| ٢٩١ |
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ١٥٩ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ١٦٠﴾ [البقرة: 159-160].
وقال فيهم أيضًا: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ١٦١ خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ١٦٢﴾ [البقرة: 161-162].
فقال في الآية الأولى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ﴾ بصيغة الفعل.
وقال في الآية الثانية: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ﴾ بالصيغة الاسمية فلم ذاك؟
والجواب: إن الآية الأولى قيلت فيمن كان لا يزال في الحياة الدنيا فجاء بالفعل (يكتمون) مضارعًا، وجاء فعل اللعنة مضارعًا أيضًا، فما داموا يكتمون ما أنزل الله تصيبهم اللعنة إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا، فأولئك يتوب الله عليهم.
وهذا هو المناسب لفعلهم فاللعنة تستمر ما دام الكتمان مستمرَّا.
وأما الآية الثانية فنزلت في الذين ماتوا على الكفر، وقد انقطعت أعمالهم وثبتوا على حالة واحدة لا يرجى لهم تبديل ولا تغيير فجاء باللعنة بالصيغة الاسمية للدلالة على الثبوت، فناسب كل تعبير مكانه الذي ورد فيهأ
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 26)
الوقفة كاملة
|
| ٢٩٢ |
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ﴾ [البقرة: 172].
وقال في سورة النحل: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ١١٤﴾.
سؤال: لماذا قال في آية البقرة: ﴿وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ﴾ فأمر بالشكر لله، وقال في آية النحل ﴿وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ﴾ فأمر بشكر النعمة؟
الجواب: إن السياق الذي وردت فيه آية البقرة إنما هو في الكلام على الله، والسياق الذي جاءت فيه آية النحل في الكلام على النعم.
فقد قال تعالى في سياق آية البقرة: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ١٦٥﴾ [البقرة: 165].
وقال قبل الآية: ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ١٧١﴾ [البقرة: 171].
فالكلام كما ترى على الله وعلى ما يدعوه الكفار من الآلهة، فناسب الأمر بشكر الله.
وأما آية النحل فهي في سياق النعم، فقد قال قبل الآية: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ١١٢﴾ [النحل: 112].
فذكر القرية التي كفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف فناسب الأمر بشكر النعمة لئلا يصيبهم ما أصاب من قبلهم.
هذا إضافة إلى أن كلمة (النعمة) وردت في سورة النحل أكثر مما وردت في سورة البقرة، فقد وردت في سورة البقرة ست مرات، ووردت في النحل تسع مرات، فناس كل تعبير مكانه من جهة أخرى.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم -
الجزء الأول – صـ 26، 27)
الوقفة كاملة
|
| ٢٩٣ |
قال تعالى في سورة النساء: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ٢٦ وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا٢٧ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا﴾ [النساء: 26-28].
سؤال:
1- لماذا رتب الآية السادسة والعسرين على هذا النحو، أي قدّم البيان ثم الهداية ثم التوبة؟
2- لماذا قدّم لفظ الجلالة على الفعل (يريد) في الآية السابعة والعشرين؟
3- لماذا عدّى فعل الإرادة باللام في الآية السادسة والعشرين، وعدّاه بنفسه في الآية التي بعدها؟
الجواب:
1- بالنسبة إلى التقديم والتأخير في الآية الأولى فإن هذا هو الترتيب الطبيعي، فإنه قدّم البيان على هداية السنن؛ لأن البيان مقدّم على الهداية، فالهداية تكون بعد البيان، وإلا فإلى أي شيء يهديه؟
وأما التوبة فهي بعد البيان والهداية، فإنها تكون بعد التقصير في الاتباع، وارتكاب الذنوب والمعاصي.
2- قدّم لفظ الجلالة على الفعل (يريد) في الآية السابعة والعشرين لأكثر من سبب.
منها: أنها بمقابل ما يُريده الذين يتبعون الشهوات.
ومنها: أن هذا التقديم يُفيد الاهتمام والتوكيد والمبالغة في إرادة التوبة من الله.
