| ٣٠٤١ |
﴿لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ١٩٨﴾ [آل عمران: 198]
* * *
لقد أثير سؤال في هذه الآية، وقوله سبحانه في الآية ذات الرقم (195) ، وهي قوله: ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَئَِّاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ . . . ﴾
وهو أنه قال في هذه الآية:﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا﴾ ولم يقل في الآية السابقة ذلك ، فلم ذاك؟
وظاهر أن ثمة أكثر من اختلاف بين هاتين الآيتين:
1- فقد قال في الآية (195):﴿ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ ﴾.
وقال في هذه الآية:﴿ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ ﴾.
2- وقال في الآية (198):﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا﴾.
ولم يقل في الآية (195) ذلك.
3- وقال في الآية (195): ﴿ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾.
وقال في الآية (198):﴿نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ﴾.
ومن النظر في الآيتين يتضح سبب الاختلاف بينهما.
1- ذلك أن المذكورين في الآية (198) أعم وأشمل وأعظم ممن ذكر في الآية (195).
فإن الأولين ، وهم الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم ومن ذكرهم بعدهم ، إنما هم من المتقين ، بدليل قوله تعالى:﴿ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧٧﴾ [البقرة: 177]
فإن الموصوفين بالآية (195) إنما هم قسم ممن ذكر في الآية (198).
قال تعالى:﴿۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧٧﴾
جاء في (تفسير الرازي) في قوله:﴿لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ﴾ أنه (( يتناول جميع الطاعات؛ لأنه يدخل في التقوى الاحتراز عن المنهيات وعن ترك المأمورات)).
فلم ذكر أن المتقين خالدون فيها دخل فيهم أولئك المذكورون في الآية (195).
ولما كان المذكورون في الآية (198) أعم وأشمل، ناسب ذكر الخلود فيما هو أعم.
ثم إنه لما ذكر تقلب الذين كفروا في البلاد وقال إنه متاع قليل، أي: هو زائل وهم زائلون ، ناسب أن يذكر أن الذين اتقوا ربهم خالدون في الجنة وليس المتاع قليلًا.
2- ذكر في الآية (195) أنه يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار.
وذكر فيمن هم أعم واشمل ، وهم الذين اتقوا ربهم أن لهم جنات تجرب من تحتها الأنهار.
ولا شك أن هؤلاء أعلى ؛ فإن قوله:﴿لَهُمۡ جَنَّٰتٞ﴾ يفيد التمليك. أما الإدخال فلا يعني التمليك بالضرورة، فإنك لو أدخلت شخصًا في قاعة أو قصر ، لا يعني أنك ملكته إياه ، بخلاف ما لو قلت: إنه لك.
فناسب الجزاء العمل.
3- وقال في الآية (195): ﴿ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾.
والأبرار هم المتقون الذين أخبر عنهم بأن لهم جنات)).
4- قال تعالى:﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَار﴾ ولم يقل: (وما عند الله خير لهم) ليبين أن الذين اتقوا إنما هم من الأبرار. قال تعالى: وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ ﴾ [البقرة: 189]
وقال:﴿۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ . . . أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧٧﴾ [البقرة: 177]
(( والتعبير عنهم بالأبرار ، ووضع الظاهر موضع المضمر ، كما قيل؛ للإشعار بأن الصفات المعدودة من أعمال البر ، كما أنها من قبيل التقوى)).
ثم إن قوله: ﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَار﴾ مناسب لدعاء المؤمنين:﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ﴾ وقد ذكر طرفًا من صفاتهم ، وهو الإيمان والتفكر في خلق السموات والأرض وذكر الله سبحانه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 58: 62)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٤٢ |
﴿وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ١٩٩﴾ [آل عمران: 199]
* * *
هذه الآية مناسبة لما قبل هذه الآيات ، وهو قوله: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ١٨٧ لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ١٨٨﴾ [آل عمران: 187-188]
فذكر الذين أوتوا الكتاب وأخذه الميثاق عليهم ليبينه للناس فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا.
ثم ذكر ههنا أن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إلى الرسول وما أنزل إليهم لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا.
فأولئك اشتروا به ثمنًا قليلًا ، وهؤلاء لا يشترون به ثمنًا قليلًا.
وذكر أن أولئك لهم عذاب أليم.
وأما هؤلاء فلهم أجرهم عند ربهم.
وهي مناسبة أيضًا لما ورد في أول السورة من إنزال القرآن والتوراة والإنجيل، وهو قوله سبحانه:﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ٣ مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ﴾.
وقد ذكر في هذه الآية ، أعني الآية ذات الرقم (199)، أن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ، وهي الكتب المذكورة في أول السورة.
فناسب الآية ما تقدمها وما ورد في أول السورة.
لقد قال ههنا: ﴿ وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ . . .﴾.
بالتوكيد بـ (إن) واللام.
وقال في موضع آخر:﴿۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ﴾ [آل عمران: 75] من غير توكيد ، وذلك لأن هذا الموطن أدعى إلى التوكيد، ذلك أن المؤتمنين في خلق الله كثير . ولا شك أن من أهل الكتاب من يؤدي الأمانة ، ولكن أن يغير الذي من أهل الكتاب دينه ويؤمن بما أنزل إلى الرسول خاشعًا لله، فهذا قليل نادر . وهو الذي به حاجة إلى توكيد أكثر من الحالة الأخرى.
فأكد ما هو أولى بالتوكيد.
أكد سرعة الحساب بـ(إن). وفي مواطن لا يؤكد ذلك ، وإنما يقول:﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ أو نحوه.
وهناك أمور تقتضي التوكيد، منها: أن يكون الخلق كثيرين، وهذا في العادة يقتضي طول الحساب، ولئلا يظن أن ذلك يقتضي طول مدة بالنسبة إلى الله ؛ يؤكد سرعة الحساب.
أو أن الحساب قريب عاجل ، فيؤكد لئلا يظن أنه سيؤخره. أو أنه نافذ علمه في الحساب ، وفي كل شيء لا يندّ عنه شيء ، فإن ذلك يؤكد سرعة الحساب، بخلاف من لا علم له.
جاء في (نظام الدرر) للبقاعي: ((ولما كانت العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول الحساب ، وذلك سبب لطول الانتظار ... فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى على غير ذلك ؛ لأنه لا يشغله شأن عن شأن بقوله:﴿إِنَّ ٱللَّهَ﴾ أي: بما له من الجلال والعظمة والكمال ﴿سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾.
وجاء في (الكشاف) في قوله:﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَاب﴾ ((لنفوذ علمه في كل شيء ، فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الأجر.
ويجوز أن يراد: إنما توعدون لآت قريب بعد ذكر الموعد)).
وجاء في (روح المعاني): ((﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَاب﴾ إما كناية عن كمال علمه تعالى بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق وأنه يوفيها كل عامل على ما ينبغي وقدر ما ينبغي ... وإما كناية عن قرب الأجر الموعود؛ فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء)).
وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى:﴿لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ٥١﴾ [إبراهيم: 51]
وهذا يشمل جميع النفوس على الإطلاق (كل نفس) فاقتضى توكيد سرعة الحساب.
وقال:﴿ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۢ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ١٧﴾ [غافر: 17].
وهذا نظير الآية السابقة ، فذكر كل النفوس ، فاقضى التوكيد. في حين قال:﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۢ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمَۡٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ٣٩﴾ [النور: 39] وهذا شخص واحد جرى نحو الراب فمات ظمآن ، فلا يستدعي توكيد سرعة الحساب.
