التدبر

٣٢٥١ سورة النحل : سورة النعم • (وَإِن تَعْدُّوا نعمة الله لا تُحْصُوهَا) • (وَمَا بِكُم مَن نَعْمَةٍ فَمِنَ الله) • ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ عرض النعم: 1- نعمة نزول الملائكة بالوحي: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل؛ آية: ٢] ، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل آية:١٠٢] 2- نعمة خلق السماوات والأرض: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل؛ آية: ٣] 3- نعمة خلق الانسان: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [النحل؛ آية: ٤] 4- نعمة خلق الأنعام: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل؛ آية: ٥] 5- نعمة تسخير وسائل النقل: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل؛ آية: ٨] 6- نعمة نزول الماء: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل؛ آية: ١٠] ، ﴿وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل آية:٦٥] 7- نعمة إنبات الزرع: ﴿يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل؛ آية: ١١] 8- نعمة تسخير الكون: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل؛ آية: ١٢] 9- نعمة تجميل الأرض: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل؛ آية: ١٣] 10- نعمة تسخير البحر: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل آية:١٤] 11- نعمة الجبال لتثبيت الأرض وحرثها والأنهار والطرق كمسالك ومنافذ: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [النحل ؛آية: ١٥] 12- نعمة خلق النجوم والدلائل والمعالم: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل آية:١٦] 13- نعمة الرسل والهداية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ [النحل آية:٣٦] 14- نعمة الرحمة والستر: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [النحل آية:٦١] 15- نعمة ألبان الأنعام: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾ [النحل آية:٦٦] 16- نعمة ثمرات النخيل والأعناب كرزق ومنافع للعباد : ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل آية:٦٧] 17- نعمة شراب عسل النحل وشفاءه للناس: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ﴾ [النحل آية:٦٩] 18- نعمة الأزواج والبنين والحفدة وجميع المآكل والمشارب والنعم التي لا تحصي: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل آية:٧٢] 19- نعمة العلم والسمع والأبصار: ﴿ َجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل آية:٧٨] 20- نعمة تسخير الطير للطيران بين السماء والأرض: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النحل آية:٧٩] 21- نعمة البيوت كمبانى وغرف للاستيطان بها والبيوت التي من جلود الأنعام خفيفة الحمل للترحال والسفر والأثاث كالمفارش والألبسة: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل آية:٨٠] 22- نعمة الظلال كظل الأشجار والجبال وغيرها، ومن الجبال مغارات وكهوف للتستر فيها، الثياب والملابس للحر والبرد والدروع للوقاية من الطعن والأذى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ [النحل آية:٨١] الوقفة كاملة
٣٢٥٢ سبب نزول الآية ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ اٰيَةٍ اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٖ مِّنْهَآ اَوْ مِثْلِهَآ﴾ [البقرة: 106] (المشار إليها في سؤالك، وهي في سياق الحديث عن النسخ) يعود إلى شبهات ومطاعن أثارها المشركون واليهود حول تغيير بعض الأحكام الشرعية في القرآن الكريم.إليك التفاصيل بناءً على ما ذكر في كتب التفسير وأسباب النزول:1. مطاعن المشركين واليهود (السبب الرئيسي):لما حسد اليهود والمشركون المسلمين على نزول القرآن وتغير بعض الأحكام (مثل تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة)، قالوا: "أترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه؟ ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً؟".ادعوا أن القرآن من عند النبي ﷺ وليس من عند الله، وأن كلامه يناقض بعضه بعضاً، حيث ينسخ حكماً بحكم آخر.2. الرد الإلهي:فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية لترد عليهم، وتوضح أن النسخ (تبديل حكم شرعي بحكم آخر) هو من الله تعالى، وأن الآيات الجديدة تأتي بما هو أنفع للمسلمين (خير منها) أو مماثلة لها في الحكمة (أو مثلها).3. أحداث مرتبطة (تغير التشريع):تغيير القبلة: كانت القبلة إلى بيت المقدس، ثم أمر الله بتحويلها إلى الكعبة، فاستغل المشركون ذلك للتشكيك.نسخ حكم الاعتداد: نسخت الآية ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً...﴾ [البقرة: 234] حكماً سابقاً كان فيه تربص الزوجة سنة كاملة (كما كان في عادات العرب)، فجاء التخفيف بأربعة أشهر وعشر.معاني كلمات في الآية:ننسخ: نزيل الحكم ونبدله بآخر.ننسها: نؤخر نسخها أو نمحها من الذاكرة والقلوب.وبذلك، جاءت الآية لتؤكد طلاقة القدرة الإلهية وحكمة الله في التشريع، وأنه لا تناقض في القرآن، بل هو تدرج في الأحكام لمصلحة العباد. الوقفة كاملة
