| ٣١٥١ |
برنامج لمسات بيانية
(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)
من المحتمل أن تكون الواو عاطفة على) اللَّيْلُ (فتكون المتعاطفات كلها آية(1).
ولم يكرر كلمة (آية) فلم يقل لهم (وآية لهم الشمس) لأنه أراد أن يكون كل ما ذكر آية، فالليل والنهار والشمس والقمر كلها آية.
ويحتمل أن تكون (الشَّمْسُ) مبتدأ وما بعدها خبر والجملة معطوفة على ما قلها.
ومعنى (لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا) أن لها حداً تنتهي إليه سواء كان ذلك الحد زماناً أم مكاناً. فقد يقصد بالمستقر اسم مكان أو اسم زمان وكل ذلك مراد فهي لها مستقر زماناً ومكاناً فهي تجري في فلك لا تتعداه "ولمنتهى من المشارق والمغارب لأنها تتقصاها مشرقاً مشرقاً ومغرباً مغرباً حتى تبلغ أقصاها ثم ترجع فذلك حدها ومستقرها لأنها لا تعدوه"(2).
وهي لها مستقر أي وقت تستقر عنده وهو أجلها "الذي أقر الله عليه أمرها في جريها فاستقرت وهو آخر السنة. وقيل الوقت الذي تستقر فيه وينقطع جريها وهو يوم القيامة"(3).
وقد ذكرت في ذلك أمكنة وأزمنة على التفصيل(4) كلها يمكن أن تكون مراده ما لم يكن ذلك مخالفاً لحقيقة علمية.
ثم قال (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) بعد أن أسند الجري إليها فقال (وَالشَّمْسُ تَجْرِي ) لئلا يظن أنها تجري بنفسها من دون تقدير أو تدبير. فإنها تجري بتقدير العزيز العليم على وفق سنة وضعها لها خالقها، وبذلك أبطل أن تكون حرة مختارة وإنما هي خاضعة لمن جعل لها مستقراً لا تعدوه ولا تتخطاه، فأبطل بذلك صحة أن تكون معبودة أو أن تتخذ إلهاً.
الوقفة كاملة
|
| ٣١٥٢ |
برنامج لمسات بيانية
(وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)
بعد أن ذكر الشمس وأنها تجري لمستقر لها بتقدير العزيز العليم ذكر القمر وأنه قدر له منازل حتى يكون كالعرجون القديم ونسب التقدير إلى نفسه.
فقال (قَدَّرْنَاهُ) عن إعادة وصف العزيز العليم.
و (الْعُرْجُونِ) "هو عود العذق ما بين شماريخه إلى منتبه من النخلة"(1).
"وإذا قدم دق وانحنى وأصفرّ فشبه به من ثلاثة أوجه"(2).
واختار (عَادَ) على (صار) لأنه يعود إلى هذه الحالة في كل شهر، وليس في (صار) إشعار بهذا المعنى.
الوقفة كاملة
|
| ٣١٥٣ |
برنامج لمسات بيانية
سورة الفتح
اية 14
الوقفة كاملة
|
| ٣١٥٤ |
برنامج لمسات بيانية
قال تعالى في سورة الأنفال:﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ٥٢ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ٥٣ كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾(52 ، 54).
سؤال:
1- ما الفرق بين الدأبين المذكورين لآل فرعون في الآية الثانية والخمسين والآية الرابعة والخمسين؟
2- لماذا قال في الآية الثانية والخمسين: ﴿كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ﴾، وقال في الآية الرابعة والخمسين: ﴿كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ﴾؟
الجواب:
الدأب الأول هو مشابهتهم لهم في الكفر ذلك أنه سبق الآية الأولى قوله تعالى: ﴿لَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ٥٠ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ٥١ كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ . . .﴾ (50 :52)
فالدأب الأول هو مشابهتهم في الكفر والجري على عادتهم، ألا ترى أنه قال: ﴿وۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾، ثم قال: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾.
أما الدأب الثاني فإنه مشابهتهم لهم في تغيير النعم والأحوال، فقد قال قبل الآية الرابعة والخمسين: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ (53)
، ثم قال بعدها: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾
قد تقول: وما التغيير الذي أحدثوه فإنهم كفار على كل حال ولم يغيروا شيئًا؟
فنقول: إنهم كانوا على حال من الكفر حتى جاء موسى فدعاهم وأنذرهم وجاءهم بالآيات الدالة على صدقه، فكذبوا بها فزادوا على ما هم عليه تكذيبهم بآيات الله كما قال تعالى: ﴿كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾ فعاجلهم العقوبة بالإغراق.
