تفسير و تدارس

٣٣١ تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٣٢ تفسير محمد العثيمين - سورة النمل الوقفة كاملة
٣٣٣ تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٣٣٤ تفسير محمد العثيمين سورة النساء الوقفة كاملة
٣٣٥ تفسير محمد العثيمين سورة الشعراء الوقفة كاملة
٣٣٦ تفسير محمد العثيمين سورة الشعراء الوقفة كاملة
٣٣٧ تفسير محمد العثيمين سوره لقمان الوقفة كاملة
٣٣٨ تفسير محمد العثيمين سورة الشعراء الوقفة كاملة
٣٣٩ تفسير محمد العثيمين سورة الصافات الوقفة كاملة
٣٤٠ تفسير محمد العثيمين سورة فاطر الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٣٣١ (وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ) أقسم ربنا سبحانه بالقرآن الكريم، والقرآن علم على الكتاب الذي أنزله على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). وهو مأخوذ من لفظ القراءة، فأن القرآن في الأصل مصدر للفعل قرأ والمصدر الآخر (قراءة). قال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ قرآنه) – القيامة (18) أي اتبع قراءته (1). ويسمى أيضًا (الكتاب) وأقسم به ربنا أيضًا فقال: (حم والكتاب المبين) والكتاب من (الكتابة). والتسمية بالقرآن والكتاب إشارة إلى أنه يقرأ ويكتب فهو كتاب لكونه مكتوباً وقرآن لكونه مقروءاً. فأقسم به ربنا مكتوباً ومقروءاً. (الْحَكِيمِ) يحتمل عده معان كلها يمكن أن تكون مرادة. فهو يمكن أن يكون (فعيل) بمعنى اسم المفعول أي (محكم) والمحكم هو الذي لا يتناقض ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (2)، قال تعالى (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) – هود (1) وقال: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) – آل عمران (7)، تقول: أحكمت الشيء محكم وحكيم. والحكيم أيضًا صاحب الحكمة، فيكون القرآن حكيماً بمعنى أنه ذو حكمة أي متضمن إياها ومتصف بها فيكون الإسناد مجازياً وحقيقة الإسناد إلى الله تعالى كمال قال تعالى (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) – هود (97) فنسب عدم الرشد إلى أمره والحقيقة نسبة ذلك إلى فرعون وهو كما تقول رأي حكيم وقول حكيم. أو إنه حكيم لأنه ينطق بالحكمة فجعله كالحي المتكلم وهو من باب الاستعارة (3). والحكيم أيضاً صيغه مبالغة من الحكم (4) فهو بمعنى الحاكم، والمعنى أنه قرآن حاكم وهو كذلك فهو الحكم العدل والقول الفصل وحكمه يعلو على جميع الأحكام فهو يحكم ويهيمن على غيره من الأحكام والكتب كما قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ )– المائدة (48) وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة فهو كتاب محكم وحكيم متصف بالحكمة ناطق بها وحاكم مهيمن على الكتب والشرائع والإحكام. فجمع بقوله (الحكيم) عدة معاني كلها مرادة مطلوبة، وجمع بين الحقيقة والمجاز وجمع بين المجاز العقلي والاستعارة ولا تؤدي كلمة أخرى هذا المؤدى. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص3 الى ص5 1- لسان العرب (قرأ) 267. 2- أنظر تفسير ابن كثير 3/563، فتح القدير 4/349، البحر المحيط 7/323. 3- أنظر الكاشف 2/581، التفسير الكبير 26/40، روح المعاني 22/211. 4- أنظر البحر المحيط 7/323. الوقفة كاملة
٣٣٢ (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) جواب القسم، فهو قد أقسم بالقرآن الحكيم إنه لمن المرسلين. وقد تقول: كيف يقسم بالقرآن والمفروض أن يقسم بشيء أجمع المقسم والمقسم له على تعظيمه وقبوله مقسماً به والقوم لا يرون أن القرآن كلام الله فلا يعتدون بالقسم به، فما قيمة هذا القسم؟ والجواب أن القرآن جعله الله معجزه الرسول والدليل الأكبر على رسالته والبرهان الأعظم عليها. قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) العنكبوت (50 – 51). وقد سماه الله برهاناً فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) – النساء (174). وقد تحداهم به أكثر من مرة ووصفه بأنه قرآن حكيم. فهو قد أقسم بما تقوم به الحجة عليهم. فكأنه قال لهم تدبروا هذا القرآن وتأملوه فإنه أحكم إحكاماً لا إحكام بعده وأنه حكيم ينطق بالحكمة وهو حاكم يعلو ولا يعلى عليه فلو تدبرتموه لعلمتم علم اليقين أنه أنزل من عند الله. فهذا من أحسن القسم. جاء في (التفسير الكبير):"إن هذا ليس مجرد الحلف وإنما هو دليل خرج في صورة اليمين لأن القرآن معجزة ودليل كونه مرسلاً هو المعجزة والقرآن كذلك" (1). ومثل هذا القسم يستعمل في حياتنا العامة لإقامه الدليل وذلك كأن ينكر شخص إحسان شخص عليه وأنت تعلم أن قميصه الذي يلبسه هو مما أحسن به عليه فتقول له: (ورب لابس هذا القميص إنه لمحسن) أو (ورب هذا القميص إنه لجواد) بل قد يقولون (وحق هذا القميص إنه لكريم). فتقسم بما تقوم عليه الحجة والدليل الذي لا يتمكن من انكاره. ثم إن هذا القرآن هو البرهان وهو موضوع الرسالة في آن واحد. فإنه أحياناً تختلف المعجزة عن موضوع الرسالة فتكون المعجزة لتأييد الرسالة وذلك كمعجزة موسى في قلب العصا حية أو جعل اليد بيضاء للناظرين أو نحوها فإن هذه المعجزات ليست موضوع الرسالة وإنما الرسالة هي التوحيد والتعاليم التي أمر بها ربنا سبحانه، وهذه المعجزات لتأييد الرسول وتصديقه بما يقول. ونحو ناقة صالح فإنها معجزة وآية على صدق سيدنا صالح ولكنها ليست هي موضوع الرسالة فإنه أرسل بعبادة الله وحده والأوامر والنواهي التي أرادها ربنا وبلغها نبي الله. أما القرآن الكريم فهو المعجزة والآية الدالة على صدقه (صلى الله عليه وسلم) وإنه هو موضوع الرسالة وبذلك جمع الفضلين وحاز الشرفين فأستحق بذلك أن يقسم به. وقد أكد الجواب بـ (إن) واللام (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وذلك لشده إنكار قومه لرسالته كما بينت ذلك الآيات التي بعدها، فقد ذكر أنهم غافلون وأنه حق القول على اكثرهم فهم لا يؤمنون. وأنه جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشاهم فهم لا يبصرون وأنه سواء عليهم الإنذار وعدمه فهم لا يؤمنون على أيه حال. فاستدعى ذلك الزيادة في التوكيد. وقال: (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) ولم يقل (إنك رسول) ذلك ان قوله (من المرسلين) يدل على أنه واحد من جماعة يشتركون معه في الوصف. وأما قوله (إنك رسول) فإنه إخبار بصفته بغض النظر عما إذا كان يشاركه أحد في الوصف أم لا. فأنت تقول (هو ناجح) فتخبر عن نجاحه سواء كان ثمة ناجح غيره أم لا. وتقول (هو من الناجحين) وذلك إذا كان معه آخرون. وكذلك تقول (هو ناجِ) وقد لا يكون معه ناجٍ آخر وتقول (هو من الناجين) إذا كان معه ناجون، وتقول (هو مُغرَق) و(هو من المغرقين). فقوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) يشير إلى أنه ليس بدعاً من الرسل وإنما هو واحد من جماعة لهم مثل صفته. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص5 الى ص7 1- التفسير الكبير 26/41. الوقفة كاملة
