| ٣٤٦١ |
برنامج لمسات بيانية
(نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24))
*كلمة (قليلاً) ما دلالتها وما إعرابها؟
(قليلاً) فيها احتمالان في الإعراب محتمل أن نعربها مفعول مطلق يعني تمتيعاً قليلاً أي قليل وصف للمصدر أو نعربها ظرف زمان أي زمناً قليلاً. فإذن من حيث الإعراب تحتمل الحدث وهو تمتيعاً قليلاً وتحتمل الزمن زمناً قليلاً، وهو حذف الموصوف لأنه لو ذكر الموصوف لتحدد بشيء واحد لو قال زمناً أو تمتيعاً لحدد. حذف والآن يشمل الاثنين معناه يمتعهم تمتيعاً قليلاً زمناً قليلاً فجمع المعنيين بالحذف، الآن اتسع واستفدنا أنه يمتعهم تمتيعاً قليلاً زمناً قليلاً ولو ذكر لخصص الذي ذكره وأطلق الآخر. لو أراد أن يقول تمتيعاً قليلاً زمناً قليلاً، الحذف أغنى عن أن يقول تمتيعاً قليلاً زمناً قليلاً فشمل المعنيين وقال (نمتعهم قليلاً). بدل العبارة الطويلة حذف فتوسع المعنى (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (82) التوبة) بدل أن يقول فليضحكوا ضحكاً قليلاً زمناً قليلاً وليبكوا بكاء كثيراً زمناً كثيراً حذف فجمع المعنيين وأحياناً يكون الحذف أبلغ من الذكر وقد يكون الحذف للتوسع في المعنى وأحياناً الذكر يكون للتخصيص مثل (هو يُكرم) إطلاق و (هو يكرم فلاناً) تحديداً. إذن حينما يحذف لا بد أن تدل (قليلاً) على المعنيين نمتعهم تمتيعاً قليلاً زمناً قليلاً ولما تُعرب تُعرب باحتمالين، والحذف هنا جائز.
*في البقرة قال (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)) بضمير المفرد وفي لقمان بالجمع (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ) فما الفرق بينهما؟
حتى نفهم المسألة نقرأ سياق آية البقرة لأن السياق هو الذي يوضح (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)) إذن آية البقرة في مكة (رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا) وقبل أن توجد مكة، ولما قال (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا (35) إبراهيم) هذا بعد البناء بعد أن صارت بلداً. فإذن آية البقرة في مكة وآية لقمان عامة (نمتعهم قليلاً) كلاماً عاماً وليس في بلد معين ولا أناس معينين. أيها الأكثر؟ الآية في لقمان، فجاء بضمير الكثرة وتسمى الكثرة النسبية (نمتعهم قليلاً) يعني يُعبَّر عن الأكثر بالضمير الذي يدل على الكثرة والجمع ويعبر عن الأقل بالمفرد. و (من) تحتمل ذلك إذن فمن كفر فأمتعه قليلاً وهؤلاء أقل من الذين قال فيهم أمتعه قليلاً هذا أقل من الذين نمتعهم فجاء بضمير الجمع. في القرآن يراعي هذا الشيء (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ (42) وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ (43) يونس) الذين يستمعون أكثر من الذين ينظرون فقال يستمعون هذه تسمى مناسبة وهذا ما جعل المفعول في لقمان بالجمع وفي البقرة بالمفرد.
*قال تعالى(وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً) في آية البقرة ونمتعهم بالجمع في آية لقمان؟
هذا يدخل فيه أكثر من مسألة. مسألة التعظيم ذكرنا أنه لماذا قال (إن الله عليم بذات الصدور) وقلنا أن قبلها جاء بالجمع (إلينا مرجعهم) ثم هنا جاء بالمفرد وفي البقرة بالعكس ذكر الإفراد أولاً ثم الجمع. هذه فيها أكثر من مناسبة (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة) هذه جمع سيأتي بعدها مفرد، بعد الجمع يأتي المفرد، ضمير التعظيم (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ). والأمر الآخر قال (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ) البيت نسبه تعالى إلى نفسه وصاحب البيت يتولى الأمر وربنا صاحب البيت يتولى هذا فقال (وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً) وهو قال طهرا بيتي للطائفين هو صاحب البيت ويتولى من يسيء فهي أنسب من كل ناحية وقال بيتي فمناسبة أكثر للإفراد.
*في لقمان قال (إلينا مرجعهم) ولم يقلها في البقرة؟
إبراهيم سأل ربه (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) إذن لما قال فأمتعه قليلاً كان من دعاء إبراهيم لما قال (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) والرزق فيه تمتيع إذن هذه المسألة ليست متعلقة بالتبليغ وإنما هو طلب الرزق (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) الجواب (فأمتعه قليلاً) لأنه طلب الرزق فالجواب يكون فأمتعه قليلاً وهذه ليست في التبليغ أما آية لقمان ففي التبليغ (ومن كفر) والسياق مختلف تماماً. فإذن لما كانت الآية في التبليغ قال (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) أما في آية البقرة ليست في التبليغ فقال (فأمتعه قليلاً). في لقمان قال (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ولم يقلها في البقرة أيضاً، هؤلاء في آية لقمان الكفار موجودين أما هؤلاء الذين قال فيهم الآية في سورة البقرة لم يخلقوا بعد هذا باعتبار ما سيكون هم ليسوا مخلوقين أصلاً قال (اجعل هذا بلداً آمناً) فكيف يقول فلا يحزنك كفره هم غير موجودين ويأتون بعده بقرون، أما في آية لقمان فهو معاصر لهم يبلغهم.