جاء في ((البحر المحيط)): ((وتغيير آل فرعون ومشركي مكة ومن يجري مجراهم بأن كانوا كفارًا ولم تكن لهم حالة مرضية فغيروا تلك الحالة المسخوطة إلى أسخط منها من تكذيب الرسل والمعاندة والتخريب وقتل الأنبياء والسعي في إبطال آيات الله فغير الله تعالى ما كان أنعم
عليهم به وعاجلهم ولم يمهلهم)).
وجاء في ((الكشاف)): ((أي: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، ودأبهم عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه أي داوموا عليه وواظبوا، و(كفروا) تفسير لدأب آل فرعون ...
﴿حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ فإن قلت: فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة حتى غيّر الله نعمته عليهم، ولم تكن لهم حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة؟
قلت: كما تغيرت الحال المرضية إلى المسخوطة تغيرت الحال المسخوطة إلى أسخط منها.
وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول إليهم كفرة عبدة أصنام فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه في إراقة دمه غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت فغير الله ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب)).
2- وأما الجواب عن السؤال الثاني فإن كل عقوبة مناسبة للحالة التي هم فيها، فقد قال في الآية الأولى: ﴿كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ﴾ وقال في الأخرى: ﴿بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ﴾.
ذلك أن الكفر أعمّ من التكذيب بآيات الله، فقد يكون الكفر بالتكذيب وبغيره من نحو عبادة غير الله والمعتقدات الباطلة وغير ذلك من نحو من أخبر به ربنا في قوله: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ﴾ (المائدة: 73)، وقوله: ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ﴾ (المائدة: 72)، وقوله: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ﴾
فالتكذيب بآيات الله نوع من أنواع الكفر.
فقال في عقوبة الكفر: ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ﴾ وهو أمر عام يشمل
عقوبات الدنيا والآخرة.
وقال في عقوبة التكذيب بالآيات: ﴿فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ﴾، وهذه حالة من حالات الأخذ بالذنوب، فقد يكون الأخذ بالذنوب بالتعذيب والسجن والنار وغير ذلك.
فجعل عقوبة الكفر الذي هو عام الأخذ بالذنوب وهو عام، وجعل عقوبة التكذيب بالآيات الذي هو أخص من الكفر بالإهلاك والإغراق وهو أخص.
هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى أن قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ﴾ عقاب عام قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، وقد يكون فيهما.
وأما قوله: ﴿فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ﴾ فإنه عقاب في الدنيا هو أخص من حيث الوقت، فإن الإهلاك والإغراق إنما يكونان في الدنيا وليسا من عقاب الآخرة، فكانت عقوبة الكفر أعمّ من حيث النوع والوقت.
ومن الملاحظ أنه قال في الآية الرابعة والخمسين:﴿كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾ فذكر الرب وأضافه إلى ضميرهم في حين قال في الآية الثانية والخمسين:﴿كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ ذلك أنه قبل ذكر التكذيب بآيات ربهم ذكر نعمه عليهم، فقال:﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ فناسب ذكر الرب لأن الرب هو المربي والمنعم ، جاء في ((روح المعاني )): ((وأشير بلفظ الرب إلى أن ذلك التغيير كان بكفر نعمه تعالى لما فيه من الدلالة على أنه مربيهم المنعم عليهم)).
ثم أنه أضاف الرب إلى ضميرهم ليبين قبح كفرهم فإنهم كفروا بآيات ربهم الذي أنعم عليهم، فإنه من أقبح كفر النعم أن تكفر نعمة ربك الذي رباك وأنعم عليك، فذلك أدل على قبح كفرهم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه ذكر مرة لفظ الجلالة (الله)، ومرة ذكر الرب ليدل على أن الرب هو الله وليس شيئا آخر.