وقال: ﴿أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ٤١﴾ [الرعد: 41]
وهو في هذه الآية لم يذكر أناسًا يحاسبهم ، وإنما هو من باب ذكر صفته سبحانه.
وقال:﴿ وَمَن يَكۡفُرۡ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ١٩﴾ [آل عمران: 19]
والكفرة كثيرون ، فناسب توكيد سرعة الحساب.
وقال:﴿يَسَۡٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ٤﴾ [المائدة: 4].
وفي هذه الآية أمران ، كل منهما يقتضى التوكيد:
الأمر الأول: أنه حكم لعموم المسلمين ، وهم كثرة.
والأمر الآخر: أنه أمرهم بالتقوى والتقوى مما يقتضي سرعة توفية الأجر في الدنيا قبل الآخرة. قال تعالى:﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ ﴾ [الطلاق: 2-3].
وأما بالنسبة للمذكورين في آية آل عمران التي نحن بصدد بيانها، فإنه أكد سرعة الحساب ليدل على أنه سيعجل لهم أجرهم في الدنيا، علاوة على ما أعد لهم في الآخرة من الأجر ، وخاصة ذكر أن هؤلاء لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا.
ومن يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا إنما يطلب عاجل الدنيا، فقال ربنا إنه سيعجل للذين لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا أجرهم في الدنيا، علاوة على ما في الآخرة ، فالتوكيد مناسب من أكثر من وجه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 62: 67)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٤٣ |
﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ١﴾ [المجادلة: 1]
* * *
افتتحت السورة بالتي تجادل رسول الله في زوجها وتشتكي إلى الله ، والتحاور في ذلك ، وذلك أن هذه الآية نزلت في صحابية قيل إن اسمها خولة بنت ثعلبة ، ظاهر منها زوجها ، أي: قال لها: أنت عليّ كظهر أمي ، وكان الظهار يعد طلاقًا في الجاهلية ، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتكي أمرها ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنك قد حرمت عليه )) ، وهي تقول له: والله ما ذكر طلاقًا ثم قالت: إني أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ، وإن لي صبية صغارًا ، إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إليّ جاعوا ، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك.
فأنزل هذه الآية ، وأنزل حكم الظهار بعدها.
والملاحظ في هذه السورة أن طابعها في النجوى والمحاورات.
فقد ذكر النجوى بين الأفراد وعلم الله بهم أينما كانوا، وأيًا كان عددهم ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ . . . ﴾ [المجادلة: 7]
وذكر التناجي بالإثم والعدوان في الآية الثامنة.
ثم ذكر كيف يكون التناجي بين المؤمنين: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ ﴾ [المجادلة: 9]
وذكر أن النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا (10)
وذكر حكم مناجاة الرسول (12-13).
وذكر حالًا من موقف المنافقين في الحلف على الكذب للمؤمنين.
وهو حالة من حالات الحديث والمحاورات ، ثم إن النجوى حديث.
وذكر في آخر السورة حزب الله ، وأفراد الحزب بينهم حديث ومحاورات.
كما ارتبط أول السورة بآخرها ، فإنه ((بعد أن ذكر أمر التي سمع الله قول التي تجادل في زوجها والحكم في ذلك ، قال:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ٥﴾.
وقال في أواخرها:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ٢٠﴾
فذكر في أول السورة أنهم كُبتوا.
وقال في أواخرها أنهم في الأذلين.
ثم ذكر في آخر السورة ما ينبغي أن يكون موقف المؤمنين من هؤلاء فقال:﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ﴾ فالمناسبة ظاهرة)).
﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا ﴾
(قد) للتوقع والتحقيق والتقريب ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله شكواها ، وقد تحقق ذلك.
جاء في (الكشاف): ((فإن قلت: ما معنى (قد) في قوله:﴿قَدۡ سَمِعَ﴾ ؟ قلت: معناه التوقع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرج عنها)).
وجاء في (روح المعاني): ((و(قد) للتحقيق أو للتوقع ، وهو مصروف إلى تفريج الكرب لا إلى السمع لأنه محقق ، أو إلى السمع لأنه مجاز أو كناية عن القبول ، والمراد توقع المخاطب ذلك)).
وقد سمع الله شكواها وأجابها عن قرب في الوقت، وليس بين شكواها والإجابة وقت بعيد . ((والسماع مجاز عن القبول والإجابة )).
قد تقول: لقد قال سبحانه ههنا ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي
زَوۡجِهَا﴾.
فقال:﴿قَدۡ سَمِعَ﴾
وقال في آل عمران:﴿لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ﴾.
فقال:﴿ لَّقَدۡ سَمِعَ ﴾
فما الفرق؟
والجواب أن (لقد) آكد من (قد) لدخول لام جواب القسم عليها.
والقول في آل عمران أعظم في حق الله ، وهو كبيرة من الكبائر ، فقد قالوا:﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ﴾ ولذا قال بعدها:﴿سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ﴾ ، وإن الله توعدهم على ذلك بعذاب الحريق فقال:﴿لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ١٨١﴾
فلما كان القول أعظم ، وقد توعدهم بالعذاب ؛ ناسب ذلك تأكيد السماع لإيقاع العقوبة ، فقال:﴿لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ﴾ باللام الواقعة في جواب القسم ، والله أعلم.
﴿وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾
((واشتكاؤها إليه تعالى: إظهار بثها وما انطوت عليه من الغم والهم ، وتضرعها إليه عز وجل)).
و(اشتكى) أبلغ من (شكا) فإنه على وزن (افتعل) وهو أبلغ من (فعل) ، ونظيره: جهد واجتهد ، وصبر واصطبر. وذلك أن هذا الأمر قد غمّها كثيرًا وآذاها ، فبالغت في الشكوى . جاء في (التحرير والتنوير): ((والاشتكاء مبالغة في الشكوى ، وهي ذكر ما آذاه ، يقال: شكا وتشكى واشتكى وأكثرها مبالغة (اشتكى) .
﴿وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ﴾.
((وصيغة المضارع للدلالة على استمرار السمع حسب استمرار التحاور وتجدده)).
﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِير﴾.
((أي: تعالى يسمع كل المسموعات ويبصر كل المبصرات على أتم وجه وأكمله. ومن قضية ذلك أن يسمع سبحانه تحاورهما ، ويرى ما يقارنه من الهيئات التي من جملتها رفع رأسها إلى السماء ، وسائر آثار التضرع.
والاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة وتعليل الحكم بما اشتهر به الاسم الجليل من وصف الألوهية ، وتأكيد استقلال الجملتين)).
قد تقول: لقد قال سبحانه في غافر:﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ١٩ وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقۡضُونَ بِشَيۡءٍۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِير﴾.
فقال:﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِير﴾ فأكد بـ (إن) وجاء بضمير الفصل (هو) وعرف الوصفين (السميع والبصير).
في حين قال في آية المجادلة:﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ﴾ فلم يأت بضمير الفصل ، ولم يعرف الوصفين.
فلم ذاك؟
والجواب أنه لما ذكر في آية غافر أنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فبين أن علمه لا يشبهه علم ، وذكر أن الله يقضي بالحق ، والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء ، فبين أن قضاءه لا يشبهه قضاء ، فليس في الوجود من يعلم كعلمه ، ولا يقضي كقضائه ، بين أن سمعه لا يشبهه سمع ولا بصره يشبهه بصر ، فكأنه هو السميع البصير وحده ، فقصر كمال السمع والبصر عليه سبحانه.
فناسب كل تعبير سياقه الذي ورد فيه.
وقد تقول: لقد قال سبحانه في الشورى:﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾.
فعرف الوصفين السميع والبصير ، ولم يؤكد ذلك بـ (إن).