٣٣٣ (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يحتمل أن يكون هذا الجار والمجرور خبراً بعد خبر أي إنك على صراط مستقيم كما تقول (إنه من أهل بغداد من أصحاب الثراء) فأخبرت أنه من أهل بغداد وأنه من أصحاب الثراء. كما يحتمل أن يكون متعلقاً بالمرسلين أي إنك من الذين أرسلوا على صراط مستقيم. وقد تقول: وما الفرق بين التقديرين؟ والجواب أنك إذا جعلته خبراً بعد خبر فإنه يصح أن تستغني بأحد الخبرين ويتم الكلام فإنه يصح أن تقول (إنك لمن المرسلين) وتكتفى كما قال تعالى في موطن آخر (تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) – البقرة (252). وتقول (إنك على صراط مستقيم) وتكتفى كما قال تعالى (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) – الزخرف (43). أما إذا جعلته متعلقاً بالمرسلين فإنك تجعل الكلام لا يتم إلا بمتعلقه فقوله (على صراط مستقيم) يكون مرتبطاً بما قبله متعلقاً به كما تقول (أنت من المرسلين بهذا الأمر) أو (أنت من المرسلين إلى هؤلاء القوم) و(أنت من المرسلين على نفقه الدولة). وقد تقول: ولم لم يكتف بأحد الخبرين كما فعل في موطن آخر؟ والجواب: أنه لو قال (إنك لمن المرسلين) لدل على أنه على صراط مستقيم تضمناً لا تصريحاً فإن كونه من المرسلين يدل على أمور كثيرة منها أنه صادق ومنها أنه على حق ومنها أنه على صراط مستقيم ومنها أنه يأمر بالخير ومنها مجرد الإخبار أنه من المرسلين لا إلى إرادة معنى متضمن، فقوله (على صراط مستقيم) حدد أمراً معيناً مما تضمنه كونه من المرسلين ولم يدع ذلك للذهن الذي قد ينصرف إلى أمور غير معينة. وقد يقتضي المقام أن يصرح بأمور مما تفتضيه الرسالة. أما إذا قال (إنك على صراط مستقيم) فقط فإنه لا يدل على إنه من المرسلين فكون الشخص على الصراط المستقيم لا يعنى أنه رسول من عند الله. فجمع بين الأمرين لإفادة المعنيين تصريحاً. وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فلم اكتفى إذن بأحد الخبرين في موطن آخر من القرآن، فقال في موطن (وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وقال في موطن اخر (إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؟ الجواب أن كل موطن يقتضي ما ذكر فيه وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى (تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) – البقرة (252). وقال (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) – الزخرف (43). وإذا نظرنا في سياق آية البقرة لم نر فيه ذكراً للدعوة إلى دين الله وهو الصراط المستقيم وإنما وردت في سياق القصص القرآني، فقد وردت في سياق قصة طالوت وجالوت ثم ذكر بعدها بعضاَ من الرسل. لقد وردت في سياق إثبات نبوة الرسول بإخباره عما لم يعلم من أخبار الماضين فإنه لما ذكر قصة طالوت قال بعدها (تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) أي أن إجراء هذه الأخبار على لسانك وأنت لا تعلمها دليل على أنك من المرسلين. وأما آية الزخرف فإنها وردت في سياق الدعوة الى الله وهداية الخلق إلى صراطه المستقيم، قال تعالى (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ) (40 – 45). فقوله (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) يعنى هداية الخلق إلى صراطه المستقيم ودينه القويم. وقوله (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) يعني ما أوحاه إليه فاقتضى ذلك ذكر الصراط المستقيم. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى إن قوله (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ) يعني أنه نبي مرسل، وكذلك قوله (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) فجمع بين كونه مرسلاً وأنه على صراط مستقيم كما فعل في آية يس فاقتضى كل موطن ما ذكر فيه. ووصفُ الصراط بأنه مستقيم يدل على أنه أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب وأنه طريق قويم وشرع مستقيم. جاء في (الكشاف)، (على صراط مستقيم) خبر بعد خبر. أوصله للمرسلين. فإن قلت: أي حاجه إليه خبراً كان أو صلة وقد علم أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟ قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم من غيره ممن ليس على صفته وإنما الغرض وصفه ووصف ما جاء به من الشريعة فجمع بين الوصفين في نظام واحد كأنه قال: إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت. وأيضاً فإن التنكير فيه دال على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة على صراط لا يكتنه وصفه". (1) وجاء في (التفسير الكبير): (على صراط مستقيم) خبر بعد خبر أي إنك على صراط مستقيم. والمستقيم أقرب الطرق الموصلة إلى المقصد، والدين كذلك فإنه توجه إلى الله تعالى وتولى (2) عن غيره والمقصد هو الله والمتوجه إلى القصد أقرب إليه من المولي عنه والمنحرف منه. ولا يذهب فهم أحد إلى أن قوله إنك منهم على صراط مستقيم مميز له عن غيره كما يقال: أن محمداً من الناس مجتبى لأن جميع المرسلين على صراط مستقيم. وإنما المقصود بيان كون النبي (صلى الله عليه وسلم) على الصراط المستقيم الذي يكون عليه المرسلون. (3) وقد تقول: ولم قدم (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) على قوله (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ولم يقل (إنك لعلى صراط مستقيم من المرسلين)؟ والجواب أنه فعل ذلك لعده أمور. منها ان قوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) أفضل من كونه على صراط مستقيم. لأن كونه مرسلاً يعني أنه على صراط مستقيم وأنه نبي. ومنها أن قوله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) يتضمن أنه على صراط مستقيم، ومنها أن هذا من باب تقديم السبب على المسبب فإن كونه على صراط مستقيم إنما هو بسبب أنه مرسل أوحى إليه بهذا الصراط فهو أسبق في الرتبة. ومنها أن تقديم المرسلين يمكن أن يعلق به (على صراط مستقيم) فيكون من تمام معناه كما بينا أي إنك أرسلت على طريق مستقيم. ولو أنا قلنا (إنك على صراط مستقيم من المرسلين) لم يصح تعليق (من المرسلين) بما قبله فينقطع الكلام ولا يتصل. فإن هذا التقديم أولى من كل ناحية. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص7 الى ص 10 1- الكشاف 2/581. 2- كذا ورد والصواب وتولً. 3- التفسير الكبير 26/41. الوقفة كاملة