*في لقمان قال (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)) وفي البقرة قال (وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126))؟
أيها الأشد أن تقول إلى عذاب غليظ أو إلى عذاب النار وبئس المصير؟ عذاب النار. عندما يقول عذاب غليظ هل معناه أنك ستحرقه؟ كلا لأنك لم تصرح أنه بالنار، عندما تقول سأعذبه عذاباً غليظاً هل معناه أنك ستحرقه؟ لم تصرح أنه بالنار، أما عذاب النار فيها حرق فأيها الأشد؟ عذاب النار. لم يذكر نار في لقمان وفي البقرة ذكر ناراً وبئس المصير إذن هذا العذاب أشد، ذكر النار وقال أنه بئس المصير. عذاب غليظ لا يشترط أن يكون بالنار قد يكون بعضا غليظة. قال عذاب النار في أهل مكة وإبراهيم يطلب البلد الآمن والرزق، السيئة في مكة تتضاعف أكثر بكثير من مكان آخر وكذلك الحسنة تتضاعف في مكة والسيئة في مكة تتضاعف فمن أساء في مكة في بلد الله الحرام ليس كمن أساء في غيرها، نفس السيئة إذا فعلها شخص في مكة ليست عقوبتها كمن أساء في غير مكة السيئة فيها تتضاعف والحسنة فيها تتضاعف فإذن عندما تكون السيئة تتضاعف فالعذاب يتضاعف ويشتد لذا قال عذاب النار وبئس المصير لأن ذكر السيئة والكفر في مكة ليس كالكفر في غير مكة والمعصية في مكة ليست كالمعصية في غير مكة الحسنة أكثر والسيئة أكثر ولذلك شدّد العذاب فقال عذاب النار وبئس المصير.
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٦٢ |
برنامج لمسات بيانية
.(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25))
*في هذه الآية لم يقل الله تعالى ليقولن خلقهن الله مع أنه في سورة الزخرف قال تعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9)) فما الفرق؟
كل الآيات التي سألهم فيها نحو هذا السؤال من خلق السموات والأرض أو من خلقهم يقولون الله من دون ذكر خلقهن الله أو خلقنا الله إلا آية الزخرف فقط (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) المعنى معلوم سواء ذكر فعل خلق أو لم يذكر. ولا شك أنه (ليقولن الله) أوجز من حيث الإيجاز الكلام أوجز و(ليقولن خلقهن العزيز العليم) هذا فيه توسع إذن هو المقام والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال ففي مقام الإيجاز يوجز وفي مقام التوسع يتوسع. في الزخرف أراد أن يتوسع في الكلام على الخلق (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12)) فذكر ما يتعلق بالخلق لم يقل فقط خلق السموات والأرض، في الآيات الأخرى التي لم يذكر خلقهن لم يذكر شيئاً في الخلق ولم يتوسع وقد تكون آية وحيدة وليس بعدها شيء يدل على الخلق مثلاً (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) العنكبوت) بعدها مباشرة (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62)) ليس فيها خلق، (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) لقمان) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) الزمر) (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاء قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ (88) الزخرف) آية الزخرف هي الآية الوحيدة من بين ما ورد التي توسع فيها بالسياق ذكر الخلق فناسب لهذا التوسع والتفصيل أن يقول (خلقهن العزيز العليم) فالبلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
* لماذا جاء الفعل (ليقولَّن) بالنصب في آية سورة هود (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)) بينما جاءت بالضم في آية أخرى في سورة لقمان (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25)) ؟
في الآية الأولى في سورة هود الفعل يُبنى على الفتح لأن نون التوكيد باشرت الفعل المضارع لأنه مُسند إلى اسم ظاهر (الذين كفروا) والفعل يُفرد مع الفاعل وهذه قاعدة إذا كان الفاعل ظاهراً فنأتي بالفعل في حالة الإفراد ويُبنى على الفتح لأن نون التوكيد باشرته كما في قوله تعالى (وإذا جاءك الذين كفروا) ولا نقول جاءوك الذين كفروا.
أما في الآية الثانية فالفعل مُسند إلى واو الجماعة ولم تباشره نون التوكيد وأصل الفعل إذا حذفنا نون التوكيد (يقولون) ومثلها الآيات 61 و63 في سورة العنكبوت والآية 9 و87 في الزخرف والآية 38 في الزمر والآية 65 من سورة التوبة (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)) والآية 8 من سورة هود (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8)).
ولهذا فلا بد أن يكون الفعل في الآية الأولى مبني على الفتح لأنه مُسند إلى اسم ظاهر (ليقولَّن) والثاني مُسند إلى واو الجماعة (ليقولُنّ) مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين. أصل الفعل يقولون مرفوع بثبات النون وعندما جاءت نون التوكيد الثقيلة يصبح عندنا 3 نونات ويصبح هذا كثيراً فيحذفون نون الرفع وتبقى نون التوكيد واللام لام الفعل.
وفي الآية الأولى اللام في (ليقولنّ) واقعة في جواب القسم. (لئن) اللام موطّئة للقسم و(إن) الشرطية و(لئن) قسم. واللام في الاثبات لا بد أن تأتي في الجواب (حتى يكون الفعل مثبتاً). فإذا قلنا لئن سألتهم من خلق السموات والأرض يقولون يُصبح الفعل منفيّاً. في جواب القسم إذا أجبنا القسم بفعل مضارع إذا كان الفعل مثبتاً فلا بد من أن نأتي باللام سواء معه نون أو لم يكن معه نون كأن نقول "والله لأذهب الآن، أو والله لأذهبنّ" فلو حُذفت اللام فتعني النفي قطعاً فّإذا قلنا والله أذهب معناها لا أذهب كما في قوله تعالى في سورة يوسف (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)) بمعنى لا تفتأ. فمتى أجبت القسم بالفعل المضارع ولم تأت باللام فهو نفي قطعاً كما في هذه الأبيات:
رأيت الخمر صالحة وفيها مناقب تُفسد الرجل الكريما
فلا والله أشربها حياتي ولا أشفي بها أبداً سقيما
وكذلك:
آليت حَبَّ العراق الدهر أطعمه والحَبُّ يأكله في القرية السوس
فالقاعدة تقول أن اللام في جواب القسم دلالة على إثبات الفعل.