الوقفة كاملة
|
| ٣١٥٥ |
برنامج لمسات بيانية
سورة الفتح
اية 11
الوقفة كاملة
|
| ٣١٥٦ |
برنامج لمسات بيانية
*ما الفرق بين يغفر لكم من ذنوبكم ويغفر لكم ذنوبكم؟(د.فاضل السامرائى)
(من) تبعيضية، للتبعيض أي بعضاً من ذنوبكم. بحسب السياق تغفر بعض الذنوب أو الذنوب جميعاً. لكن هنالك أمر وهو أنه لم يرد في القرآن (يغفر لكم ذنوبكم) إلا في أمة محمد في القرآن كله، أما (يغفر لكم من ذنوبكم) فعامّة لأمة محمد ولغيرهم. قال تعالى في سورة الصف (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)) أما في سورة نوح فقال تعالى (يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى (4)). إذن (من) للتبعيض وبحسب المواقف، هل لو أنفق أحدهم درهماً يكون كمن جهّز جيشاً؟
الوقفة كاملة
|
| ٣١٥٧ |
برنامج لمسات بيانية
* (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (105) هود) ما دلالة تكلّم وليس تتكلم؟
هذا من الحذف الجائز وهو كثير في اللغة تتنزل وتنزل موجودة لكن يبقى السؤال لماذا؟ أما من حيث الجواز فهو جائز. هذا تخفيف. يتخفف الكلام يقول تكلّم وتتكلم، تنزّل وتتنزل، توفّاهم وتتوفاهم في القرآن كثير وفي اللغة كثير. لكن يبقى السؤال لماذا؟ هو قال (لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) إذن هو منع الكلام إلا بإذنه معناه إذن الآن أن الكلام صار قليلاً فحذف من الفعل إشعاراً لقلة الكلام. في القرآن هذا كثير، في القرآن يحذف من الفعل إذا كان الفعل مقتطعاً منه ويعطيه إذا كان كل حاله وهذا في القرآن ظاهرة.
نحن دائماً نذكر (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) القدر) هذا في ليلة واحدة ليلة القدر (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) فصلت) هذا في كل الأحوال في الموتى. هذا عند النزع يحصل في كل الأحوال، ما تنقطع في لحظة من اللحظات. (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ) ليلة واحدة في العام حذف وهذا في القرآن كثير. حذف إشعاراً بقلة الكلام.
الوقفة كاملة
|
| ٣١٥٨ |
برنامج لمسات بيانية
(لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)
أي لا يتيسر للشمس أن تدرك القمر وليس لها القدرة على ذلك لأن لها فلكاً خاصاً لا تتعداه كما أن للقمر فلكاً خاصاً به لا يتعداه.
وقد ذهب بعضهم أن النص قد يوقع في لبس فيظن ظان أنه متناقض ذلك أن قوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) معناه أن القمر سابق، وقوله (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) معناه أن النهار سابق فتكون الشمس سابقة فيكون ذلك تناقضاً.
وقد حاول المفسرون تخريج النص وتفسيره بما يدفع التناقض المظنون(1).
وقد أوضح ذلك ربنا بما يدفع هذا الظن بقوله (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
فكل من الشمس والقمر له فلكه فهماً ليسا في سباق فليس القمر أمام الشمس ولا الشمس وراءه. وهذان الجرمان نظيرا شخصين أحدهما في أمريكا والآخر في العراق وكل منهما يدور في دائرة لا يتعداها وكل دائرة تختلف عن الأخرى سعة ووضعاً فليس أحدهما يدرك الآخر ولا أحدهما سابقاً لصاحبه، وأن ما بين الشمس والقمر أبعد من هذا بكثير.
هذا علاوة على أن هذا التعبير يعبر عن حقيقة علمية ثابتة ذلك أنه في كل لحظة تشرق الشمس على مكان وتغرب من مكان فالذي تشرق الشمس عليه يكون نهاراً والذي تغرب منه يكون ليلاً. فالليل أمامه نهار يأتي عليه في كل لحظة وخلفه نهار يأتي عليه، وكذلك النهار. فالليل ليس سابقاً للنهار لأن أمامه نهاراً.
فقوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ)) قد يفهم منه أن الليل سابق النهار فصحح ربنا هذا الفهم قائلاً (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) أي ليس معنى هذا أن الليل سابق النهار.
فتبارك الله العزيز العليم قائل هذا الكلام.
وبهذا يسقط السؤال عن سر التعبير بالفعل في قوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ )فقال ( تُدْرِكَ) وبالاسم في قوله (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ). فقال (سَابِقُ )ولم يجعلهما على نسق واحد. ذلك أنك قوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) قد يفهم منه أن الليل سابق فقال (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) فردّ هذا التصور وهو أعدل التعبيرات وأبلغها.
وفي تقديم الشمس على الفعل وتقديم حرف النفي عليها بحث. فإن الأصل في نحو هذا أن يقال (لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر) ولكنه عدل عن ذلك إلى ما قاله لأكثر من سبب.