فنقول: أما إنه عرف الوصفين فللقصر ، فكأن غيره ليس بسميع ولا بصير ، فهو الكامل في الوصفين ، وذلك أنه لما قال:﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾ ناسب أن يقول:﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ أي: الكامل فيهما ، فقصر السمع والبصر عليه ؛ لأنه ليس كمثله شيء في هذين الوصفين وفي غيرهما.
قد تقول: ولم لم يؤكد بـ(إن) كما فعل في آية غافر؟
والجواب: أن السياق ليس في السمع ولا في البصر ـ فلم يقتض التوكيد ، قال تعالى:﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ أَزۡوَٰجٗا يَذۡرَؤُكُمۡ فِيهِۚ لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ١١﴾
وقد تقول: والسياق في غافر ليس في السمع والبصر أيضًا ، لما أكد؟
فنقول: إنه لما قال ﴿ يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ ﴾، والأعين آلة البصر ، دل على أنه البصير ؛ لأن الذي يعلم خائنة الأعين لا بد أن يرى الأعين ، فهو لا يرى الأعين فقط ، بل يراها ويعلم خائنتها أيضًا ، كالغمز والنظر إلى غير المحرم واستراق النظر وغيره.
وقال:﴿وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ﴾ ومما يخفى في الصدور إذا أظهره فإنما يظهره بالقول ، والقول مما يسمع ، ألا ترى إلى قوله سبحانه:﴿وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ١٣﴾ [الملك: 13]
فذكر إسرار القول والجهر به ، والقول يسمع.
ثم إن قوله تعالى:﴿وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ﴾ يدل على السمع والبصر ، فالقضاء يحتاج إلى سمع وبصر . جاء في (روح المعاني): ((﴿إِنَّ ٱللَّهَ ههُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ تقرير لعلمه تعالى بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ... وفيه إشارة إلى أن القاضي ينبغي أن يكون سميعًا بصيرًا )).
وجاء في (البحر المحيط) : ((﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ تقرير لقوله: ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون ، ويبصر ما يعملون ، وتعريض بأصنامهم انها لا تسمع ولا تبصر )).
وقد ذكر طرفًا مما يقال ويسمع ويبصر في سياق الآية . من ذلك قوله تعالى:﴿فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ [غافر: 14]
والمدعو لا بد أن يسمع من يدعوه حتى يجيبه.
وقوله:﴿يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ ﴾ [غافر: 16] ، ومعنى ذلك أنه يراهم لا يخفى عليه منهم شيء.
وقوله:﴿مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ﴾ ولا بد للمشفوع عنده أن يسمع الشفيع.
فالسياق – كما هو ظاهر – في الدلالة على السمع والبصر.
كما أنه تعريض بآلهتهم التي لا تسمع ولا تبصر وليس لها شيء أصلًا وهي عاجزة عن كل شيء.
والله له الكمال الأعلى ﴿ وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ ﴾ [النمل: 91]
فناسب كل تعبير موضعه الذي ورد فيه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 72: 80)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٤٤ |
﴿ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ٢﴾ [المجادلة: 2]
* * *
ذكر في هذه الآية حقيقة الظهار ، وذكر في الآية بعدها حكم الظهار.
فذكر في هذه الآية أن الذين يظاهرون من نسائهم فيقول أحدهم لزوجه: أنت عليّ كظهر أمي ، كلامهم باطل ، وهو عار عن الحقيقة أولًا ، فالزوجة ليست أمّاً ، والأزواج لسن أمهات ، وإنما أمهاتهم من ولدنهم.
ولم يقل: (بل أمهاتهم من ولدنهم) وإنما قال ذلك على سبيل الحصر ، فجاء بـ (إنْ) و(إلا) فقال:﴿إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ﴾ حصرًا.
ولم يكتف بذكر هذه الحقيقة المعلومة ، وإنما ذكر فظاعة هذا القول وقبحه فقال:﴿وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ﴾
فذكر أولًا أنه منكر من القول ، أي: هو قول ينكره الشرع والعقل والطبع ، وأنه زور ، أي: كذب باطل منحرف عن الحق. جاء في (البحر المحيط): ((جاء النفي بقوله:﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ﴾ ثم أكد ذلك بقوله:﴿إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ﴾ أي: حقيقة إلا اللائي ولدنهم.
فقول المظاهر منكر من القول تنكره الحقيقة وينكره الشرع ، وزور كذب باطل منحرف عن الحق)).
وقد أكد ذلك بإن واللام فقال:﴿وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ﴾ لبيان شناعة هذا القول. جاء في (التحرير والتنوير): ((﴿وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ﴾ تأكيد الخبر بإن واللام للاهتمام بإيقاظ الناس لشناعته)).
لقد جاءت في الآيات تأكيدات عدة لبيان بطلان الظهار وشناعته.
فقال أولًا:﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ﴾ بالجملة الاسمية المنفية بـ(ما) ، ولم يقل (لسن أمهاتهم) فتكون الجملة فعلية. والجملة الاسمية آكد وأثبت كما هو معلوم.
وقال:﴿إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ﴾ بالحصر ـ وهو تأكيد ، ثم إنه نفى بـ(إن) وليس بـ (ما) ، فلم يقل ( ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم) ، و(إنْ) أقوى من (ما) في النفي.
ثم أكد القول بـ (إنّ) واللام فقال: ﴿وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ﴾
ثم جمع المنكر والزور ، فجمع القبح كله.
ثم قال﴿مِنكُم﴾ لتقبيح فعلتهم عند أقوامهم ومن هم منهم ؛ لينكروا عليهم ويقبحوا فعلتهم ، لينأوا عن ذلك ويبتعدوا عنه. جاء في (روح المعاني): ((وإقحام (منكم) في الآية للتصوير والتهجين ؛ لأن الظهار كان مخصوصًا بالعرب)).
لقد قال هاهنا:﴿إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ﴾ فقال:﴿ٱلَّٰٓـِٔي﴾ بالهمز ، ولم يقل: (إلا اللاتي ولدنهم) ذلك أن القرآن استعمل﴿ٱلَّٰٓـِٔي﴾ بالهمز في حالتي الظهار والطلاق فقط ، ولم يستعملها في غير ذلك.
قال تعالى:﴿ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسَۡٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ ٥٠﴾ [يوسف: 50]
وقال:﴿يَ إِنَّآ أَحۡلَلۡنَا لَكَ أَزۡوَٰجَكَ ٱلَّٰتِيٓ ءَاتَيۡتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ [الأحزاب: 50]
فقال:﴿ ٱلَّٰتِيٓ ﴾ ولم يقل: (اللائي) وذلك في غير حالتي الطلاق أو الظهار. وهذا في جميع القرآن ((وكأن ذلك لثقل الهمزة ، فاستعمل الهمزة لثقلها للحالات الثقيلة النادرة ، وهي حالات المفارقة.
ومن الطريف أن بناء (اللائي) وجرسها يوحي بذلك ، فكأنها مشتقة من اللأي ، وهو الإبطاء والاحتباس والجهد والمشقة والشدة.
والمظاهر والمطلق محتبس عن امرأته مبطئ عنها ، وفي ذلك ما فيه من الجهد والمشقة والشدة للطرفين)).
وهذا من لطيف الاستعمال.
﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ﴾.
أي: يعفو عما سلف ويغفره له إذا لم يعد صاحبه لفعله ، وكما يشاء ربنا سبحانه.
وفرقوا بين العفو والمغفرة فقالوا:
إن العفو ترك العقوبة والتجاوز عن الذنب.
والمغفرة ستر الذنب وتغطيته.
