| ٣٠٣١ |
﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ١٨٥﴾ [البقرة: 185]
* * *
﴿ شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ ﴾
ذكر الفريضة أولا وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾.
ثم ذكر الأيام مبهمة فقال: ﴿أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ﴾ فزال بعض الإبهام.
ثم بينه بقوله ﴿ شَهۡرُ رَمَضَانَ ﴾، وعظمه بقوله: ﴿ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ ﴾.
﴿ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ ﴾
أي: ابتدئ فيه إنزاله وذلك ليلة القدر، وقد أنزل جملة إلى السماء الدنيا ، ثم أنزل منجمًا إلى الأرض.
وأنزل في شأنه القرآن وهو قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ ﴾ وقوله: ﴿ شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ ﴾ كما أنزل في شأن ليلة القدر ، ولم يذكر غيره من الشهور في القرآن الكريم.
والمعنيان مرادان
وقال:﴿ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ ﴾ ولم يقل: ( أنزلنا فيه القرآن) لأن الكلام على الشهر لا على مُنزله ، ولو قال: (أنزلنا) لكان الكلام على الله سبحانه.
وهذا تعظيم لهذا الشهر.
﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾.
أي: هاديًا للناس على الحال.
أو لهداية الناس على المفعول له.
﴿ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾ أي: أنزل آيات بينات واضحات الدلالة.
﴿ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾ الفارق بين الحق والباطل.
فهو أنزل آيات بينات ، و ﴿ مِّنَ ﴾ للبيان ، فهي – أي: الآيات- بينات من الهدى ، وما يفرق بين الحق والباطل بما فيه من الاحكام.
فهو يبين الهدى ويوضح الحق من الباطل ، ويفرق بينهما بما فيه من الدلائل.
فقوله: ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ ﴾ عام، أي: أنزل لهداية النسا.
وأنزل آيات بينات من الهدى.
فالهدى الأول عام، والثاني خاص بكونه خاصًا بالبينات.
وقوله: ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ ﴾ أي: للناس كافة.
وقوله في أول البقرة: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ خاص ، فهو هدى عام وخاص.
﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ﴾
أي: حاضرًا غير مسافر.
﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ﴾
لم يقل: (ومن كان منكم مريضًا) كما قال في الآية الأولى؛ لأنه تقدمه قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ﴾
قد تقول: هو خاطبهم في الآية الأولى بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾
فلم
﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾.
أي: هاديًا للناس على الحال.
أو لهداية الناس على المفعول له.
﴿ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾ أي: أنزل آيات بينات واضحات الدلالة.
﴿ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾ الفارق بين الحق والباطل.
فهو أنزل آيات بينات ، و ﴿ مِّنَ ﴾ للبيان ، فهي – أي: الآيات- بينات من الهدى ، وما يفرق بين الحق والباطل بما فيه من الاحكام.
فهو يبين الهدى ويوضح الحق من الباطل ، ويفرق بينهما بما فيه من الدلائل.
فقوله: ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ ﴾ عام، أي: أنزل لهداية النسا.
وأنزل آيات بينات من الهدى.
فالهدى الأول عام، والثاني خاص بكونه خاصًا بالبينات.
وقوله: ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ ﴾ أي: للناس كافة.
وقوله في أول البقرة: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ خاص ، فهو هدى عام وخاص.
﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ﴾
أي: حاضرًا غير مسافر.
﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ﴾
لم يقل: (ومن كان منكم مريضًا) كما قال في الآية الأولى؛ لأنه تقدمه قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ﴾
قد تقول: هو خاطبهم في الآية الأولى بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾
فلم ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾.
أي: هاديًا للناس على الحال.
أو لهداية الناس على المفعول له.
﴿ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾ أي: أنزل آيات بينات واضحات الدلالة.
﴿ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾ الفارق بين الحق والباطل.
فهو أنزل آيات بينات ، و ﴿ مِّنَ ﴾ للبيان ، فهي – أي: الآيات- بينات من الهدى ، وما يفرق بين الحق والباطل بما فيه من الاحكام.
فهو يبين الهدى ويوضح الحق من الباطل ، ويفرق بينهما بما فيه من الدلائل.
فقوله: ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ ﴾ عام، أي: أنزل لهداية النسا.
وأنزل آيات بينات من الهدى.
فالهدى الأول عام، والثاني خاص بكونه خاصًا بالبينات.
وقوله: ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ ﴾ أي: للناس كافة.
وقوله في أول البقرة: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ خاص ، فهو هدى عام وخاص.
﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ﴾
أي: حاضرًا غير مسافر.
﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ﴾
لم يقل: (ومن كان منكم مريضًا) كما قال في الآية الأولى؛ لأنه تقدمه قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ﴾
قد تقول: هو خاطبهم في الآية الأولى بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾
فلم ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾.
أي: هاديًا للناس على الحال.
أو لهداية الناس على المفعول له.
﴿ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾ أي: أنزل آيات بينات واضحات الدلالة.
﴿ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ ﴾ الفارق بين الحق والباطل.
فهو أنزل آيات بينات ، و ﴿ مِّنَ ﴾ للبيان ، فهي – أي: الآيات- بينات من الهدى ، وما يفرق بين الحق والباطل بما فيه من الاحكام.
فهو يبين الهدى ويوضح الحق من الباطل ، ويفرق بينهما بما فيه من الدلائل.
فقوله: ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ ﴾ عام، أي: أنزل لهداية النسا.
وأنزل آيات بينات من الهدى.
فالهدى الأول عام، والثاني خاص بكونه خاصًا بالبينات.
وقوله: ﴿ هُدٗى لِّلنَّاسِ ﴾ أي: للناس كافة.
وقوله في أول البقرة: ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ خاص ، فهو هدى عام وخاص.
﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ﴾
أي: حاضرًا غير مسافر.
﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ﴾
لم يقل: (ومن كان منكم مريضًا) كما قال في الآية الأولى؛ لأنه تقدمه قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ﴾
قد تقول: هو خاطبهم في الآية الأولى بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾
فلم فلم ذكر ﴿ مِنكُمُ ﴾ ؟
فنقول: لما قال ﴿﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾﴾ فلو قال (فمن كان مريضًا ...) لظن أنه هنا في حكم الأولين ، وهو بعض مما كتب على الذين من قبلنا وليس علينا.