1- منها أن (لَا) إذا دخلت على اسم معرفة فإنه يراد بها نفي أكثر من أمر فتكرر وجوباً بخلاف ما إذا دخلت على فعل مضارع فإنها ليست كذلك. وههنا أراد أن ينفي أمرين فقدم الاسم المعرفة ليؤذن بأنه يريد نفي أكثر من مسألة فقال (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) فأراد أن ينفي إدراك الشمس للقمر وسبق الليل النهار. وهذا نظير قوله تعالى (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.)
فجاء بجملتين متعاطفتين كلتاهما اسمية فعطف جملة اسمية على اسمية وهما قوله (الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا) وقوله (اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) وتوافق الجملتين في نحو هذا أولى وهو نظير قولنا (لا محمد رجع ولا خالد سافر) وهو أولى من قولك (لا رجع محمد ولا خالد مسافر).
2- قد يفيد الاسم على الفعل في حيز النفي نفي الفعل عن المذكور وإثباته لغيره نحو (ما أنا قلت هذا) و (ما محمد فعل ذلك) أي لم أقل أنا هذا وإنما قاله غيري ولم يفعله محمد وإنما فعله غيره فعلى هذا المعنى يفيد التعبير نفي القدرة عن الشمس لإدراك القمر وإثباتها لغيرها أي يستطيع ذلك غيرها وهو الله العزيز الحكيم فينفي بذلك عنها القدرة والاختيار. جاء في (تفسير البيضاوي): "وإيلاء حرف النفي الشمس للدلالة على أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد لها"(2).
وجاء في (روح المعاني):"وجوز أن يكون ذلك (يعني تقديم حرف النفي على الشمس) لإفادة كونها مسخرة لا يتسهل لها إلا ما أريد بها من حيث تقديم المسند إليه على الفعل وجعله بعد حرف النفي نحو (ما أنا قلت هذا، وما زيد سعى في حاجتك) يفيد التخصيص أي ما أنا قلت هذا بل غيري وما زيد سعى في حاجتك بل غيره على ما حققه علماء البلاغة. والمقصود من نفي تسهل إدراك القمر في سلطانه عن الشمس نفى أن يتسهل لها أن تطمس نوره وتذهب سلطانه.
ويرجع ذلك إلى نفي قدرتها على الطمس وإذهاب السلطان فيكون المعنى بناء على قاعدة التقديم أن الشمس لا تقدر على ذلك بل غيرها يقدر عليه وهو الله عز وجل وهذا بعد إثبات الجريان لها بتقدير العزيز العليم مشعر بكونها مسخرة لا يتسهل لها إلا ما أريد بها"(3).
3- ويصح أن يكون هذا التعبير أيضاً لمجرد نفي الفعل عن الاسم من غير إرادة إثباته إلى جهة أخرى مغايرة ولا تخصيصه به وذلك نظير قولنا لمن قال:
ماذا يفعل محمد وخالد؟ (محمد يقرأ وخالد نائم). فيقول آخر (لا محمد يقرأ ولا خالد نائم). فهذا يفيد نفي القراءة عن محمد لكنه لم يثبت لزوماً أن شخصاً آخر يقرأ. ونظير هذا أن تقول (لا أبي ساعدني ولا أخي أعانني) فهذا يفيد نفي الفعل عن جهتين ولكن لا يفيد إثبات ذلك لغيرهما لزوماً.
وهذا قد يكون من هذا الباب.
4- إن هذا التقديم قد يكون لغرض العناية والاهتمام ذلك أنه جرى ذكر للشمس والقمر قبل هذه الآية فقد قال (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) وقال (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ) فناسب تقديم الشمس للإسناد إليها لأن السياق في الكلام على الليل والنهار والشمس والقمر.
5- إن هذا التعبير ربط الكلام بما قبله ولو قال (لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر...) لم يرتبط الكلام فإنه لو قال (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا .... وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر) لوجدت الكلام مقطعاً غير متصل بخلاف قوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا...).
(وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)
التنوين في (كُلٌّ) يفيد العموم أي كل الأجرام تسبح فدخل فيها الشمس والقمر.