فقد يعفو الشخص ولا يغفر ، أي: يعلن سوء فعلة الفاعل ويظهرها ، ثم يتركه فلا يعاقبه فيعفو عنه.
فالعفو لا يخالف التقريع على الذنب وإشهاره.
وأما المغفرة فهي ستر الذنب فلا تذكره له ، أو قد تذكره له ولكن لا تفضحه به. فقد قال تعالى بعد أن ذكر ما فعله بنو إسرائيل من اتخاذ العجل مبكتًا لهم:﴿ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ﴾ قال تعالى: ﴿وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ٥١ ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ٥٢﴾ [البقرة: 51-52]
فذكر لهم ولغيرهم سوء فعلتهم ، ثم قال:﴿ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ﴾.
وقال ربنا مخاطبًا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بعد معركة أحد ، مبينًا ما لا ينبغي من فعلهم.
فقال: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ١٥٢﴾ [آل عمران: 152]
ثم إن العفو قد لا يكون عن ذنب أو سوء ، وإنما هو عما هو خلاف
الأولى، كما قال تعالى لخليله وحبيبه صلى الله عليه وسلم: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ٤٣﴾ [التوبة: 43]
أما المغفرة فهي ستر الذنب وعدم فضحه به. جاء في (الفروق اللغوية): ((الفرق بين العفو والمغفرة قد فرق بينهما بان العفو ترك العقاب على الذنب.
والمغفرة: تغطية الذنب بإيجاب التوبة ...
وقيل: العفو: إسقاط العذاب.
والمغفرة أن يستر عليه بعد ذلك جرمه صونًا له عن الخزي والفضيحة. فإن الخلاص من عذاب النار إنما يطلب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة.
فالعفو: إسقاط العذاب الجسماني.
والمغفرة: إسقاط العذاب الروحاني.
والتجاوز: يعمهما)).
وقدم اسمه (العفو ) على (الغفور) وكأن ذلك إشارة إلى تقديم العفو على المغفرة، فبدأ بما هو أخف على من أسيء إليه ، لأن المغفرة هو العفو وزيادة ، إذ هي ترك العقوبة مع الستر.
ثم إن العفو – كما ذكرنا – قد يكون عما هو خلاف الأولى وليس عن معصية ، فهو أعم ، والله أعلم.
وحيث اجتمع العفو والمغفرة قدم العفو ، وحيث اجتماع الاسمان الكريمان قد اسمه العفو.
قال تعالى:﴿ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا ﴾ [البقرة: 286]
وقال:﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ٦٠﴾ [الحج: 60]
وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا٤٣﴾ [النساء: 43]
وجاء بالاسمين الجليلين على صيغة المبالغة للدلالة على عظيم عفوه ومغفرته ، نسأله سبحانه أن يعفو عنا ويغفر لنا إنه هو الغفور الرحيم.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 80: 86)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٤٥ |
﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ٣﴾ [المجادلة: 3]
* * *
بعد أن ذكر حقيقة الظهار وفظّعه ذكر حكم الظهار فقال:﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ﴾ ولم يقل: (والذين يظاهرون منكم) كما قال في الآية السابقة؛ لأنه أراد حكم الذين يظاهرون على العموم ليس مختصًا ذلك بزمن ولا بقوم معينين. جاء في (البرهان في متشابه القرآن) للكرماني: ((قوله تعالى ﴿ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم﴾ وبعده ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ﴾ لأن الأول خطاب للعرب ، وكان طلاقهم في الجاهلية الظهار ، فقيدهم بقوله:﴿مِنكُم﴾ وبقوله:﴿وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ﴾ .
ثم بين حكم الظهار للناس عامة فعطف عليه فقال:﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ﴾ فجاء في كل آية ما اقتضى معناه)).
وجاء في (التحرير والتنوير) في قوله:﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ﴾ :
((عطف على جملة ﴿ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ﴾ أعيد المبتدأ فيها للاهتمام بالحكم والتصريح بأصحابه ، وكان مقتضى الكلام أن يقال: فإن يعودوا لما قالوا فتحرير رقبة ، فيكون عطفًا على جملة الخبر من قوله:﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ ﴾ . . . )).
ويبدو – والله أعلم – أنه كرر الاسم الموصول فقال:﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ﴾ ولم يقل: (فإن يعودوا لما قالوا) لئلا يخص الحكم الأولين بقوله:﴿ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم﴾ فيظن ظان أو يقول: إن هذا الحكم مختص بمن يظاهر منهم ، يعني: العرب أو غيرهم ممن يخصه قوله (منكم) ، فأطلق التعبير ليشمل كل مظاهر على العموم.
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾.
المشهور أن المقصود بذلك العزم على الوطء وإرادته.
جاء في (التحرير والتنوير): ((استعمل فعل ﴿يَعُودُونَ﴾ في إرادة العودة ... على نحو قوله تعالى:﴿إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ﴾ أي: إذا أردتم القيام، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ٩٨﴾.
وعلى كل قول فإن الحكم واحد وهو ما ذكره ربنا ﴿فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ﴾ أو غير ذلك مما ذكره رب العزة في الآية التي بعدها.
﴿ذَٰلِكُمۡ﴾.
أي: ما ذكره ربنا من الحكم بالكفارة والخطاب للمؤمنين.
﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾.
((أي: عالم بظواهرها وبواطنها ومجازيكم بها ، فحافظوا على حدود ما
شرع لكم ، ولا تخلّوا بشيء منها)).
قد تقول: لقد قال ربنا في آية المجادلة هذه:﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ فلم يؤكد الجملة.
وقال في سورة هود:﴿وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ١١١﴾ [هود: 111] فأكد الجملة بـ (إن) فقال:﴿إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾
فما الفرق؟
والجواب أنه أكد في آية هود بـ (إن) ؛ ذلك أنه ذكر العمل وذكر أن كلاّ ليوفينهم ربك أعمالهم فلا يترك أحدًا من المكلفين كما أكد الفعل بنون التوكيد الثقيلة فقال:﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ﴾ وجمع العمل فقال:﴿أَعۡمَٰلَهُمۡۚ﴾ ، فكان التوكيد بإن وباللام في (لما) ولام القسم ونون التوكيد في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ﴾ ، وجمع العمل فقال:﴿أَعۡمَٰلَهُمۡۚ﴾ فلا يترك عملًا ولا يترك أحدًا من المكلفين.
فعمت آية هود كل الأعمال حسنها وسيئها ، وعمت جميع المكلفين.
وأما آية المجادلة فهي في الظهار، والظهار أمر واحد من المنكرات، والمظاهرون قلة.
فاختلف السياقان من حيث كمية الأعمال ونوعها.
ففي آية هود عمت الآية جميع الأعمال فلم تترك عملًا.
وأما في آية المجادلة فهو في عمل واحد وهو الظهار.
وفي آية هود عمت الآية جميع الأعمال من حيث النوع، فشملت الحسن والقبيح.
وأما في آية المجادلة فهو في نوع واحد من المنكرات وهو الظهار.
كما اختلف الأمران من حيث عدد أصحاب العمل.
ففي آية هود عمت الآية جميع المكلفين بلا استثناء، مؤمنهم وكافرهم.
وأما ما في آية المجادلة فهي في قسم واحد من المكلفين وهم
المظاهرون.
وهم قلة قليلة بالنسبة إلى عموم المكلفين.
فاختلف السياقان من كل وجه.
فناسب التوكيد آية هود؛ بخلاف آية المجادلة.
فناسب كل تعبير سياقه الذي ورد فيه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 86: 89)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٤٦ |
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ٥﴾ [المجادلة: 5]
* * *
﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ﴾.