ولم يقل كما قال في الآية الأولى: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ﴾
لأنه قال ههنا:﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾
وهذا من تمام رأفته ورحمته.
﴿وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ﴾
يحتمل ان يكون المعنى: ( ويريد لتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) فاللام زائدة في مفعول (يريد) للتوكيد.
ويحتمل أن تكون اللام للتعليل، والعطف على علة مقدرة، أي: يريد أمورًا أخرى، ويريد لتكملوا العدة ، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ٧٥﴾ [الأنعام: 75]
قيل: ليقيم الحجة على قومه ، وقيل: ليستدل به على الصانع وليكون من الموقنين.
﴿وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾
أي: على ما هداكم وعلى التيسير.
و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ﴾ تحتمل المصدرية والموصولة ، أي: على هدايته لكم ، وعلى الذين هداكموه ، أو هداكم إليه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٣٢ |
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ١٨٦﴾ [البقرة: 186]
* * *
1- ورود هذه الآية بين آيات الصوم يدل على أن الصوم من دواعي الإجابة ، فإن الصائم مجاب الدعوة حتى يفطر.
(( وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال الفطر ، بل وعند كل فطر. وفي الحديث: للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة.
ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل ، والصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم ... )).
2- لقد تكفل الله بالإجابة عن السؤال ولم يكلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:﴿فَإِنِّي قَرِيبٌۖ﴾ ولم يقل: (فقل لهم إنه قريب) كما قال سبحانه: ﴿ وَيَسَۡٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ ﴾ [البقرة: 222].
وقال: ﴿يَسَۡٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ ﴾ [البقرة: 217]
وقال: ﴿ وَيَسَۡٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ ﴾ [البقرة: 219]
وقال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌۖ﴾ ولم يقل: (فأنا قريب) لتأكيد قربه سبحانه من عباده.
3- وتكفل الله بالإجابة إذا دعاه العبد فقال: ﴿أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ ولم يعلق ذلك بالمشيئة فلم يقل: (إن شئت أو شاء ربك) كما في قوله تعالى:﴿قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ٤٠ بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ٤١﴾ [الأنعام: 40-41]
وفي الحديث: (( ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم ؛ إلا أعطاه الله تبارك وتعالى إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته؛ وإما أن يدخر له ، وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها)) ، ذلك أنه داع في وقت طاعة.
4- وقدم الإجابة الدالة على جواب الشرط ، فقال:﴿أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾
ولم يقل: (إذا دعاني أجيبه) للدلالة على قوة الوعد بالإجابة.
5- وقال: ﴿إِذَا دَعَانِۖ﴾ ولم يقل: (إن دعان) إشارة إلى أن العبد مطلوب منه أن يكثر من الدعاء، فإن ﴿إِذَا﴾ للمقطوع بحصوله ، او للكثير الوقوع.
وإن الإكثار من الدعاء والإلحاح به مدعاة إلى الإجابة.
6- قال: ﴿أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ فالدعاء شرط للإجابة ، وهو مطلوب ، بل هو مخ العبادة.
وربنا يغضب إذا لم يُدعَ ، وقد غضب ربنا على أقوام أخذهم بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا فقال:﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ٤٢ فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ٤٣﴾ [الأنعام: 42-43]
وقال:﴿وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ٧٦﴾ [المؤمنون: 76]
وقال ربنا لنبيه: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ١﴾ و ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ١﴾ فأمره بالاستعاذة قولًا بأن ينطق بذلك ولا يكفي الشعور في القلب.
7- قال: ﴿أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ ﴾ ولم يقل: (أجيب الداعي).
لأن المطلوب هي الدعوة ، وهي ما يريده الداعي وما يبتغيه.
8- وقال: ﴿أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ ولم يقل: (أجيب دعوتهم إذا دعوني) أو: (فقل لهم إني أجيب دعوتهم إذا دعوني) وذلك بقصد الشمول ، ليشمل كل داع ، ولا يخص السائلين عنه سبحانه ، فشمل كل داع إلى يوم القيامة .
9- وقال ﴿عِبَادِي﴾ بالياء ، ولم يقل (عبادِ) بحذف الياء للدلالة على أنه يجيب عباده كلهم إذا دعوه.
فإن القرآن يستعمل ﴿عِبَادِي﴾ لمن هم أكثر من (عباد).
﴿فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي﴾
أي: فليجيبوا لي إذا دعوتهم للإيمان والطاعة ، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحاجتهم.
﴿وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي﴾
أي: أمر بالثبات والدوام على الإيمان ، كقوله تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ﴾
جاء في (نظم الدرر): (( ولما أوجب استجابته سبحانه في كل ما دعا إليه ، وكانت الاستجابة بالإيمان أول المراتب وأولاها، وكانت مراتب الإيمان في قوته وضعفه لا تكاد تتناهى ، قال مخاطبًا لمن آمن وغيره:﴿وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي﴾ أي: مطلق الإيمان أو حق الإيمان)).
﴿لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾.
أي: يهتدون لمصالح دينهم ودنياهم ، وإصابة خيري الدنيا والآخرة.
لقد سبقت الآية بقوله سبحانه: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُون﴾ قيل: ليدل على أن الدعاء يكون بعد الثناء على الله وطاعته ، كقوله: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيم﴾ وقد سبق بالثناء عليه (من كتاب: قبسات من البيان القرآني
للدكتور فاضل السامرائي- صـ 19: 23)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٣٣ |
﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ١٩٠﴾ [آل عمران: 190]
* * *
الخلق: التقدير. والخلق في كلام العرب: ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه.
وخلق السموات والأرض: إيجادهما وإنشاؤهما على ما هما عليه.
والخلق يحتمل المصدر ، أي: الإنشاء والإيجاد ، ويحتمل المخلوق، وذلك كما يقال: (هم شر الخلق) و (شرار الخلق الذين تدركهم الساعة وهم أحياء) أي: المخلوقات.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ﴾ يحتمل أن في إنشائهما وإيجادهما لآيات.
ويحتمل أن في ذات السموات والأرض وصفاتهما لآيات ، أي: إن في السموات والأرض لآيات.
جاء في (البحر المحيط): ((﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ﴾ وخلقها: إيجادها واختراعها ، أو خلقها وتركيب أجرامها وائتلاف أجزائها ، من قولهم: خلق فلان حسن ، أي: خلقته وشكله)).