٣٣٤ (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) بعد أن عظم القرآن بأن أقسم به ووصفه بالحكمة عظمه بإضافته إلى ذاته العلية. فإن الكتاب يعظم من ناحيتين: 1- من حيث ما أودع فيه، وهو تعظيم لذاته. 2- ومن حيث مرسله. فقد يكون الكتاب ليس بذي قيمه في ذاته وإنما يعظم بسبب مرسله وصاحبه. ثم إن صاحبه يكون معظماً بسببين: أن يكون مرهوباً مخوفاً أو أن يرجى خيره ويطمع في نعمته. وقد جمع الله ذلك بقوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) فجمع بين الترغيب والترهيب وهما مصدر التعظيم للذات وما يتصل بها. فقوله (العزيز) يفيد أنه نافذ أمره. و(الرحيم) يفيد أنه ذو رحمة وليس متجبراً عاتياً. ففخم الكتاب وعظمه من الناحيتين: من حيث ذاته. ومن حيث مرسله. جاء في (روح المعاني): تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ نصب على المدح أو على المصدرية لفعل محذوف أي نزل تنزيل ... وأيا كان ففيه إظهار لفخامة القرآن الإضافية بعد بيان فخامته الذاتية بوصفه بالحكمة. وفي تخصيص الاسمين الكريمين المعربين عن الغلبة الكاملة والرحمة الفاضلة حث على الإيمان به ترهيباً وترغيباً وإشعاراً بأن تنزيله ناشئ عن غاية الرحمة حسبما أشار إليه قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (1). وهناك تعظيم آخر للقرآن وهو مكانه المحفوظ فيه فإن الشيء إذا كان ثميناً حفظ في مكان أمين لا تمسه الأيدي ولا يعبث به العابثون. وقد أشار إلى مكانه المحفوظ فيه فذكر أنه في مكان عالٍ وقد نزل إلى الرسول تنزيلاً. فالتنزيل إنما يكون من المكان العالي المرتفع وهذا يدل على رفعة القرآن ورفعة مكانه. وعلى هذا يكون أشار إلى تعظيم القرآن من عدة نواح: 1- الإقسام به. 2- وصفه بأنه حكيم. 3- وأنه في مكان عالٍ وقد نزله العزيز الرحيم بأمره. 4- وأن الله أضافه إلى نفسه بوصفي الترهيب والترغيب فلم يترك جهة من جهة التعظيم إلا أشار إليها وذكرها. واختيار العزيز الرحيم له أكثر من دلاله في السورة. فإن العزيز هو الغالب وفى ذكره ترهيب للعباد، والرحيم هو المتصف بالرحمة على وجه الثبات وفى ذكره ترغيب لهم فجمع بين الترغيب والترهيب. وقد طبعت السورة بطابع هذين الاسمين الكريمين فإن جو السورة يشيع فيه العزة والرحمة. فقد تظهر العزة بنصر أوليائه ومحق أعدائه فقد أهلك أصحاب القرية بصيحة واحدة (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ)  -(29). وذكر أن آلهتهم التي يعبدونها من دون الله لا تغني شفاعتهم شيئاً ولا يتمكنون من إنقاذ من أراده الرحمن بضر فهي ليست لها وجاهة وليس لها قوة وهذا من أظهر الأمور على عزته سبحانه (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) (23). وقد ذكر أنه إن شاء أغرقهم فلا معين لهم ولا يتمكن أحد من إنقاذهم إلا إذا أراد هو (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) -(43-44). وذكر أنهم ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم جميعاً فلا يبقى منهم أحد وأنه يحييهم ويجمعهم بصيحة واحدة (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) -(49). )( إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) -(53). وذكر أنه لو شاء أن يطمس على أعينهم أو يمسخهم على مكانتهم لفعل ولا راد لمشيئته (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ) -(66-67). وذكر أن أمره ينفذ بكلمة واحدة يفعل ما يشاء ويكون ما يريد وأنه بيده ملكوت كل شيء وليس لأحد سواه شيء (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)  -(83). فهل هناك أكبر من هذه العزة؟! وكذلك جو الرحمة فإنه يشيع في السورة أيضاً. فقد تردد ذكر الرحمة والرحمن في السورة أكثر من مرة وذلك نحو قوله: 1- تنزيل العزيز الرحيم 2- وخشى الرحمن بالغيب 3- وما أنزل الرحمن من شيء 4- إن يردن الرحمن بضر 5- ولا هم ينقذون إلا رحمة منا 6- لعلكم تُرحمون 7- هذا ما وعد الرحمن 8- سلام قولا من رب رحيم ثم ذكر عدداً من مظاهر رحمته سبحانه منها: 1- ما جعل في الأرض لعباده من جنات وأنهار وما أخرج لهم من حب يأكلون منه. 2- وأنه حمل ذريتهم في الفلك المشحون وخلق لهم من مثله ما يركبون. 3- وأنه خلق لهم أنعاماً فهم مالكون لها وأنه ذللها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون. وجعل لهم فيها منافع ومشارب تستوجب شكره سبحانه. 4- وأنه جعل لهم من الشجر الأخضر ناراً يوقدون منه. 5- وأنه أرسل إليهم رسلاً حذرهم من عباده الشياطين وهداهم الصراط المستقيم. وغير ذلك من مظاهر رحمته التي ذكرها في السورة. وكما لاحظنا أن لهذين الاسمين الكريمين ارتباطا بجو السورة فإن لهذين الاسمين الكريمين ارتباطا بما بعد هذه الآية وهو قوله تعالى: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.) إذ من الملاحظ في مواطن عديدة من القرآن الكريم ذكر هذين الاسمين بعد ذكر عدم إيمان الأكثرين من الخلق. فقد عقب في سورة الشعراء بعد قصة كل نبي مع قومه بقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) كما ذكرت تعقيباً على موقف أهل مكة من الرسول (صلى الله عليه وسلم) وذلك قوله تعالى (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ). فقد تكرر ذكر هاتين اللايتين في هذه السورة ثماني مرات. ومن أسرار هذا الذكر في هذه السورة وفى سورة الشعراء أنه من مقتضيات اسمه العزيز أن يعز المؤمنين وينصرهم ويذل الكافرين ويهلكهم فتكون العزة في حق المؤمنين نصراً وتأييداً وفى حق الكافرين محقاً وإهلاكاً. ومن مقتضيات اسمه (الرحيم) أن يرحم المؤمنين ويكرمهم وينجيهم ويدخلهم الجنة ويرحم الكافرين بإلزامهم الحجة وإقامه البينة عليهم وإنذارهم الخوف ليتقوا ناره ويأمنوا عذابه، وأنه أبلغهم رسالته كما أبلغ المؤمنين وأنه لا يعاقبهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم وهذا من رحمته بهم. وهذا علاوة على أنه يرزقهم وأنهم يتقبلون في نعمه تعالى على محاربتهم له. وأنت إذا نظرت في هذا التعقيب وجدته يذكر بعد ذكر عقوبة الكافرين وإهلاكهم ورحمته بالمؤمنين وتنجيتهم وذلك بعد ذكر قصة كل نبي في سورة الشعراء، فكان ذكرهما أنسب شيء هنا والله اعلم. لقد ذكر ثلاث أسماء لربنا سبحانه واحداً بالتضمن واثنين تصريحاً. أما المذكور بالتضمن فهو قوله (الحكيم) فإنه وصف به القرآن وهو كلامه وإذا كان الكلام حكيماً فصاحبه حكيم أيضاً بكل معاني الوصف. وأما الاسمان المصرح بهما فهما العزيز الرحيم. وكمال الاتصاف بهما أن تكون الحكمة معهما فإن العزيز إذا لم يكن حكيماً كان متهوراً في عزه فتكون عزته من صفات نقصه. وإذا لم يكن رحيماً كانت عزته شدة وكانت وبالاً على عباده. والرحمة من دون عزة ضعف وهي من دون حكمة نقص لأنه لا يعلم كيف يضعها ولا أين يضعها. فهذه الصفات يكمل بعضها بعضاً ويزين بعضها بعضاً. فلا خير في رحمة من دون عزة ولا حكمة. ولا خير في عزة من دون حكمة ولا رحمة. ولا خير في حكم بلا عزة ولا رحمة. جاء في (التفسير الكبير): "(العزيز الرحيم) إشارة إلى أن الملك إذا أرسل رسولاً فالمرسل إليهم إما أن يمانعوا المرسل وحينئذ لا يقدر الملك على الانتقام منهم ألا إذا كان عزيزاً أو يخافوا المرسل ويكرموا المرسل وحينئذ يرحمهم الملك. أو نقول: المرسل يكون معه في رسالته منع عن أشياء وإطلاق لأشياء فالمنع يؤكد العزة والإطلاق يدل على الرحمة" (2). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص10 ص14 1- روح المعاني 22/212 – 213. 2- التفسير الكبير 26/24. الوقفة كاملة