*قال تعالى (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) ما دلالة الحمد لله في الآية الكريمة؟
لأكثر من سبب أولاً أن الحجة قامت عليهم هو يدعوهم ويبلغهم هم يعلمون لكن لما قالوا (ليقولن الله) صار إقراراً لذا يجب أن يعبدوا الله الذي خلقهم لا يشركون به شيئاً إذن الحجة لزمتهم وأبرأ نفسه فأقام الحجة عليهم. ثم الحمد لله الذي هدانا للحق اننا لم نكن مثلهم ممن يدعوهم الشيطان إلى عذاب السعير، إذن الحمد لأن الحجة قامت عليهم ,الزمتهم الحجة وأبرأ نفسه والحمد لله الذي هدانا إلى الحق ولم يجعلنا مثلهم أن نكون من أصحاب السعير والحمد لله الذي خلق السموات والأرض فهو سبحانه يستحق الحمد (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) إذن الحمد لله مناسبة لعدة جهات.
*قال تعالى في آية لقمان (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25)) وفي العنكبوت قال (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63)) فما الفرق بينهما؟
لا يعلمون يعني لا يعلمون أن الذي خلق السموات والأرض هو وحده المستحق للعبادة مع أنهم يعرفون أن الله هو الذي خلق السموات والأرض لكن لا يعلمون ماذا ينبني على هذا العلم. من آمن بالله ووحّده هذا علِم أن الذي خلق السموات والأرض هو مستحق لأن يُفرد ويوحّد ولا يُشرك به وهنالك آخرون يعلمون أن الله هو الذي خلق السموات والأرض لكن لا يعلمون ماذا ينبني على هذا العلم؟ مثل الذي يعلم البديهيات لكن لا يعلم ما ينبني عليها لا يعلمون أن الله مستحق للعبادة يعلمون الأساس ولا يعلمون ما ينبني عليه وما هو المطلوب منهم. هم يعلمون أن الله خلقهم لكن ما الذي ينبني على هذا العلم؟ هل ينبني عليه التوحدي؟ أكثرهم لا يعلمون هذا. مثلاً واحد يعرف أباه ويعلم أنه هو الذي رباه وأنفق عليه أغدق عليه النعم لكن لا يعلم أن عليه أن يطيعه ولا يعصيعه فيطيع ويشكر من لا فضل عليه. هذا الأول ثم نأتي للسؤال في العنكبوت قال (لا يعقلون) نفي عنهم العقل، طبعاً الذمّ بعدم العقل أشد من عدم العلم لأن نفي العقل معناه مساواة بالبهائم لأنه يتعلم بالعقل. ننظر في السياق: قال في لقمان (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) وفي العنكبوت قال (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63)) في لقمان سألهم سؤالاً واحداً (من خلق السموات والأرض) وفي العنكبوت سألهم أكثر من سؤال، عن كلها قالوا الله يعني معرفتهم بكل هذه المسلّمات ثم لا يوحّدوه هذا عدم عقل. معناه ليس عندهم من العقل ما يترقون به من المسلمات إلى التوحيد. في لقمان سألهم سؤالاً واحداً من الأسئلة التي سألها في العنكبوت إذن كان الأمر في لقمان أيسر فقرنهم بما هو أيسر (لا يعلمون) وفي العنكبوت قرنهم بما هو أشد فقال (لا يعقلون).
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٦٣ |
برنامج لمسات بيانية
سورة البقرة
اية 177
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٦٤ |
برنامج لمسات بيانية
*(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (11) الشورى) ما دلالة الكاف في هذه الآية الكريمة؟(د.فاضل السامرائى)
النحاة يستشهدون بهذه الآية على زيادة الكاف. الكاف زائدة للتوكيد يعني ليس مثله شيء. ويقولون أن الكاف الداخلة على (مثل) زائدة، هذه يذكرها بعض النحاة أن الكاف الداخلة على (مثل) زائدة يقولون كمثل البدر الكاف زائدة للتوكيد لأن الكاف نفس معنى التشبيه. وقسم آخر يقول ليست زائدة وفيها كلام كثير لن نخوض فيه. لكن الذي يبدو أنها ليست زائدة. التشبيه درجات في البلاغة أعلى التشبيه أن تحذف وجه الشبه وأداة التشبيه مثل هو أسد أو هو الأسد، هي البدر،
هي الشمس مسكنُها في السماء فعزِّ الفؤاد عزاءً جميلاً
فلن تستطيع إليها الصعود ولن تستطيع إليك النزولا
هذا أعلى شيء ودونه هي كالبدر أو هي مثل البدر وهم يعتقدون أن (مثل) أعلى في التشبيه من الكاف لأن فيها معنى الموازنة، إذا جئت بأداة التشبيه ستكون دون الحذف فإن جئت بأداتي التشبيه سيكون دون ذلك أبعد، أداة تشبيه، أداتين ستكون أبعد في التشبيه. فربنا جاء بأداتي التشبيه يعني ليس كمثله شيء ولو من وجه بعيد. أداتي التشبيه أبعد وجاء بأداتي التشبيه الكاف ومثل إذن ليس له مثيل ولو من وجه بعيد فهي إذن ليست زائدة وإنما تؤدي معنى. الكاف حرف جر أبرز معنى لها وأظهر معنى هو التشبيه ولها معاني أخرى وبالتالي لا زيادة فيها وإنما جيء بها لأداء معنى. فإذن (ليس كمثله شيء) نفي المشابه ولو من وجه بعيد، لا يتبادر إلى الذهن أدنى شبه ولو من بعيد فجاء بأداتين ليس هناك شبه قريب فجاء بالكاف. لو قال خارج القرآن ليس مثله شيء تكون أقرب وليس فيها هذه الدلالة للتأكيد على نفي المثلية.
