن البلاغ لأن هذا أمر أنيط بهم وعليهم تنفيذه.
ومعنى (علينا) أي نحن مكلفون بذلك وهو واجبنا. فواجب الرسل هو التبليغ. بل يلزمنا البلاغ المبين للحق المظهر له، والذي يصل إلى عموم المكلفين بحيث لا يبقى أحد لا يسمع به ولا يعلم ما هو فلا يصح أن نسرّ ذلك إلى شخص أو نبلغه إلى جماعة مخصوصة فإن ذلك لا يكون بلاغاً مبيناً. فالبلاغ المبين يتضمن أمرين:
الأمر الأول إيضاح الرسالة وتبليغها كلها بحيث لا يبقى منها شيء غير مبلغ ولا غير معلوم.
والأمر الآخر أن يكون التبليغ شاملاً لكل من أرسل إليهم واصلاً إلى كل فرد.
فلا يترك سبيلاً لإيصال الدعوة إلى كل من تعنيه.
وإلا لم يكن بلاغاً مبيناً.
وعلة هذا فإن عليهم أن يبلغوا كل ما أرسلوا به وألا يكتموا منه شيئاً وأن يوصلوه إلى جميع أصحاب القرية. وهذان الأمران لا يصدّهم عنها صادّ ولا يدفعهم عنهما دافع لأن ذلك مما ألزموا به إلزاماً.
جاء في (التفسير الكبير): و (المبين) يحتمل أموراً:
أحدها البلاغ المبين للحق عن الباطل أي الفارق بالمعجزة والبرهان.
وثانيهما البلاغ المظهر لما أرسلنا للكل. أي لا يكفي أن نبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين.
وثالثهما البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن"(1).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 60 إلى ص 61
1- التفسير الكبير 26/53
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٨ |
(قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ.)
تطيرنا بكم أي تشاء منا بكم(1) فلم نر على وجوهكم خيراً في عيشنا(2).
وقد تقول: لقد قال في سورة النمل في قوم صالح (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) - النمل (47) فأبدل وأدغم، فلم لم يقل ههنا كما قال ثُمّ؟
والجواب أنا ذكرنا في كتابنا (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) أم (أطّيرّ) ونحوه كادّبرّ واطهّر أبلع من (تطير) ونحوه وذلك لمكان التضعيف في الفاء زيادة على تضعيف العين فدل على أن التطير في سورة النمل أشد منه مما في هذه الآية، يدل على ذلك أنهم في هذه الآية هددهم بالرجم والتعذيب إن لم ينتهوا. وأما في سورة النمل فقد تعاهدوا وتقاسموا بالله على قتله مع أهله (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ) - النمل (49)(3) فدل على أن تطيرهم في سورة النمل أقوى وأشد.
وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فلم أذن أكد التطير بــ (إنّ) في سورة يس فقال (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ) ولم يؤكده في سورة النمل، فإنه قال (قَالُوا اطَّيَّرْنَا)؟
والجواب أنه لا يلزم في الكلام توكيد كل فعل فيه مبالغة وشدة دوماً فإنه إذا ذكر المتكلم فعلاً أقوى وأبلغ من فعل أو وصفاً أقوى من وصف لا يلزمه أن يؤكد الفعل أو الوصف الأقوى منهما وإنما يكون ذلك بحسب الغرض. فله أن يؤكد أي واحد منهما بحسب ما يقتضيه الكلام. فله أن يقول مثلاً (اصطبرت عليك وإني صبرت على فلان) فيذكر الاصطبار من دون توكيد ويؤكد الصبر مع أن الاصطبار أبلغ وأقوى من الصبر لأن الغرض من العبارة أن يخبر باصطباره عليه ويؤكد صبره على الآخر.
ولك أن تقول (إنه كاذب) فتؤكد اسم الفاعل وتقول (هو كذّاب) فلا تؤكد صيغة المبالغة مع أن المبالغة أقوى من اسم الفاعل. ولا يلزم من مبالغة الوصف التوكيد وإنما يكون ذلك بحسب الغرض. قال تعالى (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في أكثر من موطن فأكد كذبهم بإن واللام.
