التدبر

٣١٦١ ﴿إيّاك نعبد وإيّاك نستعين﴾. في الآية: حصر العبادة والاستعانة الكاملة باللّه تعالى، كما دلّ عليه تقديم لفظ (إيّـاك) أي: فلا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك. والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين: (العبادة والتوكّل) 1- تبرّؤ من الشّرك. 2- تبرّؤ من الحول والقوة. الوقفة كاملة
٣١٦٢ احذر هذه المحرّمات: "قل إنّما حرّم ربّي": 1  الفواحش ما ظهر منها وما بطن 2 والإثم والبغي بغير الحقّ 3 وأن تُشركوا باللّه ما لم يُنزّل به سلطانا 4 وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. فكلّ هذه قد حرّمها اللّه تعالى، فالحذر الحذر، والتوبة إلى الله تعالى. الوقفة كاملة
٣١٦٣ (حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِینَ سَنَةࣰ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِیۤ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِیۤ أَنۡعَمۡتَ عَلَیَّ وَعَلَىٰ وَ ٰ⁠لِدَیَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَـٰلِحࣰا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِی فِی ذُرِّیَّتِیۤۖ إِنِّی تُبۡتُ إِلَیۡكَ وَإِنِّی مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِینَ﴾ من علامات التوفيق للمؤمن إذا بلغ الأربعين انشغاله بأربع قضايا: 1. شكر النعم التي مضت 2. الأقبال على العمل الصالح 3. العناية بالدعاء للذرية 4. تجديد التوبة الوقفة كاملة
٣١٦٤ 4 وصايا قرآنية لمن بلغ الأربعين: ﴿حتّى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة قال..﴾ لماذا الأربعين؟ لأنه بلغ نهاية قوّته البدنية والعقلية، فلابُدّ أن يظهر منه: 1- شكر الله عزّ وجل 2- العمل الصالح 3- الدعاء بصلاح الذرية 4- تجديد التوبة فتوبة الآباء مفتاح صلاح الأبناء! الوقفة كاملة
٣١٦٥ ‏قاعدة قرآنية في التعامل مع مرضى القلوب: ‏1. ﴿فأعرض عنهم﴾ ‏أي: لا تبال بهم، ولا تقابلهم على ما فعلوه ‏2. ﴿وعِظْهُم﴾ ‏بيّن لهم حكم الله تعالى، مع الترغيب في الانقياد لله. ‏3. ﴿وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾ ‏انصحهم بينك وبينهم، وبالغ في زجرهم، فإنه أنجح لحصول المقصود. ‏⁧⁩ الوقفة كاملة
٣١٦٦ قاعدة قرآنية في التعامل مع الناس: 1. ﴿خُذِ العفو﴾ أي ما تيسّر من أخلاق الناس، وغضّ الطرف عن الزلات 2. ﴿وَأمُرْ بالعرف﴾ بكل قول حسن وفعل جميل 3. ﴿وَأَعْرِضْ عن الجاهلين﴾ فيه الحثّ على طلب العلم، والإعراض عن أهل الظلم • أدب المرء عنوان سعادته! الوقفة كاملة
٣١٦٧ من ثمرات شُكر الله تعالى: 1- رضا الله سبحانه قال ﷺ: «إنّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشّربة فيحمده عليها». 2- النجاة من عذاب الله عزّ وجل. • ﴿ما يفعل اللَّهُ بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾. 3- بقاء النعمة وزيادتها • ﴿لئن شكرتم لأزيدنّكم﴾. الوقفة كاملة
٣١٦٨ ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم﴾: 1- ﴿أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ لا تُطيعوا الشيطان بارتكاب أنواع الكفر والمعاصي 2- ﴿وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم﴾ طاعتي ومعصية الشيطان هي الدّين القويم ﴿ولقد أضلّ منكم جبلّا كثيرا﴾ ولقد أضلّ منكم خلقا كثيرا. الوقفة كاملة
٣١٦٩ الأسباب الجالبة للخوف من الله جل جلاله: 1- تذكّر عظمة الله سبحانه • ﴿وما قدروا اللّه حقّ قدره﴾ 2- استحضار مشهد الوقوف بين يدي الله تعالى. • ﴿وأمّا من خاف مقام ربّه﴾ 3- سماع القرآن وتدبره 4- الدّعاء والتضرّع إلى الله 5- كثرة الذّكر 6- الابتعاد عن أسباب الأمن من مكر الله عز وجل. الوقفة كاملة
٣١٧٠ • ﴿من جاء بالحسنة﴾: من جاء يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح 1- ﴿فله خير مّنها﴾ فله عند الله ما هو خير منها، وهو الجنة 2- ﴿وهم مّن فزع يومئذ آمنون﴾ وهم آمنون بتأمين الله لهم من فزع يوم القيامة اعمل الحسنة اليوم، كل فزع في الدنيا يهون دون ذلك الفزع ! الوقفة كاملة

تفسير و تدارس

٣١٦١ سورة فصلت دورة الأترجة الوقفة كاملة
٣١٦٢ سورة فصلت دورة الأترجة الوقفة كاملة
٣١٦٣ سورة فصلت دورة الأترجة الوقفة كاملة
٣١٦٤ سورة فصلت دورة الأترجة الوقفة كاملة
٣١٦٥ تفسير سورة الحجر دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣١٦٦ تفسير سورة الحجر دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣١٦٧ تفسير سورة الحجر دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣١٦٨ تفسير سورة الحجر دورة الاترجة الوقفة كاملة
٣١٦٩ سورة الدخان دورة الأترجة الوقفة كاملة
٣١٧٠ سورة الدخان دورة الأترجة الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٣١٦١ برنامج لمسات بيانية (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) أي إلا إذا أراد ربهم أن يرحمهم فينقذهم ويمتعهم في الحياة إلى أجل. فنفى الإنقاذ إلا من طريق رحمة الله بهم. والتعبير يحتمل معنيين: الأول أن ينقذهم رحمة بهم ويمتعهم إلى حين. والمعنى الآخر أن إنقاذهم على نوعين: إنقاذ رحمة وإنقاذ تمتيع. وذلك أن قسماً من هؤلاء الناجين يؤمنون بعد الكفر ويهتدون بعد الضلال فكان إنقاذهم رحمة منه تعالى. والقسم الآخر يبقون على ضلالهم فيكون إنقاذهم متاعاً إلى حين. والقسمان نالتهم رحمه الله والمتاع إلى حين. فالذين آمنوا نالتهم رحمة الله بإنقاذهم من الغرق وبإيمانهم. والذين لم يؤمنوا نالتهم رحمة الله بالنجاة من الغرق. وعلى هذا فكلهم مرحومون ممتعون ولكن منهم من نالته رحمة أوسع بنجاته وإيمانه. وقال (رَحْمَةً مِنَّا) ليدل على أن الرحمة بهم كانت منه سبحانه وإلا فليس ثمة من يرحمهم ويغيثهم، وحتى لو أغاثهم أحد فذلك برحمته سبحانه لهم وتهيئته من ينجيهم. فهم لا ينقذون إلا برحمته سبحانه. جاء في (التفسير الكبير) في قوله (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) "وهو يفيد أمرين: أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمتاع. أي فمن علم الله منه أنه يؤمن فينقذه الله رحمة، وفيمن علم أنه لا يؤمن زماناً ويزداد إثماً. وثانيهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزوال في الدنيا لابد منه فينقذه الله رحمة ويمتعه إلى حين. ثم يميته فالزوال لازم أن يقع" (1). وقد تقول: لقد قدم الرحمة ههنا على الجار والمجرور فقال (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا) فهل يصح أن يقدم الجار والمجرور على الرحمة فيقول (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعاً إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا رحمة ومتاعاً إلى حين) كما قدم ذلك في مواطن من القرآن الكريم وذلك نحو قوله (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) هود (9). وقوله (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) الشورى (48). وما الغرض من هذا التقديم والتأخير؟ فنقول: ههنا سؤالان. السؤال الأول: هل يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية يس؟ والآخر: ما الغرض من هذا التقديم والتأخير فيما ورد من نحو ذلك في القرآن؟ أما الجواب عن السؤال الأول فقال: أنه لا يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية يس لأن المعنى سيختل ذلك أنه لو قال (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعاً إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا) كان المعنى أنه سينقذهم من الله تعالى منقذ وينجيهم منه مغيث رحمة ومتاعاً إلى حين، وبذلك يكون الله عاجزاً عن إغراقهم تعالى عن ذلك لأنه سيكون من ينقذهم من الله، ولذا لا يصح التقديم في الآية. أما تقديم الجار والمجرور فيما ذكرناه من آيتي هود والشورى فذلك ما يقتضيه المقام. فإنه سبحانه وتعالى قال في هود: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) هود (9 ،10). وقال في الشورى (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) . في حين قدم الرحمة على الجار والمجرور في سورة فصلت فقال: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظ ٍ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) (49 – 51). ومن النظر في المواطن الثلاثة يتضح أن الكلام في (فصلت) على الرحمة أكثر وأثرها على الإنسان أوسع مما في هود والشورى فإنه في هود والشورى لم يذكر إلا إذاقته إياها ونزعها منه، فذكر حالة نزع الرحمة فقط ولم يذكر أثر الرحمة عليه.وأما في الشورى: فإنه لم يزد على أن قال (فرح بها). وأما في (فصلت) فقد فصل وأطال في وصف أثرها فيه واحتفائه بها فناسب تقديمها في (فصلت). ونحو ذلك قوله تعالى في سورة هود (وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) - (2) 8) بتقديم الرحمة على الجار والمجرور. وقوله في السورة نفسها (وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) هود (63) بتقديم الجار والمجرور على الرحمة. ومن النظر في سياق الآيتين يتضح سبب التقديم والتأخير فيهما. قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ…ا) لخ (25 – 28). وقال: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ... ) الخ (61 – 63). فأنت ترى من النصين السابقين أن الكلام على الرحمة في قصة نوح أطول ووصفهما أكثر فقد قال (وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) . وليس الأمر كذلك في قصة صالح فقد قال( وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) ولم يزد على ذلك. ثم قال بعدها (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) . فلما كان الكلام على الرحمة أكثر في قصة نوح قدم الرحمة وإنما لم يكن الكلام كذلك في قصة صالح أخرها. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن الكلام في قصة صالح على الله أكثر (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ). وقال في قصة نوح (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) فقال في قصة صالح: 1- اعْبُدُوا اللَّهَ. 2- مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ. 3- هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ. 4- وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا. 5- فَاسْتَغْفِرُوهُ. 6- ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ. 7- إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ. ولم يزد في قصة نوح على أن قال أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. فناسب تقديم الضمير العائد على الله في قصة صالح فقال وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً دون قصة نوح. فناسب التقديم والتأخير من جهتين: 1- من جهة التوسع في ذكر الرحمة في قصة نوح فناسب ذلك تقديمها. 2- ومن جهة التفصيل في الكلام على الله في قصة صالح دون قصة نوح فناسب تقديم ضميره وتأخير الرحمة. وقد تقول: لقد قال في آية يس (إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا) وفي مواطن من القرآن الكريم قال (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ) فهل من فرق بين التعبيرين؟ فنقول: الظاهر من التعبير القرآني أن قوله (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ) أخص من قوله ( رَحْمَةً مِّنَّا) ذلك أن قوله ( رَحْمَةً مِّنَّا) فيه الرحمة عامة تشمل جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم فقد قال تعالى (وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ) وقال (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) فصلت (50). أما قوله (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا) فهي رحمة خاصة بالمؤمن ولم ترد في القرآن الكريم في غير المؤمنين. قال تعالى على لسان سيدنا نوح (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) هود (28). وقال في الخضر وهو الرجل الصالح الذي اتبعه موسى ليتعلم منه (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ) الكهف65. وقال في سيدنا أيوب عليه السلام (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) الأنبياء 84. ونظير هذا قوله (نعمة منا) و(نعمة من عندنا) فإن قوله (نعمة منا) فيه النعمة عامة تشمل المؤمن والكافر، قال تعالى (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) الزمر 49. وقال (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) الزمر 8. فهذه النعمة عامة شملت عموم الناس وقد أصابت الكافر كما هو واضح في الآية الثانية. أما قوله (نعمة من عندنا) فهي خاصة بالمؤمن، قال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ) – القمر 34،35 وهذا نظير قوله (رحمة منا) و(رحمة من عندنا). وقد تقول ولكنه قد يرد في الموقف الواحد مرة (رحمة منا) ومرة (رحمة من عندنا) وذلك نحو قوله تعالى في سيدنا أيوب في سورة الأنبياء (وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ )84. وقوله فيه في سورة (ص) (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) - 43. فما الفرق؟ فنقول إن السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين هو الذي يوضح سبب الاختلاف بين التعبيرين. قال تعالى في سورة (ص) (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ )41-44. وقال في سورة الأنبياء ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) 83-84. ومن النظر في النصين يتضح الفرق: 1- فقد قال في سورة (ص) (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) فذكر مس الشيطان له، وقد اختلف المفسرون في تفسير هذا المس وفسره بعضهم بانه وسوسة من الشيطان أطاعه فيها، جاء في (الكشاف): "ولما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سبباً فيما مسه الله به من النصب والعذاب نسبة إليه" (2). أما في سورة الأنبياء فقال (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) فذكر في (ص) ما هو خلاف الأولى فناسب ذكر (رحمة منا) في (ص) و(رحمة من عندنا) في الأنبياء. 2- ذكر في سورة الأنبياء الله بصفة الرحمة فقال (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ولم يذكر مثل ذلك في (ص). 3- ذكر في الأنبياء أن الله استجاب له وكشف ما به من ضر تصريحاً ولم يذكر مثل ذلك في (ص) بل فهم ذلك ضمناً، فكان ما في الأنبياء أتم وأكمل مما ذكر في (ص) فناسب كل تعبير موطنه. ثم إن السياق في كل من السورتين يوضح ذلك أيضاً: فقد ذكرت قصة أيوب عليه السلام بعد قصة داود وسليمان عليهما السلام في السورتين، وكان السياق في سورة (ص) فيما وقع لهما خلافاً للأولى فقد ذكر فيها سيدنا داود وتسور المحراب عليه وفزعه من المتسورين، وذكر الحكم في مسألة النعاج التي ترمز إلى أمر ما الله أعلم به، وعلى أية حال فقد ظن داود أن الله قد فتنه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب وغفر الله له ذلك. وذكر سليمان وأنه أحب حب الخير عن ذكر ربه، وذكر أن الله قد فتنه وألقى على كرسيه جسداً ثم أناب. وذكر أيوب وأن الشيطان قد مسه بنصب وعذاب. فالمقام والسياق في الابتلاءات والفتن التي تعرض لها الأنبياء المذكورون وليس في سورة الأنبياء مثل ذلك وإنما ذكر التفضل والإنعام عليهم ورحمته بهم فقد ذكر داود وسليمان وحكمهما في الحرث فقال (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ولم يذكر إنه فتنهما وإنما ذكر تفضله وإنعامه عليهما. وذكر أيوب ولم يذكر إنه مسه الشيطان وإنما قال (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). فناسب المقام والسياق ذكر الخصوصية بقوله (رحمة من عندنا) في سورة الأنبياء دون سورة (ص) والله أعلم. ثم لننظر إلى الآيتين من ناحية آخري فقد قال في (الأنبياء): (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ). وقال في (ص): (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) وإليك الفرق بينهما: في الأنبياء في (ص) فاستجبنا له -- فكشفنا ما به من ضر -- أتيناه أهله وهبنا له أهله رحمة من عندنا رحمة منا وذكرى للعابدين وذكرى لأولي الألباب ونود أن نذكر ما يأتي تعقيباً على النصين: 1- إن قوله (أتيناه) يشمل (وهبنا له) وزيادة، فإن الإيتاء يشمل الهبة وغيرها، فقد يستعمل الإيتاء في المال وغيره نحو قوله (آتيناه حكماً وعلماً) وقوله (آتينا ثمود الناقة مبصرة) وقوله (آتيناهم الكتاب) مما لا تصح الهبة في نحوه. 2- إن قوله (رحمة من عندنا) يشمل (رحمة منا) وزيادة، إذ الرحمة في قوله (منا)عامة يشترك فيها عموم الخلق مؤمنهم وكافرهم، أما قوله (رحمة من عندنا) فهي رحمة خاصة تزيد على الرحمة العامة فهي إذن تشمل قوله (رحمة منا) مع زيادة في الرحمة. 3- وقوله (للعابدين) يشمل أولى الألباب) وزيادة في الوصف، فإن العابدين كلهم من أولي الألباب وليس أولو الألباب كلهم من العابدين، ذلك أنه لا تصح عبادة من غير عقل، وعلى هذا فإن العابدين يزيدون في الوصف على أولي الألباب، فإن العابدين هم: أولو الألباب + عبادة فكان قوله (للعابدين) يشمل أولي الألباب وزيادة. 1- وزاد على ذلك قوله فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ. وبهذا يتضح أن آية الأنبياء تشمل آية (ص) وزيادة، فناسب كل تعبير مكانه. هذا علاوة على إنه في سورة (ص) تكرر ذكر مشتقات الهبة، وفي (الأنبياء) تكرر ذكر الإيتاء. فقد قال في (ص) (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) - 9، وقال (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ-) 30 وقال (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) 35- وقال (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ) 43. وقال في (الأنبياء): (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً )(48) وقال (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ ) 51 وقال (وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ) 73 وقال (وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ) 74 وقال (وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) 79 وقال 0وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) 84 فناسب لفظ (وهبنا) ما في (ص) و(آتينا) ما في الأنبياء من حيث السمة التعبيرية لكل من السورتين. ثم من ناحية آخري إن لفظ العبادة والعابدين ورد في سورة الأنبياء أكثر مما ورد في (ص) بل لم يرد لقط (العابدين) في (ص). فقد ورد ذلك في الأنبياء عشر مرات في حين ورد في (ص) خمس مرات. قال تعالى في الأنبياء (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ 19) وقال (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ( 25) وقال (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ 26) وقال (قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ) 53) وقال ( أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ) (66) وقال (أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (67) وقال: (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )(73) وقال (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ )(84) وقال (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ 92) وقال (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ )(106). وقال في (ص): (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ 17) وقال (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ ) (30) وقال (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ) 41 وقال (نِعْمَ الْعَبْدُ 44) وقال (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ..)(45). فناسب قوله (وذكرى للعابدين) ما في الأنبياء، وقوله (وذكرا لأولى الألباب) ما في (ص). ومما زاده حسناُ أنه قال في (ص) (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)( 29) فناسب قوله (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) . وأنه قال في (الأنبياء) (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )(73). وقال (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ )(106). فناسب ذلك قوله (وآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) هذا علاوة على أن سورة الأنبياء تكررت فيها مواقف العبادة وسياقاتها مما لم ير مثله في (ص) وشرح ذلك يطول مما لا يناسب هذا المقام. فناسب كل تعبير مكانه من كل وجه، والله أعلم. الوقفة كاملة