٣٣٥ لِ(تُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) يحتمل أن يكون (لتنذر) متعلقاً بقوله (تنزيل) أو بالفعل المضمر(نزل) فيكون التقدير: تنزيل العزيز الرحيم لتنذر. أو: نزله العزيز الرحيم لتنذر. كما يحتمل أن يكون متعلقاً بـ(المرسلين) أي: إنك لمن المرسلين لتنذر قوماً بمعنى: أنك أرسلت لتنذر قوماً (1). والظاهر أن (ما) نافية والمعنى: لتنذر قوماً لم ينذر آباؤهم ولذلك هم غافلون فإن عدم الإنذار هو سبب غفلتهم المستحكمة. فإن هؤلاء القوم لم يأتهم من نذير كما قال تعال (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نذير مِنْ قَبْلِكَ) –القصص (46)، السجدة (3). كما أن آباءهم لم ينذروا فاستحكمت الغفلة فيهم إلى درجة أن الإنذار وعدمه سواء عليهم وأنهم كما وصفهم ربنا بقوله: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً.....الخ(. وقد جوز بعض المفسرين أن تكون (ما) موصولة أو مصدرية فيكون المعنى (لتنذر قوماً الشيء الذي أنذره آباؤهم) أو (لتنذر قوماً مثل إنذار آبائهم). وبذا يكون إثبات الإنذار لآبائهم. والمقصود بالآباء آباؤهم الأقدمون. وقد تقول: إن قوله تعالى (فَهُمْ غَافِلُونَ) يرد هذا المعنى. والجواب: كلا إنه لا يرد هذا المعنى، ذلك أن المعنى أن آباءهم الأقدمين أنذروا ولكنهم غفلوا عن ذلك الإنذار لتقادم العهد كما قال تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ) – المائدة 19 وهذا نحو قولنا (انصح فلاناً كما نصحت اباه فإنه غافل عن ذلك) أو (قل لفلان أن يعمل بنصيحتنا لأبيه فإنه غافل عنها) فإنك أثبت النصيحة وأثبت الغفلة عنها. جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ) "قوماً غير منذر آباؤهم على الوصف ونحوه قوله تعالى (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) (وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ). وقد فسر (ما أنذر آباؤهم) على إثبات الإنذار، ووجه ذلك أن تجعل (ما) مصدرية لتنذر قوماً إنذار آبائهم، أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني: لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم من العذاب كقوله تعالى (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا). فإن قلت: أي فرق بين تعلقي قوله (فهم غافلون) على التفسيرين؟ قلت: هو على الأول متعلق بالنفي أي لم ينذر آباؤهم فهم غافلون على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم. وعلى الثاني بقوله (إنك لمن المرسلين) لتنذر كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل أو فهو غافل. فإن قلت: كيف يكونون منذرين غير منذرين لمناقضة هذا ما في الرأي الآخر؟ قلت: لا مناقضة لأن الآي في نفي إنذارهم، لا في نفي إنذار آبائهم. وآباؤهم القدماء من ولد إسماعيل وكانت النذارة فيهم. فإن قلت: ففي أحد التفسيرين أن آباءهم لم ينذروا وهو الظاهر فما تصنع به؟ قلت: أريد آباؤهم الأدنون دون الأباعد (2). وجاء في (التفسير الكبير): "فعلى قولنا (ما) نافية تفسيره ظاهر فإن من لم ينذر آباؤه وبعد الإنذار عنه فهو يكون غافلاً، وعلى قولن هي للإثبات كذلك لأن معناه: لتنذرهم إنذار آبائهم فإنهم غافلون، وفيه مسائل: (المسألة الأولى) كيف يفهم التفسيران وأحدهما يقتضي أن لا يكون آباؤهم منذرين والآخر يقتضي أن يكونوا منذرين وبينهما تضاد؟ نقول على قولنا (ما) نافية معناه ما أنذر أباءهم، وإنذار آبائهم الأولين لا ينافي أن يكون المتقدمون من آبائهم منذرين والمتأخرون منهم غير منذرين" (3). وجاء في (روح المعاني): "(فهم غافلون) هو على الوجه الأول متفرع على نفي الإنذار ومتسبب عنه والضمير للفريقين أي لم ينذر آباؤهم فهم جميعاً لأجل ذلك غافلون. وعلى الأوجه الباقية: متعلق بقوله تعالى (لتنذر) أو بما يفيده (إنك لمن المرسلين) وارد لتعليل إنذاره عليه الصلاة والسلام أو إرساله بغفلتهم المحوجة إليه نحو اسقه فإنه عطشان على أن الضمير للقوم خاصة فالمعنى فهم غافلون عنه أي عما أنذر آباؤهم. وقال الخفاجي: يجوز تعلقه بهذا على الأول أيضاً وتعلقه بقوله تعالى (لتنذر) على الوجوه وجعل الفاء تعليلية والضمير لهم أو لآبائهم. اهــ ولا يخفي عليك أن المنساق إلى الذهن ما قرر أولاً" (4). والذي يترجح عندي المعنى الأول وهو الذي يسبق إلى الذهن. أما إذا أريد بالآباء الآباء الأقدمون فإن إسماعيل عليه السلام أبوهم وكان رسولاً نبياً ولا شك أنه أنذر قومه، بل إن إبراهيم عليه السلام أبوهم كما قال (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) فلا يتناقض الأمران على ذلك، ولا أرى أنه يعني بذلك إبراهيم أو إسماعيل عليهما السلام أو من هو ممن دونهما ممكن كان بعيداً جداً عن قوم الرسول (صلى الله عليه وسلم). إن أقرب رسول إلى نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) عيسى عليه السلام وبينهما أكثر من خمسمائة عام فما بالك بمن قبله ولا شك على هذا أن آباءهم لم ينذروا والله اعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص14 إلى ص17 - أنظر روح المعاني 22/213. 2- الكشاف 2/581 – 582 وأنظر البحر المحيط 26/42. 3- التفسير الكبير26/42 4- روح المعاني 22/213 الوقفة كاملة
٣٣٦ (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) معنى (حق القول) في القرآن الكريم ثبت لهم العذاب ووجب، والقول هو قوله تعالى (ولَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)– السجدة (13). جاء في (الكشاف): "(القول) قوله تعالى (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) يعني تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر (1). وجاء في (فتح القدير): "ومعنى (حق) ثبت ووجب القول. أي العذاب على أكثرهم .... وقيل المراد بالقول المذكور هنا هو قوله سبحانه (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ" ) (2). وجاء في (التفسير الكبير): "في قوله تعالى (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ) وجوه: (الأول) وهو المشهور أن المراد من القول هو قوله تعالى (حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ)" (الثاني) هو أن معناه لقد سبق في علمه أن هذا يؤمن أن هذا لا يؤمن فقال في حق البعض إنه لا يؤمن وقال في حق غيره إنه يؤمن (فحق القول) أي وجد وثبت بحيث لا يبدل بغيره. (الثالث) هو أن يقال: المراد منه لقد حق القول الذي قاله الله على لسان الرسل من التوحيد وغيره وبأن برهانه فأكثرهم لا يؤمنون بعد ذلك .... (على أكثرهم) فإن أكثر الكفار ماتوا على الكفر ولم يؤمنوا" (3). ولا شك أن سبق قوله لسبق علمه فلا اختلاف بين القولين الأول والثاني مما ذكره الرازي. وكذلك أن المعنى الذي ذكره في القول الثالث صحيح لكن الذي يظهر أن المراد من معنى (حق القول) في القرآن هو ثبوت العذاب ووجوبه كما ذكرت، والذي يرجح ذلك إنه لم يرد في القرآن الكريم (حق القول) إلا لهذا المعنى وكذلك (حقت كلمة ربك) فإسناد الفعل (حق) إلى القول أو إلى الكلمة لا يعنى إلا ثبوت العذاب ووجوبه وذلك في ثلاثة عشر موضعاً، قال تعالى: (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا)– القصص 63 وقال:(وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) – فصلت 25. وقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) – الأحقاف 18. وقال: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)– السجدة 13. وقال: ( لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)– يس 7. وقال: ( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)– الإسراء 16. وقال: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) – يس 70. وقال: ( فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ)– الصافات 31. وقال:(أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) – الزمر19. وقال: (حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)– الزمر 71 وقال: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)– ىونس33 وقال: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) – يونس 96، 97. وقال: (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ)– غافر6. وبذا يترجح ما ذكرناه. وذكر في آية يس أنه حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون، وهذا ما حصل فإن أكثر الكفار لم يؤمنوا وماتوا على الكفر (4) وبذا تحقق ما أخبر به القرآن، وهو من الإعجاز لأنه أخبر بالشيء قبل حصوله فحصل. وقد تقول: وما أدرانا أن هذا الأمر قد تحقق وأن أكثرهم ماتوا على الكفر؟ والجواب: يكفي وروده في القرآن الكريم فإن القرآن أصدق وثيقة تاريخية عما أخبر في وقته، ولو لم يتم هذا الأمر لكان ذلك دليلا على كذب ما أخبر به ولأعترض عليه الكفار بأن ما أخبر به لم يحصل، فإن القرآن يتلى عليهم ليل نهار وهذه الآية يسمعونها دوماً فلو لم يحصل ذلك لكذبوه ولارتدوا عنه. ثم لنلاحظ أن الآية مصدرة بــ(لقد) وهذه الــلام واقعة في جواب قسم عند النحاة سواء كان القسم مذكوراً أم مقدراً، و(قد) حرف تحقيق وقد دخلت على الفعل الماضي ومعنى ذلك أن ما أخبر به قد حصل وتحقق فعلاً. وقال (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ولم يقل (فهم لم يؤمنوا) ليدل على أنهم سيموتون على الكفر وأنهم لا يؤمنون في مستقبل حياتهم ولو قال (فهم لم يؤمنوا) لكان إخباراً عن أمر قد مضى. وكذلك لو قال (فهم غير مؤمنين) لاحتمل أنه يخبر عن حالتهم التي هم عليها وقت نزول الآية وقد يتغير ذلك في المستقبل فقد يكون أشخاص غير مؤمنين وقت نزول هذه الآية وسيؤمنون بعد ذلك، فلا يكون عند ذاك إخباراً عن أمر غيب، فكان قوله الذي قاله أمثل شيء وأنسبه. وقد تقول: ولم قدم (القول) على الجار والمجرور فقال (لقد حق القول على أكثرهم) مع أنه في مواطن أخرى يقدم الجار والمجرور على القول وذلك نحو قوله تعالى( وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) – فصلت 25. وقوله (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ) – يونس (96)، والجواب أن التقديم والتأخير إنما هو لغرض معنوي كما هو مقرر في علم البلاغة فما كانت العناية به أكثر قدم في الكلام. فإذا كان الاهتمام بالقول أكثر قدم وإذا كان الاهتمام بمن حق عليهم القول أكثر قدموا، وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) – فصلت (25). فقدم (عليهم) على (القول) ذلك أن السياق فيمن حق عليهم القول أي على الأقوام الذين حق عليهم العذاب ذلك أن الكلام على أعداء الله ابتداء من الآية التاسعة عشرة إلى الآية التاسعة والعشرين، قال تعالى:(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) – فصلت (19 – 29). فناسب تقديم ضمير هؤلاء على (القول) لأن الكلام يدور عليهم. في حين قال (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) – يونس (33)، فقدم الكلمة على (اللذين فسقوا) لأن الاهتمام ليس منصرفاً إل هؤلاء وإنما الكلام على الله ونعمه واستحقاقه للعبادة فناسب تقديم كلمته سبحانه، قال تعالى: ( فَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) – يونس (29-35(. فأنت ترى أن الكلام على الله واستحقاقه للعبادة. والأمر كذلك في آية يس فإن العناية بقول الله عليهم أكثر من الكلام على القوم وأفعالهم، فإنه لم يذكر عن القوم إلا أنهم غافلون لأن آباءهم لم ينذروا، ولم يذكر شيئا عن أفعالهم وإنما ذكر تفسير استحقاق القول عليهم فذكر أنه سبحانه جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً ...الخ فذكر ما فعله ربنا ولم يذكر ما فعلوه هم فقال: ( إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) فجاعل الأغلال هو الله. (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) وجاعل السد هو الله (فأغشيناهم) والذي أغشاهم هو الله. فناسب تقديم قوله عليهم وهو المناسب للسياق. فالجعل جعله والإغشاء إغشاؤه والقول قوله. هذا من حيث السياق والمقام. وهناك أمر آخر لفظي في هذه الآيات وهو إنه إذا كان حرف الجر داخلاً على الضمير نحو (عليهم) و(علينا) تقدم الجار والمجرور على القول وإلا تأخر وهذا لم يتخلف في جميع هذه الآيات. قال تعالى (حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) في ثلاث آيات: القصص 63، فصلت 25، الأحقاف 18. وقال (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ) – الإسراء 16. قال (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا) – الصافات 31. وقال (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ) – الزمر 19. وقال (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) – يونس 96. بتقديم الجار والمجرور على الفاعل في كل ذلك. في حين قال (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ) – يس 7. وقال (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا) – ىونس33. وقال (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) – الزمر 71. وقال (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) – يس 70. بتقديم الفاعل على الجار والمجرور. فناسب تقديم القول في سورة يس من ناحية اللفظ إضافة إلى المعنى وأود أن أشير إلى أمر آخر وهو أن كل تعبير قدم فيه ما قدم إنما كان لغرض تقتضيه البلاغة ويقتضيه السياق والمقام إضافة إلى اللفظ، فليس اللفظ وحده الداعي إلى التقديم، فازداد ذلك حسناً على حسن. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص17 إلى ص22 1- الكشاف 2/582 2- فتح القدير 4/394 3- التفسير الكبير 26/43 وأنظر البحر المحيط 7/323 – 324، روح المعاني 2 /213. 4- أنظر التفسير الكبير 26/44 الوقفة كاملة