والآية تدل على الأمرين:
فإن في خلقها وكيفية إيجادها وإنشائها لآيات.
وإن في السموات والأرض أنفسهن لآيات.
والظاهر أن الأمرين مرادان. ولو أراد السموات والأرض تنصيصًا لذكرهما من دون ذكر الخلق معهما ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ٣﴾ [الجاثية: 3]
فإنه في خلق السموات والأرض ، وفي السموات والأرض لآيات لأولي الألباب.
فإن أولى الألباب يتفكرون في خلقها وفي ذاتها وما فيها من العجائب ومظاهر القدرة.
و(اللب): هو خالص العقل وجوهره، جاء في (لسان العرب): ((لب كل شيء ولبابه: خالصه وخياره)).
وفي (تاج العروس): ((لب الرجل: ما جعل في قلبه من العقل ، سمي به لأنه خلاصة الإنسان ، أو إنه لا يسمى ذلك إلا إذا خلص من الهوى وشوائب الأوهام.فعلى هذا هو أخص من العقل)).
وفي (المفردات في غريب القرآن): ((اللب: العقل الخالص من الشوائب وسمي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من معانيه كاللباب، واللب من الشيء.
وقيل: هو ما زكا من العقل ، فكل لب عقل ، وليس كل عقل لبًّا.
ولهذا علق الله تعالى الأحكام التي لا يدركها إلا العقول الزكية بأولي الألباب ، نحو قوله: ﴿يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ ونحو ذلك من الآيات)).
فأولو الألباب هم أصحاب العقول الراجحة الخالصة من الهوى والشوائب.
قد تقول: لقد قال في سورة البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ١٦٤﴾ [البقرة: 164].
فقال: ﴿ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ﴾ ، وقال في آية آل عمران: ﴿لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾
فما الفرق؟
فنقول: لقد بينا الفرق بين العقل واللب، فإن اللب هو خالصه وخياره .
وأما ختام كل آية بما ختم ؛ فإنه لما ذكر في آل عمران صفة المتفكرين في خلق السموات والأرض ، وأنهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى كل حال ، ويسبحونه ويدعونه ، دلّ ذلك على أن هؤلاء أعلى ممن ذكروا في آية البقرة، وأن عقولهم وتفكيرهم أعلى.
فهؤلاء هو أولو العقول الخالصة الراجحة، ذلك أنه لم يذكر في البقرة وصفًا لهم غير العقل. فناسب كل تعبير موضعه.
جاء في (تفسير الرازي) أنه ختم آية البقرة ((بقوله: ﴿ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ﴾ وختم هذه الآية بقوله: ﴿﴿لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾﴾ لأن العقل له ظاهر وله لب ، ففي أول الأمر يكون عقلاً ، وفي كمال الحال يكون لبًّا)).
هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى أنه إذا كان للعقل ظاهر ولب ، فلبّ العقل أقل من مجموعه . فإن ظاهر العقل ولبه أعم من اللب وحده . وما ذكره في البقرة أعم مما ذكره في آل عمران.
فإنه ذكر إضافة إلى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار الفلك التي تجري في البحر ، وإنزال الماء من السماء ، وإحياء الأرض بعد موتها ، وبث الدواب فيها ، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض.
وهذا أعم مما ذكره في آل عمران وأشمل ، وما ذكره في آل عمران أخص.
فناسب العموم العموم ، وهو العقل.
وناسب الخصوص الخصوص ، وهو اللب.
قد تقول: لقد قال في سورة الجاثية: ﴿ إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ٣ وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ٤ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ٥﴾ [الجاثية: 3-5]
فقال: ﴿ إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ﴾ ولم يقل (في خلق السموات والأرض ) كما قال في آيتي البقرة وآل عمران.
وقال: ﴿ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ ﴾ ولم يقل كما قال في البقرة ﴿ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ ﴾
ذلك أن السموات والأرض إنما يكونان بعد الخلق ، فإن الخلق إنما هو مصدر في الأصل ، ومعناه التقدير ، قال الحجاج : (ولا أخلق إلا فريت) أي: لا أُقدّر إلا قطعت.
فالتقدير أولًا ، ثم الإيجاد بعده على ما قدر.
وإن الرزق يكون بعد إنزال الماء ، فإنه بعده يحصل الرزق بما تنتج الأرض.
قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ ﴾ [البقرة: 22]
فناسب ذكر السموات والأرض ذكر الرزق
وناسب ذكر خلق السموات والأرض ذكر الماء.
ثم إنه قال في آيات الجاثية: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ﴾ ، والدواب تحتاج إلى الرزق لتعيش ، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ ﴾ [العنكبوت: 60]
فناسب كل تعبير موضعه.
قد تقول: لقد قال في آية آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾
فقدم خلق السموات والأرض على اختلاف الليل والنهار.
وقال في يونس: ﴿إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ٦﴾ [يونس: 6]
فقدم اختلاف الليل والنهار، فلم ذاك؟
فنقول : إن ذلك لأكثر من سبب، منها:
1- أنه قال قبل آية يونس: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ٥﴾ [يونس: 5]
ومن المعلوم أن اختلاف الليل والنهار عائد إلى اختلاف مطالع الشمس.
ولما تقدم ذكر الشمس والقمر قدم اختلاف الليل والنهار، والشمس آية النهار ، والقمر آية الليل.
أما آية آل عمران فقبلها:﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ١٨٩﴾
فذكر السموات والأرض ، فلما تقدم ذكرهما ناسب البدء بذكرهما ، وتقديمهما.
2- قال في آية آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ فذكر خلق السموات والأرض.
وقال في آية يونس: ﴿ إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ﴾ فذكر خلق ما فيهما لا خلقهما ، وكثير مما خلق الله فيهما إنما هو بعد وجود الليل والنهار.
فالنبات والحيوان ، ثم الإنسان إنما هي بعد وجود الليل والنهار ، وكثير مما هو في الأرض إنما هو بعد وجود الليل والنهار.
وكذلك ما خلق الله في السماء ؛ فإن قسمًا من ذلك تكون بعد وجود الليل والنهار. وكثير من الظواهر الكونية إنما هي بعد وجود الليل والنهار. ويقال: إنه لا تزال تتشكل أجرام أو تندثر إلى الآن.
فناسب تقديم ذكر الليل والنهار.