٣١٦٢ برنامج لمسات بيانية (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي إذا قيل لهم احدروا ما تقدم من موجبات العذاب وما يأتيا فيما بعد أعرضوا، وقيل في معنى قوله (ما بين أيديكم وما خلفكم) وجوه منها: أن قوله (ما بين أيديكم) يعني ما مضى من الذنوب و(ما خلفكم) ما بقي منها" (1)، أو ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر. وقي (ما بين أيديكم) الوقائع التي خلت من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها. و(ما خلفكم) من أمر الساعة (2) وعذاب الآخرة (3). وقيل (ما بين أيديكم) أي ما بين أيديكم من الآفات والنوازل فإنها محيطة بكم وما خلفكم منها، وقيل (ما بين أيديكم ما ظهر لكم و(ما خلفكم) ما خفي عنكم (4) وقيل (ما بين أيديكم) من أنواع العذاب مثل الغرق والحرق وغيرهما المدلول عليه بقوله تعالى (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) و(ما خلفكم) من الموت الطالب لكم إن نجوتم من هذه الأشياء فلا نجاة لكم معه يدل عليه قوله تعالى (وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) 5). وقيل (ما بين أيديكم) الآخرة فإنهم مستقبلون لها و(ما خلفكم) الدنيا فإنهم تاركون لها (6) هذه أشهر الأقوال التي قيلت فيها، ويمكن تلخيصها بما يأتي: ما بين أيديكم: 1- ما مضى من الذنوب وما تقدم منها. 2- الوقائع التي أوقعها الله بالأمم السالفة المكذبة. 3- الآفات والنوازل المحيطة بكم وأنواع العذاب مثل الغرق والحرق. 4- ما ظهر لكم. 5- الآخرة. ما خلفكم 1- ما تأخر من الذنوب أو ما بقى منها . 2- أمر الساعة وعذاب الآخرة. 3- النوازل والآفات التي تنزل فيما بعد. 4- الموت الطالب لكم. 5- ما خفي عنكم. 6- الدنيا. وأكثر الأقوال على أن (ما بين أيديكم) يعنى ما تقدم من هذه الأمور و(ما خلفكم) يعنى ما يأتي منها فيما بعد غير أنه نسب إلى مجاهد القول بعكس ذلك، وهو أن (ما بين أيديكم) يعني الآخرة وعذابها، و(ما خلفكم) يعنى الدنيا وما فيها. وعلى أية حال فإن قوله (ما بين أيديكم وما خلفكم) يشمل ما ينبغي أن يتقي من أمور الدنيا والآخرة على قول مجاهد أو غيره، غير أن الاستعمال القرآني يؤيد ما ذهب إليه القائلون إن (ما بين أيديكم) يعنى ما تقدم من الأمور المذكورة أو ما هو واقع فعلاً في حين الإخبار، و(ما خلفكم) يعني ما لم يأت بعد وهو المستقبل. قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ )– المائدة48 أي مصدقاً لما تقدمه من الكتاب. وقال: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ) – المائدة 46 وقال: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ ) آل عمران 3،4. أى ما تقدمه من الكتب فجعل (ما بين يديه) لما تقدم. وقال: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) – البقرة 66 قيل "أي لمعاصريهم ومن خلفهم... وقيل أيضاً أي لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها" (7) وقال: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) آل عمران 169 - 170. فاستعمل (من خلفهم) للذين يأتون بعدهم. وقال: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ) النساء9. وقال: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) الأنفال 57. فاستعمل (من خلفهم) لمن يكون بعدهم أي لمن يأتي في المستقبل. ونحو هذا استعمال (من وراء) فقد يستعمل لما يكون بعد أي في المستقبل، قال تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي ) – مريم5 أي بعد وفاتي. وقال تعالى في زوج إبراهيم عليه السلام (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) هود 71. أي من بعد إسحاق يعقوب. ومن هذا يترجح إنه يعنى بقوله (اتقوا ما بين أيديكم) أي ما تقدم مما ينبغي أن يتقي أو ما هم يفعلونه في الحال، ويعنى بقوله (ما خلفكم) ما ينبغي أن يتقي في المستقبل وأعظم ما ينبغي أن يتقي في المستقبل هو الساعة وعذاب الآخرة، ويبدو أن هذا هو أظهر ما فهموه من النص ولذا قال (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي متى يقع ما تعدوننا به من أمر الساعة والآخرة؟ ويتضح مما ذكرت إنه لا يعني بقوله (مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ) أمراً معيناً وإنما هو عام في كل ما ينبغي أن يتقي، ما ذكر وما لم يذكر، جاء في (روح المعاني): "وحاصل الأمر على ما قيل:" اتقوا العذاب أو اتقوا ما يترتب العذاب عليه" (8) وإن كان أظهر ما يدل عليه قوله (وما خلفكم) الساعة وعذاب الآخرة كما ذكرت، لقد قال (وإذا قيل لهم) فجاء بـ (إذا) ولم يأت بــ (إن) وذلك ليدل على أن هذا القول ليس أمراً افتراضيا بل هو أمر حاصل فإنه قيل لهم هذا الأمر كثيراً فإن (إذا) تستعمل في اللغة لما هو مقطوع بحصوله ولما يكثر حصوله وذلك نحو قوله تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) التوبة 5 فإن الأشهر الحرم لابد أن تنسلخ. وقوله (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) الجمعة 10 فإن الصلاة لابد أن تنقضي. فهذا من القطوع بحصوله. ومن الكثير حصوله قوله (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) النساء 86. ولا تستعمل (إذا) لما هو أمر افتراضي محض لا يتحقق في الواقع، أما (إن) فقد تستعمل لعموم الافتراضات لما يقع ولما لا يقع ولما لا يمكن أن يقع وذلك نحو قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) القصص 72 وقوله (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) الزخرف 81 فجاء بــ (إذا) في الآية ليدل عل أن هذا القول قيل لهم كثيراً. ومعنى هذا إنه لم ينفع معهم النصح والتبليغ على كثرتهما وتطاولهما إذ المفروض أن كثرة النصح والتبليغ تؤثر في النفوس وهؤلاء لا يؤثر فيهم النصح وإن كثر. ولا تفيد (إن)هذا المعنى. ومن الملاحظ أنه لم يذكر جواب الشرط في الآية ذلك لأنه معلوم مما بعده وهو قوله تعالى (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) فكأنه قال: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا (9)، فحذفه لدلالة ما بعده عليه. وقد يكون الحذف إشارة إلى أمر آخر علاوة على ما ذكر وهو أنهم إذا قيل لهم ذلك لما يجيبوا لأن الكلام لا يعجبهم ولا يروق لهم فيسكتون عن الجواب كما يفعل أحدنا إذا سمع كلاماً لا يعجبه ولا يروق له فيسكت عنه ولا يجيب. ومن الملاحظ أيضاً أن الآية بنيت على الإيجاز يدل على ذلك أنه بنى القول للمجهول فلم يذكر القائل، وبنى فعل الرحمة للمجهول لأن الراحم معلوم، وحذف جواب الشرط لأنه مدلول عليه، بما بعده كما ذكرنا. واختار فعل الرحمة فقال (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) لأنه لا ينجيهم من ذلك إلا رحمة الله كما قال تعالى (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) فذكر إنهم لا ينجيهم من المكروه والمحذور إلا رحمة الله. وقوله (اتقوا) يعنى احذروا واحفظوا أنفسكم منه ذلك أن الذي يتقى هو مخوف ومحذور، فلا تقول لأحد ما (اتق هذا) إلا إذا كان الشيء مخوفاً ومحذوراً، عليه أن يحذره ويحفظ نفسه منه، ولا يقيه من هذا المحذور إلا الاتقاء ورحمة الله. ومعنى الاتقاء هو اتخاذ الأسباب لدفع المحذور لقد ذكر أمرين للنجاة من المحذور: أحدهما يتعلق بالإنسان وهو ما يتخذه من الأسباب لدفع ذلك المحذور وحفظ نفسه منه وهو الاتقاء. والآخر متعلق بمشيئة الله تعالى ورحمته. والتقوى مدعاة لرحمة الله تعالى. فاتخاذ الأسباب مرجو أن يدفع الله بها المحذور ولا تدفع المحذور وحدها، إذ من المحتمل أن يقع المحذور مع اتخاذ الأسباب، فالسبيل لدفع المحذور هو اتخاذ الأسباب ورجاء رحمة الله ولذا قال (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فجاء بـ (لعل) الدالة على الرجاء ولم يقل (لترحموا) لأن الاتقاء مرجو معه رحمة الله ولا يدفع المحذور وحده، ولو قال (اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لترحموا) لجعل الدفع حاصلاً بالأسباب وحدها، فلذا جيء بلعل التي تفيد الترجي لكيلا يتكل الإنسان على الأسباب وينسى ربه فتكون معبودة له. وقال (لعلكم ترحمون) ولم يقل (عسى أن ترحموا) ذلك أن قوله (لعلكم ترحمون) يفيد الحال والاستقبال فإن الفعل المضارع المجرد من حرف الاستقبال يحتمل الحال والاستقبال، أما القول (عسى أن ترحموا) فإنه يفيد الاستقبال ولا يفيد الحال لأن (أن) تصرف الفعل إلى المستقبل فتكون الرحمة في المستقبل ولا تكون في الحال في حين أن الرحمة تراد في الحال والاستقبال وفي كل الأزمان فكان ما قاله أولى. هذا من ناحية، ومن ناحية آخري: إن قوله (لعلكم ترحمون) ذكر فيه ضمير الخطاب مرتين وهما الضمير (كم) في (لعلكم) والواو في (ترحمون) في حين أن قولنا (عسى أن ترحموا) ذكر فيه ضمير الخطاب مرة واحدة فكان الإسناد في قوله تعالى (لعلكم ترحمون) أقوى وأكد لأن الإسناد تكرر، فقد أسند إليهم وقوع الرحمة بهم مرتين. ومن ناحية ثالثة: إن قوله تعالى (لعلكم ترحمون) جملة إسمية وقولنا (عسى أن ترحموا) جملة فعلية والجملة الإسمية أقوى من الفعلية، كما هو معلوم فكان الرجاء في قوله تعالى (لعلكم ترحمون) أقوى. ثم إنه المناسب لقوله تعالى (اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم) فقد أمرهم باتقاء ما تقدم وما هو حاضر وما هو آت فكان الأمر عاماً شاملاً للأزمنة كلها فكان المناسب أن تكون الرحمة عامة تشمل الأزمنة كلها حاضرها ومستقبلها فجاء بالفعل المضارع مجرداً من (أن) ليشمل ذلك كله، ولو قال (عسى أن ترحموا) لكان خاصاً بالمستقبل فناسب العام العام فارتبطت الآية بما قبلها وما بعدها وهو قوله: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) . وقد تقول: ولكن ورد ترجى الرحمة بعسى وذلك قوله تعالى (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) الإسراء 8 فما الفرق؟ فنقول: إن كل تعبير أنسب في مكان ذلك أن قوله (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) خاص بأمر مستقبل ذلك أن الخطاب فيه موجه إلى بني إسرائيل وقد قال ذلك بعدما ذكر إنهم يفسدون في الأرض مرتين وإنهم يعلون علواً كبيراً، ثم ذكر إنهم سيلحقهم الدمار بعد المرة الثانية، وقال بعد ذلك (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) فهذا الرجاء بعد المرة الثانية (10) وهو مستقبل فناسب ذلك (عسى) فاختلف الأمران. هذا من ناحية، ومن ناحية آخري أن الاتقاء في آية يس أعم وأشمل وذلك أنهم أمروا باتقاء ما بين أيديهم وما خلفهم وذلك اتقاء شامل لما تقدم وما تأخر، وليس الأمر كذلك فيما ذكر عن بني إسرائيل فإنه خاص بما بعد المرة الثانية، فكان الترجي في آية يس أعم وأشمل، فناسب كل تعبير مكانه والله أعلم. إن هذه الآية مرتبطة بكثير من آيات وأحداث في السورة. فهي مرتبطة بقصة أصحاب القرية الذين لم يتقوا ما بين أيديهم وما خلفهم فأهلكهم الله بما قدمت أيديهم، وقصة الرجل الذي اتقى ما بين يديه وما خلفه فأدخله الله الجنة. ومرتبطة بقوله (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) فقد ذكر ما قدمت أيديهم وهو قوله (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ) وذكر (ما خلفهم) وهو قوله (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) ومرتبطة بقوله (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) . فكيف يتقى ما بين يديه من كان من بين يديه سد؟ وكيف يتقي ما خلفه من كان من خلفه سد؟ كيف يتقون ما بين أيديهم وما خلفهم وقد جعل سد من بين أيديهم وسد من خلفهم، وهم علاوة على ذلك لا يبصرون؟ وهي مرتبطة بقوله (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) فهذا ما خلفهم. ومرتبطة بقوله (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) وما بعدها. ومرتبطة بقوله (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) وهذا كله ما لم يتقوه مما خلفهم. ومرتبطة بقوله في آخر السورة (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) . الوقفة كاملة
٣١٦٣ برنامج لمسات بيانية (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) والمعنى أنه ما تأتيهم آية من آيات ربهم سواء كانت آية ينزل بها الوحي أم آية من آيات الله في الكون إلا كان شأنهم الإعراض عنها وعدم النظر فيها وتدبرها، فالإعراض عام يشمل الآيات اتى ينزل بها الوحي والآيات الكونية في الأرض والسماء. وهي في دلالتها على الآيات التي ينزل بها الوحي أظهر فإن إعراضهم عنها أشد، وقوله (تأتيهم) يقوى هذا المعنى فإن هذا الفعل يستعمل بكثرة مع آيات الله المنزلة ومع الآيات التي تدل على صدق ما جاء به رسل الله والبراهين التي تؤيدهم وهي المعجزات التي يؤتيها الله رسله لتكون آية على صدقهم. وعلى كل فالتعبير يعم الآيات كلها ويدل على إعراضهم عنها جميعاً. أن هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) فهم يشبهون من قبلهم في الإعراض عما جاءت به الرسل، ومرتبطة بما ذكر من الآيات الكونية وهو قوله (وآية لهم الأرض الميتة .. وآية لهم الليل .. وآية لهم أنا حملنا ذريتهم.. ) فهم معرضون عن الآيات كلها. جاء في (روح المعاني): "والمراد بها أما هذه الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع الله تعالى وسوابغ آلائه تعالى الموجبة للإقبال عليها والإيمان. وإيتاؤها نزول الوحي بها أي ما نزل الوحي بآية من الآيات الناطقة بذلك إلا كانوا عنها معرضين على وجه التكذيب والاستهزاء. وأما ما يعمها والآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وتعاجيب المصنوعات التي من جملتها الآيات الثلاث المعدودة آنفاً. وإيتاؤها ظهورها لهم أي ما ظهرت لهم آية من الآيات التي من جملتها ما ذكر من شؤونه تعالى الشاهدة بوحدانيته سبحانه وتفرده تعالى بالألوهية إلا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدى إلى الإيمان به عز وجل" (1). وجاء في (التفسير الكبير): "وهذا متعلق بما تقدم من قوله تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) . (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) يعنى إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا آتوا بالآيات أعرضوا عنها وما التفتوا إليها") (2) وجاء في (فتح القدير): "والمعنى ما تأتيهم من آية دالة على نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى صحة ما دعا إليه من التوحيد في حال من الأحوال إلا كانوا عنها معرضين وظاهرة يشمل الآيات التنزيلية والآيات التكوينية... والمراد بالإعراض عدم الالتفات إليها وترك النزر الصحيح فيها، وهذه الآية متعلقة بقوله (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي إذا جاءتهم الرسل كذبوا، وإذا آتوا بالآية أعرضوا عنها" (3) . ومن الملاحظ في بناء هذه الآية: 1- إنه نفي بـ(ما) ولم ينف بــ(لا)، ذلك لأنه يريد أن يبين حالتهم التي هم عليها وذلك يكون بـ(ما) لأن (ما) تفيد الحال إذا دخلت على المضارع، أما (لا) فعند الجمهور أنها تخلص الفعل للاستقبال، والحق كما حققناه في كتابنا (معانى النحو) أنها تفيد الإطلاق وكثيراً ما يؤتى بها للاستقبال. وهو لا يريد أن يبين حالتهم في المستقبل بل يريد ما هم عليه، فنفي لذلك بما. 2- جاء بالفعل المضارع فقال (ما تأتيهم) لأنه يريد أن يبين أن هذا شأنهم وديدنهم وليدل على الاستمرار، ولم يقل (ما أتتهم)بصيغة الماضي لأنه لا يريد أن يبين حالة ماضية فإن الماضي يفيد الانقطاع لا الاستمرار. جاء في (روح المعاني): " وما نافية وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار التجددي" (4) . 3- قال (من آية) فجاء بمن الدالة على الاستغراق وذلك ليشمل الإعراض عن جميع الآيات، ولو قال (ما تأتيهم آية) لاحتمل نفي العموم ولا احتمل نفي الوحدة أي ما تأتيهم آية واحدة إلا كانوا عنها معرضين. 4- أضاف الآيات إلى الرب المضاف إليهم ليبين أن إعراضهم هذا أسوأ إعراض فإن الآيات آيات ربهم المتفضل عليهم بالنعم فكيف يعرضون عنها؟ إذ المفروض أن يشكروا ربهم ويطيعوه لا أن يعرضوا عن آياته، فزادت هذه الإضافة إعراضهم سوءاً، جاء في (روح المعاني): "وإضافة الآيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميرهم لتفخيم شأنها المستتبع لتهويل ما اجترؤا عليه في حقها" (5) 5- قال (إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) ولم يقل (إلا أعرضوا عنها) فجاء باسم الفاعل (معرضين) ليدل على أن هذا وصفهم الثابت وأن هذا شأنهم ودأبهم ولم يقل (إلا أعرضوا) بالفعل الماضي فيكون الإعراض حادثاً، وجاء بــ(كان) ليدل على أن الإعراض حاصل أصلاً وهو ثابت فيهم ولم يحدث بعد مجيء الآية، فإن الآية إذا جاءت وجدتهم معرضين عنها، جاء في (روح المعاني): "وفي الكلام إشارة إلى استمرارهم على الإعراض حسب استمرار إتيان الآيات" (6) 6- قدم الجار والمجرور (عنها) على اسم الفاعل فقال (إلا كانوا عنها معرضين) ولم يقل (إلا كانوا معرضين عنها) ليدل على أن الإعراض خاص بآيات ربهم فهم لا يطيقون سماع آيات ربهم ولا مواجهة آية من آياته وهم يسمعون ما عداها من الكلام والحديث ولا يعرضون عنه، فكان التقديم للقصر إضافة إلى أن الفاصلة تقتضي هذا التقديم فكان التقديم لأمرين: القصر وفاصلة الآي. جاء في (روح المعاني): "و(عن) متعلقة بمعرضين قدمت عليه للحصر الادعائي مبالغة في تقبيح حالهم، وقيل للحصر الإضافي أي معرضين عنها لأعماهم عليه من الكفر، وقيل لرعاية الفواصل" (7). 7- قال (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) فبنى التعبير على الاستثناء المفرغ ولم يقل (إن تأتهم آية من آيات ربهم كأنواعها معرضين) ذلك لأن التعبير القرآني هذا يفيد الدوام وأن ذلك يحصل كلما جاءتهم آية من آيات ربهم، ولا يفيد تعبير الشرط ذلك نصاً، فإنك إذا قلت (إن يأتني محمد أكرمته) أفاد ذلك أنه إن جاءك أكرمته ولا يفيد إنك تكرمه كلما جاءك، فإنك إن أكرمته مرة واحدة كان كلامك صادقاً، أما قولك (ما يأتيني إلا أكرمته) فإنه يفيد أنه كلما جاءك أكرمته. هذا علاوة على أن التعبير بالاستثناء المفرغ يصح معه زيادة (من) الاستغراقية إذا وقعت قبل (إلا) وذلك لوجود النفي أو شبهه ولا يصح ذلك في التعبير الشرطي فلا تقول (إن تأتهم من آية من آيات ربهم كانوا عنها معرضين). الوقفة كاملة
٣١٦٤ (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) التسبيح هو التنزيه فمعنى ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) أن هؤلاء نزهوه عما لا يليق من الصفات وأنهم ذكروا ذلك بما يليق من حالهم مما نفقه من التسبيح وبما لا نفقه. لقد ورد فعل التسبيح في القرآن الكريم معدّي بنفسه ومعدّي باللام. فمما ورد معدي بنفسه قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلً) - الأحزاب (41، 42) وقوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ- ) الطور (49). ومما ورد معدّي باللام هذه الآية التي افتتح بها السورة. ونظيرها في مفتتح سورة الحديد وسورة الحشر وقوله ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ ) الإسراء (44) وغيرها. إن معنى (سَبِّحْهُ) نزهه – كما ذكرنا – ومعنى (سَبِّحُ لَهُ) أي فعل ذلك لأجله فاللام تفيد التعليل. فالتسبيح هو الفعل. والتسبيح له هو الفعل لأجله كما تقول: صلى وصلى له ونسك ونسك له. ولا ينفع الفعل حتى يكون له سبحانه. فكل فعل أو عبادة لا تنفع حتى تكون له وحده وإلا كان ذلك ضلالاً. فكل فعل لا يكون له باطل. قال تعالى ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) - الأنعام 162. فمن سبح رياء فليس بمسبح لله ومن صلى رياء فليس بمصل له، فالتسبيح ينبغي أن يكون له تعالى خالصاً كسائر العبادات. فالتسبيح هو الفعل. والتسبيح له هو إخلاص النية والعمل له. جاء في (البحر المحيط): واللام في (لِلَّه) إما أن تكون بمنزلة اللام في (نصحت لزيد) يقال: سبح الله كما يقال: نصحت زيدا فجئ باللام لتقوية وصول الفعل إلى المفعول. وإما أن تكون لام التعليل أي أحدث التسبيح لأجل الله أي لوجهه خالصاً (1). ومن الملاحظ في هذين الاستعمالين