ومن جهة أخرى أن هذا التقديم يُفيد الحصر إضافة إلى ما تقدم، فإن التوبة مُختصة بالله حصرًا، فلا يتوب غيره على العبد ولا يمكنه ذلك.
قد تقول: ولم كان هذا الموضع موضع تأكيد ومبالغة؟
فنقول: إن ذلك لأكثر من سبب:
منها: أن التوبة من الله أهم شيء بالنسبة إلى العبد ولا يقوم شيء مقامها، فإنه إذا لم يتب الله على العبد هلك.
ثم إن السياق يدل على ذلك، فقد كرر إرادة التوبة، فقال: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ﴾ ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ﴾
وقال إضافة إلى ذلك: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ﴾ والتوبة من الله تخفيف عن العبد.
ومما يدل على ذلك أيضًا أنه قال: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ﴾ بمقابل ما ذكره من إرادة الفجار، فقد قال: ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا﴾.
وكان المظنون بمقابل ذلك أن يقول: (والله يريد أن تستقيموا) مثلًا أو أن تطيعوه، فإن الاستقامة تُقابل الميل، ولكنه لم يقل ذلك، وإنما قال: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ﴾ فذكر ما هو أخف، ولا شك أن ذكر هذه الإرادة بمقابل ما يريده الذين يتبعون الشهوات رحمة وتخفيف.
ثم ذكر أن الإنسان خُلق ضعيفًا، والضعيف به حاجة إلى التخفيف والتوبة من التخفيف.
ثم إن السياق قبل هذه الآيات في ذكر التوبة، فقد قال:﴿وَٱلَّذَانِ يَأۡتِيَٰنِهَا مِنكُمۡ فََٔاذُوهُمَاۖ فَإِن تَابَا وَأَصۡلَحَا فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا١٦ إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا١٧ وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّئَِّاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ﴾ (16 – 18)
فاتضح أن سياق الآيات وما قبلها إنما هو في التوبة، فاقتضى ذلك الاهتمام والبالغة في إرادة التوبة.
واقتضى تقديم لفظ الجلالة من كل وجه.
قد تقول: لقد اتضح سبب تقديم لفظ الجلالة في قوله: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ﴾ فلم لم يُقدم الذين يتبعون الشهوات فيقول: (والذين يتبعون الشهوات يريدون أن تميلوا ميلًا عظيمًا) حتى يكون التعبيران على نسق واحد؟
فنقول: إن الذين يتبعون الشهوات ليسوا وحدهم الذين يريدون للمسلمين أن يميلوا ميلًا عظيمًا، بل هناك غيرهم ممن يريد ذلك من المناقين وأهل الكتاب والمشركين وغيرهم ممن يأكل قلبه الحسد والحقد أو لغير ذلك كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ﴾ [البقرة: 109]. وقال: ﴿۞لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ﴾ [المائدة: 82]. وقال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ﴾ [المائدة: 68].
وقال في المنافقين: ﴿۞فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا٨٨ وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ﴾ [النساء: 88-89].
فذكر أن الذين يتبعون الشهوات يريدون أن تميلوا ميلًا عظيمًا ولم يقصر ذلك عليهم فلا يُناسب التقديم
3- وأما تعدية فعل الإرادة باللام مرة وبنفسه مرة أخرى فإن التعدية باللام تحتمل
أمرين:
الأول: أن تكون اللام مزيدة للتوكيد، وهذا كثير في أفعال الإرادة وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ﴾ [الأحزاب:33]، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفُِٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ﴾ [الصف: 8]، والآخر: أن تكون اللام للتعليل أي إرادته لهذا الغرض.
وكلاهما يدل على المبالغة والقوة وهو آكد وأقوى من التعدية بنفسه فالتعبير (يريد الله ليتوب عليكم) آكد من: (يريد الله أن يتوب عليكم).
وقد ذكر الله الأمرين فإن قوله: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ﴾ في الآية الأولى أي في قوله: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ . . . وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ ٢٦﴾ معطوف على إرادة اللام.
وفي الثانية مفعول به للفعل (يريد).
فتكون إرادة الله للتوبة مطلوبة مؤكدة على كل حال، وهذا يدل على عظيم رحمة الله بخلقه.
