تفسير و تدارس

٣١١ تفسير محمد العثيمين سورة الفجر الوقفة كاملة
٣١٢ تفسير محمد العثيمين سورة الانسان الوقفة كاملة
٣١٣ تفسير محمد العثيمين سورة الذاريات الوقفة كاملة
٣١٤ تفسير محمد العثيمين سورة عبس الوقفة كاملة
٣١٥ تفسير محمد العثيمين سورة الحديد الوقفة كاملة
٣١٦ تفسير محمد العثيمين سورة النبأ الوقفة كاملة
٣١٧ تفسير محمد العثيمين سورة التكوير الوقفة كاملة
٣١٨ تفسير محمد العثيمين سورة النجم الوقفة كاملة
٣١٩ تفسير محمد العثيمين سورة الكهف الوقفة كاملة
٣٢٠ تفسير محمد العثيمين سورة الغاشية الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٣١١ سؤال : ما الفرق بين الوفاة والموت ؟ الجواب : الوفاة تأتي بمعني الموت , وتأتي بمعني النوم ؟ قال تعالي : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } [ الزمر : 42 ] . وقال : { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ } [ الانعام : 60 ] . فسمي النوم توفيا . جاء في ( مفردات الراغب ) : " وقد عبر عن الموت والنوم بالتوفي , قال تعالي : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا } , { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ } . وجاء في ( لسان العرب ) : " وأما توفي النائم فهو استيفاء عقله وتمييزه إلي أن ينام " . وأما الموت فهو نقيض الحياة . جاء في ( روح المعاني ) في قوله : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا } : " { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ } أي : يقبضها عن الأبدان ؛ بأن يقطع تعلقها تعلق التصرف فيها عنها. { حِينَ مَوْتِهَا } أي : في وقت موتها ... { وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا } بأن يقطع سبحانه تعلقها بالأبدان تعلق التصرف فيها عنها أيضا . فتوفي الأنفس حين الموت وتوفيها في وقت النوم بمعني قبضها عن الابدان , وقطع تعلقها بها تعلق التصرف. إلا أن توفيها حين الموت قطع تعلقها بها تعلق التصرف ظاهرا وباطنا , و توفيها وقت النوم قطع لذلك ظاهرا فقط , وسلب الحركات الاختيارية وغيرها " . وجاء في ( روح المعاني ) في قوله : { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ } " حيث لا تميزون ولا تتصرفون كما أن الموتي كذلك " . وقد استعمل القرآن الموت عاما في الانسان والحيوان والنبات . قال تعالي : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } [ الزمر : 30 ] . وقال : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً } [ البقرة : 260 ] . فاستعمل الموت للطير . واستعمله للارض , فقال في آيات عدة : { فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [ البقرة : 164 ] . وقال : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً [48] لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } [ البقرة : 48 – 49 ] . ولم يستعمل التوفي إلا للانسان . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الجزء الثاني ص : 134) الوقفة كاملة
٣١٢ برنامج لمسات بيانية سورة القصص أية 26 الوقفة كاملة
٣١٣ سورة البقرة آية 263 الوقفة كاملة
٣١٤ سورة البقرة آية 267 الوقفة كاملة
٣١٥ برنامج لمسات بيانية قال تعالي في سورة النبأ : { وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً } [ النبأ : 28 ] . وقال في سورة البروج : { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ } [ البروج : 19 ] . سؤال : لم قال في سورة النبأ : ( كذاب ) , وقال في سورة البروج : ( تكذيب ) ؟ الجواب : من معاني ( الكذاب ) التكذيب والكذب , يقال : ( كذب بالأمر تكذيبا وكذابا ) و ( وكذب الرجل كذابا ) . وقد يستعمل ( الكذاب ) للافراط في التكذيب أو الكذب . ومن النظر في السياقين تتبين مناسبة اختيار كل من المصدرين . قال تعالي في سورة النبأ : { إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً [21] لِلْطَّاغِينَ مَآباً [22] لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً [23] لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً [24] إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً [25] جَزَاء وِفَاقاً [26] إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً [27] وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً [28] وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً [29] فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً [30]} [ النبأ : 21 – 30 ] , وقال في سورة البروج : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [17] فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ [18] بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ [19] وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ [20]} [ البروج : 17 – 20 ] . وقد ذكرنا أن من معاني ( الكذاب ) المبالغة في التكذيب والافراط فيه .وقد ذكر في سورة النبأ من الصفات ما زاد علي ما في البروج : 1- فقد ذكر أنهم طاغون " { لِلْطَّاغِينَ مَآباً } . 2- وأنهم كانوا لا يرجون حسابا . 3- وأنهم كذبوا بآيات الله كذابا . 4- وإن ( كذابا ) في الآية إنما هو مفعول مطلق مؤكد لفعله , فاكد تكذيبهم بالمصدر المؤكد . ولم يقل في سورة البروج إلا قوله : { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ } . فلما زاد في النبأ علي ما في البروج من الوصف بالطغيان والتفصيل في الكفر , جاء بالمصدر ما يدل علي المبالغة وأكد به فعله ( كذبوا ) . فناسب كل تعبير موضعه وسياقه . ومن لطيف السياق أنه لما قال في البروج : { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ } أي : ساقطون فيه , وإن التكذيب محيط بهم ناسب أن يقول : { وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ }. فالتكذيب محيط بهم والله محيط بالجميع . ومن لطيف الاستعمال للكذاب أيضا , أنه قال في سورة النبأ : { لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً } [ النبأ : 35 ] ولم يقل ( ولا تكذيبا ) أو ( ولا كذبا ) ؛ لأن الكذاب يكون بمعني الكذب وبمعني التكذيب . فجمع المعنيين في التعبير ؛ أي : لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا ولا تكذيبا , فنفي الكذب التكذيب . وهو من لطيف التوسع في المعني . (أسئلة بيانية في القرآن الكريم الوقفة كاملة
٣١٦ برنامج لمسات بيانية (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) * ما معنى حق القول؟ حق القول في القرآن معناه ثبت لهم العذاب. القول هو قوله تعالى (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة). كلمة حق القول إشارة إلى حق القول مني. الذي ورد في القرآن الكريم طبعاً عموم النحاة كلهم يذكرون أن حق القول المقصود به (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة) أو (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) ص) حق القول في القرآن الكريم وكذلك حقت الكلمة لم ترد إلا في ثبوت العذاب هذا يمتد في جميع القرآن استقصاء بإلا بمعنى وجب لهم العذاب أو ثبت لهم العذاب مثال (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) القصص) (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) فصلت) (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) الأحقاف) (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة) (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) يس) (لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) يس) (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) الصافات) (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ (19) الزمر) (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) الزمر) (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) غافر) (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (97) يونس) (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (33) يونس) كلها لم ترد في القرآن لم ترد إلا بهذا المعنى وهذه الدلالة، حق القول أو حقت الكلمة لم ترد إلا بهذه الدلالة. (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) ذكرنا في الآية الكريمة معنى حق القول قلنا أنه ثبت لهم العذاب ووجب لهم العذاب كما في (حقت كلمة ربك) كما ذكرنا في حينها، وقال (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) ما قال فهم لم يؤمنوا ولم يقل فهم غير مؤمنين، فهم لا يؤمنون يعني في المستقبل، حق القول ثبت العذاب أنهم لا يؤمنون طالما ثبت العذاب عليهم وحقّ ووجب ولو آمنوا في المستقبل لما حق القول، وهذا ما حصل فإن أكثرهم لم يؤمنوا. * ربنا يستشهد بعضهم هنا أن الإنسان لا دخل له؟ ليس للإنسان، هو يتكلم عن كفار قريش عن فئة محددة (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) الكلام إخبار عن أمر معين في مجموعة معينة في قريش وهذا ما حصل فإن أكثرهم لم يؤمنوا وهذا يعتبر إعجازاً لأنه إخبار بشيء قبل حصوله وحصل وهذا يؤيد جانب النبي  ونبوّته لأنه لو آمن أكثرهم لكُذِّبت هذه الآية، هو ما قال فهم لم يؤمنوا هذا كلام عن الماضي لم يؤمن ولكن قد يؤمن في المستقبل، لم يقل فهم غير مؤمنين الإخبار عن لحال غير مؤمنين في الحال لكن قد يؤمنون في المستقبل وإنما قال (فهم لا يؤمنون) إذن هو إخبار (لقد) لام القسم وجواب القسم وقد التحقيق (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) يعني هذا الأمر مفروغ منه، هذا الأمر مقسم عليه وهذا إخبار بالغيب قبل وقوعه وهذا من الأدلة الكثيرة على صدق الرسول . وقال (أكثرهم) للدقة لأن قسم منهم آمنوا وهم قِلّة. * وبرّر أنهم لا يؤمنون؟ ليس فقط لم يؤمنوا لكن أحب أن أذكر أمراً آخر: في القرآن الكريم هذا التعبير (حق القول) أو (حقت الكلمة) هذه لم ترد في ثبوت العذاب في القرآن الكريم، كلمة (حق القول) أو حق عليهم القول أو حقت كلمة ربك لم تأتي إلا بثبوت العذاب. مثلاً (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) القصص) حق عليهم العذاب، (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) فصلت) (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) الأحقاف) (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) يس) (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) الاسراء) (لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (72) يس) (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) الصافات) (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ (19) الزمر) (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) الزمر) (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (33) يونس) (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97) يونس) و (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) غافر). نأتي إلى ما ذكرته الآن (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) يس) لم يقل فلم يؤمنوا، هو الآن إخبار بما سيكون لهم في المستقبل وهذا إعجاز إخبار بالأمر قبل أن يقع. * حق القول فيها عذاب؟ (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) هؤلاء قومك أكثرهم لا يؤمنون حق على أكثرهم فهم لا يؤمنون وفعلاً أكثرهم ماتوا على الكفر. * حتى نطمئن ونهدأ بالاً العبرة هنا بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟ هل هذه فئة معينة من الناس؟ (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) هو يتكلم عن هؤلاء تحديداً (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) وأكثرهم مات على الكفر. لم يقل فهم لم يؤمنوا لو قالها بالماضي يكون إخبار عن أمر وقع، ولم يقل فهم غير مؤمنين. * ألا يُحتج بأن ذلك كتبه الله تبارك وتعالى عليهم وسطّره في قرآنه؟ علِم بذلك، هذا إخبار عن علمه سبحانه وتعالى كما أخبر عن علمه بما سيقع في المستقبل وأخبرهم كما قال (غُلِبَتِ الرُّومُ (2) الروم) وما إلى ذلك من أخبار أخبر بها أنها ستقع ووقعت. * العبرة أنه سبق في علمه تبارك وتعالى، ما كتب هذا بداية وأوقعه على الناس. لا، الآن أخبره بعلمه سبحانه وتعالى وهذا قد تحقق فهذا من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أنه أخبر به ووقع فيما بعد فهذا من الإعجاز. * إذن نظرنا إلى هذه الآية (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) نجد القول تقدّم الجار والمجرور في قوله تبارك وتعالى (عَلَى أَكْثَرِهِمْ) مع أننا نجد أنه ربما يحدث العكس في قوله تبارك وتعالى (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم (25) فصلت) أو (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) يونس) فما سر التقديم والتأخير في هذه الآية؟ في آية سورة يس قدّم القول على الجار والمجرور (أكثرهم) وفي مواطن أخرى قدّم الجار والمجرور فقال (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ (25) فصلت) (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) يونس) التقديم والتأخير كما هو مقرر في علم البلاغة حسب العناية، السياق، ما كانت العناية به أكثر هو مدار التقديم والتأخير عليه، يقدم ما كان مدار العناية إذا كان الاهتمام بالقول أكثر قدم القول وإذا كان الاهتمام بمن حق عليهم القول أكثر يقدم من حق عليهم القول (عليهم). إذن إذا كان الاهتمام بالقول يقدم القول وإذا كان الاهتمام بمن حق عليهم القول بالأشخاص، بالمجموعة يقدّم (عليهم). مثال: قال تعالى (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) فصلت) قدّم (عليهم) من حق عليهم القول لأن سياق الناس فيمن حق عليهم القول الأقوام الذين حق عليهم القول الكلام على أعداء الله ابتداءً في عشر آيات في هذا السياق من الآيات 19 إلى 29 في سورة فصلت (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) الكلام كله عمن حق عليهم القول (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)) كل الكلام على أعداء الله وليس هناك كلام عن القول أو من قال (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)) إلى أن يقول (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)) السياق كله فيمن حق عليهم القول، في أعداء الله إذن ناسب تقديم (عليهم). في حين قال (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (33) يونس) قدم (كلمة) على الجار والمجرور لأن الاهتمام ليس منصرفاً إلى هؤلاء وإنما الكلام على الله صاحب الكلمة ونعمه واستحقاقه للعبادة فناسب تقديم (كلمة) نذكر السياق (فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)) الكلام عن الله سبحانه وتعالى (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)) الكلام عن الله فذكر كلمته، (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35)) فلما كان الكلام عن الله واستحقاقه للعبادة قدّم (كلمة) ولما كان الكلام على أعداء الله قدّمهم. في آية يس (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) قدّم القول لأنه لم يقل فيهم إلا (فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) والباقي كله ما يفعله الله يعني استحقاق هذه الكلمة أنه جعل في أعناقهم وجعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً، فِعْل ربنا بما تستحقه الكلمة فإذن كل تعبير في مكانه المناسب. حقّ القول يعني ثبت لهم العذاب. * قد يقول قائل حتى في اللغة خارج القرآن محمد بالداخل أو بالداخل محمد، المهم أن محمد بالداخل فما الفرق بين السياقين؟ من الناحية البلاغية أو من مجرد الإفهام العام؟ أنا لو أخطئ في اللغة الآن وأقول حضر محمداً ومحمد حضر فتقول لو قلت محمدٌ!. إذن لا بد أولاً أن تجري على سنن اللغة وليس على مجرد الإفهام العام. حضر محمداً لا تصير على هذا، لا يجوز مع أن السامع يفهم المقصود أن محمد حضر. * خرق الثوبُ المسمارَ، هذا شاهد نحوي؟ عند بعض أهل اللغة هذه لا تقال إلا فيما يتضح فيه الفاعل قطعاً، عند أمن اللبس، (ورد الحوضُ الفرسَ) عند أولئك يجوز هذه لغة خاصة العرب لم يستعملوها وإنما استعملها قوم من العرب قِلّة ولم يستعملوها إلا فيما أُمن فيه اللبس فقط ما استعملوا أكرم محمد خالد. * عندما نقول ضرب موسى عيسى فمن الذي ضرب؟ هنا يجب تقديم الفاعل إذا لم يتبين الفاعل من المفعول إلتزم تقديم الفاعل وتأخير المفعول هذا قاعدة، هذا من حيث اللغة. "أكرم أخي صديقي" من الذي أكرم؟ المقدّم قطعاً هو الفاعل. من حيث الدلالة اللغوية الحقيقية أما أن يتكلم كلاماً هكذا، محمد في الداخل هذا إخبار والمخاطَب خال الذهن لا يعلم أين محمد، في الداخل محمد هو يظن أنه ليس في الداخل وإنما في مكان آخر، هذا جواب لسؤال أين محمد؟ محمدٌ في الداخل هو يسأل عن مكانه فقدّم المكان. أين محمد؟ محمد في الداخل، ذاك إخبار أولي تخبره إخباراً. في الداخل محمد قد يظن أنه في المدرسة وليس في داخل البيت قد يظن أنه في السوق، إذا كان المبتدأ معرفة أما إذا كان نكرة فيجب تقديم الجار والمجرور (ولا يجوز الابتدا بالنكرة ما لم تفد). * إذن يمكن أن نستقرئ مسرح الحالة من خلال الكلمات المكتوبة؟ نستقرأ حال التصور الذهني للمتحدثين والمخاطبين من خلال ما قيل من كلام؟ وعلى هذا النحو جاء القرآن الكريم يقدم ويؤخر؟ صح. وعلى هذا النحو جاء القرآن الكريم لأن هذا من الناحية البلاغية تغني عن النغمة الصوتية لأن أحياناً النغمة الصوتية تؤدي معنى معيناً. من عناصر الجملة النغمة الصوتية، القدامى فطنوا لها يقول إبن جنّي محمد عــالم يمد الألف ويقولون محمد عالم عنده علم قليل، يقولون (عنده علم) يفخمون الصوت في (عنده) للدلالة على علمه الكبير بينما يقولون (عنده علم) بدون تفخيم للدلالة على علمه القليل. *إذن هنالك بعض الرسائل التي تقول الدعـــاء أعذب نهر جرى، هذا له صدى في الدراسات القديمة؟ يقولون سألنا فلاناً فوجدناه إنســاناً (بمد الألف وتفخيم الصوت). نحن نقرأ القرآن بما ورد إلينا من قواعد. * سياق الآية يدلنا دلالة كاملة؟ يغني لأن القراءة ليست فقط تخاطب وإنما كتابة، التخاطب يكون بين اثنين موجودين، المكتوب الآن أكثر من المسموع فاللغة العربية تعطيك المعنى بهذه الجوانب التقديم والتأخير والقطع وما إلى ذلك وهذه المعاني تعطيك المقصود بينما في اللغات الأخرى ليس فيها تقديم وتأخير. الوقفة كاملة
٣١٧ برنامج لمسات بيانية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13) المجادلة) ما دلالة الاختلاف في استعمال إن وإذ في الآيتين؟ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12)) هذه شرطية تفيد الاستقبال، (إذ) للماضي (أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)) (فإن لم تجدوا) هذه للمستقبل أما (فإذ لم تفعلوا) للماضي لأن إذ للماضي في أكثرها وإن للمستقبل. يذكرهم (فإن لم تجدوا) في المستقبل، إذا لم تجد فإن الله غفور رحيم. هنا في الماضي (أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا) إذا كنتم لم تعملوه أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وتاب الله عليهم، تاب الله عليه تعني أنه لم يفعل. (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) لأنكم لم تفعلوا، لم يقدموا، ناجوا ولم يقدموا. * يعني إن للمستقبل (فإن لم)، (إذ) للماضي (وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ (86) الأعراف) (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ (26) الأنفال) ماضي، (إذ) في أغلب أحوالها للماضي. (إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا 9) الأحزاب) ؟ ماضي، أمر ماضي. (أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) أنتم ما فعلتم، ناجيتم ولم تقدموا فتاب الله عليكم. * إنما (إن) للمستقبل. ربما (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (9) الحجرات) فيها مستقبل. الوقفة كاملة
٣١٨ برنامج لمسات بيانية آية (15): (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15)) فكرة عامة عن الآية: (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) أي كيف اختصكم الله بالوحي دوننا ونحن بشر وأنتم بشر؟ وفي هذا القول تكذيب لهم وإنكار للنبوات على العموم وقد فصل ما تضمنته هذه العبارة من تكذيب للمرسلين وإنكار للنبوات بقوله بعد (ما أنزل الرحمن من شيء) فإن هذا القول يعني إنكار النبوات وبقوله (إن أنتم إلا تكذبون) تكذيب لهم خاصة. فذكر الأمر العام الذي يتضمن الأمرين ثم ذكر كل أمر مما تضمنته العبارة وهذا الإنكار شأن كثير من الأمم السالفة فإنهم أنكروا أن ينزل الله على بشر من شيء، جاء في تفسير ابن كثير في قوله (ما أنتم إلا بشر مثلنا) :"أي فكيف أوحي إليكم وأنتم بشرو ونحن بشر فلم لا أوحي إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة. وهذه شبهة كثيرة في الأمم المكذبة كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله عز وجل (ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا) أي استعجبوا من ذلك وأنكروه وقوله تعالى (قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فائتونا بسلطان مبين) وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله عز وجل (ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذا لخاسرون ) وقوله تعالى (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً )". وقد تقول ولم لم يكتف بقوله (ما أنتم مثلنا) وقد ذكرت أنه يتضمن معنى ما بعده؟ والجواب أنه ليس المقصود من قولهم هذا إثبات بشرية الرسل فإن هذا لم ينازعهم فيه أحد وإنما المقصود إنكار النبوات وتكذيبهم فأوضحوا المقصود وأبانوا عن معتقدهم. ودفعا لحجة الرسل الذين سيحتجون عليهم بقولهم: نعم نحن بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده فيختصه بالرسالة وإن كوننا بشراً لا يمنع من أن يوحي إلينا ربنا وما إلى ذلك من الحجج التي تبين أنه لا مانع من أن يكون البشر رسولاً وأنه لو أرسل ربنا ملكاً لجعله رجلاً ولالتبس عليهم الأمر أيضاً فأبانوا عن معتقدهم بقولهم (وما أنزل الرحمن من شيء) ثم بينوا رأيهم في هؤلاء الرسل فقالوا (إن أنتم إلا تكذبون). وهذه العبارة الأخيرة تعني تكذيب الرسل وعدم الإيمان لهم حتى لو كان الرحمن أنزل شيئاً لأنهم كاذبون فيما يرون. (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ) : هذا القول يعني أنهم يؤمنون بالله وينكرون النبوات وهذا شأن كثير من المجتمعات البشرية التي حكى عنها في القرآن نحو قوله (ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة) وقوله (أبعث الله وبشراً رسولا) ومثلهم قوم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم يؤمنون بالله وينكرون النبوات. قال تعالى (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله (61) العنكبوت). وقال (وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا بشر مثلكم (3) الأنبياء) وقال (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب (2) ق). جاء في روح المعاني :" وظاهر هذا القول يقتضي إقرارهم بالألوهية لكنهم ينكرون الرسالة ويتوسلون بالأصنام". قال الفخر الرازي : "وقوله (الرحمن) إشارة إلى الرد عليهم لأن الله لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن؟ فقال إنهم قالوا: ما أنزل الرحمن شيئاً وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئاً هو الرحمة الكاملة؟". *هنا قال (وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ) هل (ما) هنا نافية؟ أن الله ما نزّل شيئاً؟ نعم. (من شيء) أصلاً.هذه تفيد التوكيد وتسمى (من) الاستغراقية، * ألا يمكن قول ما أنزل الرحمن شيئاً؟ (من شيء) آكد وأبلغ واستغراق أبداً مطلقاً لا هذا ولا سابقاً. *لم قال ههنا (وما أنزل الرحمن من شيء) فأسند الفعل إلى الرحمن وقال في سورة الملك (وقلنا ما نزل الله من شيء (9) الملك). وفي سورة الأنعام (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء (91) الأنعام) بإسناد الفعل إلى الله؟ نقول إن كل تعبير هو الأنسب في مكانه. فأما في سورة الملك فإنه يشيع فيها ذكر العذاب ومعاقبة الكفار فقد ذكر فيها مشهداً من مشاهد الذين كفروا في النار وسؤالهم عن النذر التي جاءتهم وذلك قوله (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)) ثم حذر عباده من عقوبته وبطشه في الدنيا وألا يأمنوا عذابه من فوقهم أو من تحت أرجلهم وأن يعتبروا بما فعله ربنا مع الأقوام الهالكة (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18)) ثم حذرهم مرة أخرى وهددهم بقوله (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21)) وعاد مرة أخرى فذكر إنكار الكفار ليوم النشور واستبعادهم له وحذرهم من عقوبات رب العالمين في الدنيا والآخرة فقال (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)) وإزاء كل هذا التحذير والتخويف وذكر مشاهد العذاب لم يذكر بخصوص المؤمنين وجزائهم إلا آية واحدة وهي قوله (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)) فلا يناسب إزاء كل هذا التهديد والتحذير للكافرين وما أعده الله لعذابهم في جهنم أن يقرنه بإسم الرحمن. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن القائلين لهذا القول إنما هم في أطباق النيران وأنهم ألقوا فيها فوجاً بعد فوج وقد اشتد غضب الله عليهم ولم تدركهم رحمته فلا يناسب ذكر الرحمن هنا أيضاً. ثم إن الله جعل العذاب بمقابل الرحمة فقال (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) الحجر) ولما كان المشهد مشهد العذاب كان ذلك في مقابل الرحمة فلا يناسب هذا العذاب ذكر الرحمة وبخاصة أن هؤلاء كفروا بربهم فلا ترجى لهم رحمة ولا ينالهم من إسم الرحمن نصيب. ومن ناحية أخرى إن القائلين في سورة يس إنما هم في الدنيا وهم يتقلبون في نِعم الله ورحمته أما القائلون في سورة الملك فإنما هم في جهنم وقد يئسوا من رحمته سبحانه فناسب كل تعبير موطنه. وأما سورة الأنعام فإنها يشيع فيها التحذير والتهديد والتوعد وليس فيها مشهد من مشاهد الجنة وإنما فيها صور غير قليلة من مشاهد النار. كما أن السورة لم يرد فيها إسم (الرحمن) على طولها في حين ورد فيها إسم (الله) تعالى (87) سبعاً وثماني مرة فناسب كل تعبير مكانه. (إن أنتم إلا تكذبون) * هنا يستقيم الرحمن مع الرسالة والرسول والإنذار؟ نعم، يستقيم. * إذن مسألة السياق أو السمت العام هذا شيء من الخطورة بمكان في فهم دلالة الكلمة لا ينبغي أن نفهمها معزولة وبالتالي من لم يفهم القرآن ما فهم السياق وما فهم الايات بعضها على بعض؟ لا يمكن. * في قوله تبارك وتعالى (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا (15) يس)، هنا في هذه الاية نفي وإثبات (ما وإلا) وفي آية أخرى يقول (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) النفي بـ (إن) والإثبات بـ (إلا) فلماذا الاحتلاف وما الفرق؟ نحن عندنا أن (إن) أقوى من (ما) في النفي. النفي بعضه أقوى من بعض.لم يذهب ليست مثل ما ذهب، لم يكتب ليس مثل ما كتب لقد واجهوهم بالتكذيب صراحة بعد أن ذكروا ذلك ضمناً بقولهم (ما أنتم إلا بشر مثلنا) وقولهم (وما أنزل الرحمن من شيء) وكان النفي والإثبات بـ(ما) و(إلا) في قوله (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) وهنا بـ (إنْ) و(إلا) (إن أنتم إلا تكذبون). ذلك أن (إنْ) أقوى في النفي من (ما) فوضع كل حرف في الموضع الذي يقتضيه ذلك أن قولهم (ما أنتم إلا بشر مثلنا) غير منكور وهو معلوم للجميع. أما قولهم (إن أنتم إلا تكذبون) فهو موضوع النزاع فإنه الوصف الذي يلصقه أهل القرية بهم ويدفعه المرسلون عن أنفسهم فإن كونهم بشراً لا يحتاج إلى إثبات أو دليل بخلاف إثبات الكذب وأهل القرية لم يذكروا بشريتهم إلا ليصلوا إلى تكذيبهم فإن الغرض من قولهم (ما أنتم إلا بشر مثلنا) ليس إثبات البشرية لهم وإنما هو إثبات الكذب عليهم فناسب ذكر أقوى الحرفين فينا فيه قوة وإنكار ويحتاج إلى إثبات. * إذن النفي درجات؟ هم يقولون: لم يفعل نفي لفعل، وما فعل نفي لـ (لقد فعل) جواب قسم، ولمّا يفعل نفي لـ قد فعل. هذا ابتداء من سيبوبه في باب نفي الفعل. فالنفي بعضه أقوى من بعض. هذا قسم، القسم (وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) الأنعام) في القسم ننفي بـ(ما). فـ(إن) أقوى من (ما). عندنا أمرين (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا) هل هذه فيها إشكال؟ هل الرسل ينكرون هذا الأمر؟ لا، تبقى المسألة (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) مسألة الكذب، أصلاً هم لما قال (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا) يعني القصد منه التكذيب وليس القصد نفي البشرية لأنه لا أحد ينكرها. * وكأنه لا يتبادر إلى ذهن أحد أن الرسل قالوا إننا بشر أو إننا لسنا بشر؟ كأنهم ضمناً ينفون النبوة والرسالة والكذب. * مدار الكلام على قوله (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا) لا عدم ولا إثبات وجود البشرية أو عدم وجودها؟ هم يريدون أن يخرجوا منها ضمناً إنكار الرسالة وتكذيب هؤلاء هذا صرّح به فيما بعد. (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا) ماذا نفهم منا؟ إنكار النبوات ثم تكذيبهم هم على الخصوص. * لأنهم يحتملون ما تحتمله البشرية! هم كاذبون أصلاً، مدّعين أنهم رسل. أول مرة ضمناً ثم فصلوا هذا الأمر (وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ) هذا مما تضمنه (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا).ثم فصّل (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ)؟ لكن الآن فصّل. * يعني نستطيع أن نقول (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا) هذه إجمال وما بعدها تفصيل؟ إذن هي المسألة (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا) ليس فيها إشكال، هم بشر بالفعل لكن المسألة هي (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) تحتاج إلى قوة في النفي والإثبات. لاحظ (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) النجم) أول مرة قال (ما) (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) ثم قال (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) ممكن أن يكون الإنسان مخلصاً لكن هل هو وحي؟ وبالتالي ما قال (وما هو إلا وحي يوحى)، (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) هذا هو الأصل. لكن فلان لا ينطق عن هوى أقول عن أي واحد عام أنه ينطق عن هوى أي رجل مخلص صالح لكن ليس بالضرورة أن كل ما يقوله صحيح. فرق بين الإخلاص والصحة، هذا أمر، كونه مخلصاً لا يعني أنه يقول الصحيح.(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) هذه هي المسألة الأساسية أنه وحي. * إذن المعول هنا على قوله (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) على كذبهم أنفسهم؟ الآن صار تكذيبهم هم مباشرة، أول مرة عام فجاء بالنفي الخفيف. * ومع الشدة؟ لمواجهتهم بالكذب (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ). الوقفة كاملة
٣١٩ برنامج لمسات بيانية (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23)) بعد أن ذكر من يستحق العبادة وسبب استحقاقه لها أفاد أن ينبغي أن يوحده وأنه لا ينبغي له أن يتخذ إلهاً من دونه ولا معه أو يتخذ ذاتاً وسيلة لتقربه إليه. أما إنه لا ينبغي له أن يتخذ إلهاً من دونه فذلك قوله (أأتخذ من دونه آلهة) ولا أن يتخذ إلهاً معه لأن ما يتخذونهم معه لا يملكون ضراً ولا نفعاً فإذا أراده الرحمن بضر لا يملكون له شيئاً فهم إذن دونه فلا يصح أن يتخذوا معه آلهة. ولا أن يتخذوا ذاتاً لتقربه إليه لأنه ذكر أنه لا تغني شفاعتهم شيئاً فلا يصح على ذلك أن يتخذوا ذاتاً لتقربه إليه. وبهذا يكون دعاهم إلى التوحيد الخالص من دون شركاء أو شفعاء أو وسطاء وهو وإن أنكر على نفسه أن يتخذ آلهة من دون الله يقصد بذلك عموم من يصل إليه الخطاب من الناس فلا ينبغي أن يتخذ أحد إلهاً من دونه وما ذكره بحق نفسه لا يخصه وحده وإنما يعم جميع المكلفين فإنه قال (وما لي لا أعبد الذي فطرني) وهو لم يفطره وحده بل فطر المخلوقات جميعاً. وقال (إن يردن الرحمن بضر) وهذا الأمر لا يخصه وحده بل أراد الله غيره بذلك فالأمر كذلك. لقد أخرج هذا الكلام مخرج الاستفهام الإنكاري وليس مخرج الخبر فإنه بعد أن ذكر ما ذكر قال (أأتخذ من دونه آلهة) أي أيصح ذلك عقلاً؟ أيجوز إتخاذ غيره إلهاً؟ ولا شك أن كل عاقل سيجيب قائلاً: لا، إنه لا يصح أن تتخذ إلهاً من دونه. وهذا لا شك أقوى من الكلام التقريري الخبري الذي يقول: أنا لا أتخذ من دونه آلهة وذلك لأنه قرار انفرادي رآه هو في حين أن قوله (أأتخذ من دونه آلهة) يستدعي إشتراك الآخرين في الجواب واتخاذ القرار. جاء في التفسير الكبير: "ثم قال تعالى (أأتخذ من دونه أولياء) ليتم التوحيد... فقال (ومالي لا أعبد) إشارة إلى وجود الإله وقال (أأتخذ من دونه) إشارة إلى نفي غيره فيتحقق معنى لا إله إلا الله. وفي الآية أيضاً لطائف: الأولى ذكره على طريق الاستفهام فيه معنى وضوح الأمر وذلك أن من أخبر عن شيء فقال مثلاً (لا أتخذ) يصح من السامع أن يقول له: لم لا تتخذ؟ فيسأله عن السبب فإذا قال (أأتخذ) يكون كلامه أنه مستغنٍ عن بيان السبب الذي يطالب به عند الإخبار كأنه يقول: استشرتك فدُلّني والمستشار يتفكر فكأنه يقول: تفكر في الأمر تفهم من غير إخبار مني. الثانية قوله (من دونه) وهي لطيفة عجيبة وبيانها هو أنه لما بيّن أنه يعبد الله بقوله (الذي فطرني) بيّن أن من دونه لا تجوز عبادته.. الثالثة قوله (أأتخذ) إشارة إلى أن غيره ليس بإله لأن المتخذ لا يكون إله (كذا) ولهذا قال تعالى (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) وقال (الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً) لأنه تعالى لا يكون له ولد حقيقة ولا يجوز... ولا يقال قال الله تعالى (فاتخذه وكيلا) في حق الله تعالى حيث قال (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا) نقول ذلك أمر متجدد". ونريد أن نذكر أمراً بخصوص قوله تعالى (فاتخذه وكيلا) فإن الذي يبدو من الاستعمال في اللغة أنه إذا كان الشيء موجوداً أصلاً من غير انفكاك ولا اختيار فلا يقال (اتخذته) فلا يقال مثلاً اتخذت فلاناً أباً إذا كان أباه حقيقة ولا يقال اتخذته أخاً إذا كان أخاه حقيقة وإنما يقال ذلك لما يصح فيه التخلي والترك والاختيار كأن تقول اتخذت فلاناً صديقاً لي لأنك مختار في اختيار الأصدقاء وتقول اتخذت أخاً وصاحباً فيما أنت مختار فيه. ولا يصح أن تقول اتخذت فلاناً خالفاً أو اتخذت الكواكب خالقاً ولا اتخذت الله خالقاً لأنه هو الخالق وليس متخذاً لذلك لكنك تقول اتخذته معبوداً لأنك مختار في اتخاذ ما تعبد. ونحوه قوله (فاتخذه وكيلا) فإن لك أن تختار الوكلاء وأن تتخذ من تشاء فاتخذ الله وكيلاً تفلح. وقد تقول: إن الله وكيل على كل شيء كما قال تعالى (والله على كل شيء قدير (12) هود) (وهو على كل شيء وكيل (102) الأنعام و(62) الزمر). فنقول هذه وكالة قسرية وكالة الاختيار والطاعة ونظير ذلك في العبودية فإن العبودية لله قد تكون قسرية كما قال تعالى (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً (93) مريم) وقوله (أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء (17) الفرقان) وهذه العبودية ليست من الطاعة ولا يتعلق بها ثواب. وقد تكون عبودية اختيارية وذلك بأن يختار المرء أن يكون عبداً لله مطيعاً له وهذه هي التي يتعلق بها الثواب كما قال تعالى (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون (172) النساء) وقال (عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) الإنسان). ونحوه الألوهية والربوبية فالله سبحانه هو إله الخلق كلهم وربهم شاؤوا أم أبوا. قال تعالى (وهو رب كل شيء (164) الأنعام) و (الحمد لله رب العالمين) وقال (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو (163) البقرة) وقال (إنما هو إله واحد (19) الأنعام) وقال (وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) ص). وهذه الربوبية والألوهية قسرية شاء الخلق أم أبوا ولا يترتب عليها ثواب وإنما يترتب الثواب والعقاب على من اتخذه إلهاً ورباً أو اتخذ غيره كما قال تعالى (أتتخذ أصناماً آلهة (74) الأنعام) (أرأيت من اتخذ إلهه هواه (43) الفرقان) (إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم (31) التوبة). فالاتخاذ أمر اختياري يفعله المتخذ وهو غير الأمر الكائن أصلاً من غير اتخاذ وذلك نحو "هذا ولدي" و "هذا اتخذته ولداً لي" والله أعلم. (إن يردن الرحمن بضر): استعمل الفعل المضارع فعلاً للشرط فقال (إن يردن) واستعمل الماضي في مكان آخر (إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره (38) الزمر) وعند النحاة إن الماضي في الشرط يفيد الاستقبال. جاء في التفسير الكبير "قال ههنا (إن يردن الرحمن بضر) وقال في الزمر (إن أرادني الله) فما الحكمة في اختيار صيغة الماضي هنالك واختيار صيغة المضارع ههنا؟ وذكر المريد بإسم الرحمن هنا وذكر المريد بإسم الله هناك؟ نقول أما الماضي والمستقبل فإن (إنْ) في الشرط تصير الماضي مستقبلاً وذلك لأن المذكور ههنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله (أأتخذ) وقوله (ومالي لا أعبد) والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله (أفرأيتم) وكذلك في قوله تعالى (وإن يمسسك الله بضر) لكون المتقدم عليه مذكوراً بصيغة المستقبل وهو قوله (من يُصرف عنه) وقوله (إني أخاف إن عصيت) والحكمة فيه هو أن الكفار كانوا يخوفون النبي صلى الله عليه وسلم بضر يصيبه من آلهتهم فكأنه قال: صدر منكم التخويف وهذا ما سبق منكم. وههنا ابتدأ كلام صدر من المؤمن للتقرير والجواب ما كان يمكن صدوره منهم فافترق الأمران". والذي يترجح عندنا أن الفعل المضارع مع الشرط كثيراً ما يفيد افتراض تكرر الحدث بخلاف الفعل الماضي فإنه كثيراً ما يفيد افتراض وقوع الحدث مرة كما قال تعالى (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها (93) النساء) وقال (ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة (92) النساء) فجاء مع القتل المتعمد بالفعل المضارع لأنه يفترض فيه تكرر الحدث إذ كلما سنحت للقاتل فرصة قتل مؤمناً بخلاف قتل الخطأ فإنه لا يفترض تكرره. ونحو ذلك قوله تعالى (قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً (17) المائدة) فجاء بفعل الإرادة ماضياً (إن أراد) لأن هذه الإرادة تكون مرة واحدة ولا تتكرر فإنه إذا أهلكه فقد انتهى الأمر. ونحوه قوله تعالى (فإن أراداً فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما (233) البقرة) فإن هذا لا يتكرر فإذا انفصلا فقد انتهى الأمر. ونحوه قوله تعالى (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها (16) الإسراء) ونحوه قوله تعالى (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها (50) الأحزاب) هذه الإرادة لا تتكرر وإنما تكون مرة واحدة في حين قال (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نوته منها (145) آل عمران) فجاء بفعل الإرادة مضارعاً لأن إرادة الثواب تتكرر ومثله قوله تعالى (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله (62) الأنفال) فإن إرادة الخديعة تتكرر. ومثله قوله تعالى (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم (71) الأنفال) فإن إرادة الكفار خيانة الرسول قد تتكرر فجاء بالفعل مضارعاً. فنقول إن استعمال الفعل المضارع في سورة يس في قوله تعالى (إن يردن الرحمن بضر) إشارة إلى أنه كان يتوقع تكرر وقوع الضرر عليه من قومه وأنهم لا يكفون عن إلحاقه به ما دام بينهم. وقد تقول لم قال ههنا (إن يردن الرحمن بضر) فأسند الإرادة إلى الرحمن وقال في الزمر (إن أرادني الله بضر) فأسند الإرادة إلى الله؟ فنقول إن القائل في سورة يس يتوقع وقوع الضرر عليه وتطاوله كما ذكرنا فذكر إسم الرحمن كأنه يلوذ به ويعتصم وهو بمثابة سؤاله الرحمة بخلاف ما في الزمر فإنه ليس الأمر كذلك ولا يتوقع نحو هذا. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أنه حسن ذكر إسم الرحمن مع الشفاعة في سورة يس فقال (إن يردن الرحمن بضر فى تغن عني شفاعتهم شيئاً) لأن الشفيع إنما يستدر رحمة من يشفع عنده والمتصف بالرحمة قد يقبل شفاعة من ليس له جاه كبير عنده أما هؤلاء الآلهة فلا تنفع شفاعتهم حتى مع الرحمن إذ ليس لهم جاه البتة وهذا أبلغ في إسقاط وجاهة هؤلاء. ثم من ناحية ثالثة أنه ورد إسم الرحمن في سورة يس أربع مرات ولم يرد في سورة الزمر ولا مرة واحدة وورد إسم الله في سورة الزمر تسعاً وخمسين مرة وورد في سورة يس ثلاث مرات فقط فناسب ذكر إسم الله في الزمر والرحمن في يس. وقد علل الفخر الرازي ذكر إسم الرحمن في يس وإسم الله في الزمر بقوله "وأما قوله هناك (إن أرادني الله) فنقول قد ذكرنا أن الإسمين المختصين بواجب الوجود الله والرحمن كما قال تعالى (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) والله للهيبة والعظمة والرحمن للرأفة والرحمة. وهناك وصف الله بالعزة والانتقام في قوله (أليس الله بعزيز ذي انتقام) وذكر ما يدل على العظمة بقوله (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض) فذكر الإسم الدال على العظمة. وقال ههنا ما يدل على الرحمة بقوله (الذي فطرني) فإنه نعمة هي شؤط سائر النعم فقال (إن يردن الرحمن بضر)". وقد تقول: لقد قال في سورة يس (إن يردن الرحمن بضر فلا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون) وقال في الزمر (إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته (38)) فذكر الضر في يس ولم يذكر الرحمة إذ لم يقل وإن يردن برحمة لا يمسكوا رحمته في حين ذكر في الزمر الضر والرحمة فقال (إن أرادني الله بضر ...