أي: يعادونها (( والمحادّة: المعاداة والمخالفة في الحدود)) ، جاء في (تفسير البيضاوي): ((﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ يعادونهما ، فإن كلًا من المتعاديين في حد غير حد الآخر ، أو يضعون أو يختارون حدودًا غير حدودهما)).
وجاء في (روح المعاني): ((﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ أي: يعادونهما ويشاقّونهما ؛ لأن كلًا من المتعاديين في حد وجهة غير حد الآخر وجهته ، كما أن كلًا منهما في عدوة وشق غير عدوة الآخر وشقه)).
واتصال هذه الآية بقوله تعالى:﴿وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ﴾ في الآية السابقة في غاية الظهور والحسن. جاء في (روح المعاني): ((وفي ذكر المحادّة في أثناء ذكر حدود الله تعالى دون المعاداة والمشاقةّ حسن موقع جاوز الحد)).
﴿كُبِتُواْ﴾: أُخذوا وأُذلّوا والكبت: الصرف والإذلال ، يقال: كبت الله العدو ، أي: صرفه وأذلّه وأخذه بالعذاب.
قيل: إن ذلك إخبار عما حدث لمشركي قريش في بدر والخندق. وقيل: هو إخبار بالفعل الماضي عما سيحدث لهم في المستقبل ، وكأن الأمر لتحققه قد وقع فعلًا ، وهي بشارة للمؤمنين.
جاء في (البحر المحيط) : ((﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ نزلت في مشركي قريش ، أُخذوا يوم الخندق بالهزيمة ، كما أخزي من قاتل الرسل من قبلهم ... وقيل: يوم بدر ...
قيل: و﴿كُبِتُواْ﴾ بمعنى : سيكبتون ، وهي إشارة للمؤمنين بالنصر، وعبر بالماضي لتحقق وقوعه)).
وكلاهما صحيح وقد حصل.
﴿كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ (( من كفار الأمم الماضية المحادين لله عز وجل ورسله عليهم الصلاة والسلام)).
﴿وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖۚ﴾
أي: آيات واضحات ((فيمن حادّ الله تعالى ورسوله من قبلهم من الأمم وفيما فعلنا بهم.
وقيل آيات تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به)).
قد تقول: لقد قال هنا:﴿وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖۚ﴾.
وقال في سورة البقرة: ﴿وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖۖ ﴾ [البقرة: 99]
فقال في المجادلة: ﴿ وَقَدۡ ﴾.
وقال في آية البقرة:﴿ وَلَقَدۡ ﴾ بذكر اللام الواقعة في جواب القسم.
وقال في آية المجادلة :﴿ أَنزَلۡنَآ ﴾.
وقال في آية البقرة:﴿وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ﴾.
فجعل الإنزال عامًا في المجادلة.
وخصصه بالإنزال إليه في البقرة.
فلم ذاك؟
فنقول: إن كل تعبير مناسب لسياقه الذي ورد فيه.
فإن السياق في آية البقرة في الكلام على اليهود الذين يؤمنون بما أنزل على موسى ويكفرون بما أنزل على محمد عليهما السلام.
فهم يقرون بعموم الإنزال على الرسل المذكورين عندهم وينكرون الإنزال على محمد ، والكلام إنما هو في هذا السياق.
فقد قال تعالى:﴿وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ٨٩﴾ [البقرة: 89]
وقال:﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ ﴾ [البقرة: 91]
وقال:﴿قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ ﴾ [البقرة: 97]
وذلك كما ذُكر أن يهود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسئلة ، فأخذ عليهم العهود والمواثيق لئن أجابهم ليتابعنه على الإسلام ، ثم أجابهم عنها، ثم قالوا له بعد ذلك: أنت الآن حدثنا عن وليك من
الملائكة فحينها نجامعك أو نفارقك.
فقال: إن وليي جبريل ، ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليه.
قالوا: فعندها نفارقك ، ولو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. ثم قالوا لهم : إنه عدونا. فأنزل الله عز وجل:﴿يَعۡمَلُونَ٩٦ قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ . . . ﴾.
فهم يقرون بالإنزال على العموم ، وينكرون الإنزال على سيدنا محمد، فناسب أن يقول:﴿وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ﴾.
ولو قال: ( ولقد أنزلنا آيات بينات) ولم يقل: (إليك) لم يدل على أن المقصود أن الإنزال إنما هو إليه نصًا صريحًا، ولظن ظانّ أو يدّعي مدّع أن المقصود بالسياق هو موسى عليه السلام كما أخبر عنه في آيات عديدة أنه جاءهم بالبينات من نحو قوله تعالى:﴿ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ﴾ [العنكبوت: 39] وقوله:﴿۞وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ٩٢﴾ [البقرة: 92] وهي في السياق نفسه.
فكان المناسب أن يقول: (إليك) ليبين المقصود ، ولو لم يذكره لالتبس الأمر ولم يتعين المقصود.
وأما في المجادلة فمن أول السورة ما يدل على أن الإنزال إليه. وقد قال قبل الآية:﴿ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ﴾ ، وقال في الآية نفسها:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ فأخبر عنه أنه رسول الله، فلا شك أن الإنزال إنما هو إليه ، فلا يستدعي ذكر (إليك) ليعلم أنه رسول الله.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أنه قال في الآية:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾.
ويعني بالذين من قبلهم كفار الأمم الماضية المحادين لله ورسله. ولا شك أنه سبحانه أنزل إلى الرسل الماضية آيات بينات، فناسب عدم تخصيص الإنزال بأنه إليه، ليعم ما أنزل إليه وما أنزل من قبله، وهم الذين أشار إليهم في الآية.
فكان العموم أولى وأنسب بالسياق.
ومن ناحية ثالثة أن الإنزال إنما هو إلى الرسل ولأممهم ليعملوا بما أنزل إليهم ، كما قال سبحانه:﴿لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ١٠﴾ [الأنبياء: 10]
وقال:﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا ﴾ [البقرة: 136]
ففي آية المجادلة أطلق الإنزال ليعم الإنزال إلى الرسول وإلى الرسل قبله وإلى الذين أنزل إليهم حكم الظهار الذي ورد في السياق ليعملوا به.
فناسب الإطلاق من كل ناحية.
وقال في آية البقرة:﴿وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ﴾ فقال:﴿وَلَقَدۡ﴾ باللام الواقعة في جواب القسم؛ لأن المقام يستدعي ذلك ، فإن اليهود كانوا ينكرون أنه أنزل عليه الوحي ، كما هو ظاهر في السياق، فأكد الإنزال باللام وقد.
بخلاف آية المجادلة ، فالكلام مع المؤمنين ، وحكم الظهار إنما هو أنزل إليهم؛ فلم يستدع ذلك أن يؤكد.
فناسب كل تعبير سياقه.
﴿وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾.
أي: يخزيهم ويذهب بكبرهم، فإن الذين يحادّون الله ورسوله يناسب أن يكون العذاب مخزيًا لهم.
ونحو ذلك ما جاء في التوبة وهو قوله سبحانه:﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ٦٣﴾ [التوبة: 63]
فقد قال فيهم:﴿ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ وذلك أنهم حادوا الله ورسوله.
وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ فالعذاب المهين إنما هو مخزٍ لهم.
قد تقول: لقد قال في الآية السابقة : ﴿وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقال في هذه الآية: ﴿وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾.
فلم ذاك؟
والجواب ظاهر، فقد ذكر الإيمان في الآية السابقة فقال:﴿ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ﴾ فناسب أن يقول في خاتمتها:﴿وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فذكر العذاب الأليم للكافرين؛ لأن الكفر نقيض الإيمان.