٣٢٥٣ ۞ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) يخاطب تعالى جميع الناس، ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى اللّه من جميع الوجوه: فقراء في إيجادهم، فلولا إيجاده إياهم، لم يوجدوا. فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم [بها]، لما استعدوا لأي عمل كان. فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور، لما حصل [لهم] من الرزق والنعم شيء. فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد. فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم، لاستمرت عليهم المكاره والشدائد. فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية، وأجناس التدبير. فقراء إليه، في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يوفقهم لذلك، لهلكوا، وفسدت أرواحهم، وقلوبهم وأحوالهم. فقراء إليه، في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه، لم يتعلموا، ولولا توفيقه، لم يصلحوا. فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها. { وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } أي: الذي له الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال صفاته، وكونها كلها، صفات كمال، ونعوت وجلال. ومن غناه تعالى، أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، الحميد في ذاته، وأسمائه، لأنها حسنى، وأوصافه، لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه [الغني في حمده]. الوقفة كاملة
٣٢٥٤ محاضرة تدبر في قول الله تعالى ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) ﴾ [السَّجدَة : 12] وكيف أن الإنسان يهرب من العمل الصالح وهو متاح له ثم يتمناه يوم القيامة. محاضرة للأستاذ/ المقداد شايم باللهجة اليمنية الصعدية بكل بساطة وتواضع: https://www.facebook.com/share/v/1Hb4rnCtiE/ الوقفة كاملة

تفسير و تدارس

٣٢٥١ تفسير سورة الاعراف دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣٢٥٢ خواطر الشعراوى , سورة النساء الوقفة كاملة
٣٢٥٣ تفسير سورة الاعراف دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣٢٥٤ خواطر الشعراوى , سورة النساء الوقفة كاملة
٣٢٥٥ تفسير سورة الاعراف دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣٢٥٦ خواطر الشعراوى , سورة النساء الوقفة كاملة
٣٢٥٧ خواطر الشعراوى , سورة النساء الوقفة كاملة
٣٢٥٨ سورة الأحقاف دورة الأترجة الوقفة كاملة
٣٢٥٩ سورة الأحقاف دورة الأترجة الوقفة كاملة
٣٢٦٠ سورة الأحقاف دورة الأترجة الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٣٢٥١ برناامج لمسات بيانية سورة يس أية 71 الوقفة كاملة
٣٢٥٢ برنامج لمسات بيانية (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) أي صيرناها سهلة منقادة لا تستعصي عليهم يقودها الصبي وينيخها ولا تأبى عليه في شيء من الأشياء. ولو كانت نافرة وآبية لم ينتفع بها مالكها تمام الانتفاع. جاء في (روح المعاني): "(وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) أي وصيرناها سهلة غير مستعصية عليهم في شيء مما يريدون بها حتى الذبح حسبما ينطق به قوله تعالى"(1). وجاء في (التفسير الكبير): "وقوله (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) زيادة إنعام فإن المملوك إذا كان آبياً متمرداً لا ينفع. فلو كان الإنسان يملك الأنعام وهي نادّة صادّة لما تم الإنعام الذي في الركوب وإن كان يحصل الأكل كما في الحيوانات الوحشية بل ما كان يكمل نعمة الأكل أيضاً إلا بالتعب الذي في الاصطياد. ولعل ذلك لا يتهيأ إلا للبعض وفي البعض(2). وبهذا ذكر ما بع تمام النعمة في الأنعام فإنه ذكر خلقها لهم وتمليكها إياهم وتذليلها لهم. وهذا تمام النعمة فيها ذلك أن من الأشياء ما تكون الفائدة منها في الخلق للانتفاع بها وإن لم تكن مملوكة كخلق الشمس والقمر والنجوم والأنهار والجبال وغيرها. ومنها ما تكون الفائدة منها في الخلق والتمليك كالجنات وعيون الماء والأراضي وكثير مما يملك. ومنها ما لا تتم النعمة فيها إلا في الخلق والتمليك والتذليل وذلك كالأنعام فإن تمام النعمة لا يحصل إلا بها جميعاً. فلو كانت مخلوقة غير مملوكة لما انتفعنا بها ذلك الانتفاع، ولو كانت مخلوقة مملوكة غير مذللة لم يتم الانتفاع بها أيضاً. ولا يتم الانتفاع بها إلا بالتذليل فذكر ما به تمام النعمة فيها. (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ) الرَّكوب فّعول بمعنى مفعول أي مركوب. وفّعول بمعنى مفعول على قسمين: اسم وصفة. فالاسم نحو رسول بمعنى مرسل والنقوع لما ينقع والبخور لما يتبخر به. والوصف نحو قولهم ناقة ذلول أي مذللة وناقة أمون وهي الناقة التي يؤمن فتورها وعثورها(3). وركوب وردت في الآية اسماً وهو ما يركب