ولو أضاف أو بيّن بمن قال (وكل منهما) لتخصص الكلام بهما. فقطعُ (كُلٌّ) عن الإضافة وسع المعنى ودخل في الحكم ما لم يجر له ذكر من الأجرام. ثم إن إسناد السباحة إلى الجمع أفاد أن المقصود عموم الأجرام السماوية وأنها كلها لها أفلاك لا تتعداها، تسبح فيها وإن ذلك تقدير العزيز العليم. فنفى عنها كلها الإرادة والاختيار وبذلك نفى أن يكون منها ما يستحق أن يعبد كما يفعل قسم من الناس. فنفى بهذا القطع عن الإضافة وإسناد السباحة إلى الجمع القدرة والاختيار عنها جميعها وأثبت أنها كلها مسخرة سخرها ربها وخالقها. جاء في (تفسير البيضاوي): "(وَكُلٌّ): وكلهم والتنوين عوض المضاف إليه والضمير للشموس والأقمار فإن اختلاف الأحوال يوجب تعدداً ما في الذات أو للكواكب فإن ذكرهما مشعر بها؟ (4).
وجاء في (التفسير الكبير): "فإن قيل: فهل يختلف الأمر عند الإضافة لفظاً وتركها؟
فنقول: نعم وذلك لأن قول القائل كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى غيرهم فيفيد اقتصار الفهم عليه: فإذا قال: (كلُّ هذا) يدخل في الفهم عموم أكثر من العموم عند الإضافة...
إذا كان (كُلٌّ) بمعنى كل واحد منهم والمذكور الشمس والقمر فكيف قال (يَسْبَحُونَ)؟
نقول: الجواب عنه من وجوه:
(أحدهما) ما بينا أن قوله (كُلٌّ) للعموم فكأنه أخبر عن كل كوكب سيار...
(وثالثهما) لما قال (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) والمراد ما في الليل من الكواكب قال (يَسْبَحُونَ)"(5).
وإسناد السباحة إلى ضمير العقلاء وهو الواو لتنزيل الأجرام منزلة العاقل من جهة أنه ذكر أنها تسبح والسباحة من فعل ذوي العقول كما في قوله تعالى في حق الأصنام (مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ) وقوله سبحانه (أَلَا تَأْكُلُونَ)"(6).
ومن جهة أنها تسبح في فلك خاص لا تتعداه كأنها شخص عاقل ملتزم بما حُدّ له فهو لا يتعدى حدوده فلا يشذ ولا يخرج عن مداره ولا يبغي بعضه على بعض بل إن كلاً منها يعرف مكانه وفلكه وحدوده فهذا يشعر كأن الأجرام عاقلة ملتزمة وليست كالإبل الهائجة المطلقة من عقالها تشرد وتهيم كما يحلو لها.
فإسناد السباحة إلى ضمير العقلاء كأن فيه إشعاراً بالأمان للناس مما فوقهم فلا ترجمهم ولا تنقضّ عليهم فتهلكهم.
وفي الآية إشارة إلى أن حركة الكواكب والأجرام دائرية أي هي تدور في مسار لها محدد وليست منطلقة في الفضاء على غير هدى. جاء في (لسان العرب): "الفلك مدار النجوم والجمع أفلاك...
الفراء: الفلك استدارة السماء... والفلك قطع من الأرض تستدير وترتفع عما حولها"(7).
ثم إن اختيار لفظ السباحة أنسب شيء للتعبير عن حركة الأجرام. وقد اختار علماء العصر الحديث هذا اللفظ للتعبير عن الحركة في الفضاء لأنهم وجدوه أنسب لفظ التعبير عنها.
الوقفة كاملة
|
| ٣١٥٩ |
برنامج لمسات بيانية
(وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ)
( وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)
إن مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة فإنه لما ذكر سباحة الأجرام في الفلك فقال (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ذكر سباحة الفُلك وجريها فيه(1).
إن كلمة (الْفُلْكِ) تكون مفرداً وجمعاً فالمفرد (فلك) والجمع (فلك) أيضاً بلفظ واحد.
وقد اختلف في (الْفُلْكِ) الوارد في الآية فقيل هي السفن التي تجري في البحار إلى قيام الساعة. والذرية هم الأولاد فامتنّ عليهم بحمل أولادهم في البحار. ذلك أن الامتنان بالنعمة على الأبناء امتنان بالنعمة على الآباء. ولذلك كثيراً ما يدعو الناس أن يرزقهم الله ذرية طيبة فقد قال زكريا عليه السلام (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)- آل عمران (38). ويدعون لذرياتهم بالخير فقد وصف تعالى عباد الرحمن بقوله (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) - الفرقان (74). وقال إبراهيم عليه السلام ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ )- البقرة (128).