أو أردني برحمة) فما سبب ذلك؟ والجواب والله أعلم أن ذلك لأكثر من سبب: منها أن صاحب يس كان يتوقع الضر من أهل قريته ولم يكن يتوقع منهم شيئاً من لين أو رحمة بل ربما كان يتوقع القتل لأن الجو كان متأزماً كله تهديد ووعيد وقد انتهى الأمر بقتله فلا يناسب ذكر الرحمة. ومن ذلك أن ذكر إسم الرحمن أغنى ههنا عن ذكر (وإن يردن برحمة) فإن الرحمن يريد الرحمى وهو لا يريجها فقط وإنما يحققها وإلا فليس برحمن فاكتفى بذكر صفته عن أن يقول (وإن يردني برحمة) بخلاف ما في الزمر فإنه ذكر إسم الله ولم يذكر وصفاً فناسب ذلك أن يذكر الضر والرحمة تصريحاً. وعلى هذا فقد ذكر الأمران في يس على نحو آخر يناسب المقام والله أعلم. وقد تقول لقد قال في يس (لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون) فاستعمل ضمير الذكور العقلاء في (شفاعتهم) وفي (ينقذون). وقال في سورة الزمر (هل هن كاشفات ضره) و (هل هن ممسكات رحمته) بضمير الإناث فما الفرق؟ والجواب أن ضمير الإناث يستعمل للإناث ويستعمل لجمع غير العاقل مذكراً كان أو مؤنثاً فتقول الجبال هن شاهقات والجبال جمع جبل وهو مذكر غير عاقل غير أننا نستعمل له ضمير الإناث. قال تعالى (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج (197) البقرة). فقال في الأشهر (فيهن) والأشهر جمع شهر والشهر مذكر غير عاقل فاستعمل له ضمير الإناث. فضمير الإناث يستعمل للإناث ولجمع غير العاقل مطلقاً. وكذلك جمع المؤنث السالم فإنه يستعمل جمعاً للمؤنث بشروطه ويستعمل أيضاً لجمع المذكر غير العاقل إسماً أو وصفاً نحو جبال شاهقات وشاهقات وصف لمذكر غير عاقل وأنهار جاريات وجاريات وصف لأنهار مفردها نهر وهو مذكر غير عاقل. والإسم المذكر غير العاقل قد يجمع وجمع مؤنث سالماً إذا لم يسمع له جمع تكسير نحو حمّامات جمع حمام واصطبلات جمع اصطبل. وأما ضمير جماعة الذكور نحو (هم) و(الواو) في نحو (يمشون) فهو خاص بجماعة الذكور العقلاء أو ما نزل منزلتهم. وبعد بيان هذا الأمر نعود إلى الآيتين: قال تعالى في الزمر (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) ومن النظر في هذه الآية يتضح ما يأتي: 1. قال (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله) فجعل آلهتهم لا تعقل وذلك أنه استعمل لها (ما) فقال (ما تدعون) و(ما) تستعمل في العربية لذات ما لا يعقل. 2. جاء بضمير الإناث (هن) فقال (هل هن) وهذا الضمير إما أن يكون للإناث أو يستعمل لجمع غير العاقل مذكراً أو مؤنثاً كما ذكرت فجعلهم غير عقلاء وهو متناسب مع (ما) التي هي لغير العاقل. 3. جاء بجمع المؤنث السالم وهو كما ذكرنا إما أن يكون للإناث أو لصفات الذكور غير العقلاء فجعلهم غير عقلاء. 4. هذه الآية نزلت في المجتمع الجاهلي والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى فيهم (إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريدا (117) النساء) فذكر أن ما يدعون من دون الله إنما هي إناث وقد روي عن الحسن "أنه كان لكل حيّ من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان... وقيل كان في كل صنم شيطانة". "وقيل كانوا يقولون في أصنامهم هي بنات الله" وكانوا يسمون كثيراً منها باسماء مؤنثة كاللات والعزى ومناة فناسب التأنيث من كل جهة، من جهة أنها غير عاقلة ومن جهة أن لها أسماء مؤنثة أو يرون أنها إناث. وقال في يس (إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون) فاستعمل ضمير العقلاء ذلك لأنه قال (لا تغن عني شفاعتهم) والشفيع لا بد أن يكون عاقلاً وإلا فكيف يشفع؟ ولذلك قال في الزمر (أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون (43)) فجاء بضمير جماعة الذكور للدلالة على أنه لا يكون الشفيع إلا عاقلاً. ثم نفى الشفاعة مع عدم العقل فقال (قل أولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون) فاستعمل ضمير العقلاء مع الشفاعة. ثم قال (ولا ينقذون) والمنقذ لا بد أن يكون عاقلاً أيضاً وإلا فكيف ينقذ؟ ولذلك قال في سورة يس (واتخذوا من دون آلهة لعلهم ينصرون* لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون) فاستعمل ضمير جماعة العقلاء وهو قوله (لا يستطيعون) و (هم) لأن الناصر لا بد أن يكون عاقلاً وهو كالمنقذ. وهذه الاية نظيرة الآية السابقة فناسب كل ضمير مكانه اللائق به. وهناك أمر آخر في الآية وهو أنه قال (إن يردن الرحمن بضر) فأدخل الباء على الضر ولم يقل (إن يرد الرحمن بي ضراً) وكلاهما تعبير فصيح تقول (أراد به رحمة) و (أراده برحمة). قال تعالى (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة (17) الأحزاب) فأدخل الباء على ضمير المخاطبين فما الفرق؟ جاء في التفسير الكبير: "قال (إن يردن الرحمن بضر) ولم يقل إن يرد الرحمن بي ضراً وكذلك قال تعالى (إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره) ولم يقل إن أراد الله بي ضراً نقول: الفعل إذا كان متعدياً إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بحرف كاللازم يتعدى بحرف في قولهم ذهب به وخرج به ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف ما هو أولى بوقوع الفعل عليه ويجعل الآخر مفعولاً بحرف. فإذا قال القائل مثلاً: كيف حال فلان؟ يقول اختصه الملك بالكرامة والنعمة. فإذا قال كيف كرامة الملك؟ يقول اختصها بزيد فيجعل المسؤول عنه مفعولاً بغير حرف لأنه هو المقصود. إذا علمت هذا فالمقصود فيما نحن فيه بيان كون العبد تحت تصرف الله يقلبه كيف يشاء في البؤس والرخاء. وليس الضر بمقصود بيانه كيف والقائل مؤمن يردو الرحمة والنعمة بناء على إيمانه بحكم وعد الله. ويؤيد هذا قوله من قبل (الذي فطرني) حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فكذلك جعلها مفعول الإرادة وذكر الضر وقع تبعاً. وكذا القول في قوله (إن أرادني الله بضر) المقصود بيان أنه يكون كما يريد الله وليس الضر بخصوصه مقصوداً بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال تعالى (أليس الله بكاف عبده) يعني هو تحت إرادته ويتأيد ما ذكرناه بالنظر في قوله تعالى (من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً) حيث خالف هذا النظم وجعل المفعول من غير حرف السوء وهو كالضُرّ والمفعول بحرف هو المكلف. وذلك لأن المقصود ذكر الضر للتخويف وكونهم محلاً له. وكيف لا وهم كفرة استحقوا العذاب بكفرهم فجعل الضر مقصوداً بالذكر لزجرهم. فإن قيل: فقد ذكر الله الرحمة أيضاً حيث قال (أو أراد بكم رحمة) نقول المقصود ذلك ويدل عليه قوله تعالى من بعده(ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيرا) وإنما ذكر الرحمة تتمة للأمر بالتقسيم الحاصر وكذلك إذا تأملت في قوله تعالى (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعا) فإن الكلام أيضاً على الكفار وذكر النفع وقع تبعاً لحصر الأمر بالتقسيم". والذي يبدو لي غير ذلك فإن الذي يظهر من التعبير القرآني أن ما تتصل به الباء هو الذي عليه السياق وهو مدار الكلام وهو الأهم فيه. قال تعالى (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) الأحزاب) فقد اتصلت الباء بضمير المخاطبين (بكم) لا بالسوء. والكلام يدور على المخاطبين والسياق عليهم وذلك من الآية الثانية عشرة حتى الآية العشرين. قال تعالى (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20)) فقد اتصلت الباء بضمير المخاطبين لأن الكلام