وأما هذه الآية فهي في الذين يحادون الله ورسوله، فناسب أن يكون العذاب مهينًا لهم. جاء في (البرهان في متشابه القرآن): ((قوله تعالى:﴿وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وبعده: ﴿وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ لأن الأول متصل بضده، وهو الإيمان، فتوعدهم على الكفر بالعذاب الأليم الذي هو جزاء الكافرين.
والثاني متصل بقوله (كبتوا) وهو الإذلال والإهانة ، فوصف العذاب بمثل ذلك فقال: ﴿وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾)).
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 92: 99)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٤٧ |
﴿يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ٦﴾ [المجادلة: 6]
* * *
﴿ يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ﴾.
متعلق بما قبله ، والمعنى: وللكافرين عذاب مهين يوم يبعثهم الله، بمعنى: أن العذاب المهين إنما هو يوم يبعثهم الله ، على اختلاف التقدير في المتعلق به ، أهو على معنى: وللكافرين يوم يبعثهم الله عذاب مهين، أي: أن اليوم متعلق بالاستقرار الذي تعلق به (للكافرين) الذي هو خبر عن العذاب.
أم هو متعلق بـ (مهين) أي: على معنى: وللكافرين عذاب مهين يوم يبعثهم الله، أي: أن الإهانة يوم يبعثهم الله.
أو على أنه منصوب بإضمار (اذكر) أي: اذكر ذلك اليوم أو على أنه منصوب بـ (يكون) مضمرًا على أنه جواب لمن سأل: متى يكون عذاب هؤلاء. فقيل له ﴿يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ﴾ أي: يكون في يوم يبعثهم.
ولا يجيز النحاة على العموم أن يكون (اليوم) متعلقًا بالعذاب في نحو هذا التعبير؛ ذلك لأنه المصدر لا يعمل عندهم إذا فصل بينه وبين معموله بتابع، ومن ذلك الوصف ، وما ورد من ذلك مؤول.
واستثنى بعضهم الظرف من ذلك.
وعلى أية حال فإن العذاب المهين إنما هو في ذلك اليوم.
﴿جَمِيعٗا﴾.
حال، وتحتمل أن تكون هذه الحال مؤكدة، أي: يبعثهم كلهم، كما تحمل أن تكون مؤسسة ، أي: يبعثهم مجتمعين.
والمعنيان مرادان ، فربنا يبعثهم كلهم ويجمعهم في صعيد واحد، وهو من التوسع في المعنى.
﴿فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ﴾.
((تخجيلًا لهم وتوبيخًا وتشهيرًا بحالهم، يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد)).
جاء في (روح المعاني): ((﴿فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ﴾ من القبائح ببيان صدورها عنهم، أو بتصويرها في تلك النشأة بما يليق بها من الصور الهائلة على رؤوس الأشهاد تخجيلًا لهم وتشهيرًا بحالهم، وزيادة في خزيهم ونكالهم)).
﴿أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ﴾.
((أحصاه بجميع تفاصيله وكميته وكيفيته وزمانه ومكانه)) وقد ((أحاط به عددًا لم يفته منه شيء))
﴿وَنَسُوهُۚ﴾.
((لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه لم يبالوا به لضراوتهم بالمعاصي ، وإنما تحفظ معظمات الأمور)).
وجاء في (البحر المحيط): ((ونسوه لاستحقارهم إياه واعتقادهم أنه لا يقع عليه حساب)).
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾.
((لا يغيب عنه أمر من الأمور أصلًا)).
قد تقول: لقد قال في آية المجادلة هذه: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾.
وقال في سورة الحج:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ١٧﴾ [الحج: 17]
فقال:﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيد﴾ فأكد بـ (إن) دون آية المجادلة.
فلم ذاك؟
فنقول: إن كل تعبير مناسب للموضع الذي ورد فيه من أكثر من جهة:
1- فقد ذكر في آية الحج جميع الملل من الذين آمنوا ومن اليهود والنصارى وغيرهم ممن ذكرهم في الآية.
أما في آية المجادلة فذكر الذين يحادّون الله ورسوله، وهم الذين في زمن الرسول. ثم قال:﴿وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾.
فقد جمع في آية الحج الذين آمنوا مع أهل الأديان والملل الأخرى وغيرهم من المشركين.
وواضح أن الذين يفصل بينهم في آية الحج أكثر بكثير، فإن آية المجادلة في الذين يحادّون الله ورسوله، وهم مجموعة قليلة بالنسبة إلى المذكورين في آية الحج.
2- ذكر في آية المجادلة أنه ينبئهم بما عملوا.
وذكر في آية الحج أنه يفصل بينهم ، والفصل أوسع من مجرد التنبيء.
فإنه ينبئ ثم يفصل؛ لأنه من مقتضيات الفصل التنبئ.
3- قال في آية المجادلة ﴿فَيُنَبِّئُهُم﴾ فلم يؤكد الفعل.
وقال في آية الحج:﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ﴾ فأكد ذلك بإن.
4- ذكر في آية المجادلة ما عملوه ونسوه فقال:﴿أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ﴾ أما في آية الحج فالفصل يكون فيما ذكروه وما نسوه من الأعمال.
فهو أعم وأشمل.
فناسب التوكيد في آية الحج، والله أعلم.
ومن الملاحظ في التعبير القرآني أنه حيث ذكر شهادته سبحانه على كل شيء قدم (على كل شيء) على الشهادة فيقول:﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيد﴾ ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا﴾.
أما إذا لم تكن الشهادة على كل شيء فيقدم الشهادة على ذلك البعض فيقول:﴿ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ٩٨﴾ [آل عمران: 98] ﴿ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ٤٦﴾ [يونس: 46]
ذلك أن الشهادة على كل شيء أمر عظيم متسع لا يترك شيئًا إلا كان شهيدًا عليه ، فيقدم ( على كل شيء) للأهمية.
أما إذا لم تكن الشهادة على كل شيء فهي ليست بمنزلة تلك في الاتساع والإحاطة فلا يقدم . ثم إنه سبحانه وحدة الشهيد على كل شيء ، وليست ثمة ذات أخرى شهيدة على كل شيء.
أما نحو قوله:﴿وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ﴾ أو ﴿شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُون﴾.
فقد يكون هناك من يشهد على عملهم أو فعلهم.
فناسب التقديم في نحو قوله:﴿عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ﴾ دون غيره.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 99: 104)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٤٨ |
﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ٨﴾ [المجادلة: 8]
* * *
قيل: ((كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون أن يغيظوهم ، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادوا لمثل فعلهم ، وكان من تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين ، وتواص بمعصية الرسول ومخالفته)).
و ﴿أَلَمۡ تَرَ﴾: الهمزة فيه للتعجيب من حالهم.
وقوله:﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ بالفعل المضارع للدلالة على تكرار عودهم واستمرارهم فيه. وجاء بـ ﴿ثُمَّ﴾ ليدل على التراخي في الرتبة، فإن العود بعد النهي أدل على المعصية ومخالفة الأمر ، وأدعى إلى التشنيع عليهم ومعاقبتهم. جاء في (التحرير والتنوير): ((و ﴿ثُمَّ﴾ في قوله ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ للتراخي الرتبي؛ لأن عودتهم إلى النجوى بعد أن نهوا عنه أعظم من ابتداء النجوى ؛ لأن ابتداءها كان إثمًا لما اشتملت عليه نجواهم من نوايا سيئة نحو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين.
فأما عودتهم إلى النجوى بعد أن نهوا عنها فقد زادوا بها تمردًا على النبي ومشاقة للمسلمين)).