في القرآن الكريم أي في نحو سبح لله وسبحه أنه يستعمل اللام مع العاقل وغير العاقل وأما المتعدي بنفسه فلا يستعمله إلا للعقلاء. قال تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ ) - الحديد (1) وقال (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ) الإسراء (44) فهذا لغير العاقل والعاقل. وقال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ ) - النور (41) فهنا اختلط العقلاء بغيرهم. وقال (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ) - النور (36) وقال (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) - فصلت (38) وهذا خاص بالعقلاء. أما المتعدي بنفسه فلم يرد إلا للعاقل قال تعالى (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلً) - الفتح (9) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الأحزاب (41، 42). فتسبيح غير العقلاء لم يرد إلا باللام، أما تسبيح العقلاء فقد ورد باللام وبدونها. وثمة ملاحظة أخرى في استعمال هذين التعبيرين وهي أنه يستعمل اللام مع ما هو أعم وأشمل سواء كان ذلك من حيث المسبحون أم من حيث أوقات التسبيح. فقد قال الله إنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض. وإنه تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وهذا أعم تسبيح وأشمله في حين أنه قد يستعمل المتعدي بنفسه للواحد أو للجماعة التي لا تبلغ ذلك المبلغ في الشمول والسعة. قال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ق (40) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ) الإنسان (26) وقال (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الأحزاب (42) ولم يرد في المتعدي بنفسه نحو ذلك الشمول في المسبحين. ويكفي ذلك بياناً أن الفعل مع اللام يستعمل للعقلاء وغيرهم أما المتعدي بنفسه فلم يستعمله إلا للعقلاء. ومثل ذلك الاتساع في الأوقات. فما ورد من الأوقات مع اللام أكثر اتساعاً وأعم وأشمل. قال تعالى مع المتعدي بنفسه (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الفتح (9) وقال (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) - الأحزاب (42) في حين قال مع اللام (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ) - النور (36) فذكر ذلك بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد، فالغدو جمع غدوة والآصال جمع أصيل. وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ق (40) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) - الطور (49) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ) ا لإنسان (26) ففي كل ذلك قال (مِنَ اللَّيْلِ) بمن التبعيضية ثم ذكر وقتاً آخر ليس طويلاً وهو (أَدْبَارَ السُّجُودِ) أو ( إِدْبَارَ النُّجُومِ ) حتى أنه في آية الإنسان لم يذكر غير الليل في حين قال ( فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ) - فصلت (38) فقال (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) بإطلاق الليل والنهار من دون تقييد ولم يذكر (من) الدالة على البعضية بل ذكر الباء التي تفيد الظرفية. ثم قال (وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) للدلالة على مداومة التسبيح وطوله. لقد ورد التسبيح في القرآن الكريم بصور شتى فقد ورد بالفعل الماضي نحو (سَبَّحَ لِلَّهِ) وورد بالمضارع نحو (يُسَبِّحُ لِلَّهِ) وورد بالأمر نحو (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وقوله (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) كما ورد باسم المصدر وهو (سُبْحَانَ) وذلك ليشمل الأزمنة كلها ويستغرقها. فالفعل الماضي يستغرق الزمن الماضي والمضارع يستغرق الحال والاستقبال والأمر يفيد طلب التسبيح في المستقبل. والمصدر غير مقيد بزمن أو فاعل فهو يفيد الحدث المطلق فهو يدل على حدوث التسبيح سواء كان هناك من يسبحه أم لا. فاستغرق ذلك الأوقات كلها. وأفاد أنه مستحق التسبيح على الدوام سواء كان هناك من يسبح أم لم يكن. جاء في (التفسير الكبير): ثم إنه تعالى قال في البعض من السور (سَبَّحَ لِلَّهِ) وفي البعض (يُسَبِّحُ) وفي البعض (سبّحْ) بصيغة الأمر ليعلم أن تسبيح حضرة الله تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان والأمر يدل عليه في الحال (2). لقد افتتحت السورة بالفعل الماضي (سَبَّحَ لِلَّهِ) شأن سور أخرى وقد افتتح قسم آخر من السور بالفعل المضارع أي (يُسَبِّحُ لِلَّهِ.) ومن الملاحظ أن كل سورة تبدأ بالفعل الماضي أي (سَبَّحَ لِلَّهِ) يجرى فيها ذكر للقتال بخلاف ما يبدأ بالفعل المضارع أي (يُسَبِّحُ لِلَّهِ) فقد قال في سورة الحديد (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ ) – (10). وذكر في سورة الحشر إخراج الكافرين من حصونهم وتكرر في السورة ذكر القتال (أنظر على سبيل المثال الآيات 10، 11، 13). وقال في سورة الصف (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) وذكر الجهاد بقوله ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ َ). وكل تلك السور تبدأ بالفعل الماضي (سَبَّحَ) ولم يرد مثل ذلك فيما بدأ بالفعل المضارع. ومن الملاحظ أيضاً أنه في قسم من الآيات يكرر (مَا) فيقول (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) فكرر (مَا) فقال ( وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) . وحيث كرر ( مَا) في آيات التسبيح أعقب ذلك بالكلام على أهل الأرض. وإذا لم يكرر (مَا) فإنه لا يذكر شيئاً يتعلق بأهل الأرض وبعدها. وقد ذكر بعد هذه الآية أمراً يتعلق بأهل الأرض فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) فكان تكرار ( مَا) هو المناسب (3). وقدم الجار والمجرور (لِلَّهِ) على الفاعل وهو (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) وذلك لأن المجرور أهم فإن السياق ليس على الفاعل وإنما هو على مستحق التسبيح وهو الله ولذا ذكر بعد ذلك قسماً من صفاته فقال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .) ثم قال بعدها (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) ثم قال (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) ذكر ما يحبه الله وما لا يحبه. فقدم ما هو أهم وأولى. وقدم (مَا فِي السَّمَاوَاتِ) على (مَا فِي الْأَرْضِ) وذلك لأن أهل السماوات أسبق في التسبيح من أهل الأرض فإنه لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ ) - البقرة (30) فقدم ما هو أسبق. وهناك أمر آخر وهو أنه قدم ما هو أدوم تسبيحاً. فما في السماوات أدوم تسبيحاً قال تعالى (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) - الأنبياء (20). ولا تقل: إن (مَا) لغير العاقل فلا تشمل الملائكة. فإن (مَا) كما هو معلوم تكون لذوات غير العقلاء ولصفات العقلاء. كقوله تعالى (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا) - الشمس (7، 8) فاتضح ما قلناه. (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) العزيز هو الغالب الممتنع من أن يغلبه أحد. والحكيم قد يكون فعيلاً من الحكم. وقد يكون من الحكمة. والعزيز إذا حكم كان ذلك منتهى العزة. فقد يكون العزيز حاكماً وقد يكون غير حاكم. وقد ذكر هنا أنه جمع العزة والحكم فكان ذلك غاية الكمال فيهما. وإذا كان (الْحَكِيمُ) من الحكمة فذلك منتهى الكمال أيضاً ذلك أنه يكمل عزته بالحكمة فقد يكون العزيز متهوراً فيكون ذلك نقصاً فيه. والراجح أن كلا المعنيين مراد فهو حكيم من الحكم وحكيم من الحكمة فهو العزيز الحاكم ذو الحكمة. وقال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) بتعريف الوصفين ليدل على أنه لا عزيز في الحقيقة سواه ولا حاكم ولا حكيم في الحقيقة سواه فإن كل عز يناله غيره فمن عزته سبحانه وكل حكم أو حكمة لغيره فذلك منه سبحانه كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) - آل عمران (26) وقال (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ ) - البقرة (269). إن قوله (سَبَّحَ لِلَّهِ ) يعني أن ما في السماوات وما في الأرض نزهوه عن صفات النقص وأثبتوا له صفات الكمال. وقوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) يدل على الروحانية وإبطال الشرك إذ لا عزيز سواه ولا حاكم غيره، فهذه الآية تدل على توحيد الله سبحانه واتصافه بصفات الكمال وتنزيهه عن النقص. وتفيد إقرار ما في السماوات وما في الأرض له بذلك وخضوعهم له دون غيره خضوع قهر وعبادة. فإن الخضوع قد يكون خضوع قهر وغلبة لا خضوع عبادة وتقديس. أما خضوع ما في السماوات وما في الأرض فهو خضوع قهر وعبادة. فخضوع القهر يدل عليه قوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ويدل عليه وصف نفسه بـ (القهار). وخضوع العبادة والاستحقاق يدل عليه قوله (سَبَّحَ لِلَّهِ) فدل ذلك على الكمال المطلق له سبحانه. جاء في (التفسير الكبير): (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السماوات والأرض، و (الْعَزِيزُ) من عز إذا غلب وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ولا يمكن أن يغلب عليه غيره. و(الْحَكِيمُ) من حكم على الشيء إذا قضى عليه وهو الذي يحكم على غيره أي شيء كان ذلك الغير ولا يمكن أن يحكم عليه غيره. فقوله (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) يدل على الربوبية والوحدانية إذن (4). لقد ارتبط هذان الاسمان الكريمان بما ورد في السورة على العموم فقد شاع فيها جو العزة والحكم والحكمة. فقد ارتبط باسمه العزيز واسمه الحكيم من معنى الحكم قوله تعالى (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ولا يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط بهما أيضاً قوله ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) وقوله ( نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ ) وقوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) ، فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط باسمه (الحكيم) من الحكمة قوله تعالى (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) فإن نور الله إنما هو للهداية. والهداية من الحكمة. والذي يهدي إنما هو الحكيم. وارتبط به أيضاً قوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ) والهدى من الحكمة. والحق إنما يدل على الحكيم. وارتبط به أيضاً قوله تعالى (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) والذي يدل على ذلك حكيم. وقوله (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) والذي يعلم إنما هو حكيم لأن من مقتضيات الحكمة العلم. والذي لا يعلم لا يكون حكيماً. وذلك من لطيف الارتباط. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 199 إلى ص 205. (1) البحر المحيط 10/ 100. (2) التفسير الكبير 29/ 311. (3) أنظر معاني النحو 1/ 156 وما بعدها. (4) التفسير الكبير 29/ 311. الوقفة كاملة