من الإبل أو من كل دابة جاء في (لسان العرب): "الركوب والركوبة من الإبل التي تركب وقيل الرَّكوب كل دابة تركب"(4). وقوله (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ…) بيان لمنفعة التذليل والفاء للتفريع فهي فرعت أحكام التذليل إلى ما يركب وإلى ما يؤكل مع بيان المنافع الأخرى. جاء في (التفسير الكبير): "قوله تعالى (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) بيان لمنفعة التذليل إذ لولا التذليل لما وجدت إحدى المنفعتين وكانت الأخرى قليلة الوجود"(5). وجاء في (روح المعاني): "(فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ) فإن الفاء فيه لتفريع أحكام التذليل عليه وتفصيلها أي فبعض منها مركوبهم فركوب فعول بمعنى مفعول كحصور وحلوب"(6). ومعنى قوله (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ) أي بعضها يركب و (من) للتبعيض كما قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) - غافر (79). فالأنعام لا تركب كلها. فالبقر والغنم لا تركب وإنما تركب الإبل في حين قال (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) - النحل (8) فقال في الأنعام (لِتَرْكَبُوا مِنْهَا) وقال في الخيل والبغال والحمير (لِتَرْكَبُوهَا) لأنها كلها تركب. (وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) أي يأكلون منها كما تقول (هو يأكل من الطعام) أو يأكل من الخبز على معنى الابتداء أو على معنى التبعيض. والتبعيض ليس واقعاً على جنس من الأنعام بل على أجزاء منها أي اللحوم والشحوم. فإن أجزاء منها لا تؤكل كالجلود والصوف والشعر وغيرها مما لا يؤكل. جاء في (روح المعاني): "( وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) أي تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم ونحو ذلك فـــ (من) تبعيضية... وجوز أن تكون (من) ابتدائية وأن تكون للتبعيض مجازاً أو سببية أي تأكلون ما يحصل بسببها فإن الحبوب والثمار المأكولة تكتسب باكتراء الإبل مثلاً وأثمان نتاجها وألبانها وجلودها والأول أظهر"(7). وتقديم (من) للحصر الإضافي(8) أي أن الأنعام بالنسبة إلى ما يؤكل من ذوات اللحوم هي المعتمدة ولا يقاس غيرها بها من الطيور والسمك ولا يدخل في هذا الحصر ما يؤكل من غير اللحم كالحبوب والثمار وغيرها. جاء في (الكشاف): "فإن قلت: تقدم الظرف في قوله (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) مؤذن بالاختصاص وقد يؤكل من غيرها. قلت: الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم وأما الأكل من غيرها من الدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتمد به وكالجاري مجرى التفكه"(9). وجاء في (روح المعاني): "(وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) أي وبعض منها يأكلون لحمه. والتبعيض باعتبار الأجزاء"(10). وقد غير الأسلوب في الأكل إلى الفعلية فقال (وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) مع أنه قال قبلها (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ) بالاسمية ذلك لأن الفعل يدل على التجدد والاستمرار أي ومنها يأكلون عادة كما قال تعالى (فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ) - السجدة (27) وقال (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ) - يونس (24) فعبر عن ذلك بالفعل للدلالة على التجدد والاستمرار وأن هذا هو شأنهم. وليس كذلك الركوب. فإن الركوب خاص بقسم من الإبل مما يصلح منها للركوب أما الأكل فعام فهو يكون من جميع الأنعام ما يصلح منها للركوب وغيره. ثم إن الأكل أعم من الركوب فكل الناس يأكلون وليس كلهم يركبون، فالأكل حاجة يومية متكررة بخلاف الركوب. فاقتضى ذلك المغايرة بين الركوب والأكل. جاء في (روح المعاني)، "وغير الأسلوب لأن الأكل عام في الأنعام جميعها وكثير مستمر بخلاف المركوب"(11). وقدم الركوب على الأكل والمنافع الأخرى ههنا لأنه ذكر التذليل فقال (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) وأهم مظاهر التذليل الركوب. ألا ترى أنها لم يذكر التذليل في النحل أخر ذكر حمل الأثقال بعد ذكر المنافع والأكل. وقد تقول: إنه لم يذكر التذليل أيضاً في غافر ومع ذلك قدم الركوب على الأكل فقال تعالى (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) (79، 80). فلم ذاك؟ فنقول: لما قال (وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ)قدم الركوب وذلك لأن الكلام إنما هو على الحمل عليها وعلى الفلك. ولذلك لم يذكر الأكل في سورة الزخرف لأن السياق في النقل والركوب حصراً. قال تعالى (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) (13، 14). وهو واضح. وقد تقول: ولم ذكر الركوب في يس، وذكر حمل الأثقال في النحل ولم يذكر الركوب، فقال في يس (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ) وقال في النحل (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ) ؟ فنقول: إن كل تعبير أنسب في مكانه. ذلك أنه في يس ذكر الركوب في غير هذا الموطن فقال: (وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) . فذكر حمل الذرية وركوبهم هم. وذكر حمل الأثقال في النحل فقال (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) (14). والابتغاء من فضله هو في حمل البضائع في الفلك للتجارة وغيرها. وقال (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) (25) فهم في يوم القيامة كالأنعام يحملون أثقالهم وأثقال غيرهم. فكان كل تعبير مناسباً للسياق الذي وردت فيه الآية ومناسباً لجو السورة. ألا ترى أنه قال في النحل (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) فذكر الجمال لما ذكر الزينة بعد ذلك بقوله (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً )(8). وذكر استخراج الحلية من البحر للبس فقال (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) (14) والحلية إنما تلبس للزينة. ثم ألا ترى أنه ذكر الدفء فقال (لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ) لما ذكر السرابيل وهي الملابس التي تقي الحر والبرد وذكر الأكنان وهي ما يحتمي به الإنسان فقال. (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ) (81). فناسب كل تعبير الموضع الذي ورد فيه الوقفة كاملة
٣٢٥٣ برنامج لمسات بيانية وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) قدم الضمير العائد عليهم في الجار والمجرور (لَهُمْ) على ضمير الأنعام في قوله (فِيهَا) لأن الكلام إنما هو عليهم وهي مخلوقة لهم فهم سبب وجودها والعلة المسببة لخلقها ثم ذكر ضمير الأنعام بعد ذلك. ثم ذكر أن لهم فيها منافع عدا الركوب والأكل كالجلود والأوبار والأصواف وغيرها وكالحراثة وما إلى ذلك(1). والمشارب تعم شيئين اللبن وأدوات الشرب فإن من الجلود ما يتخذ أواني للشرب والأدوات من القرب وغيرها(2). فجمع بقوله (مَشَارِبُ) معنيين ولو قال لهم فيها شراب لم يفد إلا معنى واحداً وهو اللبن. وذكر المشارب بعد المنافع من باب ذكر الخاص بعد العام وذلك لأهميتها واعتناء العرب بها. وقدم الأكل على الشرب كما هو في سائر القرآن الكريم من تقديم الأكل على الشرب كقوله تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) الأعراف (31) وذلك لأهمية الأكل وصعوبة الحصول عليه. ولأن الأكل من الأنعام أعم من الشرب فإن الأكل يكون من إناثها وذكورها صغارها وكبارها أما الشرب فيكون من الإناث خاصة وفي حالات خاصة فقدم ما هو أهم وأعم. وقد أخر ذكر المشارب عن بقية النافع لأن ما تقدم من المنافع يمكن الانتفاع به متى شاء صاحبها إلا المشارب فإنها لا تكون إلا في وقت معين وهو وقت الإرضاع ولا يكون في غيره فأخرها لمحدودية الانتفاع بها والله أعلم. (أَفَلَا يَشْكُرُونَ) أي لا يكون ذلك سبباً لشكرهم لاستدامة النعم عليها؟ وقال ذلك بصيغة الاستفهام لأن الاستفهام في نحو هذا أدعى إلى الحث واستثارة النفوس إلى مقابلة النعم بالشكر وأدل على بيان سوء صنيعهم إن لم يفعلوا. وجاء بالفاء الدالة على السبب وذلك لأنه تقدم ما يستدعي الشكر وهو ما ذكر من النعم. وأطلق الشكر ليتناول المنعم والنعمة. كما مر بيان ذلك في آية سابقة في السورة. الوقفة كاملة
٣٢٥٤ برنامج لمسات بيانية (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ) بعد أن ذكر ما خلق لهم من الأنعام وأسبغ عليهم من النعم التي تستدعي عبادة الخالق وشكره ذكر أنهم اتخذوا من دون الله آلهة. وفي ذلك من التوبيخ والتبكيت على مقابلة الإحسان بالإساءة ما فيه. فهم بدل أن يشكروا الخالق المنعم اتخذوا من دونه آلهة عاجزة لا تضر ولا تنفع على رجاء أن ينصرهم. جاء في (التفسير الكبير): "(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ) إشارة إلى بيان زيادة ضلالهم ونهايتها فإنه كان الواجب عليهم عبادة الله شكراً لأنعمه فتركوها وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع وتوقعوا منه النصرة مع أنهم هم الناصرون لهم كما قال عنهم (حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ) وفي الحقيقة لا هي ناصرة ولا منصورة"(1). وأطلق النصر والجهة التي ينصرون عليها. فهم على أية حال يريدون النصر في كل موطن يستدعي النصر وأن ينصرونهم عند الله بأن يكونوا شفعاء لهم عنده يقربونهم إ الوقفة كاملة