وقال:﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ﴾ ولم يقل: (ثم يعودون إليها) أو (لها)؛ لأن النهي ليس عن أصل النجوى ، وإنما النهي عن التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ، وهذا هو ما نهوا عنه كما جاء في الآية ، فقال:﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ﴾ لبيان أن المقصود أن النهي إنما هو عن هذا النوع من النجوى، ولكنهم يعودون إلى ما نهوا عنه ، وليس عن
النجوى على العموم.
وقال:﴿وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ﴾ أي: يتناجون بما هو إثم في نفسه.
وحقيقة التناجي أنه بما يؤدي إلى الإثم، وليس هو الإثم نفسه، ولكنه قال ذلك مبالغة ، فكأن ذلك التناجي هو الإثم بعينه.
وقدم الإثم وهو عام يشمل ما بعده وغيره مما هو إثم .
ثم ذكر العدوان ، وهو أخص؛ لأنه حالة من حالات الإثم ، وقد يكون أشد مما قبله لأنه تعدّ على الآخرين.
ثم قال:﴿وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ﴾ وهو أخص؛ لأنه خالص بالرسول، أما العدوان فقد يكون عامًا.
وذكر صفة الرسالة ، ولم يقل: (ومعصيتك) بكاف الخطاب، كما قال:﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ للدلالة على عظم المعصية؛ فإنها معصية لمن أرسله الله ، وهذه معصية كبيرة؛ فإن المعصية قد تكون بحسب المعصي ، فإن معصية الملك أو معصية رسول الملك ليست كمعصية واحد من عموم الناس.
فتدرج من العموم إلى الخصوص.
جاء في (نظم الدرر): ((﴿بِٱلۡإِثۡمِ﴾ أي: بالشيء الذي يكتب عليهم به الإثم بالذنب وبالكذب وبما لا يحل.
ولما ذكر المطلق أتبعه المقيد بالشدة فقال:﴿وَٱلۡعُدۡوَٰنِ﴾ أي: العدو الذي هو نهاية في قصد الشر بالإفراط في مجاوزة الحدود.
ولما كان ذلك شرًا في نفسه أتبعه الإشارة إلى أن الشيء يتغير وصفه بالنسبة إلى من يفعل معه فيكبر بكبر المعصي فقال:﴿وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ﴾ أي: الذي جاء إليهم من الملك الأعلى ، وهو كامل الرسلية ؛ لكونه مرسلًا إلى جميع الخلق، وفي كل الأزمان ، فلا نبي بعده ، فهو لذلك يستحق غاية الإكرام)).
﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾.
يحيونه بقولهم (السام عليك يا أبا القاسم).
والسام: الموت.
ويقولون في أنفسهم: لو كان رسولًا لعذبنا الله تعالى بسبب ما نقول.
وتحية الله هي السلام ، وقد حيا الله بها رسله ((وأشير إليها بقوله تعالى:﴿وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ ﴿وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓۗ﴾ وما جاء في التشهد: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)).
والملاحظ ان المذكور في الآية من الإثم إنما هو في باب الكلام والحديث.
فالنجوى إنما هي حديث وكلام ، والتحية إنما هي كلام ، وقولهم في أنفسهم إنما هو كلام ، فإنهم يقولون ذلك.
ثم إن النجوى كلام مع الآخرين، ولا تكون إلا من أكثر من واحد.
والتحية في الآية إنما هي لواحد ، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم .
والقول في النفس إنما هي قول الشخص لنفسه.
فتدرج من العموم إلى الخصوص أيضًا.
فما تناجوا به ذكر من العموم إلى الخصوص.
والمخاطبون ذكروا من العموم إلى الخصوص.
حتى إنَّ ذِكْر العذاب متدرج، فقد قال:﴿حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ﴾ أي: يكفيهم ذلك، ولم يقل كيف.
ثم قال:﴿يَصۡلَوۡنَهَاۖ﴾ فخصص ذلك بالصليّ.
وقال:﴿يَصۡلَوۡنَهَاۖ﴾ ولم يقل: (يدخلونها) لأن الصليّ إنما هو مقاساة الحر وليس مجرد الدخول، فهو أخص.
﴿حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ﴾.
فهي تكفي لعذابهم.
﴿يَصۡلَوۡنَهَاۖ﴾.
يدخلونها ويقاسون حرها.
﴿فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾: ما صاروا إليه وهي عاقبتهم. جاء في (البرهان) للكرماني: ((قوله تعالى:﴿جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ بالفاء لما فيه من معنى التعقيب ، أي: فبئس المصير ما صاروا إليه ، وهو جهنم)).
قد تقول: لقد قال في هذه الآية: ﴿حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾
وقال في سورة النور:﴿لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ٥٧﴾ [النور: 57]
فقال في سورة المجادلة:﴿فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾.
وقال في سورة النور:﴿وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ فجاء باللام المؤكدة، وهي واقعة في جواب قسم مقدر ، فكأنه قال: (والله لبئس المصير).
ولم يأت باللام في آية المجادلة ، فما الفرق؟
والجواب: أن السياق ف كل موضع يبين ذلك.
فقد قال في سياق آية النور: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ٥٥﴾.
فذكر سبحانه أنه وعد الذين آمنوا بالاستخلاف في الأرض وتمكين دينهم وأن يبدلهم بعد خوفهم أمنًا، وذلك كله يعني هزيمة الكفر وخذلانه ، ونصر المؤمنين عليهم والتمكين لهم في الأرض.
ثم قال:﴿لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: لا يستطيعون الهرب منا ، وأنهم يفوتوننا فلا ندركهم ، فنحن ندركهم أينما هربوا. جاء في (تفسير أبي السعود) في هذه الآية: ((أي: لا تحسبنهم معجزين الله عن إدراكهم وإهلاكهم في قطر من أقطار الأرض بما رحبت وإن هربوا كل مهرب)).
فهم منهزمون في الدنيا، هاربون مخذولون، وفي الآخرة مأواهم النار، والهارب يحتاج إلى مأوى يأوي إليه، فذكر أن مأواهم النار، فبئس المصير مصيرهم في الدنيا والآخرة.
ففي الدنيا الهزيمة والذل، وفي الآخرة النار، فأكد سوء مصيرهم.
جاء في (تفسير أبي السعود): ((﴿وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ جواب لقسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف ، أي: وبالله لبئس المصير هي، أي: النار.
وفي إيراد النار بعنوان كونها مأوى ومصيرًا لهم إثر نفي قوتهم بالهرب في الأرض كل مهرب من الجزالة مالا غاية وراءه ، فلله در شأن التنزيل)).
وليس السياق كذلك في آية المجادلة، وإنما السياق في النجوى كما مر، فكان كل تعبير هو المناسب في سياقه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 111: 117)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٤٩ |
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ٩﴾ [المجادلة: 9]
* * *
خاطب المؤمنين أنهم إذا تناجوا في خلواتهم فلا يتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول كما يفعل المنافقون، و(بدأ بالإثم لعمومه ، ثم بالعدوان لعظمته في النفوس ؛ إذ هي ظلامات العباد ، ثم ترقى إلى ما هو أعظم وهو معصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي هذا طعن على المنافقين إذ كان تناجيهم في ذلك)).
وجاء في (التفسير الكبير): ((﴿فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ﴾ وهو ما يقبح مما يخصهم ،﴿وَٱلۡعُدۡوَٰنِ﴾ وهو يؤدي إلى ظلم الغير ،﴿وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ﴾ وهو ما يكون خلافًا عليه.
وأمرهم أن يتناجوا بالبر الذي يضاد العدوان ، وبالتقوى ، وهو ما يتقى به من النار من فعل الطاعات وترك المعاصي)).