يدور عليهم. وقال تعالى (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) الفتح) وقد اتصلت الباء بضمير المخاطبين أيضاً وذلك أن الكلام والسياق يدوران عليهم قال تعالى (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) الفتح) وقال (وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين (70) الأنبياء) واتصلت الباء بضمير الغيبة (به) ولم تتصل بالكيد. والكلام على سيدنا إبراهيم عليه السلام وذلك في أكثر من عشرين آية من الآية (51 – 72). في حين قال (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) الزمر) فقد اتصلت الباء ههنا بالضر وبالرحمة ولم تتصل بالضمير فقد قال (إن أرادني الله بضر – أو أرادني برحمة) ولم يقل إن أراد بي ضراً أو أراد بي رحمة وذلك أن الاهتمام والعناية بالضر والرحمة ويدلك على ذلك أنه عقب على ذلك بكشف الضر أو إمساك الرحمة فقال (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ) والسياق إنما هو في ذلك والاهتمام به فقد قال تعالى (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه) فالكلام على المعتقدات لا على الأشخاص. وقال (وإن يردك بخير فلا راد لفضله (107) يونس) فقد اتصلت الباء بالخير لا بضمير الخطاب فقال (وإن يردك بخير) ولم يقل وإن يرد بك خيراً وذلك أن الكلام إنما هو في هذا الأمر والسياق عليه قال تعالى (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) يونس) فالكلام على الضر والخير وما يتعلق بكشفهما أو ردهما لا على الأشخاص وذلك قال (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله). فليس أحد يكشف الضر إلا هو ولا أحد يملك أن يرد خيره تعالى ولذلك عقّب بقوله (فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده). وقد قال قبل هذه الآية (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك) فالكلام في النفع والضر كما ترى وإيصالهما أو دفعهما. وفي هذه السورة أعني سورة يس وصل الباء بالضر فقال (أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا هم ينقذون) ولم يقل إن يرد الرحمن بي ضراً وذلك أن الكلام على الضر وهو مدار الاهتمام ولذلك عقب بكشف الضر وإزالته فقال (لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون) أي لا يدفعون الضر عني ولا ينقذونني منه. فاتضح بذلك أن الباء تتصل بما هو أهم في السياق وعليه الكلام والله أعلم. (لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون) : بيّن أن آلهتهم ليس لها جاه ولا قدرة. فكونها لا تنفع شفاعتها شيئاً معناه أنه ليس لها جاه. وكونها لا تنقذ من يعبدها ويلتجئ إليها معناه أنها ليس لها قدرة فكيف يعبدون آلهة هذه صفتها؟! ثم بيّن أنها بمجموعها ليس لها مكانة ولا جاه وأنها بمجموعتها ليس لها قدرة فلو أن آلهتهم جميعها شفعت عند الله لم تغن شفاعتهم شيئاً ولو أن جميعها أرادت أن تنقذه لم تستطع فما أتفه وأضهغ هذه الآلهة!. ثم أطلق كلمة (شيئاً) ما هو هذا الشيء؟ متحتمل أن تكون مفعول مطلق يعني لا تغني عني شفاعتهم شيئاً من الإغناء، أو شيئاً من الأشياء، جمع الأمرين فتحتمل المفعول المطلق أو المفعول به. يعني لا شيء من الإغناء وإن قلّ فتصير مفعول مطلق لأنها تدل على المصدر أو شيئاً من الأشياء فتكون مفعول به. لا تغني عني شفاعتهم شيئاً من الأشياء، أيّ شيء في أيّ أمر من الأمور. * لماذا تقديم الشفاعة على قوله (ينقذون)؟ هذا هو الترتيب الطبيعي. إذا استعنت بشخص على شخص أول مرة يشفع عنده فإذا الشفاعة لم تجدي نفعاً يتحول إلى الإنقاذ وهذا هو الترتيب الطبيعي في الحياة يبدأ بالشفاعة.الحياة هكذا تبدأ تشفع فإن لم تجدي تتحول للإنقاذ. هذه الآيات التي ذُكِرت تُبين أن الله مستحق للعبادة من كل وجه. قال (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) يعني أنه أولاً فطر الخلق وأنه يُرسل الرسل (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) وإليه المرجع والمصير (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وإنه رحيم بعباده (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ) الرحمن، قوي مقتدر الباقين ليس لهم شفاعة ولا مكانة (لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ)، ليس لهم جاه إذن لماذا يعبدون غير الله؟! فذكر في هذه الآيات القصيرة أموراً كثيرة تبرهن على استحقاقه للعبادة وحده، هو الذي ينبغي أن يُعبد وحده لا معه ولا من دونه ولا وسيط. وجاء في روح المعاني:" وهو ترقٍ من الأدنى إلى الأعلى بدأ أولاً بنفي الجاه وذكر ثانياً إنتفاء القدرة وعبّر عنه بانتفاء الإنقاذ لأنه نتيجته!" فاستبان من هذه الآيات أن الله مستحق للعبادة من كل وجه: 1. أنه فطر الخلق. 2. وأنه يرسل الرسل إليهم ليرشدوهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم. 3. إليه المرجع والمصير فيعاقب المسيء ويكافئ المحسن. 4. أنه رحيم بعباده (إن يردن الرحمن). 5. أنه قوي مقتدر ليس لقدرته حدود. 6. وأن ما يدعون من دونه ليس لهم جاه وليس لهم قدرة وإن اجتمعوا. جاء في التفسير الكبير:" وفي هذه الآيات حصل بيان أن الله تعالى معبود من كل وجه. إن كان نظراً إلى جانبه فهو فاطر ورب مالك يستحق العبادة سواء أحسن بعد ذلك أو لم يحسن. وإن كان نظراً إلى إحسانه فهو رحمن وإن كان نظراً إلى الخوف فهو يدفع ضره وحصل بيان أن غيره لا يصلح أن يعبد بوجه من الوجوه فإن أدنى مراتبه أن يعد ذلك ليوم كريهة وغير الله لا يدفع شيئاً إلا غذا أراد الله وإن يرد فلا حاجة إلى دافع". *ما اللمسة البيانية في تذكير كلمة شفاعة مرة وتأنيثها مرة أخرى في القرآن ؟ قال تعالى في سورة البقرة (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ {48}‏) وقال في نفس السورة (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ {123}).جاءت الآية الأولى بتذكير فعل (يقبل) مع الشفاعة بينما جاء الفعل (تنفعها) مؤنثاً مع كلمة الشفاعة نفسها. الحقيقة أن الفعل (يقبل) لم يُذكّر مع الشفاعة إلا في الآية 123 من سورة البقرة وهنا المقصود أنها جاءت لمن سيشفع بمعنى أنه لن يُقبل ممن سيشفع أو من ذي الشفاعة. أما في الآية الثانية فالمقصود الشفاعة نفسها لن تنفع وليس الكلام عن الشفيع. وقد وردت كلمة الشفاعة مع الفعل المؤنث في القرآن الكريم في آيات أخرى منها في سورة يس (أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ {23}) وسورة النجم (وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى {26}). وفي لغة العرب يجوز تذكير وتأنيث الفعل فإذا كان المعنى مؤنّث يستعمل الفعل مؤنثاً وإذا كان المعنى مذكّراً يُستعمل الفعل مذكّراً، والأمثلة في القرآن كثيرة منها قوله تعالى في سورة الأنعام (قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ {11}) وسورة يونس (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ {73}) المقصود بالعاقبة هنا محل العذاب فجاء الفعل مذكراً، أما في قوله تعالى في سورة الأنعام (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ {135}) سوة القصص (وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ {37}) فجاء الفعل مؤنثاً لأن المقصود هو الجنّة نفسها. *فى سؤال عن الآية: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) مريم) في هذه الآية ورد تهديد إبراهيم لأبيه لماذا استخدم إسم الرحمن مع العذاب مع أن إسم الرحمن إسم ينفع المؤمن؟ قال (مس) والمس خفيف هذا ناسب الرحمة بينما نلاحظ في سورة الأنعام قال (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)) قال أتاكم وليس المسّ، وقال عذاب الله. أولاً أتاكم ثم عذاب الله بالإضافة بينما في سورة مريم (عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) (من هنا للإبتداء) عذاب نكرة يعني شيء من العذاب من الرحمن، أما تلك قال عذاب الله. إذن عذاب الله أقوى في التعبير من عذاب من الرحمن، فناسب ذاك المس عذاب من الرحمن. ثم قال (بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) كلها فيها قوة وشدة فقال (عذاب الله) بينما في مريم قال (أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) هذا إضافة أنه لم يرد لفظ الرحمن في الأنعام. ثم من ناحية الرحمة لا تنافي العقوبة إذا أساء أحدهم فعاقبته قد يكون من الرحمة. الرحمة لا يعني أنه لا يعاقب عندما يقول الرحمن ليس معناه أنه لا يعاقب، الرحمن إذا أساء أحد لا بد أن يعاقبه. ولم يرد في القرآن مطلقاً يمسك عذاب الله أو عذاب من الله، مع عذاب الله ليس هناك مسّ وإنما إتيان، وردت (إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ (23) يس) لكن لم ترد يمسك عذاب من الله. إذن هناك توأمة بين المسّ والرحمن هذه فيها رقة ورحمة والتنكير و(يا أبت) وجو السورة رحمة بينما في آية الأنعام (إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ) هذا تهديد وحتى عذاب الله تعالى فيه درجات (بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) هذه تتناسب مع عذاب الله. الوقفة كاملة