3- ومن الاختلاف بين الآيتين أنه ختم آية يونس بقوله: ﴿لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ﴾ ذلك أنه ختم الآية التي قبلها بقوله: ﴿يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ
يَعۡلَمُون﴾
والعلم يؤدي إلى التقوى وخشية الله كما قال ربنا:﴿ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ ﴾ [فاطر: 28]
فناسب الختم بما ختم سبحانه.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 25: 30)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٣٤ |
﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ١٩١﴾ [آل عمران: 191]
* * *
ذكر الله إنما يكون باللسان والقلب ، كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ٢٠٥﴾ [الأعراف: 205]
وقدم القيام على القعود ، والقعود على الاضطجاع على الجنب في حالة العافية ؛ لأن الإنسان في حالة العافية كذلك بخلاف حالة المرض ، فإن الأكثر أن يكون ملازمًا لجنبه. وقد غاير ربنا الترتيب في حالة المرض فقال:﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا ﴾ [يونس: 12]
فقدم الجنب في حالة الضر وأخر القيام ، وقدم القيام في حالة العافية وأخر الاضطجاع على الجنب.
والمعنى أنهم يذكرونه في جميع أحوالهم.
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾.
أي: يتفكرون في إنشائهما وإيجادهما ، ويتفكرون فيهما بعد الإنشاء والإيجاد ، فهم يتفكرون في خلقهما ، وفيهما بدليل قوله سبحانه على ألسنتهم:﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا﴾ فقد أشار إلى هذه المخلوقات بقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا﴾
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا﴾
لم يقل: (يقولون ربنا) أو: (قائلين ربنا) ليشمل قولهم بألسنتهم وفي نفوسهم وفي تفكرهم.
وقدر بعضهم قولًا مقدرًا ، أي: يتفكرون في ذلك قائلين أو يقولون.
وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا﴾ حكاية لتفكرهم في نفوسهم ، جاء في (التحرير والتنوير): ((ويجوز عندي أن يكون قوله:﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا﴾ حكاية لتفكرهم في نفوسهم ، فهو كلام النفس يشترك فيه جميع المتفكرين)).
ويترجح عندي إرادة الأمرين ، فلم يذكر القول.
وقولهم:﴿سُبۡحَٰنَكَ﴾ أي: تنزهت عن العبث والباطل ، فإنك لا تفعل إلا الحق (( وصدرت الجملة بالنداء مبالغة في التضرع إلى معوّد الإحسان كما يشعر به لفظ الرب)).
وبعد دوام الذكر على جميع أحوالهم وتفكرهم فيما خلق ربهم ، وتنزيههم له عن العبث والباطل وعن كل ما لا يليق ، تضرعوا إليه بالدعاء أن يقيهم عذاب النار ، وهو أعظم ما يخافه ويخشاه أهل الذكر والمعرفة بالله ، فإنه لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو لهم غير ظالم.
ولعل هذا إشارة إلى أن الداعي يحسن أن يقدم بين يدي دعائه ذكر الله والثناء عليه ، وألا يكون غافلًا ، كما علمنا ربنا في سورة الفاتحة أن ندعوه بعد الثناء عليه وإخلاصهم له بالعبادة وذلك قوله:﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيم﴾ بعد قوله:﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِين﴾
والوقاية من عذاب النار فوز ، كما قال ربنا: ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ١٥ مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ١٦﴾ [الأنعام: 15-16]
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني
للدكتور فاضل السامرائي- صـ 32: 35)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٣٥ |
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ١٩٢﴾ [آل عمران: 192]
* * *
تكرار النداء بقولهم ﴿ رَبَّنَآ ﴾ يدل على تضرعهم وتذللهم له.
﴿ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ ﴾ أي: فضحته وأهنته.
﴿ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ أي: ليس لهم من ناصر ينصرهم.
وجاء بـ (من) الاستغراقية لتأكيد ذلك ولاستغراق نفي الأنصار على وجه العموم. جاء في (روح المعاني): ((أي: ليس لكل منهم ناصر ينصره ويخلصه مما هو فيه ... ووضع الظالمين موضع ضمير المدخلين لذمهم ، والإشعار بتعليل دخولهم النار بظلمهم)).
ثم إن اختيار (الظالمين) مناسب للسياق الذي وردت فيه الآية.
وذلك ليشمل الذين قتلوا الأنبياء الذين ذكرهم فيما تقدم من قوله سبحانه: ﴿قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ١٨٣﴾
وقوله: ﴿وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ . . . ١٨٦﴾
وقوله بعد ذلك: ﴿فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي . . . ١٩٥﴾
وكل ذلك من فعل الظالمين.
وقال: ﴿وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ بجمع النصير ، ولم يقل: (وما للظالمين من نصير ) كما قال في الحج( 71) ؛ لأن المذكورين في آية آل عمران أكثر ، وهم على مدى الأزمان. أما المذكورون في الحج فهم المذكورون في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى:﴿وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ٦٨ ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ٦٩﴾
ويستمر في ذكرهم.
وهؤلاء قلة بالنسبة إلى عموم الظالمين، وقد يكون لهؤلاء نصير واحد ، فناسب ذكر المفرد.
أما المذكورون في آية آل عمران فهم مستمرون إلى آخر الدنيا فلا يكون لهم نصير واحد.
قم إنه ناسب الكثرة الجمع ، والقلة الإفراد.
قد تقول: لقد قال في مواطن: ﴿ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾ [آل عمران: 22 - 56].
فقال:﴿ نَّٰصِرِينَ٢٢﴾
وقال في مواطن: (من أنصار) فما الفرق؟
فنقول: إن (الأنصار) يحتمل أن يكون جمع (نصير ) كشريف وأشراف ، وأن يكون جمع (ناصر)
فإن جمع (النصير ) على أنصار.
و(الناصرون) جمع ناصر.
و(النصير) صيغة مبالغة ، و(الناصر) اسم فاعل.
والنصير أقوى من الناصر ، فإن نفيت الناصر كان نفي النصير من باب أولى.
ونفي النصير لا يعني بالضرورة نفي الناصر ، فإن نفي الكثير لا يعني بالضرورة نفي القليل.