٣٣٧ (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) الأغلال جمع غل وهو حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد أو تجمع بينهما وتسمى الجامعة (1) وذلك بقصد التعنيف والتضييق والتعذيب والأسر (2). والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره (3). والمعنى إنه سبحانه جعل في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً عراض المساحة لا واسعة الفتحة تحيط بالعنق كله بحيث تبلغ إلى الذقن في تدع أحدهم يطأطئ رأسه أو يبصر ما تحته بل يبقى رافعاً رأسه غاضاً بصره فلا يتمكن من رؤية ما قدامه ولا ما تحته ولا ما خلفه بل لا يتمكن من الالتفات يمين أو يساراً لعرض الغل الذي يحيط بعنقه وضيقه فكيف طريقه أو يهتدي؟ وهذا تمثيل لحال هؤلاء الكفرة وبقائهم على ضلالهم فلا يتمكنون من الهدى ولا يعرفونه، وربما كان هذا حالهم أيضاً في الآخرة. جاء في (الكشاف): "ثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله. فإن قلت: ما معنى قوله (فهي إلى الأذقان)؟ قلت: معناه فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزه إليها وذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادراً من الحلقة إلى الذقن فلا تخليه يطأطئ رأسه ويوطئ قذاله فلا يزال مقمحاً. والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره، يقال قمح البعير فهو قامح إذا روى فرفع رأسه" (4). وجاء في (التفسير الكبير): "معناه إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه. (المسألة الثالثة) كيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية؟ فنقول: المغلول الذي بلغ الغل إلى ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق الذي عند قدمه، وذكر بعده أن بين يديه سداً ومن حلفه سداً فهو لا يقدر على انتهاج السبيل ورؤيته، وقد ذكر من قبل أن المرسل على صراط مستقيم فهذا الذي يهديه النبي إلى الصراط المستقيم العقلي جعل ممنوعاً كالمغلول الذي يجعل ممنوعً من إبصار الطريق الحسي. ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يقال الأغلال في الأعناق عبارة عن عدم الانقياد فإن المنقاد يقال فيه أنه وضع رأسه على الخط وخضع عنقه والذي في رقبته الغل الثخين إلى الذقن لا يطأطئ رأسه ولا يحركه تحريك المصدق" (5). وإسناد هذا الأمر إلى نفسه سبحانه وتأكيده بإن دال على استحكام هذا الأمر وأنه لا يتمكن أحد من فك هذا الغل فلا يتحررون منه، وهو تأكيد لقوله (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) فإنه هو الذي جعل الأغلال في أعناقهم فحق قوله عليهم لما علم من عدم اهتدائهم، ولو قال (لقد جعلت في أعناقهم أغلال) لكان ثمة أمل في فك الأغلال ولكن لا يستطيع أحد أن يغير ما قدره الله وحكمه فلا يفك أحد ما أغلقه ربنا ولا يغلق ما فتحه. وقال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ) فقدم (أعناقهم) على الأغلال ولم يقل (إنا جعلنا أغلالاً في أعناقهم) لأن الكلام عليهم وهم مدار الحديث فكان تقديم ما تعلق بهم أولى. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص22 إلى ص24 1- انظر لسان العرب 14/13، تاج العروس 8/49. 2- انظر البحر المحيط 7/324. 3- الكشاف 2/682. 4- الكشاف 2/582. 5- التفسير الكبير 26/44 – 45 الوقفة كاملة
٣٣٨ (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ بعدما ذكر أنه جعل في أعناقهم أغلالاً ذكر أنه جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً. وقال (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) و(وَمِنْ خَلْفِهِمْ) ولم يقل (وجعلنا بين أيديهم سداً وخلفهم سدً) ذلك أن (من) تفيد ابتداء الغاية ومعنى ذلك أنه جعل السد ابتداء من بين أيديهم ولم يترك بينه وبينهم فراغاً وكذلك من خلفهم فإن السد ملتصق بهم من الأمام وكذلك من الخلف فلا يستطيعون أن يخطوا خطوة واحدة أو حركة بخلاف ما إذا لم يذكر (من) فإنه يحتمل أن يكون بينهم وبين السد مسافة بعيدة أو قريبة وذلك نحو قوله تعالى (أفلم يروا إلى السماء فوقهم) فإن بينهم وبين السماء مسافة بعيدة وكذلك قوله (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ) فإن بينهم وبين الطير مسافة غير قليلة في حين قال عن الأرض (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا) – فصلت (10) فجاء بـ (من) ليدل على أن الرواسي ملتصقة بالأرض ليس بينها وبينها فراغ. ثم قدم الجار والمجرور على السد فقال (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) ولم يقل (وجعلنا سداً من بين أيديهم وسداً من خلفهم) وذلك لأن الكلام عليهم لا على السد فكان تقديم ما تعلق بهم أولى ونحوه قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) كما ذكرنا. وقد تقول: هذا أمر السد من أمامهم فلماذا جعل من خلفهم سداً وما الغرض منه؟ فنقول: كما إنه منعهم من السير إلى أمام منعهم من العودة والرجوع إلى أماكنهم الأولى، فإن الشخص إذا قطع عليه الطريق عاد إلى مكانه الأول ومقامه الذي كان فيه، وهنا قد منعه من ذلك فبقي في مكانه من الطريق في غير مأمن وفي غير مقام فهلك. ثم أغشى أبصارهم وغطاهم فمنعهم من الرؤية فهم لا يبصرون ولا يتحركون فكيف يهتدون؟ وقوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ) يحتمل أنه أغشاهم بالسدين أي غطاهم فلا يستطيعون الإبصار ولا الحركة أو أغشى أبصارهم علاوة على السدين، وفي كلتا الحالتين لا يستطيعون الحركة ولا الإبصار. وقد تقول: ولم ترك الجانبين وهما جهتا اليمين واليسار فلم يذكر إنه جعل فيهما سدين. فنقول: 1- إن قوله (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) منعهم من الحركة البتة إلى أية جهة كانت ذلك لأن السدين ملتصقان بهم. 2- قوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ) أي غطيناهم والتغطية تشمل جميع الجسم وليس جانباً منه أو جانبين فلا يستطيعون الحركة لإغشائهم. 3- قوله (فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) يمنعهم من معرفة ما هم عليه من السبيل. 