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٦٥ |
برنامج لمسات بيانية
سورة الغاشية
اية 17
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٦٦ |
برنامج لمسات بيانية
ة (195):
* آيتان متتابعتين في خواتيم سورة آل عمران فيها ذكر الجنة واحدة فيها خلود (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ (198)) والأخرى من دون خلود (وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)) فلماذا هذا الاختلاف؟(د.فاضل السامرائى)
نقرأ الآيتين (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)) ليس فيها ذكر الخلود، وبعدها مباشرة (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ (198)). هاتان الآيتان الأولى لم يذكر فيها الخلود والثانية ذكر فيها الخلود. أولاً من حيث الوضع قبل الآية التي ذكر فيها الخلود قال (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ) عكس المتاع القليل الدائم لما قال متاع قليل قال بعدها (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ) يجب أن يكون خلود حتى لا يكون متاع قليل، فقال (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) عكس المتاع القليل الذي ذُكر قبل هذه الآية. هذه مسألة والمسألة الأخرى قال في الآية الأولى (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ) هؤلاء من الذين اتقوا ربهم إذن هم داخلين في زمرة الذين اتقوا، قال تعالى (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) البقرة) فإذن الذين هاجروا هم هؤلاء فلما ذكر في المتقين أنهم خالدون دخل فيه أولئك، لما قال (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) دخل فيها أولئك الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم قطعاً. من ناحية أخرى أيها أشمل وأعم؟ الذين اتقوا ربهم أو الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي؟ الذين اتقوا ربهم، التقوى من جملته أمور كثيرة كما ذكر تعالى (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) البقرة) أولئك هم جزء من هؤلاء، فأين نضع هذا الأجر الأعلى؟ نضعه هكذا كما ورد في القرآن. ليس هذا فقط وإنما هنالك أموراً أخرى، الذين اتقوا ربهم أعلى لأنه أولئك قسم من هؤلاء. في الآية الأولى قال تعالى (وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) وفي الآية الأخرى قال (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) أن تكون لهم جنات أعلى من يدخلهم جنات فالادخال لا يقتضي أن تملك حديقة فإذن قال (لهم جنات) في الذين هم أعلى وأعم وأشمل وفي الجزء قال (لأدخلنهم جنات)، قال خالدين فيها وفي الثانية لم يقل خالدين فيها. وقال نزلاً من عند الله والأخرى ثواباً والنزل أعلى لأن النزل هو ما تعده للضيف من إكرام وإطعام وصلة وقد يأتي النزل بمعنى المنزل فهو في ضيافة الرحمن، النزل هو تجهيز المكان والإطعام والصلة أما الثواب إعطاء الأجر قد تعطي الأجر ولكن ليس بالضرورة أن تنزله ضيفاً. لم يقل في الآية الأولى فقط خالدين فيها وإنما أضاف شيئاً آخر فقال نزلاً من عند الله وقسم من التفاسير قال النزل ما يعد للضيف فقالوا إذا كانت هذه الجنة نزل فماذا بعد النزل؟ّ لأن الله تعالى قال (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) التوبة) وقسم فسر هذه الآية على رؤية الله لأن الرضوان ورؤية الله تعالى أعلى من الجنة فإذن ما ذكره في الآية الأخرى ليس فقط ذكر الخلود وعدمه وإنما هو أصلاً الثواب اختلف والأجور اختلفت فصار في الآية الأخرى التي هي أعم وأشمل فقال (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَار) والذين اتقوا من الأبرار لأن الله تعالى قال (وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى (189) البقرة) وقال (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) البقرة) فإذن هؤلاء المتقون هم أبرار فناسب من كل ناحية أن يذكر علو منزلته. ليس هذا فقط، هو قال (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) عكس الخروج الدخول وعكس الإخراج الإدخال أخرجوا مبني للمجهول وعكس المبين للمجهول مبني للمعلوم، قال (وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ) وربنا قال (لأدخلنهم) لم يقل يدخلون، ومن ديارهم مقابلها جنات، أخرجوا فعل ماضي مبني للمجهول وفي الثانية ربنا الذي يدخلهم (وَلأُدْخِلَنَّهُمْ)، هم أُخرجوا بأيدي كفرة من ديارهم والله تعالى يدخلهم جنات. ليس هذا فقط وإنما هذه الآيات في خواتيم آل عمران (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)) السورة تنتهي بهذه الآية، صابروا أعلى من اصبروا درجة، الذين هاجروا هؤلاء أشدّ أو الذين أخرجوا من ديارهم وأوذوا؟ الذين أخرجوا من ديارهم فقال اصبروا بمقابل هاجروا وصابروا بمقابل أخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي، وقال ورابطوا لأنهم في الثغور المقاتلة في الحرب والمرابطة في الحرب، لما أمر تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) هي مرتبة تماماً كالآية (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ) هاجروا مقابل اصبروا، الذين أخرجوا من ديارهم وأوذوا مقابل صابروا، قاتلوا وقتلوا مقابل رابطوا، نفس الترتيب، و(اتقوا الله لعلكم تفلحون) مقابل (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات) فمرتبة بحسب الشدة وبحسب ما ذكر في الآية التي قبلها بالترتيب. آخر ما قال تعالى في آل عمران أمر بالتقوى (واتقوا الله) أمر الذين آمنوا بتقوى الله، أمرهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وفي ابتداء السورة التي بعدها في سورة النساء قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)) بدأت بالتقوى أيضاً، ختم آل عمران بالتقوى وبدأ سورة النساء بالتقوى، أمر المؤمنين ثم التفت إلى الناس فقال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ) وأمرهم بالتقوى، الكافر ينبغي أن يدخل في الإسلام والمفروض أن يدخل في الإسلام، خصّ المؤمنين بالتقوى والناس يجب أن يتقوا لأن الله تعالى خلقهم للعبادة فهو أمر الأوّلين بالتقوى ثم التفت إلى الناس فقال (اتقوا ربكم) وقال اتقوا ربكم وقال اتقوا الله في آية واحدة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ) وقبلها قال (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ) فذكر الله والرب مع المؤمنين وطالب عموم الناس بذلك.