فهو إشارة إلى أن عقبهم باق وأن نسلهم لا ينقطع وأنهم- أي ذريتهم – سيركبون في الفلك المشحون بالبضائع، الممتلئ بالأموال.
وقيل: المقصود بالفلك هو سفينة نوح عليه السلام، والمقصود بالذرية الأبناء.
قيل: والمعنى أنه لما حمل آبائهم الأقدمين يكون قد حمل ذريتهم في أصلابهم ولولا ذلك الحمل لم يبق للآدمي نسل(2). وحمل الآباء يتضمن حمل الذرية. جاء في (الكشاف): "(ذريتهم) أولادهم ومن يهمهم حمله... وقيل الفلك المشحون سفينة نوح. ومعنى حمل الله ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجيب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح"(3).
وجاء في (روح المعاني): "واستشكل حمل ذريتهم في سفينة نوح عليه السلام، وأجيب أن ذلك بحمل آبائهم الأقدمين وفي أصلابهم هؤلاء وذريتهم. وتخصيص الذرية مع أنهم محمولون بالتبع لأنه في الامتنان حيث تضمن بقاء عقبهم، وأدخل في التعجب ظاهراً حيث تضمن حمل ما لا يكاد يحصى كثرة في سفينة واحدة مع الإيجاز لأنه كان الظاهر أن يقال: حملناهم ومن معهم ليبقى نسلهم. فذكرُ الذرية يدل على بقاء النسل وهو يستلزم سلامة أصولهم فدل بلفظ قليل على معنى كثير"(4).
وليس في كون (الْفُلْكِ) سفينة نوح استشكال فإنه سبحانه قال (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) - الحاقة (11) فذكر أن حملهم في سفينة نوح وهو لم يحملهم وإنما حمل آبائهم فصح أن يقول (حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) فإن المخاطبين وذريتهم هم جميعاً ذرية المحمولين في السفينة.
وهذا الخطاب أعني قوله تعالى (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) يصح أن يكون خطاباً للبشر على مدى الزمان وأن يكون ذلك آية من آيات نعمه تعالى على خلقه.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لما قال فيما بعد (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) والمقصود بهذه الصيحة صيحة القيامة وهي لا تأخذهم وإنما تأخذ ذريتهم صح أن يقول في سفينة نوح أنه حمل ذريتهم. فجعلهم هم المعنيين بالصيحة مع أن المعنىّ هم الذرية. فجعل الآباء والذرية شيئاً واحداً.
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه منّ عليهم وعلى ذرياتهم بالحمل في الفلك غير أنه ذكر في حالة طغيان الماء حملهم هم فقال (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ) ولما لم يذكر طغيان الماء ذكر حمل ذريتهم. ذلك أنه في حالة طغيان الماء يخشى الغرق فذكر أنه حملهم ليدل على إنعامه عليهم بالنجاة. وفي نجاتهم نجاة لذريتهم، وليس في نجاة الذرية نجاة للآباء.
ولما لم يذكر طغيان الماء ذكر أنه حمل ذريتهم فكانت النعمة عليهم بالنجاة وعلى ذريتهم بالانتفاع، أو بتعبير آخر كانت النعمة عليهم بدرء المفسدة وعلى ذريتهم بجلب المنفعة ذلك لأنه وصف الفلك بأنه مشحون أي مملوء بالبضائع وعروض التجارة. ودرء المفاسد كما يقال مقدم على جلب المنافع. فذكر مع المخاطبين درء المفسدة ودفع الضرر عنهم ومع الأبناء جلب المنفعة لهم. فكانت النعمة عليهم وعلى ذريتهم.
ولما ذكر طغيان الماء ووصف الفلك بأنها جارية أي تجري بهم لينجوا إلى مكان آمن. ولما لم يذكر طغيان الماء وصف الفلك بأنه مشحون أي ممتلئ ولا يحسن ذكر المشحون مع طغيان الماء، لأن امتلاءه يبطئه في الجري فلا ينجون به بسرعة.
فذكر مع النجاة الجري ومع المنفعة الشحن فكان كل تعبير أنسب في مكانه جاء في (التفسير الكبير): "قال ههنا (حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) منّ عليهم بحمل ذريتهم.
وقال تعالى (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) منّ هناك عليهم بحمل أنفسهم.