ولما كانت الآية الأولى ذكرت أمورًا في غاية الأهمية منها البيان لما يريده الله وهداية الخلق لما يريد ومنها التوبة جاء بفعل الإرادة معدي باللام.
ولما كانت الآية التي تليها مندرجة في مطلوب الآية السابقة وهي إرادة التوبة وليس فيها ما في الآية التي قبلها لم تحتج إلى اللام.
وقد تقول: ولِمَ لَم يقدم لفظ الجلالة في الآية الأولى فيقول: (الله يريد ليبين لكم)؟
فنقول: إن هذا الموطن لا يقتضي التقديم لأنه لم يذكر أن جهة أخرى تريد غير ذلك، ولا هو موطن تعريض بجهة أخرى تريد غير هذا الأمر وإنما هو إخبار عن إرادة الله لذلك، بخلاف الآية التي تليها فإنه ذكر جهة أخرى تريد غير ما يريده الله للمؤمنين.
فلا يناسب التقديم في الآية الأولى، والله أعلم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم -
الجزء الأول – صـ 42 : 46)
الوقفة كاملة
|
| ٢٩٤ |
لماذا قال تعالى في المائدة (26): ﴿فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِين﴾ وقال في السور نفسها في الآية 68: ﴿فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِين﴾؟
الجواب:
إن الآية الأولى قالها ربنا في قوم موسى الذين نكلوا عن قتال الجبارين، وقالوا: ﴿قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ٢٤ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ٢٥ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ٢٦﴾ [المائدة: 24-26]
وقوم موسي ليسوا كافرين، وإنما هم فاسقون لمخالفة أمر الله في القتال، ثم إن هذا الوصف مجانس لما وصفهم به موسى عليه السلام بقوله: ﴿فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ فقال له ربه: ﴿فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾
وأما الآية الثانية فهي خطاب لرسوله محمد بخصوص أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا به، قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ٦٨﴾
وهؤلاء كافرون فإنهم لم يؤمنوا برسول الله، وقد قال الله في هذا الآية: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ﴾ فذكر أن يزيدهم ما أُنزل إليه طغيانًا وكفرًا، فقال فيهم: ﴿فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِين﴾.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم -
الجزء الأول – صـ 53، 54)
الوقفة كاملة
|
| ٢٩٥ |
قال تعالى في سورة الأنعام:﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ٨٢ وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ٨٣ وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ٨٤ وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ٨٥ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ٨٦﴾ [الأنعام: 82-86]
سؤال: ما سرّ ترتيب الأنبياء في هذه الآيات؟
الجواب: ربنا أعلم بسر ترتيب كلامه ولكن هناك أكثر من ظاهرة في ترتيب هؤلاء الأنبياء سلام الله عليهم، فنحن نلاحظ نسقًا منتظمًا في هذا الترتيب وهو أنه يذكر ثلاثة أنبياء ثم يعود إلى من هو أقدم من المذكورين.
ثم يذكر ثلاثة أنبياء آخرين ويعود بعدهم إلى من هو أقدم، وهذا هو الأمر الظاهر في هذا الترتيب.
1- فقد ذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم ذكر بعدهم من هو أقدم منهم جميعًا، وهو نوح عليه السلام.
2- ثم ذكر بعد ذلك: داود وسليمان وأيوب، ثم ذكر بعدهم من هم أقدم منهم وهم: يوسف وموسى وهارون.
3- ثم ذكر بعد ذلك: زكريا ويحيى وعيسى، ثم ذكر بعدهم: إلياس وهو أقدم منهم.
4- ثم ذكر إسماعيل واليسع ويونس، ثم ذكر بعدهم: لوطًا وهو أقدم منهم.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أن هناك علاقة ما تربط بين المذكورين إضافة إلى علاقة النبوة التي تجمع بين الجميع، وإيضاح ذلك:
1- أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب تربط بينهم علاقة البنوة فإسحاق ابن إبراهيم، ويعقوب ابن إسحاق.