٣٢٥٥ برنامج لمسات بيانية (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ) لم يقل (لا ينصرونهم) لأن ذلك قد يدل على أنهم قادرون على النصر ولكن لا يفعلون ذلك وإنما قال (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ) ليدل على عجزهم وضعفهم. (وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) قيل: المعنى أن الآلهة لا يستطيعون نصرهم وإنما هم أي عابدوهم جند لهم يدافعون عنهم وينصرونهم فهم بدل أن ينتصروا بهم صاروا جنوداً لهم يدافعون عنهم لأنهم عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم وهذا أسوأ ما يكون من خيبة الأمل وانقطاع الرجاء. جاء في (روح المعاني): "(وَهُمْ) أي أولئك المتخذون المشركون (لَهُمْ) أي لآلهتهم ( جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) أي معدون لحفظهم والذب عنهم في الدنيا"(1). وجاء في (فتح القدير): "أي والكفار جند للأصنام محضرون أي يحضرونهم في الدنيا. قال الحسن: يمنعون منهم ويدفعون عنهم. وقال قتادة: أي يغضبون لهم في الدنيا. قال الزجاج: ينتصرون للأصنام وهي لا تستطيع نصرهم. وقيل: المعنى يعبدون الآلهة ويقومون بها فهم لها بمنزلة الجند. هذه الأقوال على جعل ضمير (هُمْ) للمشركين وضمير (لَهُمْ) للآلهة"(2). وقيل: بل المعنى أنهم جند لهم أي جند للآلهة محضرون للعذاب في الآخرة وذلك أن هذه الآلهة توقد بها النار يوم القيامة فتتقدمهم إلى النار وهم يتبعونهم إليها كما يتبع الجند قائدهم. أو أن الآلهة تكون جنداً لهم محضرة للعذاب. جاء في (الكشاف): "اتخذوا الآلهة طمعاً في أن يتقووا بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر على عكس ما قدروا حيث هم جند لآلهتهم معدّون (مُحْضَرُونَ) يخدمونهم ويذبون عنهم ويغضبون لهم والآلهة لا استطاعة بهم ولا قدرة على النصر. أو اتخذوهم لينصرونهم عند الله ويشفعوا لهم والأمر على خلاف ما توهموا حيث هم يوم القيامة جند معدون لهم محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقوداً للنار"(3). وفيه معنى لطيف آخر وهو أن هذه الآلهة لا تستطيع نصرهم في حال أن لهم جنداً محضرين أي هي لا تستطيع النصر ولو كان لهم أي للآلهة جند محضرون معدون فكيف إذا لم يكن لهم ذلك؟ فلاشك أنهم سيكونون أعجز وأذل وأضعف. وعلى هذا تكون الواو واو الحال. وذكر الفخر الرازي معنى آخر: وهو أن الآلهة لا تستطيع نصرهم ولو كانت هي جنداً محضرين لنصرتهم أي حتى لو اجتمعت الآلهة وكانت جنداً معدة لنصرهم لم تستطيع أن تنصرهم فكيف إذا لم تكن كذلك؟ جاء في (التفسير الكبير) في قوله (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ). "وهو يحتمل معنيين: (أحدهما) أن يكون العابدون جنداً لما اتخذوه آلهة كما ذكرنا. (الثاني) أن يكون الأصنام جنداً للعابدين. وعلى هذا ففيه معنى لطيف وهو أنه تعالى لما قال (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ) أكدها بأهم لا يستطيعون نصرهم حال ما يكونون جنداً لهم ومحضرون(4) لنصرتهم فإن ذلك دال على عدم الاستطاعة. فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يكن متأهباً ولم يجمع أنصاره"(5). وهذه المعاني كلها محتملة صحيحة: 1- فإن الآلهة عاجزة وإن عابديهم ينصرونهم ويدفعون عنهم وهم لهم جند محضرون. 2- وأنهم وآلهتهم سيكونون محضرين للعذاب في النار. 3- وأن الآلهة لا تستطيع أن تنصرهم ولو كان لها جند محضرون معدون للنصر فكيف وهي ليست كذلك؟ 4- وهي لا تستطيع أن تنصرهم ولو اجتمعت وكانت جنداً معدين لنصرة عابديهم. فجمع هذا التعبير كل هذه المعاني. ولو غير أي لفظ عن مكانه بتقديم أو تأخير لم يؤد هذه المعاني مجتمعة. فلو قال: وهم جند محضرون لهم. أو: وهم جند لهم محضرون. أو: ولهم هم جند محضرون. وكذلك لو قيل أي تعبير آخر لم يفد هذه المعاني مجتمعة. بل ربما اختل المعنى. فكان هذا التعبير أعدل التعبيرات وأحسنها وأجمعها للمعاني المطلوبة. الوقفة كاملة
٣٢٥٦ برنامج لمسات بيانية (فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) نهاه عن أن يحزن لما يقولونه فيه وفي دعوته. فهم يقولون فيه أنه كاذب وأنه شاعر وأنه ساحر وأنه مجنون، ويقولون في دعوته أنها ضلال وإفك وكذب وافتراء إلى غير ذلك مما يتناجون به من العداوة له وحربه، فنهاه عن أن يحزن لأقوالهم. وقد أطلق القول ليشمل ما يقولونه فيه وفيما يدعو إليه. ثم أستأنف معللاً ذلك بقوله (إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) فلمّ الحزن والله يعلم سرهم وجهرهم وهو قادر على إبطال ما يظهرون أو يضمرون؟ إن (مَا) في قوله( مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) تحتمل أن تكون اسماً موصولاً أي نعلم الذي يسرونه والذي يعلنونه. وتحتمل أن تكون مصدرية أي نعلم إسرارهم وإعلانهم وهو يعلم ذلك كله إسرارهم وما يسرونه وإعلانهم وما يعلنونه. ولو قال (مَا يُسِرُّونه وَمَا يُعْلِنُونَه) لتعنيت الموصولية الاسمية ولم تحتمل المصدرية فلم يذكر العائد ليشمل المعنيين جميعاً. وأطلق الإسرار والإعلان ليشمل كل ما يسرون وكل ما يعلنون في كل أمر من الأمور. فعلمه يعم الجميع ولا يخص شيئاً دون شيء. جاء في (روح المعاني):"و (مَا) موصولة والعائد محذوف أي نعلم الذي يسرونه من العقائد الزائغة والعداوة لك ونحو ذلك والذي يعلنونه من كلمات الإشراك والتكذيب ونحوها. وجوز أن تكون مصدرية أي نعلم إسرارهم وإعلانهم والمفعول محذوف. أو الفعلان منزلان منزلة اللازم. والمتبادر الأول وهو الأولى"(1). وقد قدم السر على الإعلان، قيل لأن مرتبة السر مقدمة على مرتبة العلن لأن السر يسبق الإعلان فهو علة لما يفعله الإنسان والعلة مقدمة على