نقول لأن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير، ومن يدفع الضرر عن المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك الغير بل يكون قد نفعه. مثاله من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه. وإذا دفع واحد الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه ولا يكون في الحقيقة قد أزال الألم عن أبيه. فعند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال دفعت عنكم الضرر. ولو قال دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر عنهم.
وههنا أراد بيان المنافع فقال (حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ) لأن النفع بنفع الذرية ويدلك على هذا أن ههنا قال (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) فإن امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره بيان المنفعة. وأما دفع المضرة فلا لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك السلامة. فاختار هنالك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشحن"(5).
وقد تقول: ولم ذكر حمل الذرية ههنا أي في آية يس هذه ولم يذكر حملهم هم؟
فنقول: أن ذلك لأمور منها:
1- أنه لما قال قبل هذه الآية (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) ناسب ذكر الذرية لأن الذرية إنما تكون في الأزواج.
2- ولما ذكر صيحة القيامة وهي لا تأخذهم وإنما تأخذ ذريتهم ناسب ذلك ذكر الذرية أيضاً.
3- ثم إن ذلك من قبيل المنّ عليهم فهو أخبرهم ضمناً أنه لا يستأصلهم وإنما يبقيهم ويبقي ذريتهم.
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه قال (وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ) وقال (وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ)ولم يقل (وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم) وذلك لأن حملهم في الفلك هو العجيب. أما نفس الفلك فليس بعجب لأنه كبيت مبني من خشب. وأما نفس الأرض فعجب ونفس الليل عجب لا قدرة عليهما لأحد إلا الله"(6).
ثم إن الامتنان عليهم إنما هو بالحمل في الفلك وليس في الفلك نفسه ذلك أن الحمل فيه هو النعمة، فالفلك ليس مقصوداً لذاته وإنما المقصود هو الحمل فيه فذكر ما به مناط النعمة والمِنة.
وبعد أن منّ عليهم بجمل ذريتهم في الفلك المشحون ذكر منته عليهم بالحمل فقال (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ.)
وقوله (مِنْ مِثْلِهِ) يعني من مثلك الفلك.
و (مَا يَرْكَبُونَ) فيه وجهان.
الأول أنه الفلك وما يركبونه من السفن والزوارق(7).
والآخر أنه عموم ما يركب في البر من الإبل وغيرها.
والظاهر أنه يشمل عموم ما يركب في البر والبحر فمنّ عليهم بمن يركبونه عموماً مما سخره لهم ربنا سبحانه.
فذكرهم بنعمة السكن وهي الأرض ونعمة الطعام ونعمة النهار والليل وحملهم وحمل بضائعهم في البر والبحر.
وقولهم (لَهُمْ) يدل على تمام نعمته عليهم ذلك أنه خلق ذلك من أجلهم. ولو قال (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) لم يدل على أن الخلق كان من أجلهم.
كما أن إضافة الذرية إليهم فيه تفضل آخر عليهم بخلاف ما لو قال: إنا حملنا ذرية المخلوقات أو ذرية الناس مع نوح، فإن ذلك يعم وهذا يخصهم هم.
الوقفة كاملة
|
| ٣١٦٠ |
برنامج لمسات بيانية
(وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ)
الصريخ: المغيث:
هددهم بالإغراق فلا ينقذهم أحد كما فعل مع المغرقين من قوم نوح. وفي هذا تهديد لهم من جهة أخرى ذلك أن قوم نوح كذبوا رسولهم فأغرقهم وهؤلاء كذبوا رسولهم فإن شاء ربهم أغرقهم.
وقد تقول: كيف يصح التهديد بالإغراق وهو لم يذكر حملهم في الفلك وإنما ذكر حمل ذريتهم (وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)؟
فالتهديد بالإغراق يصح أن يكون لذريتهم لا لهم.
والجواب أنه لما قال (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) فذكر ما يركبونه من مثل الفلك صح أن يكون التهديد لهم.
وقد تقول: ولم قال (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) ولم يقل (فلا مغيث لهم)؟
فنقول: إن ذلك لأكثر من وجه.
منها أن الصريخ يجمع عدة معان منها المغيث ومنهل المستغيث.
والصريخ أيضاً صوت المستصرخ(1).
فنقول (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) جمع عدة معان وقد يحتمل ههنا هذه المعاني كلها.