فقولك: (مالك من ناصر) أقوى في نفي من ينصرك من قولك: (مالك من نصير)
وهذا الأجر جارٍ في القرآن الكريم ، فإنه يقول: ﴿ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ﴾ في الكفار ، وما هو أشد ضلالًا ، وفيمن هم أشد ضلالًا ، من قوله: ( ما لهم من أنصار).
فإنه يقول في مواطن عدة: ﴿ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ٢٧٠﴾ [البقرة: 270] ، [آل عمران: 192] ، [المائدة: 72].
والظالم ليس كافرًا بالضرورة ، فإن الظالم قد يكون كافرًا وغير كافر.
وأما قوله: ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِين﴾ فقد يقوله في الكفار ومن هو أشد ضلالًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ٢١ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ٢٢﴾ [آل عمران: 21-2
فقد ذكر كفرهم وظلمهم لقتلهم الأنبياء بغير حق ، وقتلهم من يأمر بالقسط من الناس ، فقال: ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِين﴾
وقال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ٥٦﴾ [آل عمران: 56]
فذكر الذين كفروا ، وذكر أنهم يعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا والآخرة ، فقال: ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِين﴾
وقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ٩١﴾ [آل عمران: 91]
فذكر الذين كفروا وماتوا وهم كفار.
وقال: ﴿إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ٣٧ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ٣٨﴾ [النحل: 37-38]
فذكر أن الله لا يهدي من يُضل ، ومعنى ذلك أنهم يموتون على الكفر ، ثم ذكر أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ، فذكر أنه لا يؤمنون بالبعث.
فهؤلاء كفار ضالون لا يهديهم الله.
وقال في قوم إبراهيم الذين ألقوه في الجحيم: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ٢٥﴾ [العنكبوت: 25]
فذكر أن هؤلاء يعبدون الأوثان وذكر حالهم في الآخرة.
وقال:﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ٢٩﴾ [الروم: 29]
فهؤلاء ظالمون يتبعون أهواءهم ، وإن الله أضلهم فلن يهديهم أحد ،
ومعنى ذلك أنهم كافرون ظالمون .
وقال:﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ٣٢ وَبَدَا لَهُمۡ سَئَِّاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ٣٣ وَقِيلَ ٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰكُمۡ كَمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ٣٤ ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗا وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُخۡرَجُونَ مِنۡهَا وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ٣٥﴾ [الجاثية: 32-35]
فهؤلاء منكرون للساعة مستهزئون بآيات الله ، وهم سيمكثون في النار لا يخرجون منها.
فأنت ترى أن كل من قال فيهم: ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِين﴾ هم أشداء في الكفر ضالون لن يهديهم أحد.
في حين قال:﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ٢٧٠﴾ [البقرة: 270]
فلم يذكر غير الظلم فقال:﴿مِنۡ أَنصَارٍ﴾
وقال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ١٩٢﴾ [آل عمران: 192]
فذكر الظالمين.
وكذا قال في المائدة:﴿ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ٧٢﴾ [المائدة: 72]
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني
للدكتور فاضل السامرائي- صـ 35: 40)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٣٦ |
﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فََٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَئَِّاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ١٩٣﴾ [آل عمران: 193]
* * *
كرروا نداء ربهم بقولهم: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا ﴾ إظهارًا لتضرعهم وتذللهم.
﴿ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ ﴾
المنادي قيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل: هو القرآن ، قيل: لأنه ليس كل واحد يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما القرآن فظاهر باق على مرّ الأيام والدهور.
قد تقول: لم لم يقل: (إنا سمعنا مناديًا للإيمان) ويكتفي ، ولكن جمع بين المنادي وفعله فقال: ﴿ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ ﴾
وأجيب عن ذلك بأنه للتعظيم والتفخيم. جاء في (الكشاف): ((فإن قلت: فأي فائدة في الجمع بين المنادي وينادي؟
قلت: ذكر النداء مطلقًا ثم مقيدًا بالإيمان تفخيمًا لشأن المنادي ، لأنه لا منادي أعظم من منادٍ ينادي للإيمان. ونحوه قولك: مررت بهادٍ يهدي للإسلام. وذلك أن المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لإطفاء النائرة ، أو لإغاثة المكروب ، أو لكفاية بعض النوازل ، أو لبعض المنافع. وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ، وغير ذلك فإذا قلت: ينادي للإيمان ، ويهدي للإسلام ، فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته)).
وجاء في (روح المعاني): (( وفي إطلاق المنادي أولا حيث قال سبحانه: ﴿ مُنَادِيٗا ﴾ ولم يذكر ما دعي له ، ثم قوله عز شأنه: ﴿ يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ ﴾ ما لا يخفى من التعظيم لشأن المنادي والمنادى له. ولو قيل من أول الأمر: (مناديًا للإيمان) لم يكن بهذه المثابة.
وحذف المفعول الصريح لـ (ينادي) إيذانًا بالعموم ، أي: كل واحد)).
واختار (المنادي) على (الداعي) لأن النداء فيه رفع الصوت ، فكأنه رفع صوته بالدعاء إلى الله ليسمعه كل أحد.
وجاء في (روح المعاني): ((وإيثاره على (الداعي) للإشارة إلى كمال اعتنائه بشأن الدعوة وتبليغها إلى القريب والبعيد ؛ لما فيه من الإيذان برفع الصوت)).
وجاء في (التحرير والتنوير): (( المنادي الذي يرفع صوته بالكلام ، والنداء: رفع الصوت بالكلام رفعاً قويًّا لأجل الإسماع ... ومنه سمي الأذان: نداء.
وأطلق هنا على المبالغة في الإسماع والدعوة وإن لم يكن في ذلك رفع صوت)).
وذكروا أنهم آمنو عن طريق السماع لا عن طريق رؤيته صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك إظهار لصدق إيمانهم وسرعة استجابتهم.
فالذين آمنوا برسول الله ولم يروه لهم فضلهم وكرامتهم على الله.
ثم إن ذكر السماع مناسب لذكر النداء ، فإن النداء يسمع.
وقالوا: (إننا) بتكرار النون إشارة إلى توكيد ذلك جاء في (نظم الدرر) أنهم أظهروا النون في (إننا) إبلاغًا في التأكيد.
قد تقول: ولكنه قال في مواطن: ﴿إِنَّا سَمِعۡنَا﴾ ولم يظهر النون ، وذلك في قوله تعالى على لسان الجن:﴿قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ٣٠﴾ [الأحقاف: 30]
وقوله:﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا١ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فََٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا٢﴾ [الجن: 1-2]
وكلتا الآيتين على لسان الجن.