4- إذا اتجهوا إلى جهة اليمين كان السد من بين أيديهم أيضا ومن خلفهم لأن هذه الجهة ستكون هي الأمام فتكون مسدودة عليهم وإن أية جهة سيتجهون إليها ستكون هي ما بين أيديهم فيجعل سداً من بين أيديهم ومن خلفهم، فقوله (من بين أيديهم ومن خلفهم) يشمل جميع الجهات لأن أية جهة يتجهون إليها ستكون ما بين أيديهم فلا حاجة إلى ذكر جهتي اليمين واليسار فما ذكره يغنى عن ذكرهما، وإسناده الجعل والإغشاء إلى الله تعالى بيان إنه لا يمكن لأحد أن يزيل السدين أو يرفع الغشاوة. جاء في (التفسير الكبير): "وعلى هذا فقوله تعالى(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) يكون متمما لمعنى جعل الله إياهم مغلولين لأن قوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد فكأنه قال: لا يبصرون الحق فينقادون له لمكان السد ولا ينقادون لك فيبصرون الحق فينقادون له لمكان الغل. وفيه وجه آخر وهو أن يقال: المانع إما أن يكون في النفس وإما أن يكون خارجاً عنها، ولهم المانعان جميعاً من الإيمان، أما في النفس فالغل وأما من الخارج فالسد، ولا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم كما قال تعالى (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) وذلك لأن المقمح لا يرى نفسه ولا يقع بصره على يديه، ولا يقع نظره على الآفاق لأن من بين السدين لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التي في الآفاق وعلى هذا فقوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) ) (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات الله في الأنفس والآفاق. وفي تفسير قوله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) مسائل: (المسألة الأولى) السد من بين الأيدي ذكره ظاهر الفائدة فإنهم في الدنيا سالكون وينبغي أن يسلكوا الطريقة المستقيمة (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ) فلا يقدرون على السلوك، وأما السد من خلفهم فما الفائدة فيه؟ فنقول: الجواب عنه من وجوه. (الأول) هو أن الإنسان له هداية فطرية والكافر قد يتركها وهداية نظرية والكافر ما أدركها فكأنه تعالى يقول (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) فلا يسلكون طريقة الاهتداء التي هي نظرية (وجعلنا من خلفهم سداً) فلا يرجعون إلى الهداية الجبلية التي هي الفطرية ... (الثالث) هو أن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه يفوته المقصد ولكنه يرجع وإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه فالموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة لأنه مهلك، فقوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ) إشارة إلى إهلاكهم. (المسألة الثانية) قوله تعالى (فأغشيناهم) بحرف الفاء يقتضي أن يكون للإغشاء بالسد تعلق ويكون الإغشاء مرتباً على جعل السد فكيف ذلك؟ فنقول: ذلك من وجهين: أحدهما أن يكون ذلك بيانا لأمور مترتبة يكون بعضها سبباً للبعض فكأنه تعالى قال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ) فلا يبصرون أنفسهم لإقماحهم (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) فلا يبصرون ما في الآفاق وحينئذ يمكن أن يروا السماء وما على يمينهم وشمالهم فقال بعد هذا كله (وجعلنا على أبصارهم غشاوة) فلا يبصرون شيئاً أصلاً. وثانيهما: هو أن ذلك بيان لكون السد قريبا منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة على أبصارهم فإن من جعل من خلفه ومن قدامه سدين ملتزقين به بحيث يبقى بينهما ملتزقاً بهما تبقى عينيه على سطح السد لا يبصر شيئا، أما غير السد فللحجاب، وأما عين السد فلكون شرط المرئي أن لا يكون قريبا من العين جداً. (المسألة الثالثة) ذكر السدين من بين الأيدي و من خلف ولم يذكر من اليمين والشمال ما الحكمة فيه؟... لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم فيجعل الله السد هناك فيمنعه من السلوك، فكيفما يتوجه الكافر يجعل الله بين يديه سداً. ووجه آخر أحسن مما ذكرنا وهو أنا لما بينا أن جعل السد صار سبباً للإغشاء كان السد ملتزقاً به، وهو ملتزق بالسدين فلا قدرة له على الحركة يمنة ولا يسرة فلا حاجة إلى السد عن اليمين وعن الشمال، وقوله تعالى (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) يحتمل ما ذكرنا إنهم لا يبصرون شيئاً، ويحتمل أن يكون المراد هو أن الكافر مصدود وسبيل الحق عليه مسدود وهو لا يبصر السد ولا يعلم الصد فيظن إنه على الطريقة المستقيمة وغير ضال (1) وقد تقول: ولم لم يقل كما قال في سورة البقرة (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) ؟ فنقول: إن كل موطن اقتضى ما ذكر فيه علاوة على أن ما ذكر في سورة يس يفيد ما أفاده في سورة البقرة، ذلك أن قوله (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) هو بمعنى قوله (وعلى أبصارهم غشاوة)، وأن قوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ) يفيد أنهم لا يسمعون فإن من كان بين سدين مغطى بهما لا يسمع، وإذا كان كذلك فهو لا يفقه لآن منافذ العلم مسدودة فأفاد إنهم لا يبصرون ولا يسمعون ولا يفقهون. ثم إن ما ذكره في كل موطن هو المناسب من جهة آخري ذلك أنه قال في سورة يس (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) والصراط إنما يكون للسير فيه وسلوكه فذكر ما يمنع الكفرة من سلوك الصراط المستقيم والسير فيه وهو الأغلال في أعناقهم والسد من بين أيديهم ومن خلفهم، والسد إنما هو لمنعهم من السير، أما المؤمنون فإنهم على الصراط المستقيم يسلكونه ويتخذونه سبيلاً، ولم يذكر مثل ذلك في البقرة فكان ذكر السد مناسباً في سورة يس. وأما في سورة البقرة فقد قال إن هذا الكتاب لا ريب فيه وهو هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله ويوقنون بالآخرة. فالمسألة متعلقة بالإيمان والتقوى فذكر أن الكفرة مختوم على قلوبهم وعلى سمعهم وأن على أبصارهم غشاوة فانسدت منافذ الإيمان والتقوى، ومنافذ الإيمان والتقوى والعلم لدفع الريب هي السمع والبصر والقلب فذكر أن هذه كلها مغلقة. فأغلق منافذ السير على الصراط المستقيم في سورة يس وأغلق منافذ الإيمان والهدى في سورة البقرة، فناسب كل تعبير مكانه الذي هو أليق به. وقد تقول: ولم لم يكرر (جعلنا) من الخلف فيقول (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) كما قال في سورة النبأ (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا )– 10،11. والجواب أن التكرار يفيد التأكيد، والسدان ليسا بمنزله واحدة فإن السد الذي من بين أيديهم يمنعهم من السير إلى أمام وهو أهم لأنه هو الموصل إلى الهدى وإلى الفلاح، وأما السد من خلف فهو مانع من الرجوع، والعود ليس أحمد. ولما لم يكن السدان بمنزلة واحدة من حيث الأهمية لم يجعلهما في التعبير بمنزله واحدة، فذكر الفعل في المهم وحذفه مما هو أقل أهمية، وأما تكراره في سورة النبأ فإن الليل والنهار كلاهما مهم للإنسان وحياته فلا تصلح الحياة بليل لا نهار فيها ولا تصلح بنهار لا ليل فيها، قال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) – القصص (71، 72). فلما كانت الحياة إنما تستقيم بالليل والنهار معاً جعلهما بمنزلة واحدة في التعبير فكرر الجعل مع كل واحد منهما والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص24 إلى ص29 1- التفسير الكبير 26/45-46 الوقفة كاملة