٣١٦٥ (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (كَبُرَ) بضم الباء. وفي التعبير احتمالات: منها أن العرب يفرقون بين الكبر المعنوي والكبر في السن. فالكبر المادي تقوله بكسر الباء فيقال (كبر الرجل). والكبر المعنوي تقوله بالضم فيقال (كبر الأمر). والكبر ههنا غير مادي فقاله بالضم. فيكون التعبير خبرياً. وفيه احتمال آخر وهو أن الفعل محوّل إلى (فعُل) بضم العين لقصد التعجب أي ما أكبره مقتاً. فإن الفعل قد يحوّل إلى (فعل) لقصد التعجب. وفيه احتمال ثالث وهو أن الفعل محوّل إلى (فعُل) بقصد الذم فإنه إذا أريد تحويل الفعل إلى المدح أو الذم أي تحويله إلى باب نعم وبئس جيء به على (فعُل) بضم العين بشروط معلومة في التعجب والمدح والذم. وهنا احتمل التعبير الذم والتعجب إضافة إلى الأسلوب الخبري الأول. و(مَقْتًا) يحتمل أن يكون تمييزاً مفسراً لفاعل مستتر أي كبر المقت مقتاً والمصدر المؤول يكون بدلاً وذلك لقصد الإيضاح بعدم الإبهام ثم فسر الأمر الممقوت بقوله (أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) . وإضمار الفاعل وتفسيره بالتمييز يحول الكلام إلى إنشاء إضافة إلى التفخيم والتعظيم. ويحتمل أن يكون الفاعل هو المصدر المؤول أي (أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) و(مَقْتًا) تمييز محول عن فاعل والأصل (كبر مقت قولكم ما لا تفعلون) وقد حول الفاعل لقصد المبالغة (1). وبهذا يكون قد اجتمع في التعبير ما يجعله ممقوتاً أشد المقت وذلك من نواح. 1- منها أنه يحتمل الخبر على أصل التعبير من دون تحويل إلى (فعُل) فيكون قد أخبر عن بغضه بفعل من أفعال السجايا الدالة على الثبوت. 2- ومنها أنه يحتمل التحويل إلى فعل لقصد التعجب فيكون القصد هو التعجب من بغض هذا الفعل إلى الله. 3- ومنها أنه يحتمل التحويل إلى فعُل لقصد الذم فيكون القصد إنشاء الذم لهذا الوصف. 4- ومنها أنه استعمل كلمة (المقت) دون البغض، والمقت أشد البغض وأبلغه. 5- ومنها أنه يحتمل تحويل الفاعل إلى تمييز لقصد المبالغة. 6- ومنها أنه يحتمل إصدار الفاعل وتفسيره بالتمييز لقصد الإيضاح بعدم الإبهام وتحويل الخبر إلى إنشاء. - ومنها وصفه بالكبر. 8- وزاد هذا الوصف بغضاً قوله (عِنْدَ اللَّهِ) فإن المبغوض عند الله هو أسوأ ما يبغض. فجعل هذا التعبير ممقوتاً من كل وجه وعلى أبلغ صورة خبراً وإنشاء وتعجباً وذماً ومبالغة وإيضاحاً بعد الإبهام. ولو قال بدل ذلك مثلاً (كبر المقت عند الله أن تقولوا) أو قال (ما أكبر المقت عند الله) أو قال (كبر عند الله مقت أن تقولوا...) أو غير ذلك لفقد أكثر هذه المعاني. جاء في (الكشاف): قصد في (كَبُرَ) التعجب من غير لفظه كقوله (غلت ناب كليب بواؤها). ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله. وأسند إلى (أَنْ تَقُولُوا) ونصب (مَقْتًا) على تفسيره دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه لفرط تمكن المقت منه. واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه... ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيراً حتى جعل أشده وأفحشه و(عِنْدَ اللَّهِ) أبلغ من ذلك لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك (2). وقال (أَنْ تَقُولُوا) بالمصدر المؤول ولم يقل (قولكم) بالمصدر الصريح ذلك أن (قولكم) يحتمل أن ذلك وقع مرة واحدة فيكون المقت الكبير لما حصل ولو مرة واحدة وليس ذلك بمراد. فأراد أن يبين أن هذا المقت الكبير عند الله يكون إذا تكرر حصول ذلك. فجاء بالفعل الدال على التجدد والاستمرار. كما أنه لم يقل (كبر مقتاً عند الله أن قلتم ما لم تفعلوا) للسبب نفسه فإنه لم يرد أن يجعل هذا المقت الكبير عند الله لما وقع مرة واحدة. والله أعلم. وقد فظّع الله هذا الوصف وبالغ في ذمه لأن هذا الأمر يدخل في دائرة الكذب والمسلم لا يكذب. وقد تقول: ولم لم يقل (إن الله يمقت الذين يقولون ما لا يفعلون) فيجعل المقت للفاعل كما قال في الآية بعدها (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) فلماذا جعل المقت للفعل والحب للفاعل؟ والجواب أن الله خاطب أصحاب الوصف الممقوت بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فلو قال بعد ذلك (إن الله يمقت الذين يقولون ما لا يفعلون) لأفضى ذلك إلى مقت الذين آمنوا الذين خوطبوا بذلك والله لا يمقت الذين آمنوا بل يحبهم ولكنه يمقت هذا الوصف فنزههم عن أن يمقتهم ربهم وكفى بذلك إكراماً للمؤمن في حين قال (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) فجعل الحب للفاعلين بسبب فعلهم فأحب الفعل والفاعلين.فأي كرامة للمؤمن دلت عليها الآيتان في المقت والحب؟! قد تقول: لقد قال (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) فلم لم يقل بمقابل ذلك (إن الله يحب الذين يفعلون ما يقولون). والجواب إن الله يحب الأفعال التي أرادها ربنا وارتضاها لنا ولا يحب كل فعل أياً كان ذلك الفعل فإنه ليس الأمر على إطلاقه فإنه لا يحب الذي يقول إنه سيفعل سوءاً ثم يفعله بل عليه أن ينتهي عنه حتى لو أقسم على فعله، فالذي يقول أنه سيقطع رحمه أو يفعل منكراً عليه ألا يفعل ذلك بل يفعل نقيضه من فعل المعروف ولذا لا يصح هذا القول على إطلاقه. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 205 إلى ص 208. (1) أنظر معاني النحو 2/ 751 وما بعدها. (2) الكشاف 4/ 97. الوقفة كاملة
٣١٦٦ (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) ذكر أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ولم يذكر غيرهم ممن يحبهم الله وذلك لأكثر من سبب. منها أن نزول الآية التي قرع الله فيها الذين يقولون ما لا يفعلون كان بسبب النكول عن القتال أو بسبب أمر يتعلق بالقتال فإنهم قالوا لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لبادرنا إليه فأعلمهم الله أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً، ثم إن جو السورة شاع فيه استنهاض المؤمنين للجهاد وطلب نصرة الله. فناسب ذكر هذا الصنف والله أعلم. ومعنى الآية أن الله تعالى يحب الذين يثبتون في الجهاد ويلزمون مكانهم كثبوت البنيان المرصوص. وقيل: المراد أن يكونوا في اجتماع كلمتهم واستواء نياتهم وموالاة بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص. والحق أن المعنيين مرادان فيراد ثباتهم في الحرب ولزوم مكانهم كما يراد اجتماع كلمتهم وموالاة بعضهم بعضاً. فالمراد أن يكونوا صفاً ثابتاً في نياتهم وأجسامهم. فإن تفرقت نياتهم وتشتت قلوبهم لم يكونوا صفاً وإن وقفوا في صف واحد، جاء في (الكشاف): (كَأَنَّهُمْ) في تراصهم من غير فرجة ولا خلل (بُنْيَانٌ) رص بعضه إلى بعض ورصف، وقيل يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص (1). وجاء في (التفسير الكبير): قال أبو إسحاق: أعلم الله تعالى أنه يحب من يثبت في الجهاد ويلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص. قال ويجوز أن يكون على أن يستوي شأنهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة وموالاة بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص. وقيل ضرب هذا المثل للثبات. يعني إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الثابت المستقر (2). وقدم الجار والمجرور (فِي سَبِيلِهِ) على (صَفًّا) وذلك لتقدم النية وأهميتها قبل أن يدخلوا في الصف. ثم إن توحيد النية سبب لتوحيد الصف. فإن لم يكن القتال في سبيل الله فلا خير فيه. وقال (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ) ولم يقل (كأنهم بناء) ذلك أن القرآن فرق في الاستعمال بين البناء والبنيان فاستعمل البناء للسماء والبنيان لما بناه البشر. قال تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) - البقرة (22) وقال (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) - غافر (64) في حين قال ( فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ۖ رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ ) - الكهف (21) وقال: ( قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ) الصافات (97) وقال: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) - التوبة (109) ووصف البنيان بأنه مرصوص فقال (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) للدلالة على شدة تماسكه وقوته. م**ن كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 208 إلى ص 209. (1) الكشاف 4/ 97 – دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. (2) التفسير الكبير 29/ 313. الوقفة كاملة