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٦٧ |
برنامج لمسات بيانية
قال تعالي في سورة الزمر : { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ } [ الزمر : 2 ] .
وقال في السورة نفسها : { إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } [ الزمر : 41 ] .
سؤال : لماذا قال في الآية الأولي : { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } , وقال في الآية الأخري : { أَنزَلْنَا عَلَيْكَ } ؟
الجواب : إن حرف الجر ( علي ) يستعمل للأمور الثقيلة وهي للاستعلاء وللتكاليف , ولما يثقل أمره , ولما هو أشق علي العموم , بخلاف ( إلي ) فإنها ليست كذلك .
قال تعالي : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } [ البقرة : 216 ] , وقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } [ البقرة : 183 ] , وتقول العرب : ( سرنا عشرا وبقيت علينا ليلتان ) , وتقول : ( حفظت القرآن وبقيت علي منه سورتان ) . وتقول : ( عليه دين ) .
والآية الحادية والاربعون , وهي التي ذكرت فيها ( علي ) أثقل وأشق من الآية الأخري التي ذكرت فيها ( إلي ) ؛ لأنها رسالة وتبليغ , فقد ذكر أنها للناس , ومن المعلوم أن التبليغ صعب وعسير . ولم يقل : ( للناس ) في الآية الأخري .
ثم قال في آية التبليغ : { فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } فهذه الآية رسالة . والآية الأخري نبوة وهي خاصة به , وليس فيها تبليغ , فإنه قال فيها : { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ } . فناسب كل تعبير موضعه .
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٦٨ |
برنامج لمسات بيانية
*ما دلالة استخدام لفظة الرحمن وليس الله تعالى مع القوة والنصرة والجند في الآية (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) الملك)؟ (د.فاضل السامرائى)
فعلاً هناك آيتان وردت فيها (من دون الله) واحدة في الكهف (وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43)) وفي القصص (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81)) وهذه الآية معنا (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) الملك) وليس من دون الله. السياق يوضح السبب ويوضح الأمر. السياق في سورة الملك وهي في سياق ذكر النعم أصلاً (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)) إذن هو السياق في النِعَم فناسب ذكر الرحمن. الآن ننظر في آية الكهف (وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا) أصلاً السياق في الحوار بين المؤمن والكافر (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) الكهف) هذا لا يصح فيه ذكر الرحمن لأن الآية فيها عقوبة وكلمة الرحمن لا يأتي في موطن عقوبة. في سياق قارون في آية القصص (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ) خسف لا يتناسب معه ذكر الرحمن. أما في سورة الملك ففي سياق النعم والنِعَم أقرب للرحمة والآيتان في الكهف والقصص في سياق العقوبات فلا تناسب ذكر الرحمن. ثم نلاحظ في العقوبتين عقوبة صاحب الجنة وعقوبة قارون عقوبة قارون أصعب لأنه قال فخسفنا به وبداره أما الأول فقال فأحيط بثمره وبقي هو، قال في صاحب الجنة (وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ) وفي قارون قال (فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ) (ما) جواب قَسَم لأنها داخلة على الماضي، سيبويه قال فعل نفيه لم يفعل، قد فعل نفيه لمّا يفعل، لقد فعل نفيه ما فعل لأنها قسم كأنه قال والله لقد فعلت، والله ما فعلت (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ (74) التوبة) (ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) الأنعام) فأيها الأقوى؟ التي مع قارون فقال (فما كان له من فئة) جاء بـ (من) الدالة على الإستغراق أي من أي فئة بمعنى العموم والشمول مثل (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) ص) (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ (11) غافر) هذه (من) الإستغراقية تستغرق كل شيء. في آية الكهف قال (وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ) وفي القصص قال (فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ) الدالة على الاستغراق، كل شيء، التعبير بحسب مقدار العقوبة وقدر العقوبة : (لم تكن - ما كان، فئة - من فئة، من دون الرحمن - من دون الله).