2- وأن داود وسليمان تربط بينهما علاقة البنوة والملك، فسليمان ابن داود وكانا ملكين.
3- وأن سليمان وأيوب كلاهما قال الله تعالى فيه: ﴿نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30]، أولهما الغني الشاكر وهو سليمان، وثانيهما: الفقير الصابر، والشكر والصبر جِماع الإيمان كما قيل. فإن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر، وقد جمع بينهما في سورة ص.
4- أيوب ويوسف: كلاهما أنعم عليه بعد الابتلاء وأصابه الرخاء بعد الشدة.
5- يوسف وموسى: كلاهما رسول ولم يذكر القرآن بينهما اسم رسول فيما أعلم. وقد قال موسى: ﴿وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ﴾ [غافر: 34]
6- موسى وهارون يجمع بينهما الأخوة والرسالة.
7- زكريا ويحيى: يجمع بينهما البنوة فيحيى ابن زكريا.
8- يحيى وعيسى: كلاهما مستغرب الولادة.
الأول: من أبوين لا ينجبان أحدهما شيخ فان، والآخر أم عاقر، وعيسى من أم بلا أب.
9- أن عيسى خاتمة النسب من ولد إسحاق إذ ليس له أب، والمذكورون بعد عيسى سلسلة أخرى ومن ذرية أخرى ليست من ذرية إسحاق. فكان عيسى الحد الفاصل بين السلسلتين.
10- فقد ذكر أن إلياس من ولد إسماعيل وليس من ذرية إسحاق.
11- وإسماعيل أخو إسحاق وهو ابن إبراهيم من هاجر، عليهم السلام.
12- اليسع صاحب إلياس وحيث ورد ذكر اليسع في القرآن يسبقه بذكر إسماعيل
13- يونس ولوط كلاهما ليس من ذرية إبراهيم، وكلاهما خرج يحمل الدعوة إلى الله.
فإن يونس خرج مُغاضبًا قومه، وظن أنه لن يضيق الله عليه فخرج يحمل همّ الدعوة إلى الله.
وإن لوطًا خرج مهاجرًا إلى ربه كما قال تعالى فيه: ﴿فََٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ﴾ [العنكبوت: 26]
وجمع بينهما في سورة الصافات.
فبدأت زمر الأنبياء بالذاهب إلى ربه وهو سيدنا إبراهيم ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ﴾ [الصافات: 99]، وخُتمت بالمهاجر إلى ربه سيدنا لوط.
قد تقول: لم بدأ بسيدنا إبراهيم ولم يبدأ بسيدنا نوح عليه السلام؟
والجواب: إن الكلام والسياق في سيدنا إبراهيم فإن الآيات تبدأ بقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً . . . وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ . . . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ . . . فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ . . . فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ . . .﴾
ويستمر الكلام على سيدنا إبراهيم من الآية 74 إلى الآية 83 فكان ذلك هو المناسب.
وقد أُثير سؤال آخر في هذا السياق، وهو أنه قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ﴾ فلم لم يقل :(وأزواجهم)؟
والجواب: إن السياق في ذكر الأنبياء، والنساء لسن كذلك لا يناسب ذكر الأزواج.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 60: 63)
الوقفة كاملة
|
| ٢٩٦ |
قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ﴾ (130).
وقال في سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ﴾ (72).
سؤال: لماذا قال في الأنعام: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي﴾ وقال في الزمر: ﴿يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ﴾؟
الجواب: إن سورة الأنعام جرى فيها ذكر قصص الماضين في مواضع كثيرة منها، وفيها من التحذير ومواضع العبرة ما يكفي للاتعاظ.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ﴾ (6)
وقوله: ﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ١٠ قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِين﴾ (10، 11).
وقال: ﴿وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ (34).
أي: من أخبارهم وقصصهم.
وقال:﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ٤٢ فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ٤٣ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ٤٤ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾(42 :45).
ثم ذكر قصة إبراهيم وحيرته حتى اهتدى إلى خالقه في عشر آيات قال تعالي: ﴿۞وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً . . .﴾ (74 :83)
وذكر مجموعة من الأنبياء قبل وبعد إبراهيم فقال: ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ . . .﴾
إلى أن قال: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ . . .﴾ (84: 90).