وقال (هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) - ص (4) و (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) - القمر (25).
ولم يؤكد مع أن (كذاب) صيغة مبالغة، فأكد اسم الفاعل ولم يؤكد المبالغة.
والذي أريد أن أخلص إليه أن المبالغة في الفعل والوصف لا تقتضي التوكيد دائماً وإنما ذلك بحسب الغرض والمقام. فلك أن تؤكد أي فعل أو وصف أو لا تؤكده، ولك أن تؤكد ما هو أقل مبالغة ولا تؤكد الأقوى وبالعكس فكل ذلك إنما يكون بحسب ما يقتضيه الكلام.
وإيضاح ذلك أنك قد تذكر شخصاً هو موضع ثقة كبيرة عند من تخاطبه فتقول له (هو كاذب) فينكر ذلك عليك، فتؤكد ذلك بقولك (إنه كاذب) ثم ينكر عليك قولك إنكاراً أشد من الأول فتقول له: إنه لكاذب.
وتقول عن شخص آخر معروف بكثرة الكذب (هو كذاب) فلا تحتاج إلى توكيد لأن مخاطبك لا ينكر ذلك عليك.
فأنت احتجت إلى أن تؤكد اسم الفاعل دون المبالغة.
ونعود إلى الآيتين، فنقول إن قوم صالح أخبروه بتطيرهم الشديد، وأما أصحاب القرية فإنهم أكدوا تطيرهم وهو نظير قولنا (اصطبرت عليك وإني صبرت على فلان) أو (هو مكتسب وإن زيداً كاسب) فيؤكد الأقل دون الأقوى.
إنه في آية يس وهي قوله (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) أكد التطير بإن، وفي آية النمل وهي قوله (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) لم يؤكده ذلك أن كل موطن يقتضي ما ذكر فيه.
فإنا أصحاب القرية أطالوا في كلامهم ولم يكتفوا بذكر التطير وإنما هددوهم بالرجم والتعذيب فقالوا قَالُوا (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) في حين كان الكلام موجزاً في سورة النمل فقد ذكروا التطير ولم يهددوهم بشيء فناسب الإيجاز الإيجاز وناسب التفصيل التفصيل. ولا شك أن القول (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) أطول من (اطيرنا بك وبمن معك).
هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن أصحاب القرية هددوهم بالرجم والتعذيب
مؤكدين ذلك بالقسم ونون التوكيد (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ)، فناسب ذلك توكيد التطير في حين أن قوم صالح لم يهددوهم بشيء. فناسب التوكيد في آية يس دون آية النمل.
وهناك أمر آخر وهو أن رهطاً من قوم صالح كانوا يدبرون له ولأهله أمراً خفياً لا يريدون إشاعته ولا أن يعلم به غيرهم وهو أن يبيتوه وأهله بليل أي أن يغيروا عليهم ليلاً ويقتلوهم من دون أن يعلم أحد ثم ‘نهم إن سئلوا عن ذلك أجابوا أنهم لا يعلمون ذاك وقد تعاهدوا على ذلك وأقسموا عليه (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ) وهذا يقتضي عدم التهديد والتوعد المعلن، لأنه سيفتضح أمرهم بل يقتضي عدم التوكيد في الكلام ولذا ذكروا أنهم متطيرون بهم ليس غير.
فاقتضى كل موطن التعبير الذي ورد فيه. هذا علاوة على تردد التوكيد بإن في قصة أصحاب القرية أكثر من مرة (إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ. إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ. قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ. إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ).
في حين لم يرد مثل ذلك في قصة صالح إلا قوله (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) فناسب كل تعبير موطنه. وأما قوله (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) - (51) وقوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً) - (52) فهذا من التعقيب وليس فيما دار فيها من كلام.
جاد في (التفسير الكبير): "لما ظهر من الرسل المبالغة في البلاغ ظهر منهم الغلو في التكذيب. فلما قال المرسلون (إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) قالوا (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) ولما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا (رَبُّنَا يَعْلَمُ) أكدوا قولهم بالتطير بهم"(3).
(لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ)
بعد أن ذكروا تطيرهم بهم هددوهم بالرجم إن لم يكفوا عن دعوتهم وقد أكدوا ذلك بالقسم وبنون التوكيد. ويدل على القسم اللام الداخلة على (إِنْ) وهي اللام الموطئة للقسم أي الدالة عليه، وأكدوا تهديدهم بنون التوكيد الثقيلة الداخلة على الفعل (لَنَرْجُمَنَّكُمْ). فكما أكدوا تطيرهم بـ (إنّ) أكدوا تهديدهم بالقسم ونون التوكيد.
وقد تقول: لقد قال في مكان آخر (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) - الشعراء (116).
وقال في سورة مريم (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) - مريم (46).
فلم لم يجعل التعبيرات على نمط واحد؟
والجواب أنه لا يصح جعلها على نمط واحد لأن المعنى مختلف والمقام مختلف. ذلك أن (لَأَرْجُمَنَّكَ) يعني لأوقعن عليك الرجم ولا يعني أن هناك آخرين مرجومين معه أو نالهم الرجم.
وقولك (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) يعني أنه واحد ممن نالهم الرجم.
فلا يصح في سورة يس أن يقال (لئن لم تنتهوا لتكونُنّ من المرجومين) لأنه ليس هناك أشخاص آخرون غير هؤلاء نالهم الرجم فيكونون منهم.
وكذلك في آية مريم فإنه قال (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ) ولم يقل: (لتكونن من المرجومين) لأنه ليس هناك آخرون معه نالهم الرجم أو سينالهم فإن هذا الكلام موجه من أبي إبراهيم لولده إبراهيم عليه السلام وحده.
أما في سورة الشعراء فإنه تهديد لنوح ولمن معه ( قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ)، أي لئن لم تنته لتكونن من الذين ينالهم الرجم. ولو قال (لنرجمنك) لكان الرجيم مختصاً بنوح دون من آمن معه. فإن قيل: ولم لم يقل (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ كما قال في سورة يس؟
والجواب أن الرسل في سورة يس ثلاثة كلمهم بمنزلة واحدة داعون إلى الله مبلغون لرسالته ولذلك جاء الكلام على أنفسهم بصيغة الجمع (إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ. قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ. وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، وكان التطير بهم جميعاً (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ) فكان الخطاب لهم جميعاً.
وأما نوح فهو رسول واحد يبلغ عند ربه أما البقية فهم أتباع وهو صاحب الدعوة والمبلغ فخوطب وطلب منه الكف فقالوا (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ) أي لنرجمنك ومن معك. فهذا تهديد له ولأتباعه.
وهذا القول نظير ما قاله قوم لوط للوط (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) الشعراء (167) أي لنخرجنك ومن معك بدليل قوله تعالى على لسان قومه (أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) الأعراف (82) وقوله (أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) - النمل (56) فلما واجهوا لوطاً قالوا له: لتكونن من المخرجين. أي لتكونن واحداً منهم. وهو تهديد له ولأتباعه أيضاً.
فكان كل تعبير هو المناسب في مكانه.
(وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)
هددودهم بالعذاب الأليم إضافة إلى الرجم فإنهم لم يقولوا (أو ليمسنكم عذاب أليم) فيهددوهم بأحد الشيئين بل جاءوا بالواو التي تفيد الجمع ثم أعادوا الواقعة في جواب القسم (َلَيَمَسَّنَّكُمْ) للدلالة على أن التهديد بالعذاب مؤكد كالمعطوف عليه، لأنه أحياناً يكتفي باللام الداخلة على الفعل الأول، أما الفعل الثاني فيكتفي فيه بنون التوكيد فيكون الثاني أقل توكيداً وذلك كقوله تعالى (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ
مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) - الحشر (11) فإنه أدخل اللام الموطنة في قوله (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ) ولم يدخلها على المعطوف وإنما أكتفي بتوكيد الفعل فقال (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) فكان الثاني أقل توكيداً من الأول، ذلك أنهم أكدوا الفعل لأنه أيسر عليهم ولم يؤكدوا الثاني لأنه أصعب عليهم وأشق.