٣٣٩ (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) بعد أن ذكر الموانع التي تمنعهم من الإيمان بين أن الإنذار وعدمه في حقهم سواء فهو لا ينفع معهم شيئاً. وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فما الغرض من إنذارهم؟ ولم ينذرهم؟ والجواب: أن ذلك للإعذار ولتقوم عليهم الحجة كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ) – الأعراف (164). هذا من ناحية، ومن ناحية آخري إذا كان الإنذار وعدمه سواء بالنسبة إليهم فليس ذلك سواء بالنسبة إليه، فإنه وإن كان الإنذار لا يجدى معهم شيئا لا يكون ذلك مسوغاً لترك الإنذار، فإنه مأمور بالإنذار لمن علم إنه لا يستجيب ولمن لم يعلم، ثم إن الدعوة إلى الله مطلوبة في كل الأحوال حتى إن أخبره ربنا أن المدعوين لا يستجيبون وذلك يدل على عظم مكانة الدعوة إلى الله وأنها لا تسقط بحال من الأحوال، ثم إن كان هؤلاء لا يستجيبون فربما يؤمن من غيرهم من يسمع ولو كان هذا السمع جاء على طريق الإخبار أو الاستهزاء أو الاستبعاد فيكون ذلك وسيلة لنقل الدعوة من حيث لم يريدوا، ثم إن هذا الإنذار يكتب في صحيفة أعمال الداعي الصالحة مثقلاً لميزانه ولذا قال تعالى (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ولم يقل (وسواء عليك أأنذرتهم أم لم تنذرهم). جاء في (التفسير الكبير): "بين تعالى أن الإنذار لا ينفعهم مع ما فعل الله بهم من الغل والسد والإغشاء والأعماء بقوله (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) أي الإنذار وعدمه سواء بالنسبة إلى الإيمان منهم إذ لا وجود له منهم على التقديرين، فإن قيل: إذا كان الإنذار وعدمه سواء فلماذا الإنذار؟ نقول: قد أجبنا في غير هذا الموضع أنه تعالى قال (سواء عليهم) وما قال (سواء عليك) فالإنذار بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ليس كعدم الإنذار لأن أحدهما مخرج له عن العهدة وسبب في زيادة سيادته عاجلاً وسعادته آجلاً، وأما بالنسبة إليهم على السواء فإنذار النبي (صلى الله عليه وسلم) ليخرج عما عليه وينال ثواب الإنذار وإن لم ينتفعوا به لما كتب عليهم من البوار في دار القرار" (1). **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص29 إلى ص30 1- التفسير الكبير 26 /46 - 47 الوقفة كاملة
٣٤٠ (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) والمعنى إذا كان إنذارك لا ينفع من حق عليه القول فإن الإنذار ينفع من يتبع الذكر ويخشى الرحمن بالغيب أي ينفع من كان حياً يؤثر فيه الإنذار، وينفع أيضاً من اتبع الذكر وهو القرآن والوعظ وخشي الرحمن بالغيب وهم المؤمنون. فالإنذار ينفع طائفتين: طائفة المؤمنين المتبعين للذكر الخاشين للرحمن فإن الإنذار يزيدهم أيماناً وتمسكاً وحذراً وخوفاً مما تنذرهم إياه. وطائفة آخري وهي التي لها قلب وسمع وبصر فتدخل في زمرة أهل الإيمان وهذا شأن كثير ممن أنذروا فإنهم فارقوا دينهم وآمنوا بدين الله. وعلى هذا يكون المعنى إنما تنذر إنذاراً نافعاً من اتبع الذكر، فمع هؤلاء يحصل المطلوب من الإنذار ومقصودة. والذكر هو القرآن والمواعظ وكل ما يذكر به المرء. وقد تقول: إنه عبر بالفعل الماضي فقال (اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِى الرَّحْمَنَ) فهذا يخص طائفة المؤمنين ولا يشمل من لم يدخل الإيمان قلبه بعد. فنقول: إن الفعل الماضي قد يعبر به عن المستقبل كقوله تعالى (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) – البقرة (150)، أي تخرج، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) – البقرة (159 -160)، أي إلا الذين يتوبون ويصلحون ويبينون بعد الكتمان، فعبر عن الكتمان بالفعل المضارع فقال (إن الذين يكتمون) وعبر عن التوبة والإصلاح والتبيين بعد الكتمان بالفعل الماضي فقال (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ، فإذا كان الكتمان مضارعاً فلاشك أن التوبة منه والتبيين يكونان بعده ولكنه عبر عن ذلك بالفعل الماضي. جاء في (الكشاف) إن قوله تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) "على معنى إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين وهم المتبعون للذكر وهو القرآن والوعظ الخاشعون ربهم" (1) وجاء في (البحر المحيط):"إنما تنذر أي إنذاراً ينفع من اتبع الذكر وهو القرآن، قال قتادة: أو الوعظ" (2). وجاء في (التفسير الكبير): "قال تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ). والترتيب ظاهر وفي التفسير مسائل: (المسألة الأولى) قال من قبل (لتنذر) وذلك يقتضي الإنذار العام على ما بينا، وقال (إنما تنذر) وهو يقضي التخصيص فكيف الجميع بينهما؟ نقول من وجوه: (الأول) هو أن قوله (لتنذر) أي كيفما كان سواء كان مفيداً أو لم يكن، وقوله (إنما تنذر) أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة إلى من يتبع الذكر ويخشى. (الثاني) هو أن الله تعالى لما قال إن الإرسال والإنزال وذكر أن الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد قال لنبيه ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه فأنذر على سبيل العموم وإنما تنذر بذلك الإنذار العام من يتبع الذكر كأنه يقول: يا محمد إنك بإنذارك تهدى ولا تدري من تهدى فأنذر الأسود والأحمر ومقصودك من يتبع إنذارك وينتفع بذكراك" (3). وجاء في (روح المعاني) أن "(اتبع) بمعنى (يتبع)، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع والمعنى إنما ينفع إنذارك المؤمنين الذين اتبعوا، ويكون المراد بمن اتبع المؤمنين بالإنذار الإنذار عما يفرط منهم بعد الإتباع فلا يلزم تحصيل الحاصل، وقيل المراد من اتبع في علم الله وهم الأقلون الذين لم يحق القول عليهم (4). وقال (اتبع الذكر) ولم يقل (تبع) للدلالة على المبالغة في الاتباع والاجتهاد فيه ولذا اتبعه بقوله وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ فإن الذي يخشى الرحمن بالغيب هو متبع إتباعاً جاداً وليس إتباعاً على ضعف، والذي يبشر بمغفرة وأجر كريم هو المتبع لا مجرد التابع. فهؤلاء هم الذين يحصل معهم المقصود من الإنذار. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص30 إلى ص32 1- الكشاف 2/583 2- البحر المحيط 7/325 3- التفسير الكبير 26/47 4- روح المعاني 22/217 الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 331 إلى 340 من إجمالي 1052 نتيجة.