ثم ذكر إشارات أخرى إلى أمم ورسل سابقين.
فناسب ذكر القصص التي تستدعي الحذر والموعظة قوله تعالى: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي﴾.
وأما في سورة الزمر فلم يأت شيء من ذلك، ولم تأت إشارة إلى الأمم السابقة غير قوله: ﴿كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ٢٥ فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُون﴾ (25، 26)
ثم إنه ورد في سورة الزمر من ذكر الكتاب وما يقتضي تلاوته الكثير، فقد قال في أول سورة الزمر: ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ١ إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ (1، 2).
والكتاب إنما أُنزل ليُتلى ويُتبع ما فيه.
وقال: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ (23).
وذلك عند تلاوته أو سماع تلاوته.
وقال: ﴿وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ٢٧ قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ (27، 28). وذلك يتبين من تلاوته.
وقال: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ﴾ (41). وإنما أنزله ليتلوه عباده ويعملوا بما فيه ويتعظوا.
وقال: ﴿وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ﴾ (55)، وذلك يكون بتلاوته والاطلاع على ما فيه.
حتى إنه ذكر الكتاب في مشهد من مشاهد القيامة فقال: ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾، والكتاب إنما جيء به ليطلع عليه من يطلع، وذلك إنما يكون بتلاوة ما فيه.
ومما قيل في ذلك الكتاب إنه صحائف الأعمال، وقيل: إنه اللوح المحفوظ، وقيل غير ذلك، فناسب ذكر التلاوة في الزمر والقصّ في الانعام، والله أعلم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 65: 67)
الوقفة كاملة
|
| ٢٩٧ |
قال تعالى في سورة طه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى٧٧﴾ [طه: 77].
وقال في الشعراء: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ٥٢﴾ [الشعراء: 52].
وقال في سورة الدخان: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ٢٣ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ٢٤﴾ [الدخان: 23-24].
سؤال: لماذا قال في آية الدخان: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ فذكر الليل، ولم يقل مثل ذلك في آيتي الشعراء وطه؟
الجواب: إن الإسراء لا يكون إلا في الليل سواء ذكر الإسراء أم لم يذكره، فالليل هنا هو ظرف مؤكد، ولما أمر ربنا موسى بالإسراء في آيتي الشعراء وطه علم أن ذلك إنما هو في الليل.
وأما ذكر الليل في الدخان وعدم ذكره في الآيتين الأخريين فلأكثر من سبب:
منها: أنه ذكر في الدخان من هذا الأمر ما لم يذكره في الآيتين الأخريين، وبيّن فيها ما لم يُبينه في الموطنين الآخرين، فقد ذكر في الدخان:
1 – أنهم متبعون.
2 – وأن جند فرعون مغرقون.
ولم يذكر هذين الأمرين في الموضعين الآخرين، وإنما ذكر أحدهما في كل موضع، فقد ذكر في الشعراء أنهم متبعون، ولم يقل له إنهم جند مغرقون، وإنما ذكر أنه لما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنّا لمدركون، فنفى موسى ذلك بقوله: ﴿قَالَ كَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ٦٢﴾ (الشعراء :62).
ولم يقل له في طه إنهم متبعون، وإنما ذكر له النجاة، فقد قال له: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى٧٧﴾ [طه: 77] ثم إنه ذكر بعد ذلك ما حصل.
ففصّل وبيّن في الدخان في تبليغه لموسى ما لم يُفصله ويُبينه في الموطنين الآخرين.
ومنها: أن قوله: (لَيْلاً) ليس المطلق التوكيد وإنما هو يدل على ليلة بعينها، فقولت: (جئت ليلاً) تريد فيه ليل ليلتك، أو ليله بعينها.
ولو قلت: (جئت في الليل) لم يتعين ذاك.
فقوله ﴿فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا﴾ يريد فيه تعيين الليلة التي أمر بالإسراء فيها.