٣٢٠ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ١ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ٢ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ٣ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ٤﴾ * * * ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِير﴾. ذكر في هذه الآية: أنه يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض، أي: ينزهونه عن كل نقص. وأنه له الملك. وله الحمد. وهو على كل شيء قدير. والذي ينزَّه إنما هو ذو الملك والقدرة. فكلما كان الملك ملكه أوسع، والمقتدر أعظم؛ كان التنزيه أدّل على مدحه، أما إذا لم يكن مالكًا لشيء، وليس ملكًا على شيء، ولا قادرًا على شيء؛ فلا معنى لتنزيهه. وكذلك بالنسبة إلى الحمد؛ فإنه كان الملك الأوحد والقدير الأعظم محمودًا في ملكه وقدرته، وفي عموم ما يحمد عليه؛ دل ذلك على كماله في صفاته؛ إذ قلما يسلم ملك من ملوك الأرض والقدير من أهل الأرض من مأخذ فلا يحمد من كل وجه، ولا ينزه من كل وجه، ولا ينزهه عموم رعيته، بل هناك من له مأخذ عليه. أما الله سبحانه فإنه ينزهه أهل السماوات والأرض، وهو المحمود على كل حال. إن هذه الآية تناسب قوله في خواتيم السورة التي قبلها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ٩﴾ [المنافقون: 9]. فإنه طلب من الذين آمنوا ألا يلهيهم المال والولد عن ذكر الله، وذلك يناسب تسبيح ما في السماوات والأرض، وكأن قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ﴾ تعليل لطلب الذكر من المؤمنين، وألا تلهيهم الأموال والأولاد عن ذكر الله، فإن ما في السماوات والأرض يسبحون الله ويذكرونه، فاذكروه أنتم أيها المؤمنين. فيتوافق جميع ما في الكون في تسبيح الله سبحانه وذكره. وقد ذكرنا في أكثر من مناسبة أن تكرار (ما) في آيات التسبيح يدل على أنه يعقب الآية بذكر أهل الأرض، وأنه لم يكرر (ما) لا يذكر شيئًا يتعلق بأهل الأرض. وقد كرر (ما) في هذه الآية فأعقبها بالكلام على أهل الأرض فقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ﴾. ثم إن السورة ابتدأت بالفعل المضارع ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾، وقد ذكرنا أيضًا في أكثر من مناسبة أن كل سورة تبدأ التسبيح بالفعل الماضي، أي: (سبح لله) يجري فيها ذكر للقتال بخلاف ما يبدأ بالفعل المضارع، أي: (يسبح لله). وهذه السورة بدأت بالفعل المضارع، فلم يجر فيها ذكر للقتال، وهو السمت العام في هذه السورة. وقدم الجار والمجرور في قوله: ﴿لَهُ ٱلۡمُلك﴾ للدلالة على الاختصاص والقصر، فإنه له الملك حصرًا على الحقيقة، أما غيره فملكهم من تمليكه سبحانه لهم، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ٢٦﴾ [آل عمران: 26]. وكذلك قوله: ﴿وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ﴾ فإنه له الحمد حصرًا، فهو مولي النعم كلها، وكل من عداه مفتقر إليه وإلى نعمه، فله الحمد حصرًا لا لغيره على الحقيقة، أما حمد غيره لأنه سبحانه أجرى النعمة على يده، فكل حمد لغيره إنما هو بسبب نعمته سبحانه. جاء في (روح المعاني): ((﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ﴾ لا لغيره تعالى؛ إذ هو جل شأنه المبدئ لكل شيء، وهو القائم به والمهيمن عليه، وهو عز وجل المولي لأصول النعم وفروعها، وأما ملك غيره سبحانه فاسترعاء منه وتسليط. وأما حمد غيره تبارك وتعالى فلجريان إنعامه تعالى على يده، فكلا الأمرين له تعالى في الحقيقة، ولغيره بحسب الصورة. وتقديم ﴿لَهُ ٱلۡمُلْكُ﴾ لأنه كالدليل لما بعده)). وجاء في (الكشاف): ((قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل؛ لأن الملك على الحقيقة له؛ لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه والقائم به والمهيمن عليه، وكذلك الحمد؛ لأن أصول النعم وفروعها منه وأما ملك غيره فتسليط منه، واسترعاء، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده)). وجاء في (التفسير الكبير) للفخر الرازي: ((وقوله تعالى: ﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ﴾ معناه: إذا سبح لله ما في السماوات وما في الأرض فله الملك وله الحمد. ولما كان له الملك فهو متصرف في ملكه، والتصرف مفتقر إلى القدرة فقال: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾. ومن لطفه التناسب في هذا المفتتح وما بعده من الآيات: 1 – أنه قال بعدها: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. والذي يفعل هذا إنما هو على كل شيء قدير، وهو الذي ذكره في الآية الأولى. 2 – ثم قال: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾. فقوله: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ﴾ يناسب قوله: ﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُ﴾. وقوله: ﴿بِٱلْحَقِّ﴾ ينساب قوله: ﴿وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ﴾ فالذي يفعل ذلك بالحق إنما له الحمد. وقوله: ﴿وَإِلَيۡهِ ٱلْمَصِير﴾ يناسب قوله: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ ويناسب قوله: ﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُ﴾. ويناسب ما ذكره بعد ذلك من مصير الكافرين والمؤمنين في الآخرة في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ٩ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ١٠﴾ [التغابن: 9-10]. وقوله: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلْحَقِّ﴾ يناسب قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ فإن ذلك يفيد تنزيهه عن الباطل. 3 – وقال بعد ذلك: ﴿يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُور﴾. فالذي له الملك ينبغي أن يعلم ما في ملكه. وتمام العلم أن يعلم ما يسر عباده وما يعلنون، ويعلم ما في الصدور، والذي يعلم ذلك له الحمد وهو على كل شيء قدير. وينبغي أن يسبحه ما في السماوات وما في الأرض. كما ناسب مفتتح السورة خاتمتها ((فقد قال في أول السورة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِير﴾. وقال في آخرها: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾. فكلتا الآيتين في الله وصفاته. فقوله في الآية الأولى: ﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ يناسب قوله في آخر السورة: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾. فالذي له الملك هو العزيز، وهو الحكيم من الحكم. والذي له الحمد هو الحكيم من الحكمة، وهو الذي ينزهه أهل السماوات والأرض ويسبحونه. والذي له الملك وله الحمد ينبغي أن يكون عالمًا بما في ملكه لا يندّ عنه شيء، فقال سبحانه: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾. وقال في أوائل السورة: ﴿مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُور﴾. والذي يعلم ذلك هو عالم الغيب والشهادة المذكور في آخر آية من السورة. ثم ذكر الذين كفروا بعد ذلك بقوله: ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ وما بعدها. وذكر بعدها الذين آمنوا إلى خواتيمها فقال: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ١١ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ١٢﴾. وذلك إلى نهاية السورة. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 159: 165) الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 311 إلى 320 من إجمالي 1052 نتيجة.