وقد تقول: كيف يحتمل في الآية نفي المغيث والمستغيث ولا شك أنهم مستغيثون؟
فنقول ليس المعنى على ما ظننت، فإنه لم يقل (فلا صريخ منهم) وإنما قال (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) أي لا مستغيث لهم بمعنى لم يستغث لهم أحد. وعلى هذا يكون المعنى أنه إن شاء أغرقهم فلا يستغيث لهم أحد ولا مغيث لهم، فلا يكون ثمة من يطلب العون لهم ولا من يعين فنفى المغيث والمستغيث لهم. وهكذا يأخذهم البحر فلا تنجو جثتهم أيضاً بل تذهب في البحر.
والصريخ أيضاً صوت المستصرخ. وعلى هذا يكون المعنى أنهم لا يمكنهم الصراخ وطلب العون لأن الماء يلجم أفواههم فلا يتمكنون من طلب الاستغاثة.
وبهذا نفى المغيث والمستغيث لهم ونفى إمكان رفع الصوت لطلب الاستغاثة فيغرقون في صمت رهيب ووحدة مرعبة.
واختار لفظ الصريخ على المغيث أيضاً لأن الصريخ من الصراخ، والصرخة هي الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة(2).
والصريخ والمُصرخ بمعنى واحد فإن المُصرخ هو الذي يزيل الصراخ بإغاثة صاحبه. والذي يشرف على الغرق يصرخ بأعلى صوته طالباً النجدة ليسمعه من يغيثه وينجيه. فلا يكون الصريخ إلا إذا كان صراخ. أما المغيث فيكون لمن يطلب الغوث سواء كان عن طريق الصرخة أم كان عن طريق ذكر الحاجة الشديدة. فقد يذهب شخص إلى آخر فيقول له: أغثني يا فلان فإني في ورطة، وليس من الضروري أن يرفع صوته عالياً بالصراخ. أما الصريخ فيكون مع الصراخ.
فكان ذكر الصريخ أنسب.
وقال (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) ولم يقل (فلا مصرخ لهم) للسبب نفسه فإن الصريخ يجمع عدة معان بخلاف المصرخ فإنه المعين والمغيث فقط.
ثم قال (وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) أي لا ينقذهم شيء سواء كان عن طريق الصريخ أم عن غيره. فقد لا يكون مغيث ينقذ من يشرف على الغرق ولكن قد ينقذ بطريق آخر مما يتهيأ من سبل النجاة على خشبة فهذا إنقاذ عن غير طريق الصريخ فنفى ذلك أيضاً. فانتفت نجاتهم بكل سبيل.
ولم يكتف بقوله (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) لئلا يظن أنهم قد ينقذون من غير صريخ.
جاء في (البحر المحيط): "والظاهر أن قوله (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) أي لا مغيث لهؤلاء الذين شاء الله إغراقهم. ولا هم ينقذون أي ينجون من الموت بالغرق، نفى أولاً الصريخ وهو خاص ثم نفى ثانياً إنقاذهم بصريخ أو غيره"(3).
وقال َ(لَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) ولم يقل (فلا صريخ لهم ولا منقذ) ذلك أنه نفى إنقاذهم عن أي طريق سواء كان عن طريق المنقذين أم عن غير هذا الطريق فقد يتعلق الشخص بحبل أو يتمسك بخشبة أو يلقيه الموج بالساحل أو أي وسيلة أخرى مما يهيئه الله سبحانه، فهذه نجاة عن غير طريق المنقذين. فنفى ذلك أيضاً عنهم.
فقال (وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) أي بأية وسيلة أو سبيل. وهو أعم من قولنا (ولا منقذ).
جاء في (التفسير الكبير): "وقوله تعالى (وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) إذا أدركهم الغرق وذلك لأن الخلاص من العذاب إما أن يكون بدفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال: لا صريخ لهم يدفع ولا هم ينقذون بعد الوقوع فيه. وهذا مثل قوله تعالى (لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ) . فقوله (فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) فيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال (لَا صَرِيخَ لَهُمْ) ولم يقل: ولا منقذ لهم وذلك لأن من لا يكون من شأنه أن ينصر لا يشرع في النصرة مخافة أن يغلب ويذهب ماء وجهه. وإنما ينصر ويغيث من يكون من شأنه أن يغيث فقال: لا صريخ لهم. وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا رأى من يعز عليه في ضرّ يشرع في الإنقاذ، وإن لم يثق بنفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه وإنما يبذل الجهود فقال (وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ) ولم يقل: ولا منقذ لهم"(4).
الوقفة كاملة
|