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٦٩ |
برنامج لمسات بيانية
.(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29))
فكرة عامة عن الآية وموقعها في السياق: الآية الكريمة وهي قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29)) هو ذكر في السورة قبل هذا الموضع خلق السموات وذكر ما يتعلق بالأرض على العموم من إلقاء الرواسي وغيرها (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ (10)) فذكر خلق السموات والأرض على العموم وما ألقى في الأرض ثم ذكر تسخير ما فيها على العموم أيضاً (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (20)) إذن ذكر الخلق وما أودع فيهما على العموم وذكر ما فيهما على العموم وهنا ذكر تسخير بعض ما فيهما هناك تسخير ما فيهما (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) على العموم وهنا ذكر تسخير بعض ما فيهما يعني قال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) هذه بعض ما في السموات ليس الكل، هناك تسخير عام وهنا تسخير خاص، وبعدها قال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ (31)) وهناك تسخير بعض ما في الأرض. هناك لما قال (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) وهنا ذكر بعض ما في السموات ثم قال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ) هذا بعض ما في الأرض. إذن ذكر العموم في الخلق والتسخير ثم انتقل إلى الخصوص فذكر بعض ما فيهما وهو تسخير الليل والنهار والشمس والقمر من بعض ما في السماء وقال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ) هذا بعض ما في الأرض. إذن ذكر العموم ثم انتقل إلى الخاص، هكذا المنهج الذي سار عليه في كيفية ترتيب الآيات.
*ما وجه ارتباط هذه الآية (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) لقمان) بما قبلها وبأول السورة؟
هي ليست مرتبطة فقط بأول السورة وإنما مرتبطة بما قبلها ومرتبطة بأول السورة. قبلها قال (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) لقمان) إلى قبلها مباشرة قال (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28)) ثم تأتي هذه الآية (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29)). أولاً (ولئن سألتهم ) والليل والنهار والشمس والقمر أليس مما في الأرض؟ بلى. الأجل المسمى (كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) وقبلها (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) متى سيكون البعث؟ في الأجل المسمى الذي ذكره فهي مرتبطة بما قبلها إرتباطاً واضحاً. يأتي ارتباطها بأول السورة (الم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6)) وقال في هذه الآية التي نحن بصددها (كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) هذا اليوم الذي يجازى فيه المحسنون ويحاسب فيه الكافرون، قال (وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) أليس هذا في الآخرة؟ بلى، هذا أمر. ربنا ختم الآية (وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29)) ذكر الأعمال في أول السورة قال (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (4)) أليست هذه أعمال، هو خبير بما تعملون وهذه أعمال، فكأنما هذه الآية جاءت بعد أول السورة، فإذن المناسبة ظاهرة بما قبلها وبأول السورة.
سؤال: هل كلنا مطالبٌ بأن يُعمل عقله وفكره وما أوتي من ثقافة حتى يفهم آي القرآن الكريم بهذا الشكل؟
بقدر ما يريد وبقدر اختصاصه والمنهج الذي يبتغيه والأمر ليس فيه تكليف وإنما يجتهد.
* هنا قال ألم تر بالمفرد وقبلها قال ألم تروا بالجمع فلماذا؟
ننظر في السياق الذي يوضح لنا الإجابة. أولاً السياق في الآية الأولى بالجمع (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)) إذن الخطاب هو في الجمع فقال ألم تروا. هذا الآية في خطاب المفرد (وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25)) فقال ألم تر أن الفلك مفرد، السياق هناك في الجمع وهنا في سياق الإفراد، هذا يسمى تحوّل في الخطاب من الجمع إلى المفرد. ذكر أولاً ما في السموات وما في الأرض على العموم فلما ذكر ما في السموات وما في الأرض على العموم خاطب على العموم فقال (ألم تروا) بالجمع ولما ذكر بعض ما فيهما خصص فقال (ألم تر أن الله). إذن لما عمم جمع ولما خصص أفرد، لما ذكر العموم خاطب الناس على العموم ولما ذكر قسماً منهم خاطب بالإفراد فناسب بين الإفراد والإفراد والعموم والعموم. (ألم تروا) الخطاب هنا لكل واحد يرى لكل مخاطَب يصلُح أن يُخاطَب مؤمناً كان أو كافراً، المؤمن يزيد إيمانه والكافر لعله يتفكّر.
*ما دلالة تقديم الليل على النهار في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ)؟
الليل أصلاً أسبق من النهار في الوجود لأنه قبل خلق الشمس كان كله ليل. قبل خلق الشمس كان ليلاً حتى المفسرون القدامى قالوا الليل هو الأصل بدليل قوله تعالى في سورة يس (وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) يس) أي النهار هو كالغلاف، نسلخ يعني ننزع النهار فيصير ليل فإذا هم مظلمون. الأصل هو الليل والنهار هو غلاف ولو سلخنا النهار يصير ليلاً. (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُون (15) الحجر) إذا خرج أحد من الغلاف الأرضي لا يرى شيئاً وسيكون في ظلام دامس وهذا من الإعجاز العلمي، إذا صعد فوق الغلاف الجوي يصير ظلاماً دامساً ولا يبصر فالليل هو الأصل ولذلك قدم الليل. يولج يعني يدخل، في القرآن الكريم حيثما ورد الليل والنهار قدم الليل على النهار وكذلك تقديم الشمس على القمر، تقديم الليل لأسبقيته في الوجود. وكذلك القمر وجوده وقالوا القمر هو من الأرض أصلاً والأرض هي من الشمس (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا (30) الأنبياء) رتقاً بمعنى ملتصقتين والفتق الإبعاد بينهما كما قال الشاعر: فهي بنت الشمس أُمُّ القمر. إذن هذا التقديم مقصود بحد ذاته داخل القرآن. إذا قال يولج الليل في النهار لا يُفهم منها أنه يولج النهار في الليل لأن النهار قد يقصر وقد يطول والليل أيضاً قد يقصر وقد يطول فهو يولج هذا في هذا ويولج هذا في هذا الليل يدخله في النهار والنهار يدخله في الليل وهذا حاصل في كل لحظة وفي كل وقت الليل يأخذ من النهار والنهار يأخذ من الليل. عندما يولج النهار في الليل يصبح الليل أطول وبالعكس لما يولج الليل في النهار يصير النهار أطول في الصيف النهار أطول لأنه يأخذ جزءاً من الليل وهذا من جملة ما ذُكِر. ليس هذا فقط وإنما هو في كل لحظة يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل لأن الأرض كروية ففي كل لحظة ينتقل الليل والنهار في بقاع الأرض مرة يكون ليلاً ومرة يكون نهاراً، التي كانت ليلاً أصبحت نهاراً والتي كانت نهاراً أصبحت ليلاً فهو في كل لحظة يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ومن هذا نفهم رب المشرق والمغرب، رب المشرقين ورب المغربين، رب المشارق والمغارب، (رب المشارق والمغارب) من جملة ما ذكر فيها أن مشارق الشمس تختلف على مدار السنة في كل يوم تشرق الشمس من مكان وتغرب في مكان آخر ومنها قالوا مشارق الكواكب وليس فقط الشمس فالشمس لها مشارق ولها مغارب في كل يوم بل في كل لحظة فيها مشرق ومغرب لأنها في كل لحظة تشرق في مكان وتغرب في مكان على مدار السنة إذن هي مشارق ومغارب للشمس في كل لحظة وعلى مدار السنة وكذلك الكواكب فيها مشارق ومغارب، المشرقين والمغربين في السنة الصيف والشتاء لأنه في السنة مرتين تأتي لنفس الموضع تشرق من نفس المكان وتغرب في نفس المكان والمشرق والمغرب على العموم.