المعلول. وقيل إن العلم بالسر يدل على الإحاطة بالمعلومات كلها فمن كان يعلم السر فهو يعلم العلن من باب أولى. وقيل غير ذلك. جاء في (روح المعاني): "وتقديم السر على العلن لبيان إحاطة علمه سبحانه بحيث أن علم السر عنده كأنه أقدم من علم المعلن. وقيل لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء معلن إلا هو أو مباديه مضمر في القلب قبل ذلك. فتعلق علمه بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة. وقيل للإشارة إلى الاهتمام بإصلاح الباطن فإنه ملاك الأمر ولأنه محل الاشتباه المحتاج للبيان"(2). والملاحظ في القرآن الكريم أنه لا يقتصر على تقديم السر فهو كما يقدم السر على الإعلان قد يقدم الجهر على الإخفاء وذلك نحو قوله تعالى (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى-) الأعلى (7) وقوله (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ) الأنبياء (110) وقوله (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) البقرة (284). وهو أحياناً يكتفي بذكر أحدهما دون الآخر فقد يكتفي بذكر الإسرار مثلاً كما قال تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) محمد (26). وقد يكتفي بذكر الأمور الظاهرة كذكر العمل والصنع ونحوهما وذلك كقوله تعالى (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) محمد (26). وقد يكتفي بذكر الأمور الظاهرة كذكر العمل والصنع ونحوهما وذلك كقوله تعالى (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)) البقرة (96) وقوله (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)النور (30) وكل ذلك بحسب ما يقتضيه المقام. وقد قيل في تقديم الإخفاء على الإعلان أو الإعلان على الإخفاء أنه إذا تقدم الكلام على المنافقين أو الكفار قدم الإخفاء وإذا تقدم ذكر المؤمنين قدم الإبداء وهذا مطرد في جميع ما ورد من القرآن الكريم. جاء في (ملاك التأويل) في قوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) - البقرة (284) "أما آية البقرة فلم يجر فيها ذكر النفاق ولا صفة أهله وإنما الخطاب فيها وفي آية الدين قبلها وفيما أعقبت به بعد للمؤمنين فيما يخصهم من الأحكام فورد فيها قوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ )فقدم فيها بادي أعمالهم بناء على سلامة بواطنهم وتنزهم عن صفة المنافقين. ومنه قوله تعالى ( مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ )المائدة (99) فتقدم ذكر ما يبدونه لأنه خطاب للمؤمنين. وهذا جار مطرد فيما يلحق بها الضرب كما أن المراد بالبدء بالإخفاء على الإعلان حيث يتقدم ذكره أهل الكفر وينتظم الكلام بذكرهم كقوله تعالى (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) بعد قوله تعالى (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) وكقوله تعالى (مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) بعد قوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) التغابن (2) وكقوله تعالى ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ) وقد تقدمها قوله تعالى (أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ) النمل (67). فاطرد ما ذكرناه من الطرفين على رعي الإيمان والنفاق. وجاء كل على ما يجب ويناسب"(2). وهذه ملاحظة صحيحة تتبعتها في مواطن قوله تعالى (مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ )وقد وردت في أربعة مواضع من القرآن الكريم وهي(البقرة (77)، هود (5)،النحل (23)، يس (76). وهذه المواطن خاصة بذكر الكافرين. وقد ورد قوله تعالى (مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) بالخطاب في موطنين وهما قوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)النحل (19). وقوله (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) التغابن (4) وهما ليسا مختصين بالكافرين وإنما هما من المواطن التي تشمل عموم بني آدم وإن كان قد جرى فيها ذكر الكافرين. أما آية النحل فقد وقعت في سياق تعداد النعم على الإنسان وهي قوله (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ...) وتستمر إلى قوله (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا... وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ)… إلى أن يقول: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19). فأنت ترى أنها ذكرت في سياق تعداد النعم. إلا أن الملاحظ أن السياق بدأ في الكلام على المشركين والشرك فقد بدأت السورة بقوله ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وبدأت الآيات بقوله (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا.. الآيات. فهي إذن ذكرت بعد ذكر الإنسان الخصيم لربه المشرك به. ثم يأتي في عقب ذلك مباشرة قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) ويستمر في الكلام على الكفار. وعلى هذا بكون الآية وقعت في سياق الكلام على المشركين والكافرين ولم يرد فيها ذكر