فنقول الاختلاف من أوجه:
ذلك أنهم ذكروا أنه سمعوا الكتاب ولم يسمعوا المنادي ، في حين أنه قال في آل عمران أنهم سمعوا المنادي.
وسماع المنادي أدعى إلى التأكيد ، هذا إضافة إلى أن النداء من رفع الصوت ما يدعو إلى المبالغة.
فناسب التوكيد في آية آل عمران.
والأمر الآخر أنه في آية آل عمران ذكروا ذلك توسلًا وطلبًا لمغفرة ذنوبهم وتكفير سيئاتهم وحسن الخاتمة وأمور أخرى ذكروها في قوله: ﴿وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ ، والداعي ينبغي أن يتوسل ويتضرع ويؤكد ذلك ، فناسب التأكيد.
ولم يرد مثل ذلك في آيتي الأحقاف وسورة الجن.
فناسب كل تعبير موضعه.
﴿ فََٔامَنَّاۚ ﴾
عطف بالفاء للدلالة على سرعة استجابتهم ، وهو ((مؤذن بتعجيل القبول وتسبب الإيمان عن السماع من غير مهلة)).
﴿ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَئَِّاتِنَا ﴾
ذلك أن الإيمان مدعاة إلى مغفرة الذنوب ؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله وأما من لم يؤمن فلا مغفرة له ولا تكفير.
وقيل فيما قيل: إن المراد من الذنوب ما تقدم من المعاصي ، ومن السيئات ما تأخر منها جاء في (نظم الدرر) لللبقاعي في قوله: ﴿ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ ((أي: التي أسلفناها قبل الإيمان ، بأن تقبل منا الإيمان فلا تزيغ قلوبنا ، فيكون جابّاً لما قبله عندك كما كانت جابّاً في ظاهر الشرع.
وكذا ما فرط منا بعد الإيمان ولو كان بعد توبة ، وإليه الإشارة بقوله:﴿وَكَفِّرۡ عَنَّا سَئَِّاتِنَا﴾ أي: بأن توفقنا بعد تشريفك لنا بالإيمان لاجتناب الكبائر بفعل الطاعات المكفرة للصغائر)).
والأكثرون على أن الذنوب هي الكبائر ، والسيئات هي الصغائر ، ويؤيد ذلك قوله: ﴿إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَئَِّاتِكُمۡ ﴾ [النساء: 31] فأفرد السيئات عن الكبائر.
لقد ذكر في الآية مع الذنوب المغفرة ، ومع السيئات التكفير ؛ ذلك أن (غفر) معناه: ستر وغطى ، وكل شيء سترته فقد غفرته.
ومنه (المِغفر) وهو زرد من الحديد يكون تحت بيضة الحديد على الرأس ؛ لأنه يغطي ما تحته.
وأما (كفر) فهو من الستر أيضًا والكفر في اللغة: التغطية ، غير أنه لا يرقى إلى صلابة المغفر وشدته وقوته فـ ((الكافر: الزّرّاع لستره البذر بالتراب ، والكفار: الزُّرّاع ، والكافر: الليل ، والكافر والكفر: الظلمة ، لأنها تستر ما تحته ، والكفر: ظلمة الليل)).
فلما كان الذنب أعظم وأثره أكبر وعقوبته أشد ، استعملت معه المغفرة ؛ لأن المغفر يقي ما تحته ويحميه.
ولما كانت السيئة من الصغائر ؛ استعمل لها ما هو أخف ، فالكافر: الليل ، والكافر: الظلمة.
والليل والظلمة يحجبان الرؤية ، ولكنهما لا يحميان من السهام والسلاح أو الضرب.
وكذلك إذا كان بمعنى (كفر البذرة) أي: غطاها بالتراب ، فإن التراب يكون قليلًا فوقها ، وهو لا يحميها إذا أرادها أحد بسوء.
فلما كانت السيئة أخف استعمل منها ما هو أخف في التغطية.
وقدم مغفرة الذنوب على تكفير السيئات لأنها أعظم ، ولأن الإسلام يجبّها ، وقدمهما على التوفي ليموتوا مغفورًا لهم فلا يصيبهم عذاب القبر.
ثم سألوه صحبة الأبرار وذلك قوله:﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ﴾
﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ﴾
((مخصوصين بصحبتهم ، معدودين في جملتهم)).
فهم بدعائهم هذا سألوه حسن الخاتمة وصحبة الصالحين ، كما قال تعالى:﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا٦٩﴾ [النساء: 69]
قد تقول: لقد قال هنا: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ﴾ ، وقال في آية أخرى من السورة: ﴿ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ١٤٧﴾ [آل عمران: 147]
فقال في الآية السابقة: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ﴾
وقال في هذه الآية: ﴿ وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴾
فاختلفت الخاتمتان ، فما السبب؟
فنقول: إن سياق كل من الآيتين يوضح ذلك ، فإنه قال في سياق الآية التي ذكرناها آنفا:﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ١٤٦ وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ١٤٧﴾ [آل عمران: 146-147]
فالسياق كما هو بيّن في الجهاد وساحة القتال ، فسؤال التثبيت والنصر هو المناسب ، ولا يناسب طلب الوفاة.
فالذين في ساحة القتال يسألون التثبيت والنصر ، وهذا هو المناسب، فكانت كل خاتمة أنسب بسياقها.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 40: 47)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٣٧ |
﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ١٩٤﴾ [آل عمران: 194]
* * *
أي: آتنا ما وعدتنا ، وهو الوعد الذي ذكرته على لسان رسلك للمصدقين بهم ، فنحن آمنا بك وصدّقنا رسلك.
والظاهر – والله أعلم – أن الوعد يشمل ما وعد المؤمنين من النصر في الدنيا ، وما وعدهم من حسن ثواب الآخرة.
وقوله: ﴿ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ﴾ يعني: لا تفضحنا بسوء ما عملناه إن كنا أذنبنا ، فاستر ذلك علينا يا ربنا. جاء في (الكشاف): (( الموعود هو الثواب ، وقيل: النصرة على الأعداء)).