وكان هناك خيار آخر وهو أن يخفف النون في الفعل العطوف نظير قوله تعالى (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ) - يوسف (32) فيكون ما دخلت عليه النون الثقيلة أكد مما دخلت عليه النون الخفيفة ولكنه لم يفعل هذا ولا ذاك بل أعاد اللام وأتى بالنون الثقيلة للدلالة على أنهما بمنزلة واحدة في التوكيد وأنهم سيفعلونهما جميعاً.
ثم قالوا (مِنَّا) للدلالة على الجهة التي ستقوم بالعذاب. فالجهة التي ستقوم بالرجم والعذاب واحدة (لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا) فإنه لم يقل (وليمسنكم عذاب أليم) فيبهم الجهة إذ لعله لو قالوا ذاك لفهم منه أنهم يقصدون أن آلهتهم هي التي ستمسهم بالعذاب.
وقدم الجار والمجرور (مِنَّا) على العذاب لأكثر من سبب ذلك أن الكلام عليهم وهو مدار الإسناد (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا، لَنَرْجُمَنَّكُمْ، وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا) فناسب تقديم ضميرهم فإنهم هم المتطيرون وهم الراجمون وهم المعذبون.
ثم إن تقديم الجار والمجرور يفيد تعلقه بالفعل (َلَيَمَسَّنَّكُمْ) أي (لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا) أي نحن الذين نعذبكم ونتولى أمر ذلك بأنفسنا ولا ندع ذلك لغيرنا ممن قد يرقّ لحالكم أو يخفف عنكم. ولو قال (ليمسنكم عذاب أليم منا) لاحتمل أن يكون (مِنَّا) صفة لـ (عذاب) وعلى هذا الاحتمال يكون العذاب صادراً منهم أمره أما الذي يقوم بالتعذيب فهو غيرهم وهذا يكون نظير قولنا:
(استعرت لمحمد كتاباً) و (استعرت كتاباً لمحمد) فإن الجملة الأولى يكون تعليق الجار والمجرور فيها بـ (استعرت) فتكون الاستعارة لمحمد أي (استعرت لمحمد) (كتاباً).
أما الجملة الثانية، فتحتمل هذا المعنى وتحتمل معنى آخر وهو: استعرت كتاباً عائداً لمحمد أي أن الكتاب هو كتاب محمد وأنت استعرته فيكون المعنى على النحو الآتي (استعرت) (كتاباً لمحمد).
فكان تقديم الجار والمجرور هو الأنسب.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 61 إلى ص 66
1- الكشاف الكبير 26/53.
2- تفسير ابن كثير 3/567.
3- أنظر بلاغة الكلمة في التعبير القرآني – الإبدال 54.
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٩ |
(وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ)
في هذا الوقت المتأزم والظرف العصيب الذي كثر فيه التهديد والتوعد واشتد فيه الإرهاب جاء من أقصى المدينة رجل يسعى ليعلن إتباعه للرسل وإيمانه بهم ويبين ضلال قومه غير مبال بما سيحدث له. وفي التعبير دلالات مهمة في هذا الخصوص.
1- فقد ذكر أنه جاء من أقصى المدينة أي من أبعد مكان فيها لا يثنيه شيء حاملاً همّ الدعوة.
2- قال (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) ولم يقل (من أقصى القرية) وقد سماها قرية بادئ ذي بدء فقال (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ) ذلك للدلالة على أنها واسعة، فالقرية إذا كانت متسعة تسمى مدينة أيضاً. فأفاد أن هذه القرية كبيرة متسعة ولذا أطلق عليها مدينة أنه جاء من مكان بعيد وذلك يدل على اهتمامه الكبير بمعتقده الجديد.
3- قال (يسعى) أي يعدو ويسرع في مشيه وليس متباطئاً يقدم رجلاً ويؤخر أخرى وهو توجيه للدعاة يعدم التواني في أمر الله.