للمؤمنين. وأما آية التغابن فقد وقعت في السياق الآتي: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (2 – 4). فالسياق لم يختص بالكلام على الكافرين إلا أنه جرى بعدها مباشرة ذكر الكافرين فقال: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (5 – 7). فتكون قد وقعت في سياق الكافرين سواء تقدمها ذكر الكافرين أم وقع في عقبها. وعلى أية حال تكون الملاحظة صحيحة فكل ما تقدم فيه السر على العلن كان في سياق الكلام على الكافرين سواء تقدم الآية أم كان في عقبها. غير أنه مع هذا الخط العام للتقديم والتأخير يكون التقديم والتأخير مناسباً للسياق الذي ترد فيه الآية. فقوله تعالى مثلاً (إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ) إنما قدم الإبداء فيه على الإخفاء لقوله تعالى ( يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) فإن الحساب يكون على ما يبديه الإنسان ويفعله لا على ما يدور في نفسه من خواطر فإن ذلك ليس بوسع الإنسان أن يمنعه. "ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة رضي الله عنهم وخافوا منها ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها"(3). وورد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم وغيره أنه لما نزلت هذه الآية على رسول الله ( اشتد ذلك على أصحاب رسول الله فأتوا رسول الله ثم جثوا على الركب وقالوا يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله (: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". فلما أقرّبها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) فلم فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ... إلى أخره(4). وكذلك قوله تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ) الأنبياء (110) فإنه قدم الجهر على الكتمان وذلك لما تقدم قبلها قوله تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ ) والإيذان هو الإعلام والإشهار وذلك لا يكون إلا جهراً. وقوله (عَلَى سَوَاءٍ) يعني "مستوين في الإعلام به لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم وقشر العصا عن لحائه"(5) وذلك كله جهر فناسب تقديمه. ونحوه قوله تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ) الأعلى (7) فقد قدم الجهر وذلك لتقدم قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) والإقراء لا يكون إلا جهراً بخلاف القراءة فقد تكون سراً وجهراً. فناسب تقديم الجهر. والمقصود أنه إضافة إلى الخط العام الذي ذكرناه في تقديم السر على العلن فإن السياق الذي ترد فيه الآية يقتضي ذلك أيضاً. أما الاكتفاء بأحدهما دون الآخر فذلك ما يقتضيه المقام أيضاً وذلك نحو قوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) - محمد (26). وذلك لأن السياق والمقام يقتضان ذلك، فقد قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) ولم يقل (وجهرهم) ذلك لأنه ذكر ما جهروا به وهو قولهم (سنطيعكم في بعض الأمر) غير أنهم لم يذكروا الأمر الذي يطيعونهم فيه ولم يبينوه وإنما أسروه فقال (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) أي لا يخفي عليه ما أسروه. فذكر ما يحتاج إليه المقام والله أعلم. الوقفة كاملة
٣٢٥٧ برنامج لمسات بيانية * مسألة البقرة وذبح البقرة كما جاء في قصة سيدنا موسى عليه السلام في سورة البقرة هل وصف البقرة كان جملة واحدة أم على فترات مختلفة؟ في الأثر أنهم لو ذبحوا أي بقرة كانت تجزئهم من دون وصف لكنهم شددوا فشدد الله عليهم. إذن هي في الأصل يأمرهم أن يذبحوا أي بقرة (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً (67) البقرة) لكنهم شددوا (فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ (68)) يبدو أنهم تمادوا وتطاولوا إلى أن قال (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (71)). إذن المسألة أن الأوصاف كانت تنزل بناء على أسئلتهم، يشددون فيشدد الله عليهم. الوقفة كاملة
٣٢٥٨ برنامج لمسات بيانية سورة النساء أية 15 الوقفة كاملة
٣٢٥٩ برنامج لمسات بيانية آية (26): *ما اللمسة البيانية في تقديم الأكل على الشرب في سورة مريم (فكلي واشربي وقرّي عينا)؟ (د.فاضل السامرائى) نلاحظ الآية قبلها في سورة مريم (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً {24} وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً {25}‏ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً {26}). فقد وردت كلمة السري وهي تعني السيّد وجمعها سُراة أي السادة ، وهي بمعنى أن الله تعالى قد جعلك تحتك سيّدا. أما التقديم والتأخير في الأكل والشرب فنلاحظ أنه في القرآن كله حيثما اجتمع الأكل والشرب قدّم تعالى الأكل على الشرب حتى في الجنّة (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) و(كلوا واشربوا من رزق الله) والسبب أن الحصول على الأكل أصعب من الحصول على الشرب. * في سورة مريم قال تعالى (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)) ولكن لم تنساق مريم لأمر الله (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ (29)). كيف نفهم هذا؟ (د. فاضل السامرائي) هي لو تكلمت لم تكن صائمة، كيف تقول إني نذرت للرحمن صوماً وهي تتكلم؟! هذا أمر. والأمر الآخر أن الإشارة عند العرب قول، القول عندهم جميع الأفعال، كلمة قول عند العرب تكون بمعنى الاعتقاد "هو يقول بقول أبي حنيفة" يعني باعتقاده. وتكون بمعنى الحركة تقول العرب "قال برأسه هكذا فنطحني: يعني تحرك. "فقال عليّ الماء" يعني صبّ عليّ الماء. يقولون (قال) عامة حتى قالوا هي تستعمل في جميع الأفعال. *ليس القول الكلام الذي يخرج من اللسان؟ هذا واحد من معانيها مشهور لكن العرب تستعمله في معاني أخرى. فقوله تعالى (فَقُولِي) يعني بما يفهمون لأنه لو تكلمت ما كانت صائمة، الإشارة قول عند العرب. *لو تشير هكذا كأنها قالت؟ نعم. يقولون قال بيده الماء يعني صبّ الماء، قال هكذا برأسه *ولهذا لا تعارض، (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) وإذا قالت تُفطر العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال *الإشارة برأسها تنتهي. استطراد جانبي هل الصوم بمعنى عدم الكلام؟ عن عقيدة؟ شريعة من قبلنا. الوقفة كاملة
٣٢٦٠ برنامج لمسات بيانية آية (84) : * القرآن الكريم مرة يستخدم أتى ومرة يستخدم جاء فما الفرق بين أتى وجاء خصوصاً في الايات المتقاربة مثل قوله تعالى (إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) الصافات) (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) الشعراء) (أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ (1) النحل) (فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ (78) غافر)؟ نفس المعنى تقريباً لكن اختلاف الفعل أتى وجاء فلماذا؟(د.فاضل السامرائى) ذهب بعض أهل اللغة أن الإتيان هو المجيء بسهولة والمجيء عام ويستعمل لما هو أصعب وأشق. فيه صعوبة ومشقة. لكن هذه الأمثلة (إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) الصافات) (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) الشعراء) نضع كل واحدة في مشهدها وفي سياقها. قال في الصافات الي ورد فيها (جاء) (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ﴿٨٣﴾ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿٨٤﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴿٨٥﴾) إلى أن قال (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ﴿٩٧﴾) ثم ذكر (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)) وأمره بذبحه وهمّ بذلك إلى أن قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ (106))، هذه (إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ). بينما الأخرى في الشعراء (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴿٨٧﴾ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿٨٨﴾ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿٨٩﴾ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٩٠﴾) ليس فيها ما ذكره في الصافات ذاك مجيء فيه مشقة. وما ذكره بعدها من ذبح ولده، هذا بلاء مبين، ذاك مجيء اختلف. لذلك الأمر الشاق الصعب الذي انتهى (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) قال (جاء). الأمر الثاني قال (أتى) أيّ المجيئين أشق؟ قال (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) حتى نلاحظ (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا (73) الزمر) قال (جاؤوها) التي هي الجنة، وتلك (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿٨٩﴾ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٩٠﴾ الشعراء) هم نفسهم. لكن لو لاحظت في الزمر ذكر النفخة والصعقة والمجيء بالنبيين والشهداء والقضاء بينهم ولم يذكر هذا في الصافات. هذا أمر. والأمر الآخر قال ربنا (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) تلك (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ)، أوولئك يذهبون للجنة والثانية الجنة تأتيهم، أيُّها الاسهل؟ أن يؤتى بالجنة، قال (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) والأخرى (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) سيق فيها صعوبة، أما هذه قُرّبت لهم فاستعمل فيما هو أشق (جاؤوها). حتى الآية التي ذكرتها (أَتَى أَمْرُ اللّهِ (1) النحل) والأخرى (فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ (78) غافر) لو أكملنا الآية الأولى (أتى أمر الله تستعجلوه) هو لم يأتي إنما قرُب. الآية الأخرى (فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ) هذا واقع وذاك لم يقع بعد. ذاك مجيء وخسران، أيّ المجيئين أشد؟ فاستعمل أتى لما هو أخف وأيسر وجاء لما هو أشق. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 3251 إلى 3260 من إجمالي 26698 نتيجة.