٣١٦٧ (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) ذكر قصة موسى ليتأسى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن قوم موسى آذوه مع علمهم أنه رسول الله إليهم. وفيها تحذير لمن يزيغ عن طريق الحق والهدى ولا يتبع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يزيغ الله قلبه كما فعل مع أصحاب موسى. قيل ومناسبة ذكر هذه القصة لما قبلها أن أصحاب موسى انتدبوا لقتال الجبابرة فعصوا رسولهم ونكلوا فشبه حالهم حال من تمنى القتال ثم لم كتب عليهم القتال تراجع. جاء في (تفسير أبي السعود): (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي ) كلام مستأنف مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال... أي واذكر لهؤلاء المعرضين عن القتال وقت قول موسى لبني إسرائيل حين ندبهم إلى قتال الجبابرة بقوله: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) فلم يمتثلوا بأمره وعصوه أشد عصيان (1). وقيل إنه لما كان في صف الجماعة المؤمنة من قال ما لا يفعل وذلك يدخل في باب الكذب كان ذلك أذى لرسولهم في أن يرى من جماعته من يقول ما لا يفعل فذكر الذين آذوا موسى آمن به تأسية لرسوله وتقريعاً وتحذيراً لأولئك. جاء في (البحر المحيط): ولما كان في المؤمنين من يقول ما لا يفعل وهو راجع إلى الكذب فإن ذلك في معنى الأذية للرسول عليه الصلاة والسلام إذ كان في أتباعه من عانى الكذب. فناسب ذكر قصة موسى وقوله لقومه (لِمَ تُؤْذُونَنِي) (2). وقد أطلق الأذى ليشمل كل نوع من أنواعه. وقد ذكر موسى عليه السلام أمرين كل منهما يدعو إلى الدفاع عنه ونصرته وعدم إيذائه: الأمر كونهم قومه فقد قال (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ) . وقوم الرجل في العادة يدفعون عنه وينصرونه لا يؤذونه وكان العرب في الجاهلية ينصرون أخاهم ومن كان من قومهم وإن كان ظالماً وعلى ذلك جرى مثلهم المشهور (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) والذي أعطى له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مفهوماً جديداً. والأمر الآخر أنهم يعملون أنه رسول الله وهذا يستدعي طاعته والدفاع عنه ونصرته لا إيذاءه، لكن بني إسرائيل آذوه مع هذين المانعين من الأذى المستلزمين للنصرة. وقد قال لهم (يَا قَوْمِ) تألفاً لهم واستصراخاً لداعي القربى واستثارة للمودة ليلين قلوبهم فيطيعوه ويكفوا عن أذاه كما يقول الرجل لأخيه يا أخي ولابنه يا بنيّ ولابن عمه يا ابن عم تذكيراً بالقربى واستثارة لداعي المودة. ومن الملاحظ في القرآن الكريم أن موسى في قسم من المواقف يناديهم بـ (يَا قَوْمِ) بل يذكر لهم الأمر مباشرة بحسب ما يقتضيه الموقف. فإذا كان الموقف يتطلب إثارة حميتهم وتليين قلوبهم أو كان في مقام تذكيرهم بالنعم التي أنعم الله عليهم بها ناداهم بـ (يَا قَوْمِ) . وإذا كان في موقف تقريع وذم وتذكيرهم بما يسوؤهم لم يقل لهم (يَا قَوْمِ) . قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ )- المائدة (20، 21). فذكرهم بنعمة النبوة والملك فيهم وكل واحد يعتز بالانتساب إلى القوم الذين جعل فيهم أنبياء وجعلهم ملوكاً. ثم هو يستثير حميتهم ونخوتهم لدخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم فقال (يَا قَوْمِ) في الموقفين. في حين قال (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) - إبراهيم (6). فذكرهم بأيام ذلتهم حين كانوا يسامون العذاب ويذبحون أبنائهم ويستحيون نساءهم فلم ينادهم بـ (يَا قَوْمِ) فإن الشخص لا يفخر ولا يعتز بالانتساب إلى قوم الأذلاء. وقد تقول: ولكن الله قال (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) فنقول أيضاً قا لفي الآية السابقة (يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ). ففرق كبير بين النعمتين فتلك نعمة العزة والملك وهذه نعمة النجاة من الذلة. فوضع النداء حيث كان أحق به. وقال (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) - البقرة (67). فلم يقل لهم (يَا قَوْمِ) ذلك أن هذا من مواقف الذم لهم والتشنيع عليهم وذكر سيئاتهم فقد قتلوا نفساً فادّرؤوا فيها فأراد الله أن يستخرج القاتل فذكر ما هو معروف من أمر البقرة مما لا يشرف قوماً ذكره. فلم يقل لهم (يَا قَوْمِ) بل أمرهم بذبحها ليستخرج القاتل. وقال بعد عودته من مناجاة ربه وقد عبدوا العجل من بعده واتخذوه إلهاً (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ) - الأعراف (150 – 152). فلم يقل لهم (يا قوم بئسما خلفتموني من بعدي) وذلك لأن الموقف موقف غضب شديد وتأنيب وتوعد لهم بأنهم سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وتخصيص طلب المغفرة له ولأخيه فلا يناسب أن يقول لهم (يَا قَوْمِ) وأن ينسبهم إليه. وقد تقول: ولكنه قال في هذا الموقف نفسه في موطن آخر (يَا قَوْمِ9 فقد قال في سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) - (54). فما الفرق؟ والحق أن السياق والمقام في كل منهما مختلف عن الآخر؛ فإن ما في الأعراف كان في وقت الحدث وفي شدة الغضب، أما آية البقرة فإنها تذكر ما وقع بعد الحدث بمدة وبعد هدوء الغضب ودعوتهم إلى التوبة بل أنها وقعت بعد ما عفا الله عنهم فقد قال الله في سياق البقرة نفسه (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) - البقرة (51، 52) فذكر سبحانه أنه عفا عنهم فالمقامان مختلفان. فالمقام الأول في أثناء المعصية والثاني بعد العفو فناسب كل تعبير موطنه. هذا إضافة إلى أن السياق في البقرة على العموم في تعداد النعم على بني إسرائيل بخلاف ما في الأعراف. فإنه افتتح الكلام في البقرة على بني إسرائيل بقوله (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) - (40) وقال بعد ذلك قبل أن يذكر حادثة العجل (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) - (47) فموسى إذن يدعو بني إسرائيل الذين أنعم الله عليهم وعفا عنهم فناسب أن يقول (يَا قَوْمِ) بخلاف ما في الأعراف. وقد قال لهم في سورة الصف (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ) ثم قال (تُؤْذُونَنِي ) ولم يقل (لم آذيتموني) للدلالة على استمرار الأذى له عليه السلام. وقال (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ ) فقال (إِلَيْكُمْ) ليدل على أنه رسالته ليست عامة للبشر وإنما هي لبني إسرائيل خاصة. وهو شأن الرسل قبل سيدنا محمد. (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ ) أي فلما مالوا عن الحق أمال الله قلوبهم عنه فكان ذلك جزاء وفاقاً بسبب زيغهم فإن الله لا يظلم أحداً. (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) اختار وصفهم بالفسق لأنه هو المناسب ذلك أن معنى (فسق) خرج عن الطريق الحق وأصل المعنى من (فسقت الرطبة) إذا خرجت من قشرها. فهم خرجوا عن الطريق الحق ومالوا عنه فكان وصفهم بالفسق أنسب لأن الفسق خروج عن الطريق أيضاً. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 209 إلى ص 213. (1) تفسير أبي السعود لأبي السعود محمد العمادي ج7/ 243. (2) البحر المحيط لأبي حيان ج10/ 165 الوقفة كاملة
٣١٦٨ (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ). نسب عيسى إلى أمه ليدل على أنه ليس ابن الله كما يقول الأنصاري وقال يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ولم يقل لهم يَا قَوْمِ كما قال موسى لأنه ليس له نسب فيهم فإن قوم الرجل من كان أبوه منهم وليس لعيسى أب. ولم يرد مرة في القرآن الكريم أن ناداهم (يَا قَوْمِ) . كما أن موسى لم يرد مرة أن ناداهم (يا بني إسرائيل) فإن بني إسرائيل قومه. ونسبة عيسى إلى أمه تمهيد لعدم مناداتهم بـ (يَا قَوْمِ) فإنه لا يحسن أن ينسبه إلى أمه ثم يقول لهم (يَا قَوْمِ) جاء في (الكشاف): وقيل إنما قال (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) ولم يقل (يَا قَوْمِ) كما قال موسى لأنه لا نسب له فيهم فيكونوا قومه (1). وقال (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) فخص رسالته بهم كما قال موسى قبله ليدل على أن رسالته لبني إسرائيل خاصة. وقوله (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) تصديق بنبوة موسى وقوله (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ ) تبشر بالنبي الخاتم سيدنا محمد. ومن أسمائه (أحمد) أيضاً عليه السلام. وجاء بقوله (مُصَدِّقًا) و(مُبَشِّرًا) منصوبين على الحال ولم يجئ بهما مرفوعين على تعدد الأخبار وذلك ليدل على أن ذلك مما أرسل به. فإن مصدقاً ومبشراً حالان والعامل فيهما (رسول الله). فدل ذلك على أن هذين من أمور الرسالة التي أرسل بها. ولو قالهما بالرفع لم يفد ذلك تنصيصاً بل لأفاد أنه أخبر عن نفسه بذلك. وقال (مِنْ بَعْدِي) ولم يقل (بعدي) ليدل على أنه ليس بينهما نبي، وذلك لأن (من) تفيد ابتداء الغاية في البعدية. وأما (بعد) من دون (من) فتحتمل البعدية القريبة والبعيدة. (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) . هذا يحتمل أن يكون المقصود به عيسى عليه السلام أي لما جاءهم بالبينات الدالة على صدق رسالته وصدق بشارته وهي المعجزات المؤيد بها من نحو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغيرها من الآيات قالوا هذا سحر مبين. كما يحتمل أن يكون المقصود به محمداً (صلى الله عليه وسلم) أي لما جاءهم بالبينات الدالة على صدقه (صلى الله عليه وسلم) وأنه هو المقصود بالبشارة قالوا هذا سحر مبين. فإن من أرسل إليهم عيسى قالوا لما جاءهم بالبينات هذا سحر مبين. وكذلك قوم محمد (صلى الله عليه وسلم) قالوا القول نفسه. قال تعالى في عيسى ( وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) - المائدة 110. وقال في محمد (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) - سبأ (43). وقال فيه أيضاً (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ وَقَالُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) - الصافات (12 – 15). جاء في (التفسير الكبير) في قوله (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) قيل هو عيسى وقيل هو محمد (2). وجاء في (البحر المحيط): الظاهر أن الضمير المرفوع في (جَاءَهُمْ) يعود على عيسى لأنه المحدث عنه وقيل يعود على أحمد (3). لقد ذكر في الآيات التي مرت ثلاثة أقوام: (عدنان بن عبد السلام الأسعد) الأول هم من آمن من قوم محمد وهو قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) … والثاني هم قوم موسى، والآخرون وهم المكذبون سواء كانوا ممن أرسل إليهم عيسى أو ممن أرسل إليهم محمد. ورتبهم بحسب الإيمان والطاعة فالأولون هم أفضلهم وأطوعهم لله ثم قوم موسى ثم من كفر. هذا إضافة إلى أن هذا الترتيب يتناسب مع مفتتح السورة وهو قوله (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) . فإنه بعد أن ذكر المسبحين في السماوات والأرض بدأ بمن يسبحونه في الأرض طوعاً واختياراً وهم المؤمنون بمحمد وهم أكثر المذكورين تسبيحاً له فهم يسبحون الله في صلواتهم وأدبار السجود وفي غير ذلك من الأوقات. ثم انتقل إلى قوم آخرين أقل تسبيحاً وأنأى عن الطاعة، وهم قوم موسى، ثم الذين عصوا وافتروا على الله الكذب وقالوا (هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) . فبدأ بأطوع الجماعات والعباد ثم الذين يلونهم في الطاعة. ثم من هم أبعد عن الطاعة والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 213 إلى ص 215. (1) الكشاف 4/ 98. (2) التفسير الكبير 29/ 315. (3) البحر المحيط 10/ 166. الوقفة كاملة