4- لم يسكت عن الحق ولم يجامل أو يهادن بل دعا قومه إلى الإيمان بما جاءت به الرسل وأتباعهم وأعلن عن إيمانه هو.
5- إن مجيئه من أقصى المدينة يدل على وصول البلاغ إلى أبعد مكان فيها مما يدل على جديتهم في التبليغ وتوسعهم فيه، وهو تصديق لقولهم (وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.)
وقال هنا (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) - القصص (20) بتقديم (رَجُلٌ) على (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ).
ذلك أن القصد في آية يس أن يبين أن مجيء الرجل كان من أبعد مواضعها.
وأما في القصص فإنه يفيد أن الرجل من أقصى المدينة أي هو من أهل المواضع البعيدة غير أنه لا يلزم أن يكون مجيئه من أقصى المدينة. وهو كما تقول (جاءني من القرية رجال) أي جاءوك من القرية، وتقول (جاءني رجال من القرية) فالرجال هم من أهل القرية لكن لا يقتضي أن مجيئهم إليك كان من القرية بل قد يكونون في المدينة ثم جاءوك. وقد يكون المجيء من القرية. فقولك (جاءني رجال من القرية) يحتمل معنيين بخلاف قولك (جاءني من القرية رجال).
وعلى أية حال فإن قوله وجاء رجل من أقصى المدينة) يحتمل ذلك ويحتمل أنه من أهل الأماكن البعيدة وإن لم يكن مجيئه من هناك.
وفي تقديم (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) في سورة يس فائدة أخرى حتى لو كان مجيئها كليهما من أقصى المدينة. فإن قوله (وجاء من أقصى المدينة) يدل على أن الاهتمام أكبر لأكثر من سبب:
1- ذلك أن مجيء الرجل من أقصى المدينة إنما كان لغرض تبليغ الدعوة في حين أن مجيء الرجل إلى موسى كان لغرض تحذيره. والأمر الأول أهم.
2- ثم إن مجيء الرجل من أقصى القرية إنما كان لإشهار إيمانه أمام الملأ ونصح قومه، في حين أنه كان المجيء إلى موسى ليسرّ إليه كلمة في أذنه، فمجيء رجل يس إنما كان للإعلان والإشهار ومجيء رجل موسى إنما كان للإسرار. وفرق بين الأمرين.
3- إن مجيء رجل يس فيه مجازفة ومخاطرة بحياته، وليس في مجيء رجل موسى شيء من ذلك وإنما هو إسرار لشخص بأمرٍ ما ليحذر.
4- إن المجتمع في القرية كله ضد على الرسل وعقيدتهم مكذب لهم متطير بهم فإعلان الرجل أنه مؤمن بما جاء به الرسل مصدق لهم فيه ما فيه من التحدي لهم، بخلاف مجتمع سيدنا موسى عليه السلام فإنه ليس فيه فكر معارض أو مؤيد وليست هناك دعوة أصلاً.
5- إن نصر رسل الله وأوليائه ودعاته أولى من كل شيء فإن تعزيزهم تعزيز لدعوة الله. وإنما موسى عليه السلام فإنه كان رجلاً من المجتمع ليس صاحب دعوة آنذاك ولم يكلفه الله بعد حمل الرسالة.
فتقديم (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) دل على أن الموقف أهم وأخطر. ومع ذلك أفادنا أن تحذير شخص من ظالم أمر مهم ينبغي أن يسعى إليه ولو من مكان بعيد.
فإن كلا الموقفين مهم غير أن أحدهما أهم من الآخر فقدم ما قدم ليدل على الاهتمام.
جاء في (التفسير الكبير) في قوله تعالى (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) "وفي فائدته وتعلقه بما قبله وجهان:
أحدهما – أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي.
وعلى هذا فقوله (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) فيه بلاغة باهرة. وذلك لأنه لما جاء من (أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ) وهو قد آمن دل على أن إنذارهم وإظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة...