وجاء في (روح المعاني ): ((وأيد كون المراد النصر لا الثواب الأخروي تعقيب ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ﴾ ؛ لأن طلب الثواب يغني عن هذا الدعاء؛ لأن الثواب متى حصل كان الخزي عنهم بمراحل. وهذا بخلاف ما إذا كان المراد من الأول الدعاء بالنصر في الدنيا ، فإن عدم الإغناء عليه ظاهر ، بل في الجمع بين الدعاءين حينئذ لطافة ؛ إذ مآل الأول لا تخزنا في الدنيا بغلبة العدو علينا.
فكأنهم قالوا: لا تخزنا في الدنيا ، ولا تخزنا في الآخرة ...
وترك العطف في هذه الأدعية المفتتحة بالنداء بعنوان الربوبية للإيذان باستقلال المطالب وعلو شأنها)).
وجاء في (التحرير والتنوير) أنه ((ثواب الآخرة وثواب الدنيا لقوله تعالى:﴿فََٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ﴾ )).
وهو الراجح فيما أحسب.
قد تقول: لقد قال في هذه السورة في موضع سابق:﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ٩﴾ [آل عمران: 9]
فقال بعد الخطاب:﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ﴾.
بإسناد ذلك إلى لفظ الجلالة:﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ﴾.
وقال في هذه الآية: ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾
بالإسناد إلى ضمير المخاطب ﴿ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ﴾.
فما الفرق؟
والجواب أن الظاهر من تعبير:﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ﴾ أن هذا كلام الله سبحانه ، وليس كلام الراسخين ، جاء في (البحر المحيط): ((ظاهر العدول من ضمير الخطاب إلى الاسم الغائب يدل على الاستئناف ، وأنه من كلام الله تعالى لا من كلام الراسخين الداعين.
قال الزمخشري: معناه أن الإلهية تنافي خلف الميعاد ، كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله)).
وجاء في (روح المعاني): (( جوز أن تكون هذه الجملة من كلامه تعالى لتقرير قول الراسخين لا من كلام الراسخين. قال السفاقسي: وهو الظاهر)).
وجوز أن يكون ذلك من كلامهم على الالتفات ((للإشارة إلى تعظيم الموعود والإجلال الناشئ من ذكر اليوم المهيب ... وهذا بخلاف ما في آخر السورة حيث أتى بلفظ الخطاب فيه لما أن مقامه مقام طلب الإنعام)).
والفرق بين الموطنين أن الراسخين في العلم لم يشيروا إلي موعد وعدهم إياه، ولم يطلبوا إلا الهداية وطلب الرحمة وعدم زيغ القلوب فقالو:﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ٨﴾ ثم ذكروا جمع الناس ليوم لا ريب فيه فقالو:﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ﴾.
وقوله:﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ﴾ يعني: جمع الناس لذلك اليوم.
وأما الآية الأخرى فهي في سياق جملة من الأدعية ، ومن ذلك قولهم:﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ﴾.
فهم طلبوا أن يؤتيهم ما وعدهم على ألسنة رسلهم في الدنيا والآخرة ، فلما سألوه إنجاز ما وعدهم قالوا:﴿إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ فناسب ذلك تذييل كلامهم بما قالوا توسلًا لإنجاز ما وعدهم إياه ربهم.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 47: 50)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٣٨ |
﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَئَِّاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ١٩٥﴾ [آل عمران: 195]
* * *
﴿ فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ ﴾.
جاء بالفاء للدلالة على سرعة استجابة دعائهم.
وذكر الرب مضافًا إليهم ، وذلك لما دعوه قائلين:﴿ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا . . . رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ بإضافة الرب إليهم ، فاستجاب ربهم دعاءهم بإضافة الرب إليهم، فإنهم دعوا ربهم فاستجاب لهم ربهم.
وهو نظير قوله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام:﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ ﴾ بذكر الرب مضافًا إليه ، فاستجاب له سبحانه بقوله:﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ﴾ فإنه دعا ربه فاستجاب له ربه.
لقد ذكر الإيمان أولًا بقوله:﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فََٔامَنَّاۚ﴾
وذكر ههنا العمل فقال:﴿أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم﴾
فدل ذلك على أن استجابة دعائهم إنما كانت للإيمان والعمل الصالح ، ولما قدموه بين يدي الدعاء من التعظيم والثناء على الله ، وذلك قوله:﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ . . .﴾ مما يدل على أنه ينبغي الثناء على الله وتعظيمه وذكره قبل الدعاء.
جاء في (روح المعاني): (( وذكر الرب هنا مضافًا ما لا يخفى من اللطف ... والإشعار بأن مدارها (أي: الاستجابة) أعمالهم التي قدموها
على الدعاء لا مجرد الدعاء)).
وقال:﴿مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ﴾ ليشمل جميع المتصفين بهذه الصفات ، وأن هذا لا يختص بالذكور وهو نظير قوله في (غافر):﴿مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ٤٠﴾ [غافر: 40]
فذكر الذكر والأنثى .
وقد تقول: لقد قال في غافر:﴿ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ ﴾ ولم يقل مثل ذلك في آل عمران ، فما السبب؟
والجواب ظاهر ، وذلك أنه ذكر أنهم مؤمنون ، فقد قال عنهم: إنهم قالوا:﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فََٔامَنَّاۚ﴾
وقد وصفهم بصفات المؤمنين.
وقد قال:﴿أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم﴾ أي: من المؤمنين ، وذكر أنهم أوذوا في سبيله فذكر الإيمان والعمل الصالح في الموضعين.
لقد ذكر في هذا السياق:
1- الإيمان بالله ، فقال:﴿ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فََٔامَنَّاۚ﴾
2- وذكر الإيمان بالرسل ، وذلك قوله:﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ . ومقتضى الإيمان بالرسل الإيمان بالكتب وما نزل إليهم. والإيمان بالملائكة ، فإنهم هم الذين يبلغون الرسل عن الله.
وقد ذكر الذين أوتوا الكتاب قبل هذه الآيات فقال:﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ١٨٧﴾
3- وذكر الإيمان باليوم الآخر فقال: ﴿وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَاد﴾
ومقتضى الإيمان بالكتب الإيمان بما ورد فيها ، ومنها الإيمان بالقدر
فاستكملوا عناصر الإيمان.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 50: 52)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٣٩ |
﴿ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَئَِّاتِهِمۡ﴾ [آل عمران: 195]
* * *
لقد رتب هذه الأمور بحسب الشدة.