ومن الملاحظ في التعبير القرآني أنه لم يستعمل (المعصية) إلا في معصية الرسول، واستعمل (العصيان) عامًا ، وذلك قوله تعالى: ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ٧﴾ [الحجرات: 7]
فاستعمل في الآية:﴿ٱلۡفُسُوق﴾ ولم يستعمل: (الفسق) ذلك أن الفسوق استعمله القرآن لما هو أعم من الفسق.
فإن (الفسق) استعمله القرآن في سياق الأطعمة، وبخاصة الذبائح.
أما (الفسوق) فاستعمله في الخروج عن طاعة الله عامة.
فاستعمل (الفسوق) وهو عام مع (العصيان) وهو عام.
ونظير ذلك في الخاص والعم: المغفرة والغفران ، والمرضاة والرضوان ، وغيرهما.
﴿وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾.
البر يقابل الإثم والعدوان، فهو جماع للخير ما كان للنفس وما كان للغير ، كما قال تعالى: ﴿۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ١٧٧﴾ [البقرة: 177]
﴿وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾: ((حفظ النفس عما يؤثم وذلك بترك المحظور)).
ومن ذلك اتقاء معصية الرسول ، فاتقاء معصية الرسول إنما هو من التقوى. جاء في (تفسير البيضاوي): (( وتناجوا بالبر والتقوى بما يتضمن خير المؤمنين والاتقاء عن معصية الرسول)).
لقد طلب ربنا هاهنا التناجي بالبر والتقوى ، والنهي عن التناجي بالإثم والعدوان ، وطلب في موضع آخر التعاون على البر والتقوى ، والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان ، قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ٢﴾ [المائدة: 2]
والتناجي قول، والتعاون عمل.
فجمع الخير كله في الأمر والنهي في القول والعمل.
وقد ذكر في آية المجادلة التناجي.
وذكر في سورة المائدة التعاون.
لأن السياق في المجادلة إنما هو في التناجي والنجوى.
وأما السياق في المائدة ففي الاعمال من الأمر بالوفاء بالعقود وما أحله الله لهم من الأنعام وفي ابتغاء الفضل من الله والرضوان ونحو ذلك .
فناسب الأمر بالتعاون على الخير ، والنهي عن التعاون على السوء.
فناسب كل تعبير سياقه الذي ورد فيه.
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾.
((فيما تأتون وتذرون)).
لقد أمر ربنا في الآية الكريمة بالتناجي بالبر والتقوى، ثم قال:﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ ، فإن الأمر بالتناجي بالتقوى إنما ذلك بالقول.
وقوله:﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ يعني: الأمر بالتقوى في العمل والقول، فجمع في ذلك طلب التقوى في القول والعمل. جاء في (نظم الدرر): (( ولكا كانت التقوى أم المحاسن أكدها ونبه عليها بقوله:﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: اقصدوا قصدًا يتبعه العمل أن تجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعظم وقاية)).
﴿ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾.
أي: تحشرون إليه خاصة لا إلى غيره ((أي: تجمعون بأيسر أمر وأسهله بقهر وكره، وهو يوم القيامة)) ((فيجازيكم على ذلك)).
وقدم الجار والمجرور (إليه) على الفعل (تحشرون) لإفادة الحصر.
قد تقول: لقد قال في هذه الآية ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾.
فذكر الحشر إليه.
وقال في آية المائدة:﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ فوصفه بأنه شديد العقاب.
فلم ذاك؟
والجواب أن ما ذكره في المائدة من المحظورات أكثر وأشد مما ذكره في المجادلة.
فقد نهى في المجادلة عن التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.
وأما في المائدة فقد نهى عن التعاون على الإثم والعدوان.
والتعاون على الإثم والعدوان أشد من التناجي في ذلك، فإن التناجي إنما هو قول، وأما التعاون فهو فعل للإثم والعدوان والتعاون عليه.
وذكر إضافة إلى ذلك النهي عن أن يحلّوا شعائر الله وما ذكره من نحو ذلك في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ﴾.
ثم نهاهم عن أن يحملهم بغضهم لقوم أساؤوا إليهم على العدوان فقال: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنََٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ﴾
فلما زاد في ذكر المحظورات والنهي عنها زاد في التحذير فقال:﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾.
فناسب كل تعبير موضعه الذي ورد فيه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 117: 122)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٥٠ |
﴿إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيًۡٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ١٠﴾ [المجادلة: 10]
* * *
﴿ٱلنَّجۡوَىٰ﴾ معرّفة بأل العهدية، وهي إشارة إلى ما ذكره من النجوى بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.
و ﴿إِنَّمَا﴾ للقصر، أي: ما هذه النجوى إلا من الشيطان، وليست من غيره وذلك ليحزن الذين آمنوا ويغيظهم. جاء في (الكشاف): ((﴿إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ﴾ اللام إشارة إلى النجوى بالإثم والعدوان بدليل قوله تعالى:﴿لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ، والمعنى: أن الشيطان يزينها لهم، فكأنها منه ليغيظ الذين آمنوا ويحزنهم)).
﴿وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيًۡٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ ((أي: ليس الشيطان أو التناجي بضار المؤمنين (شيئًا) من الأشياء ، أو شيئًا من الضرر ( إلا بإذن الله) أي: إلا بإرادته ومشيئته عز وجل)).
وجاء بالباء في الخبر للتوكيد.
وقال:﴿بِضَآرِّهِمۡ﴾ باسم الفاعل الدال على الثبوت ، ولم يقل: (ولا يضرهم شيئا ) بالفعل للدلالة على نفس الضرر عليهم منه على وجه الدوام إلا بإذنه سبحانه.
والملاحظ في التعبير القرآني أنه ينفي الضرر من الشيطان بالصيغة الاسمية الدالة على الدوام والثبوت، كما في هذه الآية ، وكما في قوله تعالى في تعليم الشياطين السحر للناس:﴿ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ . . . وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ١٠٢﴾ [البقرة: 102]
والضمير (هم) قيل يعود على السحرة، وقيل: يعود على الشياطين.
وسواء عاد الضمير على السحرة أم على الشياطين فإن السحر من عمل الشيطان، وإنه يفعل ذلك لعداوته لبني آدم.
وهو ينفي الضرر من غيره بالفعل نحو:﴿ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيًۡٔاۗ ﴾ [آل عمران: 120] ، وقوله:﴿ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ ﴾ [النساء: 113] ، وقوله:﴿ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ ﴾ [المائدة: 105] .
وذلك أن الشيطان عدو دائم للإنسان، كما قال تعالى:﴿قإِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ٥﴾ [يوسف: 5] ، وقال ﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ ﴾ [فاطر: 6] .
فهو يريد الضرر بالإنسان على جهة الدوام ولا سيما المؤمنين ، فنفى الضرر منه بالصيغة الاسمية الدالة على الدوام.
وقال:﴿شَيًۡٔا﴾ فأطلقه ولم يقيده بشيء؛ إذ يحتمل أن يكون المعنى أنه ليس بضارهم شيئًا من الأشياء ، ولا بشيء من الضرر.
والمعنيان مرادان ، فهو ليس بضارهم شيئًا من الأشياء ولا شيئًا من الضرر إلا بإرادة الله سبحانه.
﴿وَعَلَى ٱللَّهِ﴾ وحده لا على غيره.
﴿فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ في جميع أمورهم، فهو حسبهم وكافيهم، كما أخبر ربنا بقوله:﴿ َمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥ ﴾ [الطلاق: 3] .
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 122: 124)
الوقفة كاملة
|