وفي التفسير مسائل:
(المسألة الأولى) قوله (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ) في تنكير الرجل مع أنه كان معروفاً معلوماً عند الله فائدتان:
(الأولى) أن يكون تعظيماً لشأنه أي رجل كامل في الرجولية.
(الثانية) أن يكون مفيداً لظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا.
(المسألة الثانية) قوله (يَسْعَى) تبصرة للمؤمنين وهداية لهم يكونوا في النصح باذلين جهدهم. وقد ذكرنا فائدة قوله (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) وهي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة"(1).
وجاء في (روح المعاني) (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) أي من أبعد مواضعها (رَجُلٌ) أي رجل عند الله تعالى فتنويه للتعظيم. وجوز أن يكون للتنكير لإفادة أن المرسلين لا يعرفونه ليتواطؤا معه....
(يَسْعَى) أي يعدو ويسرع في مشيه حرصاً على نصح قومه، وقبل إنه سمع أن قومه عزموا على قتل الرسل فقصد وجه الله تعالى بالذب عنهم...
وجاء (مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) هنا مقدماً على (رَجُلٌ) عكس ما جاء في القصص وجعله أبو حيان من التفنن في البلاغة.
وقال الخفاجي: قدم الجار والمجرور على الفاعل الذي حقه التقديم بياناً لفضله إن هداه الله تعالى مع بعده عنهم وأن بعده لم يمنعه عن ذلك. ولذا عبر بالمدينة هنا بعد التعبير بالقرية إشارة إلى السعة وأن الله تعالى يهدي من يشاء سواء قرب أو بعد.
وقيل قدم للاهتمام حيث تضمن الإشارة إلى أن إنذارهم قد بلغ أقصى المدينة فيشعر بأنهم أتوا بالبلاغ المبين.
وقيل أنه لو تأخر توهم تعلقه بيسعى فلم يفد أنه من أهل المدينة مسكنه في طرفها وهو المقصود"(2).
يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ)
قال لهم يا قوم ليعطف قلوبهم. وذكر لهم ثلاثة أكور تدعوهم إلى إتباع هؤلاء الدعاة:
1- كونهم مرسلين من الله وهذا أهم ما يستوجب أتباعهم فكونهم مرسلين من ربهم يدعو إلى أتباعهم لأنهم لا يدعون إلى أنفسهم ولا إلى معتقدات شخصية ولا إلى آراء خاصة ولا إلى أفكار بشرية وإنما يدعونهم إلى ما أراده ربهم وخالقهم.
2- وأنهم لا يسألون أجراً على هذا التبليغ ولا يبتغون مصلحة خاصة كما هو شأن كثير من أصحاب الدعوات الأرضية مما يدل على أنهم مخلصون في دعوتهم لهم.
3- أنهم مهتدون وهذا يقتضي الأتباع وهو بغية كل متبع مخلص. جاء في (الكشاف) "(مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ) كلمة جامعة في الترغيب فيهم أي لا تخسرون معهم شيئاً من دنياكم وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة"(3).
وقد كرر الأتباع بقوله (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ) لأكثر من غرض، فالتكرار يفيد التوكيد ويفيد أمراً آخر وهو: أن المرسلين ينبغي أن يتبعوا أصلاً، فإذا ثبت أن شخصاً ما مرسل من ربه كان ذلك داعياً إلى أن يتبع قطعاً وهذه دلالة قوله (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ).
أما أتباع غير المرسلين فيكون لمن فيه صفتان:
1- أن يكون مهتدياً.
2- أن لا يسأل أجراً ولا يطلب منفعة ذاتية.
وهذا توجيه لعموم المكلفين، ولو قال (اتبعوا المرسلين. من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون) لكان ذلك خاصاً بأتباع الرسل. ولا يشير إلى أتباع غيرهم من المصلحين والداعين إلى دعوتهم. فتكرار: (اتَّبِعُوا) أفاد الإتباع للرسل في حالة وجودهم. والإتباع الثاني لمن يحمل هاتين الصفتين.