٣١٦٩ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). أي ليس ثمة أظلم ممن يفتري على الله الكذب وهو يدعي إلى الإسلام دين الله الحق فيقول إن محمداً ليس هو المقصود بالبشارة أو هو ساحر كذاب. مع علمه بأنه صادق وأن الذي جاء به هو الدين الحق فيظلمون بذلك أنفسهم وغيرهم. فهم يظلمون أنفسهم لأنهم يحرمونها الهدى ويوردونها موارد الهلكة ويدخلونها دار البوار. ويظلمون غيرهم لأنهم يكونون سبباً لمنعهم من الدخول في دين الله فيحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم. ويظلمون الرسول بنسبته إلى الكذب. جاء في (التحرير والتنوير) في قوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) : وإنما كانوا أظلم الناس لأنهم ظلموا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بنسبته إلى ما ليس فيه إذ قالوا هو ساحر. وظلموا أنفسهم إذ لم يتوخوا لها النجاة... وظلموا الناس بحملهم على التكذيب وظلموهم بإخفاء الأخبار التي جاءت في التوراة والإنجيل (1). وقال (وَمَنْ أَظْلَمُ) … فأخرجه مخرج الاستفهام ولم يقل (ولا أظلم مم أفترى...) أو نحو ذلك وذلك ليشارك السامع بالإجابة وليقرر بنفسه أن لا أظلم ممن أفترى على الله الكذب فيقول: لا أحد أظلم منه، فإنه بدل أن يخبر الله بذلك فيقول (ولا أظلم ممن أفترى على الله الكذب) يقرر السامع ذلك بنفسه. وقال: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فجعل نفي الهداية ختاماً للآية لأنه قال (وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ ) أي يدعي إلى الهدى فناسب نفى الهدى عنه كما قال في أصحاب موسى (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) لأنهم زاغوا عن الطريق الحق أي مالوا عنه فضلوا فنفى الهدى عنهم ووصفهم بالفسق. وقد تقول ههنا سؤالان: الأول: لم لم يؤكد نفي الهداية كما أكده في موطن آخر. فقد قال في سورة الأنعام (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) - (144). فأكد نفي الهداية بإن فقال (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). والسؤال الآخر هو أنه قال في خاتمة هذه الآية( وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) في حين ختمها في آيات متشابهة بغير هذه الخاتمة فقد قال في سورة الأنعام (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) - (21) فختمها بنفي الفلاح عنهم. وقال في مكان آخر (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) - يونس (17) فسماهم مجرمين لا ظالمين. وفي موطن آخر سماهم كافرين فقال (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) – العنكبوت (68) وأحياناً لا يعقب بشيء بل يكتفي بقوله (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) كما ورد في الكهف – الآية (15) فما السبب في ذلك كله؟ والجواب أن كل تعبير إنما يكون بحسب ما يقتضيه السياق والمقام فإذا احتاج الكلام إلى مؤكد أكد وإن لم يقتض التوكيد لم يؤكد. وإذا اقتضى أن يصفهم بصفة ما وصفهم بها على حسب ما يقتضيه السياق. وإليك إيضاح ذلك. قال تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) - الأنعام (144). فأكد نفي الهداية بـ (إن) وذلك لأنه زاد على آية الصف قوله (لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ ) فاقتضى ذلك تأكيد نفي الهداية لهؤلاء الذين يضلون الناس بغير علم. هذا إضافة إلى أنه عرّف (الكذب) في آية الصف ونكّره في آية الأنعام فقال في الصف( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) وقال في الأنعام (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا). ومن المعلوم أن (الكذب) معرفة و (كذباً) نكرة. فإذا كان الافتراء في أمر معيّن عرّفه، وإن كان الافتراء عاماً لم ينحصر في شيء معين نكرة (2). فلما كان الافتراء في آية الصف متعلقاً بصفة النبي محمد والتبشير به عرّفه (كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ.) وقوله (فَمَنْ أَظْلَمُ) يعني لا أحد أظلم من هؤلاء المفترين فاستحقوا الوصف بالإجرام كالأولين الذين أهلكهم رب العزة. وقال في آية أخرى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) - العنكبوت (68)، فوصفهم بالكفر وذلك لأنه تقدم قبل هذه الآية قوله (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) - العنكبوت (67). فإنه لما تقدم أنهم آمنوا بالباطل وكفروا بنعمة الله وهو الدين الحق ناسب أن يصفهم بالكفر فقال (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ). وأما عدم التعقيب بشيء فذلك أيضاً ما يقتضيه المقام والسياق. قال تعالى ( هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ۖ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) - الكهف (15). والقائل هنا هم الفتية أصحاب الكهف وهؤلاء ليس بوسعهم أن يقرروا إن كان الله سيهدي قومهم أم لا فإن علم ذلك إلى الله ولذا لم يتعدوا الوصف بقولهم (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) فناسب كل تعبير موطنه. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 215 إلى ص 218. (1) التحرير والتنوير 28/ 179. الوقفة كاملة
٣١٧٠ (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) هذا تهكم بهم فمثل تكذيبهم وإخفاءهم صفة محمد (صلى الله عليه وسلم) وإنكارهم الحق الذي جاء به وقولهم إنه سحر مبين بمن ينفخ نور الشمس بفمه ليطفئها. وقال (نُورَ اللَّهِ) ليدل على أن ما جاء به محمد إنما هو نوره سبحانه ليهدي به الخلق. وأن نور الله أنأى عن أن يطفأ فهو أكثر تمكناً وأشد إنارة من نور الشمس لأن الشمس تغيب ويحتجب نورها أما نور الله فلا يحجبه شيء ولا يطفئه أحد. واللام في (لِيُطْفِئُوا) يحتمل أن تكون زائدة في المفعول للتوكيد وأصله (يريدون أن يطفئوا نور الله). وتحتمل أن تكون للتعليل أي إرادتهم لهذا الغرض بمعنى أن كل همهم مصروف لهذا الغرض. جاء في (الكشاف): يريدون ليطفئوا نور الله أصله يريدون أن يطفئوا كما جاء في سورة براءة. جئتك لإكرامك... وإطفاء نور الله بأفواههم تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم (هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) . مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بغيه ليطفئه (1). وقد تقول: لقد قال في سورة التوبة (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) - التوبة (32) ولم يقل (يريدون ليطفئوا نور الله) فما الفرق؟ والجواب أن اللام يؤتي بها مع مفعول فعل الإرادة للتوكيد. وقد اقتضى السياق في آية الصف التوكيد ذلك أن السياق فيها إنما هو في تكذيب النصارى للبشارات بمجيء محمد( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) - الصف (6 – 8). ونور الله هو الإسلام فتكذيب النصارى للبشارة الواردة في كتبهم القصدُ منه إطفاء نور الله فجاء باللام الدالة على التوكيد. وأما في آية التوبة فالسياق مختلف. وقد ذكرت الآية في سياق آخر لا يحتاج إلى مثل هذا التوكيد. قال تعالى( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) - (30 - 31). فالسياق في آيات الصف متجه إلى النبوة ومحاولة تكذيبها فجاء باللام. والسياق في آيات التوبة في النعي على معتقدات اليهود والنصارى في عزير والمسيح والأحبار والرهبان فجاء باللام الزائدة في الآية الأولى لأن الكلام على نبوة محمد ولم يأت بها في الآية الثانية لأن السياق مختلف. ثم ألا ترى من ناحية ثالثة أن في موطن الرد على اليهود والنصارى في شركهم بالله جاء باللام لأن الأمر يقتضي التوكيد فقال: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ ) . فأنظر كيف جاء باللام الزائدة للاختصاص في قوله (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ) وقوله (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ ) لأن السياق يقتضي ذلك وحذفها في الموطن الذي لا يقتضيه؟ (2). ويدلك على ذلك أيضاً أنه قال (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) فجاء باسم الفاعل الدال على الثبوت (مُتِمُّ) بمعنى أن الأمر ثبت واستقر في حين قال في سورة التوبة (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) فجاء بالفعل المضارع مسبوقاً بأن الناصبة (أَنْ يُتِمَّ) وهذا تنصيص على الاستقبال. فإن (أَنْ) الناصبة للمضارع من حروف الاستقبال. فكان ما في الصف أكد والله أعلم. وقال (بِأَفْوَاهِهِمْ) ليدل على الصورة المضحكة لفعلهم، فإن الذي ينفخ بفمه في نور الشمس ليطفئها مثار للسخرية منه. فهم لم ينفخوا بآلة ذات دفع قوي مثلاً لعلمهم يطفئون نور الله بل بأفواههم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه ذكر تكذيبهم وافتراءهم على الله وقولهم عندما جاءهم بالبينات (هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) ، وهذا كله من المحاربة بالأفواه فقال (بِأَفْوَاهِهِمْ) لذلك والله أعلم. وقد أنجز الله ما وعد وأتم نوره وأرغم أنف الكافرين. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 218 إلى ص 220. (1) الكشاف 4/ 99. (2) معاني النحو 3/ 69 – 70. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 3161 إلى 3170 من إجمالي 26698 نتيجة.