*ما الفرق بين يولج الليل ويكور الليل؟
الله تعالى يولج ويكور والتكوير استدل به ابن حزم على كروية الأرض وليس فيهما إشكال وإنما هذا زيادة في الإعجاز.
*قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) يولج جاءت بالفعل المضارع ومع الشمس والقمر جاء بالماضي فما دلالة تغير الزمن؟
الفعل المضارع مع يولج لأنه يتجدد، الإيلاج يتجدد في كل لحظة والتسخير ربنا منذ خلقها سخّرها وليست هي كل لحظة مسخرة ابتداءً، بينما يولج في كل لحظة وفي كل يوم هو يولج فالمضارع يفيد التجدد والاستمرار أما سخرها فمنذ خلقها سخرها الله تعالى وهذا أنسب تعبير ولو قال يسخر الشمس والقمر لفهم أنه كل يوم يسخِّرها.
*قال تعالى (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) ولم يقل سخر لكم كما جاء في آية قبلها (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (20))؟
تلك في مقام تعداد النعم (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (20)) أما هذه الآية ففي سياق إظهار الآيات (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ (31)) فلما كان السياق في تعداد النعم على الإنسان قال (سخر لكم) ولما كان الكلام لمطلق القدرة وليست لها علاقة بالنعم قال (سخر). لما يقول (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) عامة وليست في باب تعداد النعم. قال (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى (29)) ذكر أن لهما أجلاً مسمى وهذا لا يناسب النعم لأن من تمام النعم الدوام بينما في الثانية ذكر انقطاع ولذلك للعلم حيثما قال (سخر الشمس والقمر) لم يقل إلى أجل مسمى في جميع القرآن مما يُفهم دوام النعمة لأنه لا يناسب الإنقطاع مع دوام النعمة ولذلك لم يرد في القرآن سخر لكم مع أجل مسمى مطلقاً لأن فيها إشعار بالإنقطاع. (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) يحدد معها إلى أجل مسمى أما (سخر لكم) فلأنها في تعداد النعم لا يقول فيها أجل مسمى.
* (كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) عدى الفعل بإلى مع أنه في مواطن أخرى عداه باللام (كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى (13) فاطر)؟
القدامى لفت انتباههم هذا الأمر طريقة تعدية الفعل بإلى واللام. (إلى) تفيد الإنتهاء، (اللام) قد تفيد الإنتهاء وقد تكون للتعليل قد تكون للغرض لغرض الوصول وبيان العلّة. مثال: أدرس لأنجح هذه اللام لبيان العلة والسبب، تأتي اللام بمعنى الإنتهاء والأصل أن دلالة (إلى) الإنتهاء واللام قد تأتي للانتهاء وقد تأتي للملك والاختصاص و للتعليل. قال القدامى حيث ورد فيها التنبيه على الإنتهاء والحشر يوم القيامة جاء بـ (إلى) وحيث كان الكلام على بداية الخلق يأتي باللام. قال (كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) هذه الآية في لقمان وقال قبلها (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28)) وبعدها (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)) الكلام عن الحشر، بينما في فاطر (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (13)) هذه بدايات الخلق، الكلام في بدايات الخلق فقال (لِأَجَلٍ مُّسَمًّى)، أما في آية لقمان يتكلم عن الآخرة فقال (إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى). عندما يذكر نهاية الخلق يكون أقرب، الأجل سينتهي إلى أجل مسمى، هو ذكر انتهاء الغاية وذكر الحشر هو انتهاء الغاية فعندما ذكر انتهاء الغاية من حياة الناس يذكر (إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) وعندما يذكر بداية الخلق وليس انتهاء الخلق، مع البداية يذكر اللام وعندما يذكر النهاية يذكر الانتهاء (إلى). (إلى) هي الأصل في معناها الأساسي، واللام للشبه والملك ولها كثير من المعاني
واللام للمِلْك وشبهه وفي تعدية أيضاً وتعليل قفى وزيد
حتى في فاطر (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)) هذا ليس في نهاية الخلق وبعدها (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى (13)) الكلام ليس في نهاية الخلق. عندما يذكر الإنتهاء يذكر (إلى) وعندما بدايات الخلق لا يأتي بـ (إلى) وإنما يأتي بما يدل على الغرض والتعليل.