جاء في (روح المعاني): "تكرير للتأكيد وللتوسل به إلى وصفهم بما يتضمن نفي المانع عن أتباعهم بعد الإشارة إلى تحقق المقتضى"(4). واختار (مَنْ) على (الذين) لكونها أعلم فإنها تشمل كل داع إلى الله واحداً كان أو أكثر.
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 67 إلى ص 71:
1- التفسير الكبير 26/54
2- روح المعاني 22/225 – 226
3- الكشاف 2/582
4- روح المعاني 22/226.
الوقفة كاملة
|
| ٣٥٠ |
(وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ9
بعد أن نصح لهم بإتباع المرسلين لأنهم على الهدى ذكر أنه بدأ بنفسه فأمن بدعوتهم وأتبعهم فقال (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
لقد اختار من الدواعي الموجبة لعبادة ربه أنه هو المبدئ والمعيد فهو الذي فطرهم وأوجدهم، وأنهم إليه يرجعون فلا يتركهم بعد موتهم بل سيحشرهم إليه ويحاسبهم على ما قدموا فأما أن يعاقبهم أو يكرمهم وفي هذا تخويف وإطماع.
لقد اختار هذين الأمرين من موجبات العبادة وهما البدء والإعادة لعلمهم جميعاً أن آلهتهم لا تفعلهما ولا تستطيعهما وبهذا سقط كل موجب لعبادة غيره وثبت كل موجب لعبادته.
وقد قدم الجار والمجرور (وَإِلَيْهِ) على (تُرْجَعُونَ) لقصد الاختصاص والمعنى أن الرجوع إليه حصراً إليه لا إلى غيره وهو نظير قوله تعالى (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) و (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ) و (إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
لقد ذكر الموجب لأن يعبده هو وأن يعبدوه هم فإنه قال (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) وهذا داعٍ لأن يعبده هو فكيف لا يعبد الذي فطره؟
وفيه دعوة لهم أيضاً ليعبدوه لأن الذي فطره فطرهم أيضاً.
وقال (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وهذا داعٍ لأن يعبدوه هم فإنهم راجعون إليه فيحاسبهم.
وهو مثلهم راجع إليه أيضاً لأنه فطره.
فقوله (الَّذِي فَطَرَنِي) يقتضي أنه فطرهم أيضاً.
وقوله (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) يقتضي أنه يرجع إليه أيضاً.
وبذلك أشار بأوجز تعبير إلى أنه فطره وفطرهم وأنه إليه يرجع وأنهم إليه يرجع وأنهم إليه يرجعون. فما له لا يعبده وما لهم لا يعبدونه؟ وهذا تعبير موجز عن القول: (ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه أرجع، ومالكم لا تعبدون الذي فطركم وإليه ترجعون).
جاء في (الكشاف): "أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم ولأنه أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لروحه. ولقد وضع قوله (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) مكان قوله (ومالكم لا تعبدون الذي فطركم)، ألا ترى إلى قوله (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع. وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال (آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) يريد فاسمعوا قولي وأطيعوني فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه أن العبادة لا تصح إلا لمن مبتدؤكم وإليه مرجعكم"(1).
وجاء في (التفسير الكبير): "اختار من الآيات فطرة نفسه لأنه لما قال (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ) بإسناد العبادة إلى نفسه اختار ما هو أقرب إلى إيجاب العبادة على نفسه...
وقوله تعالى (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) إشارة إلى الخوف والرجاء كما قال (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) وذلك لأن من يكون إليه المرجع يخاف منه ويرجى"(2).
وجاء في (روح المعاني): "تلطف في إرشاد قومه بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح حيث أراهم أنه اختار لهم ما يختار لنفسه والمراد تقريعهم على ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيره كما ينبئ عنه قوله (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) مبالغة في تهديدهم بتخوفيهم بالرجوع إلى شديد العقاب مواجهة وصريحاً. ولو قال: (وأليه أرجع) كان فيه تهديد بطريق التعويض"(3).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 71 إلى ص 72:
1- الكشاف 2/585 وأنظر البحر المحيط 7/328
2- التفسير الكبير 26/56
3- روح المعاني 22/226.
الوقفة كاملة
|