وأما قوله: ﴿فَأَسۡرِ بِعِبَادِي﴾ فإنه أمر بالإسراء من دون تعيين الوقت، فكان في الدخان: تعيين وقت الإسراء، وبيان أنهم متبعون، وأن جند فرعون جند مغرقون؛ فناسب تبيين الوقت ما ذكره من التبيين في التلبيغ.
وناسب عدم التبيين للوقت تحديداً عدم التبيين لشيء مما سيقع في الموضعيين الآخرين.
ومما زاد ذلك حُسناً في الدخان إضافة إلى ما ذكرنا أنه قال في أول السورة: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ٣ فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ٤ أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ٥ رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ٦﴾ (3-6).
فذكر الليلة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم، فناسب ذلك ذكر الليل الذي فرّق فيها بين جند فرعون وأصحاب موسى فأغرق فرعون وجنده، ونجّى موسى ومن معه.
وهو من لطيف التناسب يراعيه القرآن فيما تحسن فيه المراعاة.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 124: 126)
الوقفة كاملة
|
| ٢٩٨ |
قال تعالى في سورة طه: ﴿فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ١٣٠ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ﴾ (130 – 131).
وقال في سورة ق: ﴿فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ٣٩ وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ٤٠﴾ (39-40)
سؤال:
1 - لماذا قال آية (طه): ﴿وَقَبۡلَ غُرُوبِهَا﴾ وقال في آية (ق): ﴿وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ﴾؟
2 – ولماذا قال في طه: ﴿وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ ٰ﴾، بإطلاق التسبيح، وقال في ق: ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ﴾ بتخصيص التسبيح لله وذلك بذكر ضميره؟
الجواب:
1 – بالنسبة إلى السؤال الأول فإن قوله في آية طه: ﴿وَقَبۡلَ غُرُوبِهَا﴾ تنصيص على غروب الشمس، وذلك بذكر الضمير الذي يعود عليها.
وأما قوله في ق: ﴿وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ﴾ فإنه يدل على غروب الشمس بدلالة السياق، قيل على تقدير ضمير أو على قول من يرى أن (أل) عوض عن الضمير، وذكروا منه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ٤٠ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ٤١﴾ (النازعات :41) أي: مأواه أو المأوى له.
فكأنه أخرج (الغروب) في (ق) مخرج العموم، وإن أريد به الخصوص.
وكل تعبير مناسب للسياق الذي ورد فيه.
فإن السياق في (طه) أُخرج مخرج الخصوص، كما أنه ألصق بالشمس، أما السياق في (ق) فقد أُخرج مخرج العموم وهو أبعد عن الشمس.
أما من حيث العموم في (ق) فمن ذلك ما ذكرناه في قوله: ﴿وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ﴾ من أنه أخرج مخرج العموم وإن كان الكلام على الخصوص تقديراً.
ومنه أنه قال في طه: ﴿وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّليۡلِ﴾ وقال في ق: ﴿وَمِنَ ٱلَّليۡلِ﴾.
وآناء الليل ساعاته، ولا شك أن (الليل) أعم من ساعات الليل، فكان الكلام في (ق) أُخرج مخرج العموم.
وأما من حيث إن السياق في طه ألصق بالشمس فإنه قال فيهما:
﴿وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَار﴾ وقوله: ﴿وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَار﴾ له علاقة بالشمس شروقها وزوالها عند الظهيرة وغروبها، ويكفي ذكر (النهار) الذي آيته الشمس.
وأما في ق فلم يذكر أمراً يتعلق بالشمس ولا بالنهار، فقد قال: ﴿وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ﴾ وهذا ليس له علاقة بالشمس ولا بالنهار.
فكان ذكر ضمير الشمس في (طه) أنسب مع السياق من ناحيتين:
ناحية الخصوص، وناحية ماله علاقة بالشمس وهو أطراف النهار.
هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى أن السياق في طه بعد ذلك عن الدنيا والحياة الدنيا والرزق ، فقد قال بعد الآية ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى١٣١﴾ [طه: 131] وأما السياق في (ق) بعد الآية ففي الآخرة ، فقد قال بعد الآية : ﴿وَٱسۡتَمِعۡ يَوۡمَ يُنَادِ ٱلۡمُنَادِ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ٤١ يَوۡمَ يَسۡمَعُونَ ٱلصَّيۡحَةَ بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُرُوجِ٤٢ إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَإِلَيۡنَا ٱلۡمَصِيرُ٤٣ يَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلۡأَرۡضُ عَنۡهُمۡ سِرَاعٗاۚ ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٞ٤٤﴾ (41 – 44 ).
فناسب فيها ذكر الغروب على العموم وهو غروب الشمس وذهابها وزوالها وغروب كل شيء مما يتعلق بأمر الدنيا من الكواكب والنجوم والشمس والقمر، فإخراجه مخرج العموم أنسب في (ق).
هذا إن ذكر الآخرة بعد قوله: ﴿وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُود﴾ من لطيف المناسبات، ذلك أن الآخرة ستكون أدبار السجود حيث لا يكون في الدنيا رجل يقول: (لا إله إلا الله) وليس فيها رجل ساجد.
فكان كل تعبير في مكانه هو المناسب من كل ناحية، إضافة إلى فاصلة الآية.
2 – وأما الجواب عن السؤال الثاني فإنه أمَره في (ق) بنوعين من التسبيح:
1 – التسبيح بحمد ربه.
2 – تسبيح الله نفسه وذلك أنه قال: ﴿فَسَبِّحۡه﴾ أي: فسبّح الله، أو فسبح ربك، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا٤١ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا٤٢﴾ [الأحزاب: 41-42]، ذلك أنه قال فيها: ﴿وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُود﴾ ومعلوم أنه بعد السجود يُسَنّ للمصلي أن يُسبح الله فيقول: (سبحان الله) ثلاثاً وثلاثين مرة.
فناسب تسبيح الله أدبار السجود.
ولما لم يرد في (طه) نحو ذلك أطلق التسبيح فقال: ﴿فَسَبِّحۡ﴾ وحذف المتعلق ليشمل عموم التسبيح، والله أعلم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 126: 129)
الوقفة كاملة
|
| ٢٩٩ |
قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا٢٦ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا٢٧﴾ [الأحزاب: 26-27].
سؤال: لماذا قدّم الفريق في قوله: ﴿فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ﴾ وأخرّه في قوله: ﴿وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا﴾؟
الجواب: أما تقديم الفريق على ﴿تَقۡتُلُونَ﴾ فإنه هو المناسب، ذلك أن هذه من أندر حالات القتل وأغربها، وأنها تستدعي التقديم للاهتمام، وذلك أن المرء يقاتل إما دفاعاً عن نفسه، أو عن أهله وذريته، أو عن ماله، أو عن داره، أو عن أرضه.
إذ إن كل واحد من هذه الأمور يستوجب الدفاع عنه والقتال دونه، فكيف إذا اجتمعت كلها؟
وهؤلاء لم يقاتلوا مع موجب أحوال الدفاع كلها مع أنهم بأيديهم سلاحهم، وقد كانوا في حصونهم، بل نزلوا مستسلمين للقتل ملقين سلاحهم، ولم يدافعوا عن شيء من كل ذلك، وقد كانوا ستمائة مقاتل.
وهذا يُبين مقدار الرعب الذي قُذف في قلوبهم.
فتخيل أن رجلاً يُنادي على رجل في حصنه معه سلاحه، فيقول له: انزل إليّ وألق سلاحك فأنا سأقتلك وأسبي أهلك وذريتك وآخذ دارك ومالك وأرضك، أفترى أنه فاعل ذلك وهو مقتول لا محاله؟
فهذا هو حال هؤلاء من بني قريظة.
فاقتضي ذلك تقديم هذا الفريق لغرابة حاله.
أما الفريق المأسور فلا يستدعي تقديمه وهي حالة غير مٌستغربة، ولا تستدعي الاهتمام فإنهم أطفال ونساء وليس فيهم مقاتل.