* ختمت الآية (وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فما دلالة تقديم العمل على الخبرة الإلهية؟
مر هذا السؤال معنا في سورة الحديد. هنالك قاعدة استنبطت مما ورد في القرآن الكريم: إذا كان السياق في عمل الإنسان قدم عمله (والله بما تعملون خبير) لو كان السياق في غير العمل أو كان في الأمور القلبية أو كان الكلام على الله سبحانه وتعالى قدّم صفة الله خبير (خبير بما تعملون). مثال: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) البقرة) هذا عمل، لما ذكر عمل الإنسان قدّم عمله (بما تعملون خبير)، (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) الحديد) هذا عمل، قتال وإنفاق ختمها (والله بما تعملون خبير) لما ذكر عمل الإنسان قدّم عمله. (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) البقرة) هذا عمل فقدّم (والله بما تعملون خبير). (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) التغابن) هذا عمل أيضاً. (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) النمل) هذا ليس عمل الإنسان فقدّم الخبرة على العمل وقال خبير بما تفعلون. أو لما يكون الأمر قلبياً غير ظاهر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) الحشر) فهذا على العموم أنه إذا كان الأمر في عمل الإنسان قدم العمل وإذا كان في غير عمل الإنسان أو في الأمور القلبية أو عن الكلام عن الله سبحانه وتعالى يقدم خبير. العرب كان تعي هذه المعاني والقواعد من حيث البلاغة، البليغ هو الذي يراعي، هذه أمور بلاغية فوق قصد الإفهام يتفنن في صوغ العبارة ومراعاة البلاغة. على سبيل المثال عندما تضيف إلى ياء المتكلم (هذا كتابي، أستاذي، قلمي) بدون نون، بالنسبة للفعل تقول أعطاني، أضاف نون الوقاية، عموم الكلمات نأتي بنون الوقاية مع الفعل مثل ضربني وظلمني أما مع الإسم فلا تأتي هذه قاعدة وعموم الناس يتكلمون بها دون أن يفطنوا إلى أن هذا إسم وهذا فعل، الناس يقولونها وهي قواعد أخذوها على السليقة. الناس يتفاوتون في البلاغة العرب كلهم كانوا يتكلمون كلاماً فصيحاً من حيث صحة الكلام ولذلك يؤخذ من كلام المجانين عندهم لأن المجانين يتكلمون بلغة قومهم ويستشهدون بأشعار المجانين لأن كلامهم يجري على نسق اللغة أما البلاغة فمتفاوتة ويقول : أنا أفصح من نطق بالضاد. صحة الكلام كل واحد يتكلم على لغة قومه أما من ناحية البلاغة فهناك تفاوت. الله تعالى تحداهم في البلاغة وفي طريقة النظم والتعبير وتحداهم بأن يأتوا بسورة والسورة تشمل قصار السور مثل العصر والكوثر سورة، الإخلاص سورة قبل التشريع وهناك إعجاز كثير في القرآن في الإخبار عن المغيبات والمستقبل وعندما تحداهم الله تعالى تحداهم بسورة ليس فيها تشريع وليس فيها إخبار عن الغائب أو عن الماضي.
في الآية قال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى (29) لقمان) ما هو هذا الأجل؟ يوم القيامة. وهذا موعد النظر في الأعمال فقد العمل لأنه موعد النظر في الأعمال فقدم عمل الإنسان على الخبير فمن كل ناحية ناسب تقديم عمل الإنسان (وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).
سؤال: إذن السياق القرآني له خصوصية خاصة؟
لا بد من النظر في السياق قبل إعطاء الحكم.
الوقفة كاملة
|
| ٣٤٧٠ |
برنامج لمسات بيانية
(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا (212) البقرة) ما دلالة التذكير (زين) ولم يقل زينت مع أن الدنيا مؤنث؟
من حيث الحكم النحوي يجوز وليس فيه إشكال لأن الحياة مؤنث مجازي والمؤنث المجازي الذي ليس له مذكر من جنسه فمثلاً البقرة مؤنث حقيقي لأن الثور ذكر من جنسها، النعجة لها كبش من جنسها، إذا كان هنالك مذكر من جنسه هذا مؤنث حقيقي. كلمة سماء ليست مؤنث حقيقي وكذلك الشمس مؤنث مجازي والقمر مذكر مجازي, إذن كون (الحياة) مؤنث مجازي يجوز تذكيره وتأنيثه، هذا لغوياً؟ ثم هنالك فاصل بين الفعل والفاعل (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) والفاصل حتى في المؤنث الحقيقي يمكن تذكيره هذه القاعدة (أقبل اليوم فاطمة) طالما فصلنا بين العامل والمعمول يجوز تذكيره وتأنيثه. إذن من حيث النحو ليس فيه إشكال من حيث أمران: كونه مجازي وكون هنالك فاصل. لكن لماذا اختار التذكير؟ هنالك قراءة أخرى وهي (زَيّن للذين كفروا الحياةَ) بالبناء للمعلوم والفاعل الشيطان (الحياة مفعول به)، وهذه القراءة لا يمكن أن يقول فيها زَيّنت لذا التذكير صار واجباً. إذن في الآية قراءتان: قراءة زَين بالبناء للمعلوم وهو يلزم التذكير صار فيها معنيين، ما دام هنالك قراءة أخرى أصبحت (زينت) لا تنسجم مع القراءة الثانية.
الوقفة كاملة
|