فذكر الهجرة ، والهجرة قد تكون اختيارًا ، وقد تكون اضطرارًا.
ثم ذكر الذين أخرجوا من ديارهم ، وهو أشد مما قبله ، فإنهم أخرجوا منها إخراجًا.
ثم ذكر الإيذاء في سبيل الله ، وهو أشد مما قبله.
ثم ذكر القتال ، وهو أشد مما قبله ، فإن الإيذاء قد لا يؤدي إلى القتال.
ثم ذكر بعد ذلك القتل ، وهو أشد من كل ما سبق.
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَئَِّاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾.
قدم تكفير السيئات على دخول الجنات؛ لأن دخول الجنات بعد تكفير السيئات ، فقدم ما هو أسبق.
لقد أكد تكفير السيئات وإدخال الجنات بنون التوكيد الثقيلة ، وقال في أكثر من موضع:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ ﴾ [النساء: 57 - 122].
والسين ونون التوكيد كلتاهما تفيد الاستقبال ، فما سبب اختيار كل تعبير؟
والجواب أن السياق يوضح سبب ذلك.
فإنه يؤكد بالنون إذا كان العمل ثقيلًا شاقًا ، وإن لم يكن السياق كذلك جاء بالسين.
فقد ذكر ههنا الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيله وقاتلوا وقتلوا ، وكل ذلك من المشاق ، فأكد بالنون.
ونحو ذلك قوله تعالى:﴿۞وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَئَِّاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ﴾ [المائدة: 12].
فقد ذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاء والإيمان برسل الله ومساندتهم وتقويتهم وإقراض الله قرضًا حسنًا.
وفيها شيء من المشاق ، وخصوصًا تقوية الرسل ومساندتهم ، وذلك قوله سبحانه:﴿وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ﴾ فقد يقتضي ذلك مواجهة من لم يؤمن.
ونحو ذلك قوله سبحانه:﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ٥٨ لَيُدۡخِلَنَّهُم مُّدۡخَلٗا يَرۡضَوۡنَهُۥۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٞ٥٩﴾ [الحج: 58-59]
فقد ذكر الهجرة والقتل والموت، ولا تخفى مشقة ذلك.
أما ما جاء بالسين فليس السياق في نحو ذلك.
قال تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَنُدۡخِلُهُمۡ ظِلّٗا ظَلِيلًا٥٧﴾ [النساء: 57]
فليست هذه في سياق الجهاد والفتنة وما إلى ذلك ، حتى إنه لم يفصل في الإيمان والعمل الصالح كما فصل في آية المائدة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرها إضافة إلى الإيمان.
ونحو ذلك قوله سبحانه:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا١٢٢﴾ [النساء: 122].
فليست الآية في سياق مشاف الأعمال وثقيلها.
فلما كانت الآيات في سياق مشاق الأعمال وثقيلها أكد بالنون الثقيلة ، ولما لم تكن كذلك لم يأت بها والله أعلم.
﴿وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَاب﴾.
لم يقل: (وعند الله الثواب الحسن) ؛ لأن الكلام على الله ودعائه وتنزيهه وأنه استجاب لهم ووعدهم بأنه يكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم جنات ، ثم قال ﴿ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾ فناسب تقديمه والإخبار عنهم بأنه عنده حسن الثواب.
كما لم يقل: (والله عنده الثواب الحسن) بوصف الثواب بالصفة المشبهة ، وإنما قال : ﴿وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَاب﴾ فجاء بـ (الحسن) مصدرًا ، مبالغة في وصفه بالحسن ، أي: هو الحسن بعينه.
وقدم الخبر للحصر ، فليس عند غيره ثواب أصلًا ، وإنما هو عنده حصرًا ، فإذا كان عنده الحُسن فكيف يكون حسن عند غيره؟ وكيف يكون عند غيره نصيب منه؟
قم انظر من ناحية أخرى كيف قابل في التعبير الآية.
فإن قوله:﴿وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ﴾ قابله بقوله:﴿وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ﴾ فالإخراج مقابل الإدخال.
و ﴿أُخۡرِجُواْ﴾ مبني للمجهول ، و(أدخلنهم) مبني للفاعل ، وهو مسند إلى رب العزة.
و(الديار) التي أخرجوا منها تقابل (الجنات) التي أدخلهم ربهم فيها.
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 53: 56)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٤٠ |
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ١٩٦ مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ١٩٧﴾ [آل عمران: 196-197]
* * *
التقلب: هو التصرف على حسب المشيئة من ذهاب ومجيء وسفر وتجارة وحروب.
وهذا دال على تمكنهم وسعة تصرفهم.
فنهاه عن أن يغتر بذاك ، فإن هذا متاع قليل.
وقد أكد بالنهي بالنون؛ لأن المقام يقتضي ذلك ، فهم متمكنون آذوا المؤمنين وأخرجوهم من ديارهم وآذوهم وقاتلوهم ، وكل ذلك مدعاة إلى الاغترار بقوتهم وقدرتهم ، فنهاه عن أن يغتر بذاك ، وأخبر عن ذاك بأنه متاع قليل.
والمتقلب لا بد أن يأوي بعد تقلبه، فذكر أن مأواهم جهنم.
والمتقلب يريد أن يمهد لنفسه ما يستريح إليه ويجد فيه راحة فقال:﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَاد﴾ أي: بئس ما مهدوا لأنفسهم.
جاء في (البحر المحيط): ((﴿ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ﴾ : ثم المكان الذي يأوون إليه إنما هو جهنم.
وعبر بـ (المأوى) إشعارًا لهم بانتقالهم عن الأماكن التي تقلبوا فيها ، وكأن البلاد التي تقلبوا فيها إنما كانت لهم أماكن انتقال من مكان إلى مكان ، لا قرار لهم ولا خلود . ثم المأوى الذي يأوون إليه ويستقرون فيه هو جهنم.)).
وجاء في (تفسير أبي السعود) : ((﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَاد﴾ ذم لها وإيذان بأن مصيرهم مما جنته أنفسهم وكسبته أيديهم)).
وجاء في (روح المعاني): ((﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَاد﴾ أي: بئس ما مهدوا لأنفسهم وفرشوا جهنم.
وفيه إشارة إلى أن مصيرهم إلى تلك الدار مما جنته أنفسهم وكسبته أيديهم)).
(من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 56، 57)
الوقفة كاملة
|