فلا شك أن أسرهم سهل وميسور فلا يقتضي التقديم.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 147، 148)
الوقفة كاملة
|
| ٣٠٠ |
لماذا يخبر ربنا عن الملائكة بالتذكير أحياناً وبالتأنيث أحياناً أخرى فمّرة يقول: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ٣٠﴾ [الحجر: 30] بالتذكير.
ومرة أخرى يقول: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: 39] بالتأنيث؟
الجواب: إن في القرآن خطوطاً تعبيرية في تذكير وتأنيث الملائكة، من ذلك:
1 – أن كل أمر يصدر إلى الملائكة يكون بصيغة المذكر، وذلك نحو قوله: ﴿ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ﴾
( البقرة : 34 ) ، وقوله : ﴿أَنۢبُِٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ﴾ (البقرة : 31 ) ، فلم يأمرهم بصيغة المؤنث ، فلم يقل مثلاً : (اسجدي ) ونحوه ، وذلك للتنصيص على أن الملائكة ليسوا إناثاً كما كان يعتقد أهل الجاهلية الذين حكى الله عنهم ذلك بقوله : ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ [الزخرف: 19] ، وغير ذلك من الآيات ، فإن الضمير (الواو) خاص بالعقلاء الذكور ، بخلاف ما لو أمر بالتأنيث نحو : ( اسجدي ) فإنه يكون للأنثى العاقلة وغيرها ، ولجماعة غير العاقل ذكوراً وإناثاً ، وذلك نحو : ﴿ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ﴾ [سبأ: 10] ، وقوله : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا ﴾ [النحل: 68] وهو من باب تصحيح المعتقد الباطل .
2 – كل فعل يقع بعد ذكر الملائكة يكون بصيغة المذكر، وذلك نحو قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: 166]، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ٢٣﴾ [الرعد: 23]، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: 5]، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ [الإسراء: 95].
فلم يقل: (والملائكة تشهد)، ولا: (والملائكة تسبح بحمد ربها) ولا نحو
ذلك.
3 – كل وصف لهم بالاسم يكون بصورة المذكر، وذلك نحو قوله: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: 172]، ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29]، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: 93] ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125]، فلم يقل مرة نحو: (الملائكة المقربة)، أو (من الملائكة مسومة).
4 – كل فعل عبادة يكون بلفظ التذكير؛ لأن ذلك أكمل وذلك نحو:
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: 30]، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: 6].
5 – إذا كان ثمة من آخر كأن يكون موقفا عذاب أحدهما أشد من الآخر جيء بما هو أشد بالتذكير للدلالة على قوة الأمر وشدته، وذلك نحو قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ٥٠﴾ [الأنفال: 50].
وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ٢٧﴾ [محمد: 27].
فجاء بآية الأنفال بالتذكير (يَتَوَفَّى)، وبآية محمد بالتأنيث (تَوَفَّتْهُمُ) وذلك أن آية الأنفال في سياق وقعة بدر.
ثم إنه قال: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيق﴾، ولم يقل مثل ذلك في آية محمد، كما أنها ليست في سياق حرب، فجاء بما هو أشد بصيغة المذكر.
6 – في موقف البُشْرى يأتي بصيغة المؤنث، فلم تأت البشرة بصيغة التذكير، وذلك نحو: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: 39]، ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ٤٢﴾ [آل عمران: 42].
وانظر كيف جاء في موقف الشدة بالتذكير في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا٢٥ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا٢٦﴾ [الفرقان: 25-26].
وفي موقف البُشْرى بالتأنيث، في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ٣٠﴾ [فصلت: 30].
فقال في الأولى: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾، وقال في آية البشرى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
قد تقول: لكن الملائكة بشرت سيدنا إبراهيم، وكان الفعل الذي أُسند إليهم بصيغة التذكير، قال تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ﴾ (الذاريات: 28).
فنقول: إنه لم يرد ذكر للملائكة في هذه القصة، بل ورد ذكر الضيف، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ٢٤﴾ [الذاريات: 24] فأسند القول إلى الضيف، ولم يُسنده إلى لفظ الملائكة.
(أسئلة بيانية في القرآن الكريم - الجزء الأول – صـ 189: 191)
الوقفة كاملة
|